Top
Image Alt

نقد أحاديث في (البخاري): نص رواية شريك بن أبي نمر في: حديث المعراج

  /  نقد أحاديث في (البخاري): نص رواية شريك بن أبي نمر في: حديث المعراج

نقد أحاديث في (البخاري): نص رواية شريك بن أبي نمر في: حديث المعراج

تعرفنا على نقد متون السنة في مرحلة مبكرة وذلك عند الفقهاء -رحمهم الله تعالى- ونريد أن نتعرف على نقود المتون عند علمائنا فيما بعد ذلك، ونأخذ مثلًا على ذلك رواية رواها الإمام البخاري وروى طرفًا منها الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- ويشتركان في إسناد واحد كثرت عليها النقود، ونريد أن نذكر هذه النقود وكان يكفينا أن نذكرها لندلل على ما نحن بصدده، وهو وجود هذه الظاهرة -ظاهرة نقد المتون- بكثرة عند المحدثين خاصة، لكننا لا نستطيع أن ننقد رواية عند البخاري ثم نتركها هكذا، وإنما نرى أن نناقشها حتى يتبين لنا ما إذا كان البخاري قد أخطأ في إيراده هذه الرواية أو لم يخطئ.

هذه الرواية تتعلق بالإسراء والمعراج، وهي رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، رواها عن أنس رضي الله عنه وقد رُوي حديث الإسراء والمعراج عن أنس، رواه غير شريك بن عبد الله، واتفق على رواية أنس هذه أيضًا البخاري ومسلم، ولم تكن هناك نقود على الروايات الأخرى لأنس إنما انصبت هذه النقود على رواية شريك بن عبد الله، ونذكر هذه الرواية أولًا.

قال الإمام البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله -أي: ابن أبي نمر- أنه قال: سمعت ابن مالك -أي: أنس- يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه: ((جاءه ثلاثة نفرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم. فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه مرة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطَست مِن ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده -يعني: عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟

قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد. قالوا: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم. قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا يا بني, نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان قال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.

ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثلما قالت له في الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن يُرفع عليَّ أحد.

ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى, ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد, ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فَعَلَا به إلى الجبار فقال -وهو في مكانه-: يا ربي, خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات.

ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد, والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة. فقال: يا رب, إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأبدانهم، فخفف عنَّا، فقال الجبار: يا محمد, قال: لبيك وسعديك قال: إنه لا يبدل القول لديَّ كما فرضت عليك في أم الكتاب قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك.

ورجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ قال: خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجِعْ إلى ربك فليخفف عنك أيضًا قال صلى الله عليه وسلم : يا موسى, قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه. قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام)).

النقود التي وجهت إلى الرواية:

وجه إلى هذه الرواية نقد عنيف من بعض النقاد، كما وجه نقد على البخاري؛ لأنه رواها في كتابه وادعِي أنه أخل بشروطه عندما رواها في صحيحه، وتجلى في نقد هذه الرواية النقد العلمي البناء الذي يحرص على جلاء الحقيقة دون اعتبار لمكانة البخاري ومكانة كتابه، كما يتجلى كذلك أن نقادنا لم يغفلوا -كما زعم بعض الجاهلين- تناول متن الحديث بالنقد والتمحيص وعرضه على القرآن الكريم وعلى السنة الصحيحة؛ حتى ينفوا عنه الدخيل والموضوع.

ونبادر فنقول: إن هذه ليست هي الرواية الوحيدة التي رواها البخاري لحدث الإسراء والمعراج، فقد روى روايتين أخريين لهذه القصة ولم يوجه إليهما ما وجه إلى هذه الرواية؛ لأن رواتهما في نظر نقاد الحديث قد ضبطوهما وحفظوهما فجاء متناهيًا سليمًا غير مبدل فيه في نظرهم، وحينما يورد النقاد انتقادات على هذه الرواية فإنهم يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الروايتين الأخريين، فيقارنون بين الروايات الثلاث لتوضيح ما في روايتنا هذه من علل، ورأى بعض العلماء أنه ليس في كتاب البخاري أشنع ظاهرًا ولا أشنع مذاقًا مما جاء في هذا الحديث، ففيه ما هو مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير مَن تقدم منهم ومن تأخر، وكان هذا بسبب زيادة أحد رواته وهو شريك بن عبد الله بن أبي نمر عبارات لم يأتِ بها غيره، أو مخالفًا الثقات في بعضها مما يجعله غير ثقة.

