Top
Image Alt

نقاط حول علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

  /  نقاط حول علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

نقاط حول علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم

قضية بيان السنة المطهرة للقرآن الكريم، وأنها نوع من أنواع العلاقة المؤكدة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، هذا أمر مستقر عند العلماء وتكلموا فيه.

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه الرائع (الرسالة) بأسلوبه الفصيح البليغ: فجِماع ما أبان لخلقه في كتابه -أي: جماع الأمور التي بينها الله تبارك وتعالى- لخلقه في كتابه مما تعبَّدهم به لما مضى من حكمه جل ثناؤه -يعني: ما مضى من حكمه مما تعبد به عباده جل ثناؤه- أنه بيَّن لهم ما يريده منهم من وجوه، منها: ما أبانه لخلقه نصًّا. يعني: الله عز وجل بيَّن بالنص ما يُريده من خلقه، مثلًا في بيان فرائضه، في أن عليهم صلاةً، وزكاة، وحجًّا، وصومًا، وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم الزنا والخمر، أو خص الزنا والخمر بالذكر، وحرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف كان فرض الوضوء، من أمور كثيرة بيَّنها نصًّا -جل في علاه- في كتابه، النوع الثاني: ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيِّه مثل عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه، ومنه ما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نص حكم -ما سن: يعني: ما فرض وما شرع- وقد فرض الله في كتابه طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه، فمن قَبِل عن رسول الله فبفرض الله قَبِل.

هذا الكلام عن أن السنة تُشرع وعلينا أن نسمع وأن نطيع، وبفرض الله على الأمة أن تتبع رسولها، ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم. أي: فتح لهم باب الاجتهاد في فهم بعض النصوص، وهذا نوع من الاختبار من الله -تبارك وتعالى- كما اختبرهم في طاعته بأحكام شرعية أخرى غير باب الاجتهاد.

إذن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في هذا النص يبين لنا حدود العَلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة.

أيضًا الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات حول الحديث النبوي الشريف) قال وهو يستعرض السنة ومكانتها في الإسلام: إذا أردنا تحديد مكانة السنة النبوية في الإسلام، فعلينا مراجعة الموضوع في كتاب الإسلام الأول، وهو القرآن الكريم؛ لمعرفة منزلة السنة ومنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في ضوء القرآن، فمن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّن للناس ويفصِّل ويشرح بفعله وقوله، فيفصّل لهم ما أُجمل ويبين لهم ما أشكل، وهذه الوظيفة من الله سبحانه، وهو الذي عيَّن رسوله شارحًا ومبينًا لكتابه، ومن البديهي أن الشرح والبيان هو شيء زائد على التلاوة، وكثيرًا ما يحتاج الشارح إلى التوضيح عمليًّا، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهل بالإمكان تجريد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الوظيفة؟ وهل يتفق رفض ما شرحه من الكتاب من الإيمان بالكتاب نفسه. يعني: هل إذا أنكر أحد شرح النبي صلى الله عليه وسلم للسنة الذي نعبّر عنه بالبيان، هل يكون مؤمنًا بالكتاب نفسه وهو القرآن الكريم، الذي أوكل هذه المهمة للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ أليس هذا إنكارًا للكتاب نفسه؟

هذا حديث الدكتور الأعظمي عن بيان السنة للقرآن. ثم يستطرد ويقول في المهمة الثانية: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة يجب على المسلمين اتباعه، قال تعالى: {لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].

قال الدكتور الأعظمي: وهو صلى الله عليه وسلم مطاعٌ وجوبًا. ثم ذكر بعض الأدلة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم و الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب سلطة تشريعية. ثم ذكر آيات الأعراف.

هذا تعبير الدكتور مصطفى الأعظمي صاحب “سلطة تشريعية” وهو ما نُعبّر عنه باستقلال السنة بالتشريع، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يُشرِّع كما يُشرع الله عز وجل تمامًا، قال الدكتور الأعظمي بعد أن ذكر آيَتَيْ الأعراف، وهي قول الله -تبارك وتعالى: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 157، 158].

ويقول: تتضمن هذه الآيات الأمر بالإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما تتضمن مقتضى هذا الإيمان وهو اتباعه صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به ويُشرعه، واتباع سنته وعمله، وليس هناك رجاء في هداية الناس فيما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا باتباعه فيما يدعو إليه، ولا يكفي أن يؤمنوا به بقلوبهم ما لَمْ يَتْبَعْ الإيمانُ الاتباع العملي الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلِّغه عن ربه، وفيما يشرِّعه ويسنّه. كما تتضمن بيان سلطة النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية التي منحها الله رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال: {وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} فالتحليل والتحريم هنا أسنده الله إلى رسوله، وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلله، كلاهما واجب الطاعة والامتثال بدرجة واحدة.

هذان نقلان لبيان فهم العلماء لهذا الأمر، والنقول كثيرة جدًّا، وهذه النصوص وغيرها تُؤكّد أن الأمة أجمعت على هذا الفهم في حدود العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة، بأن السنة تُوافق القرآن الكريم، وتبين القرآن الكريم، وتشرّع كما يُشرع القرآن الكريم.

