Top
Image Alt

نظام القضاء في عهد الدولة العباسية

  /  نظام القضاء في عهد الدولة العباسية

نظام القضاء في عهد الدولة العباسية

في عهد الدولة العباسية هي دولة حكمت باسم الدين، ورفعت راية حماية هذا الدين، في هذا العهد الجديد -عهد الدولة العباسية- ظهر الجدل واستغرق الفقهاء أكثر في استعمال الرأي، وكان قد دونت المذاهب الفقهية -المذاهب الفقهية مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك ومذهب الشافعي، وأحمد إلى غيرهم- وعُرف التقليد، وكان لهذا كله أثره في اختلاف أحكام القضاة؛ ذلك أن القاضي في العراق كان يحكم وفق المذهب الحنفي، وفي الشام والمغرب وفق المذهب المالكي، وفي مصر وفق المذهب الشافعي، وإذا تقدم خصمان على غير المذهب الشائع في البلد أناب القاضي عنه قاضيًا يحكم بمذهب المتخاصمين، بل إن بعض الفقهاء العباسيين كانوا يتدخلون في عمل القاضي، مما جعل الفقهاء يزهدون في هذه الوظيفة، ويتهربون منها.

واستمرت هذه المذاهب الأربعة -الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي- إلى وقت طويل مصدر القضاء والأحكام، وقد أطلق على العصر العباسي عصر أئمة المذاهب، وهناك مذاهب أخرى غير المذاهب الأربعة، لها قضاؤه الخاص وقضاته الذين يحكمون بمقتضاها ومنهم الزيدية في اليمن، والإمامية الإثنى عشرية في فارس والعراق، والإمامية السبعية أو الإسماعيلية الذين ينتسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وهؤلاء يقولون بضرورة أن يكون القضاة تابعين في اجتهاد أئمتهم في الفقه؛ بحيث لا يخرج القاضي عن الكتاب والسنة، وفتاوى أئمتهم، غير أن مذاهب أهل السنة كانت مصدر التشريع في هذا العصر، فكان لا يتقلد القضاء –أي: لا يوظف رسميًّا- إلا السنيون، وذكر الإمام السيوطي أن بعض الشيعة -مثل بهاء الدولة البويهي- قلد رجلًا من العلويين القضاء، فلما عرض الأمر على الخليفة رفض هذا رفض تعلية أو تعيين أو تقليد أي قاض من غير أهل السنة والجماعة.

وقد لوحظ في هذا العصر أن بعض الفقهاء العباسيين كانوا يتعمدون التدخل في عمل القاضي، الفقهاء وليس الحكام، مما جعل الفقهاء يزهدون في هذه الوظيفة، في هذا العصر ظهر لأول مرة يتولى فيها شخص وظيفة قاضي القضاة، هذه الوظيفة جديدة في هذا العصر استحدثها الخلفاء العباسيون، وأول من تقلّدها هو القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، فأسندت إليه هذه الوظيفة وعُرف بقاضي القضاة، ومعناه أنه هو المسئول عن تولية القضاة في الأمصار المختلفة، فكان يُعين القضاة من الذين ينتسبون إلى المذهب الحنفي، وظل ذلك تقليدًا في الدولة العباسية.

وفي العصر العباسي الثاني اتسعت سلطة القاضي حتى أصبح ينظر في القضايا المدنية، وفي الدعاوى والأوقاف، وينظر في تنصيب الأولياء -الأولياء يعني على اليتامى، وعلى السفهاء وعلى القُصّر- وكثيرًا ما تضاف إليه الشروط -يعني توثيق العقود- وكثيرًا ما تضاف إليه المظالم -يعني النظر في المظالم-، والقصاص بين الجناة، وقضايا الحسبة، وينظر في دار الضرب -ضرب النقود يعني الغش- وما يتعلق ببيت المال، بل إنه في عهد الدولة العباسية وصل الأمر إلى ظهور تخصيص القضاء، ومعنى تخصيص القضاء يعني أن الوالي أو الخليفة يخص بعض القضاة بجهة من الجهات، أو بنوع معين من القضايا، أو بأيام محددة في الأسبوع، فظهر التخصص أو التخصيص، ظهر هذا في عهد الدولة العباسية.

واقتضى نظام القضاء أيضًا -غير التخصيص في هذه الدولة العباسية- أمرًا آخر هو التحري عن الشهود، فاستُجدت وظيفة جديدة هي وظيفة المُعدلين أو المُزكين، وهم في الأصل شهود، ولكن ثبتت عدالتهم، واستعان بهم القاضي؛ ليسألهم في أمر الشهود الذين لا يعرفهم، وليس لديه ما يثبت عدالتهم فيسأل هؤلاء المزكين، فمن زكوه زُكي، ومن عدلوه عُدل، وهذا أمر جديد استحدث في هذه الدولة.