يقولون: وكان يجدر بالبخاري ألا يروي عنه, وألا يخرج حديثه في صحيحه خاصة وأن بعض النقاد قد نص على أنه غير ثقة. قال النسائي فيه: ليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد الإمام الناقد لا يحدث عنه، وقبل أن نبين هذه النقود ونناقشها نقول: إن البخاري إذا كان قد اعتمد شريك بن عبد الله بن أبي نمر في كتابه ووثق به، فقد شاركه مسلم كذلك في هذا الراوي، فهو من المتفق عليه عندهما.

على كل حال، مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيرها من الرواية المشهورة أو تفردت به اثنا عشر، وهي كما ذكرها الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري):

الأول: أمكنة الأنبياء -عليهم السلام- في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم مما يدل على عدم حفظه، ففي روايته: “كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة”، وفي غيرها من الروايات التي رواها الثقات: “أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة”.

الثاني: ذكرت الرواية أن المعراج قبل البعثة، مع أن الثابت أنه كان بعدها، وقد أنكر الخطابي وابن حزم والنووي وغيرهم عبارة شريك: “قبل أن يوحى إليه”، وعبارة النووي وقع في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء, أحدها: “قبل أن يوحى إليه”، وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل الوحي.

الثالث: ذكرَت أن المعراج كان منامًا، فقد روى شريك في أول الحديث: ((حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه)) ثم قال في نهاية الحديث: ((واستيقظ وهو في المسجد الحرام)).

الرابع: مخالفته في سدرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة، والمشهور أنها في السابعة أو في السادسة.

الخامس: مخالفته في مكان نهري النيل والفرات، فقد ذكر أن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما تحت سدرة المنتهى.

السادس: ذِكره شق الصدر عند الإسراء، وقد أنكر بعض العلماء ذلك، وقال: إن شق الصدر كان وهو صغير فقط.

السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الأحاديث أنه في الجنة.

الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل ، والمشهور في الحديث: أن جبريل هو الذي دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التاسع: تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى سؤال ربه والتخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة.

العاشر: قوله: ((فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه)) ففي هذا ما يوهم وجود الله تعالى في مكان، وليس في الأحاديث الأخرى مثل ذلك.

الحادي عشر: رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى -عليه الصلاة والسلام- أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع.

الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست.

هذه هي النقود التي أخذها بعض نقاد الحديث على رواية شريك هذه، وبعضها يستحق المناقشة كالنقد الثامن والعاشر، وبعضها المخالفة فيه يسيرة ترجع إلى ترك بعض الرواة ألفاظًا ليس في ذكرها كبيرُ معنًى كالنقد الثاني عشر، وكان يمكننا أن نثبت هذه النقود لنثبت أن علماءنا نقدوا الأحاديث بما تستحق من النقد، وقد يطول هذا النقد كما طال في هذه الرواية، وقد تتبع ألفاظ الحديث بصبر وأناة كما تتبعها النقاد في هذا الحديث، كان يمكننا أن نكتفي بهذا، ولكن كما قلنا هذه نقود وجهت إلى البخاري، فهل هي معتبرة أو غير معتبرة؟ وكيف يروي الإمام البخاري هذه الرواية مع هذه النقود إلا إذا كانت له وجهة نظر تصحح هذا الحديث وترى أنه جدير بأن يكون في كتابه -وكما ذكرنا- كذلك الإمام مسلم وإن كان الإمام مسلم لم يروِ إلا الشيء اليسير، كأنه أشار إلى أنه يوافق أستاذه البخاري في رواية هذا الحديث وعدم الالتفات إلى ما في رواية شريك من هذه المخالفات.

على كل حالٍ، قبل أن نبدأ في مناقشتها يجدر بنا أن ننبه على أن البخاري ربما كان له عذر في إيراد هذه الرواية؛ لأنه -كما ذكرنا- لم يهمل الروايات الأخرى، ولأن بعض النقاد وثق شريكًا وقال فيه مقالًا حسنًا. قال أبو الفضل بن طاهر عن شريك: إنه قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به.

وقال يحيى بن معين فيه: لا بأس به، ومعلوم عند الدارسين أن يحيى بن معين من المتشددين في نقدهم للرواة، ومعلوم أيضًا أنه إذا أطلق هذه العبارة على شخص؛ فإنما يريد بها أنه ثقة وأن حديثه صحيح. هذا ما يقوله جمهور النقاد.

وقال ابن عدي فيه: مشهور من أهل المدينة حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف. قال ابن طاهر: وحديثه هذا الذي معنا رواه سليمان بن بلال وهو ثقة.