أيضًا: من النقاط التي تخص هذا الموضوع: أنه ليس معنى أن السنة تفصّل مجمل القرآن الكريم، أو تخصص عامه، أن كل مجمل في القرآن الكريم أو كل عامٍّ في القرآن الكريم، أو كل مطلق في القرآن الكريم، لا بد من تقييده، أو يحتاج إلى تقييد، لا. هذا ما اقتضت حكمة الله أن يُبيّنه، لكن هناك من تشريعات القرآن ما هو باقٍٍ على عمومه، وما هو باقٍ على إطلاقه، ما هو باقٍ، يعني: حسب مراد الله -تبارك وتعالى- وأعرف الناس بمراد الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الأحكام الشرعية كلها: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] كل هذه أحكام عامة باقية على عمومها ولا تحتاج إلى مخصص.

بل نذكر أمرًا عظيمًا وعجيبًا يُمثِّل وجهًا من وجوه العظمة في الإسلام، ومعجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة تتعلق بالمستقبل: رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أخبر بوجود هذه الطائفة التي تزعم أنها تكتفي بالقرآن الكريم، يقول صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه -أي: السنة- ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن؛ فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لُقَطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها)) إلى آخر الحديث.

هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب: السنة، في باب: لزوم السنة، ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه في كتب السنة من حديث المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن هذه الطائفة: ((ألا يُوشك رجلٌ شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه)) هذه هي الدعوى التي تتكرَّر هذه الأيام، وستأتي أيضًا في الأجيال القادمة بعد أن أشبعت دراسة وردَّ عليها بكثير جدًّا من اجتهادات العلماء، ومع ذلك يلوكونها دائمًا حينما يريدون أن يهاجموا الإسلام، ونقول ذلك لنبين أن الدعوى في خبثها وفي هدفها النهائي تحاول القضاء على الإسلام من خلال التشكيك في السنة، ومن خلال عدم الربط، أو عدم بيان العلاقة بين القرآن الكريم والسنة المطهرة.

شيخنا العلامة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة -رحمه الله تعالى- يعلِّق على هذا الحديث الذي ذكرناه، قائلًا -رحمه الله-: قوله صلى الله عليه وسلم: ((يُوشك رجل شبعان)) يُحذِّر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له في القرآن ذكرٌ على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تمثَّلوا بظاهر القرآن الكريم، وتركوا السنن التي تتضمَّن بيان الكتاب؛ فتحيَّروا وضلُّوا، وأراد بقوله: ((متكئ على أريكته)) أنه من أصحاب الترف والدِّعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم. إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى- وهذا كلامه من كتاب (الدفاع عن السنة).

ويقول أيضًا شيخنا -رحمه الله- تتمَّة لكلامه السابق: وقد دلَّ الحديث على معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت فئة في القديم والحديث تدعو إلى هذه الدعوة الخبيثة، وهي الاكتفاء بالقرآن عن الحديث، وغرضهم هدم نصف الدين، أو إن شئتَ فقل: تقويض الدين كله؛ لأنه إذا أُهملت الأحاديث والسنن فسيؤدِّي ذلك -ولا ريب- إلى استعجام كثير من القرآن على الأمة، وعدم معرفة المراد منه، وإذا أُهملت الأحاديث واستعجم القرآن فَقُلْ على الإسلام العفاء.

فالشيخ -رحمه الله- يوضح هدف هذه الدعوى الخبيثة، وأن غرضها هو تضييع الإسلام؛ من عدم الأخذ بالسنة، ومن استعجام القرآن الكريم الذي يتوقَّف في فهمه على السنة المطهّرة، ونستطيع أن نقول: إن هناك أحاديث أخرى وردت في بيان هذه الطائفة. من ذلك ما رواه أبو رافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).

قوله: ((لا أُلفينَّ)) يعني: لا أجدن، يعني: لا أريد أن أجد أحدًا يصل إلى هذه الحالة، والنبي صلى الله عليه وسلم ينهى هنا عن هذه الحالة على سبيل المبالغة، وعلى سبيل النهي الجازم الذي لا يصح أن يصل إليه مسلم في معاداته للسنة المطهرة واكتفائه بالقرآن الكريم.

وأيضًا، الانتباه إلى هذا الرجل المتكئ على أريكته، بمعنى: أنه في دَعة وترف، ولا يُعاني في طلب العلم، ولا في أفهام العلماء، ولا يدور على المشايخ، إلى آخر ما نعرفه من مناهج شيوخنا وعلمائنا وسلفنا الصالح في تلقي العلم، وتكبّد المشاق في سبيل ذلك، والرحلات إلى البلاد المختلفة على الناقة وعلى غيرها، وفي البر والحر والبرد، إلى آخر ما نعلمه جميعًا.