أيضًا استحدث للقضاة والعلماء زيٌّ خاص يميزهم عن عامة الناس، وأحيط بالمهابة، وأقيم بين يديه من يمنع الناس عن التقدم في غير دوره كالحاجب، ويحافظ على النظام كالشرطي، كما تبعه أعوان يحضرون له الخصوم -المحضر- ويعدون له نظر الدعوى كالكاتب مثلًا، يعني استحدثت وظائف لمعاونة القاضي بسبب كثرة المشاكل وكثرة القضايا التي كانت تعرض على هؤلاء القضاة.

أضف إلى ذلك أن القاضي كان يمتاز في هذه الفترة باستقلال الرأي؛ يعني لا يسمح بتدخل السياسيين ومن لا علم لهم، حتى تدخل الفقهاء كان شيئًا منكرًا من جانب القضاة، فأصبح القضاء أكثر استقلالًا، والقاضي أصبح أكثر استقلالًا برأيه واعتزازًا به، ولا يقبل الشفاعات أو الواسطات من أحد، فقد روي أن قائد الجيش طلب من عضد الدولة أن يشفع له عند القاضي في قبول شهادته لبعض الناس، فقال له عضد الدولة هذه العبارة التي تدل على مدى احترام رأي القاضي، وعدم السماح لأحد بالتدخل في عمله: قال له: “ليس هذا من أشغالك إنما الذي يتعلق بك هو الخطاب في زيادة قائد، نقل جندي، وما يتعلق بذلك وأما الشهادة وقبولها، فهو إلى القاضي، وليس لنا ولا لك الكلام فيها”.

وكانت تعقد مجالس القضاء في مكان فسيح، وهذه ميزة أخرى أصحبت هناك محكمة بعد أن كان الناس يجلسون في المسجد أو في دار من الدور- خُصص مكان يشبه المحكمة الحديثة له مواصفات خاصة، فهو مكان فسيح صحي في وسط المدينة حتى يسهل على المتخاصمين الوصول إليه، حتى لا يتأذى الناس بالجلوس في غير هذا المكان، وحددت له أيام ينظر فيها، وأيام لا ينظر فيها، فمثلًا من الأيام التي لا ينظر فيها أيام الأعياد وما أشبهها، ومع هذا فقد حاول بعض الناس التدخل في شئون القضاء بالرشوة، والشفاعات، والحسبة – الواسطات- ولكن ذلك كان يقابل في الغالب الأعم من قضاة هذه الدولة بالرفض الحاسم.

أضف إلى هذا، أن القضاة لما عُين لهم قاضي القضاة وتحسنت أمورهم، وأصبح قاضي القضاة هو المسئول عن توليتهم، وهو أيضًا المسئول عن رواتبهم، وهو المسئول عن النظر في أمورهم، فكان هذا كله من باب الإصلاح، ومن باب إراحة القاضي، حتى يتفرغ للحكم بالعدل بين الناس.

فالواقع أن الدولة العباسية بإشرافها على القضاء، وباستحداثها كل هذه المميزات التي ذكرناها كانت تعمل على تحقيق العدل بين المنتمين إليها والخاضعين لحكمها، وهذا عهد عبد الله الفضل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي، حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام ومدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي، والجانب الغربي، والكوفة، وسقي الفرات وواصل، وطريق الفرات، ودجلة وطريق خراسان، يعني في هذا الكتاب تفصيل يدل على أن القضاء أصبح فيه تخصصات مختلفة لدرجة هذا التفصيل الذي كان يُذكر عادة في خطبة التولية، وكان يُكتب أحيانًا، ويوقع عليه الخليفة أو الوالي، ويوقع عليه أيضًا من يتولى القضاة، كأن القضاء أصبح عقدًا، وولاية يتعاقد فيها من له أصل التولية، والقاضي الذي سيتولى هذا الأمر.

ويتضح من هذا العهد الذي كتبه الخليفة، ويتضح من عهود أخرى كثيرة يمكن الرجوع إليها في كتب (الأحكام السلطانية وفي كتب (تاريخ القضاة) و(تاريخ السلاطين والحكام)- يتضح من هذا أن قاضي القضاة له الحق في التصرف التام فيما يتعلق بأمور القضاء من تعيين، وعزل وإشراف على أمر القضاة في جميع الولايات، بما لا يتعارض مع أصول الشرع، ولا يخل بهيبة القضاء، بهذا يظهر أن منصب القضاء له خطره، وشأنه، ونزاهته، وهيبته، وأنه كان يؤدي دوره دون أن يكون للسلطة التنفيذية سلطان عليه، ويتحقق بهذا العهد فصل السلطة القضائية عن السلطة السياسية، فاستقل القضاء استقلالًا تامًّا؛ ولذلك ألفت كثير من الكتب في الأنظمة -أنظمة الحكم- في هذه الدولة العباسية.

error: النص محمي !!