Top
Image Alt

نظام القضاء في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

  /  نظام القضاء في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

نظام القضاء في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

ببزوغ فجر الإسلام تحولت حياة العرب الذين دخلوا في الإسلام بعد الدعوة وبعد ما هو معروف من كفاح من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بنظامٍ جديد، أرسى من خلال هذا النظام قواعد العدل لقانون واجب الاتباع، هذا القانون هو كتاب الله الذي قرر المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وأنه لا فرق في الإسلام بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير، ولا بين أبيض أو أسود، فالكل سواء في الكرامة الإنسانية، وفيما تقتضيه العدالة الاجتماعية، كما سوى الإسلام بينهم فيما يتعلق بالحقوق المدنية، وشئون المسئولية والجزاء، وفيما يتعلق بالحقوق العمة كحق العمل، وحق التعليم والتعلم، ووضع قواعد واضحة ومتينة تكفُل حماية هذه الحقوق من العبث والانحراف.

وتأسست الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبح للإسلام دولة بكل مكوّنات الدولة؛ فيها السلطة التشريعية، وفيها السلطة القضائية وفيها السلطة التنفيذية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بيده هذه السلطات كلها؛ لأنه كان أكفأ شخص، وأولى إنسان بأن تكون في يده هذه السلطات، فكان هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو المفتي، وهو القاضي، وهو الحاكم الذي ينفذ الحكومات والقضايا، ويُلزم بها الخصوم، ويعاقب الجناة، ويقيم الحدود، ويأخذ الحق ممن اغتصبه إلخ.

النبي صلى الله عليه وسلم كان من وظائفه أو من مهامه أو من سلطاته القضاء،  وهذه الوظيفة التي أسندت إليه من قبل المولى عز وجل وردت بها أكثر من آية منها قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65].

فقوله: حتى يحكموك؛ أي: حتى يحتكموا إليك، ولم يكتفِ بمجرد التحكيم إليه أو الاحتكام إليه، بل الرضا بما يحكم به، والتسليم والإذعان لما يقضي به، وإلا كان إيمانه ضعيفًا أو فيه دَخل أو فيه نفاق، وكذلك قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 48]، فاحكم أي: اقض بينهم، بما أنزل الله: بالشريعة التي أنزلها الله، وصدع الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، بعد أن بلغ دعوة ربه كان يفصل في الخصومات بين المتخاصمين، ويفتي إذا استفتي، وينفذ العقوبات إذا اقتضى الأمر ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه جاء رجلان، فاختصما إليه في مواريث قد درست –أي: قدمت- العرب عرفوا نظام الميراث كما سبق أن ذكرنا، فاحتكما إليه خصمان أحدهما يقول: هذا حقي، والآخر يقول: هذا حقي، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بين الخصوم حسب الظاهر، وأن الله عز وجل يتولى السرائر، يخوفهم بذلك حتى لا يأخذ أحدهم حق أخيه، فقال صلى الله عليه وسلم ((إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض))، ألحن يعني أفصح ((فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) وكان المتخاصمان يحضران إليه مختارين؛ فالنبي يسمع كلام المدعي ثم يقول: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)).

ووسائل الإثبات عنده كانت إما بالشهادة، وإما باليمين، وإما بالكتابة وإما بالفراسة، وإما بالقرعة، وإما بالقرائن المختلفة، وكل هذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم.

لما انتشرت الدعوة في البلاد أكثر وأكثر، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع -وحده- أن يقضي في كل مشاكل المسلمين، كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بعض أصحابه؛ ليحكم ويقضي، ويفتي، ويعلم الناس أيضًا، وكان قبل أن يرسل شخصًا إلى بلدٍ ما يعلم أهلها، ويقضي بينهم- كان يدربه، فمن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدربُ أصحابه على القضاء بين يديه.

فمن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من سيدنا عمرو بن العاص أن يقضيَ في قضيةٍ بين يديه، قال: أقضي بين يديك يا رسول الله؟ قال: ((نعم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران)) وكان يطمئن على من يرسله للقضاء بين الناس والحكم بينهم، كما هو ثابت في سؤاله أو أسئلته إلى سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه فيسأله: ((بما تقضي إن عرض لك قضاء؟ يقول: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو))  وكانوا أيضا إذا عرض لواحد من هؤلاء الصحابة الذين يرسلهم للقضاء والحكم بين الناس أمرٌ يعجز عن القضاء فيه- كان يشاور النبي صلى الله عليه وسلم ويرسل إليه يطلب منه الحل، ويطلب منه المشورة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل إليه بالإجابة، كما طلب.

والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل بعض أصحابه فأرسل سيدنا على بن أبي طالب، وأرسل سيدنا معاذ، ولى عتاب بن أسيد مكة كان أميرها وقاضيها بعد أن فتحها في العام الثامن من الهجرة، ولم يزل متوليًا ذلك حتى في خلافة أبي بكر، حتى مات يوم أن علم بوفاة الخليفة.

فالرسول صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا وهو شاب، وبعث غيره، ويستخلص من مجموع ما ذكرنا عدة أمور:

أولًا: أن القضاء والولاية كانتا في يد واحدة، يعني السلطة القضائية والسلطة التنفيذية أيام النبي صلى الله عليه وسلم كانت في يد النبي في المدينة أو في يد من يرسله ليكون أميرًا أو واليًا، فيكون في نفس الوقت أميرًا وواليًا وقاضيًا، ومفتيًا، ومعلمًا يعلم الناس الخير، يفهم كذلك انه أحيانا يُطعن في الحكم؛ يعني يطعن بعض المتخاصمين في الحكم، لا يروق ولا يرضى به؛ ولذلك كان يُرفع لأمر إلى محكمة أعلى، وهي النبي صلى الله عليه وسلم فيُرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكم، فإن كان صوابًا صوّبه صلى الله عليه وسلم، وإلا عدّله؛ ولذلك ثبت أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه- احتكم إليه أناس من أهل اليمن، فحكم بينهم ثم قال: حتى تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي في موسم الحج، فأراد أن يوجههم إلى اللجوء إلى محكمة أعلى؛ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره قاضيًا لا باعتباره حاكمًا للمسلمين، له حق الإشراف على تنفيذ أحكام الإسلام.

ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم كان دائمًا يتتبع أخبار أصحابه الذين يرسلهم، فمن رآه على صواب ثبّته، ومن رآه على خطأ قوّمه، وعدّل من عوجه،  إن كان هذا وما يزعمه بعض الناس أن القضاء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بالوضوح الكامل؛ بحيث تتضح قسماته، هذا الزعم باطل.

فالقضاء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان واضحًا، والرسول هو القاضي في المدينة، وأصحابه الذين يرسلهم إلى القبائل أو إلى البلاد القاصية يحكمون أيضًا بشريعة الله، فقسمات وعلامات، ومميزات، وسمات القضاء في الإسلام واضحة في هذه الفترة، غير أنه كانت السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والسلطة التشريعية أيضًا -إذا قلنا: إن الإفتاء نوع من التشريع- كانت كلها في يد واحدة، ربما لأن هذا كان في بداية –أي نشأة الدولة الإسلامية- ولأنها لم تكن مترامية الأطراف، فكان القاضي هو الوالي، وهو الذي ينفذ الأحكام.

ثالثا: ينبغي أن نؤكد على أن القضاء كان في عصر الرسول صلى الله عليه وسلمواضح السمات، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحكم بما أنزل الله في كتابه أو بما أوحى الله إليه، إذا لم يوجد نصٌّ في كتاب الله أو في سنة الرسول، كان يجتهد، لكن يتميز الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الوحي يسدده إن أخطأ فرضًا  أو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بحكم يخالف، فيأتي الوحي ويسدده فرضًا، وهل ثبت هذا أو لم يثبت؟ هذه قضية أخرى سوف نعالجها.

لكن يمتاز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء أو في غيره عن اجتهاد غيره: بأن الوحي كان خلفه، إذا أصاب يسكت ويقر، وكان -فرضًا- لو أخطأ يسدده، وضروري أن يكون هذا التسديد قبل أن يقع ضرر على المتخاصمين، النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوّي بين الناس في مجلسه، وكان إذا ظهر له الحق حكم به ونفذه، ولا يستطيع أحد -كائنا من كان- أن يحول بينه وبين تنفيذ هذا الحق، ولا يسمح بشفاعةٍ لأحد مهما كانت صلته به صلى الله عليه وسلم، فمن هنا نعلم أن القضاء في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كان واضحَ القسمات، وكان النبي فيه صلى الله عليه وسلم يجمع بين السلطات، فكان حاكمًا، وقاضيًا، ومفتيًا، ونبيًّا مبلغًا عن الله عز وجل رسالته.

error: النص محمي !!