إذن، هو نهي عن الوصول إلى هذه الحالة، و هذه الحالة لم تظهر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوجد أحدٌ أبدًا من الصحابة يقف موقف التردُّد، لا أقول الرفض في السنة وترك العمل بها، فهذا الجيل الطاهر المبارك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من التردِّي إلى مثل هذا الدرك السحيق.

ولذلك الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى- يُورد هذين الحديثين في كتاب (دلائل النبوة) يعني: يجعل إخباره صلى الله عليه وسلم هنا من الدلائل على نبوته صلى الله عليه وسلم أولًا في وجود هذه الطائفة في أنها تكاد تُنكر السنة المطهرة، أو لعلها تنكرها وتكتفي بالقرآن الكريم، وأيضًا مَن وصفهم بأنهم متكئون على أرائكهم في شِبع وترفٍ، يقولون: علينا بالقرآن الكريم فقط، إلى آخر ما ذُكر، فهذا أيضًا إخبار من النبي – صلى الله عليه وسلم.

يقول جابر بن سمرة رضي الله عنه سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن بين يدي الساعة كذَّابين، فاحذروهم))، وهذا أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب: الإمارة، فهم يكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم و يَكْذِبون على سنته، ويقفون منها موقف المعاند الجاحد المنكر، ويريدون أن يضيّعوا الإسلام من خلال الزعم بالاكتفاء بالقرآن الكريم وبالسنة المطهرة، وهيهات هيهات!

أيضًا: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجّالون كذَّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)) هؤلاء ما داموا يزعمون ذلك، فقد وقفوا من السنة موقف المعاند، بل من القرآن نفسه الذي أخبر أن النبوة انتهت بالنبي صلى الله عليه وسلم: {مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ} [الأحزاب: 40].

والنبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عمّا فضَّله الله تعالى به عن الأنبياء فقال: ((فُضلت على الأنبياء بستٍّ))، وهي روايات كثيرة والخصال كثيرة، لكن محل الشاهد هنا: ((وخُتم بي النبيون)) إذن هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف من السنة دجَّالون وكذَّابون، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يقفون موقف المعاندة، ليس من السنة فحسب، بل من الإسلام كله.

وأيضًا وردت أقوال عن السلف الصالح بشكل عام، فعن عِمران بن حصين رضي الله عنه قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: “من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب”. يعني: سيقول: لا نجد الرجم في كتاب ربنا. ويقول أهل التفسير في هذا: إنه وُجد في القرآن حُكمًا، ونُسخ تلاوة، لكن سيكون رفض البعض مبنيًّا على أساس أنه لم يردْ في السنة.

لقد أمر القرآن الكريم العمل بالسنة، فالذي يرفض العمل بالسنة يرفض العمل بالقرآن، ومن هنا يأتيه الكفر.

يقول أيوب السختياني: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دَعْنَا من هذا، وحَدِّثْنَا من القرآن؛ فاعلم أنه ضالّ مُضلّ”. هذا كلام السلف. قال الأوزاعي -رحمه الله تعالى- معلقًا على كلام أيوب: قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] وقوله تعالى: {مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] وهذا يؤوّل القرآن برأيه! يفهمه على هواه! يصرفه عن ظاهره بدون سند، ويزعم أننا نكتفي بالقرآن الكريم فقط دون السنة!.

ويقول ابن حزم -رحمه الله تعالى- في (الإحكام): لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة. هذا كلام ابن حزم، والنقول التي نقلناها عن أيوب والأوزاعي وغيرهما موجودة في (الكفاية) وفي غيرها من المصادر الإسلامية.

إذن، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إجماع الأمة وسلفها الصالح من لدن الصحابة، ومرورًا بالعصور التالية كلها، وإلى عصرنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ستظلّ الأمة تعمل بالسنة المطهّرة، وتعرف دورها مع القرآن الكريم على الوجه الذي ذكرنا؛ بل إننا نستطيع أن نقول من غير مبالغة: إن القرآن الكريم نفسه تنبَّأ بوجود هذه الطائفة التي ستقف من النبوة نفسها، ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم موقف العداء والمعاندة والمشاققة، يعني: مثلًا حين نقول: قال الله -تبارك وتعالى-: {فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ}، والآية التي قبلها: {وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فالذين يقولون بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط هؤلاء يعاندون هذه الآية وغيرها، ووجه المعاندة واضح، فالله تعالى يقول في هذه الآية: {وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} ولذلك نحن ذكرنا استدلال الدكتور مصطفى الأعظمي بهذه الآية على ما سماه هو سلطة النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية؛ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم يُشرِّع، وما دام النبي صلى الله عليه وسلم يشرع؛ فالأمة يجب عليها أن تسمع وأن تطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

لو كان الله عز وجل لم يعطِ لرسوله صلى الله عليه وسلم سلطة التشريع على حدِّ تعبير الدكتور الأعظمي هل كان لقوله: {وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} فائدة؟ نعوذ بالله من هذا الفهم الذي قد يتردَّى بصاحبه إلى دوائر الكفر من حيث يشعر أو لا يشعر، ونسأل الله عز وجل السلامة.

error: النص محمي !!