مناقشة هذه النقود:

ونناقش هذه النقود؛ ليتبين لنا قيمة هذه الرواية وقيمة صاحبها، وما إذا كان البخاري مجافيًا لشروطه عندما ضمنها كتابه، أم أن هناك وجهًا آخر من الحق دفعه إلى أن يرى أن راويها ثقة كما رأى غيره وأن مخالفاته وتفرداته هذه غير قادحة.

وعلى كل حال، عندما نتعرض لهذه النقود بالمناقشة كذلك نرى عند العلماء في مناقشتها نظرة إلى المتون، ونقدًا لها وتوثيقًا أو ردًّا لها.

النقد الأول: وهو عدم ضبطه لأمكنة الأنبياء، وما يدل هذا عليه من عدم حفظه -حفظ شريك- نقول فيه: إنه لم ينفرد بعدم تحديد أمكنة الأنبياء، وإنما شاركه بعض الرواة الأجلاء في ذلك مثل ابن شهاب الزهري, مما يدل على أن أصل الحديث هكذا، كما رواه أنس رضي الله عنه وأن هذا ليس من شريك، ففي رواية ابن شهاب في أول كتاب الصلاة عند البخاري قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم -صلوات الله عليهم- ولم يثبت كيف منازلهم.

ولا يضير أنسًا رضي الله عنه ولا روايته تحديد أمكنة الأنبياء مرة وعدم تحديدها مرة أخرى؛ لأنه رواها عن أكثر من صحابي، وهو يؤدي ما سمعه منهم، وإذا كان قد خالف غيره في قوله: “إن إبراهيم في السادسة” فإن رواية ابن شهاب قد وافقته في هذا.

والحق أننا لا نعرف خواص الروح أو وجود الأنبياء في السماوات حتى نقول: إن هناك خطأً في رواية؛ لأنها اختلفت عن رواية أخرى في منزل نبي من الأنبياء، إذ ما المانع في أن ترى روح النبي -عليه السماء- في أكثر من سماء، أو بعبارة أخرى: أن يُرى النبي عليه السلام في البرزخ في أكثر من سماء، فربما يكون لوجوده من الخصائص أن يرى في سماء وأخرى، على أنه إذا تصورنا أن وجود النبي عليه السلام لا يُرى إلا في سماء واحدة، فإنه يحتمل -كما قال ابن حجر- أن يكون صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام في السادسة فأصعد معه أو صعد إلى السابعة؛ تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى له قال تعالى:{ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلق بأمر التخفيف عن أمته في الصلاة.

النقد الثاني: وهو كون المعراج قبل البعثة في رواية شريك مع أن الثابت أنه كان بعد البعثة، ووصف بعض النقاد بأن هذا غلط وأن شريكًا تفرد بإيراد عبارة قبل أن يوحى إليه، هذا النقد ليس على حق؛ لأن الرواية تنص على أن المعراج كان في ليلة أخرى غير الليلة التي أتى فيها الملائكة الثلاثة، وعبارة: “قبل أن يوحى إليه” تقييد لليلة الأولى التي أتى فيها الملائكة أولًا، فالرواية تقول: “جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى”، والبعد بين الليلتين غير مقيد بزمن معين، فيمكن أن تكون هناك سنوات بين الليلة الأولى التي كانت قبل الوحي والليلة الثانية وهي ليلة المعراج، ويحتمل أن يكون المعنى -كما قال بعض النقاد- قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج، وأن ذلك وقع فجأة ولم يخبر به، ويؤيد هذا رواية ابن شهاب الزهري، ففيها ما يشعر بذلك، تقول: ((فرج عن سقف بيتي فنزل جبريل ففرج صدري)) فهذا يدل على المفاجأة.

ومما يقوي هذا وأن المعراج كان بعد البعثة من نص هذه الرواية أنها تقول: “إن بوابي السماء كانوا يسألون جبريل وقد بعث إليه فيقول: “نعم”، فهذا ظاهر في أن هذه الرواية تنص على أن المعراج كان بعد البعثة وأن المدة بين الليلتين كبيرة، أو أن المراد هو مفاجأة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج.

نقول: إن شريكًا لم ينفرد بعبارة: “أن الملائكة قد جاءوه قبل أن يوحى إليه” كما زعم بعض النقاد, فقد وافقه كثير بن خنيس عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى الأموي في كتابه (المغازي) من طريقه، وعلى طريق التسليم بتفرد شريك بهذه العبارة؛ فإن هذا لا يقتضي طرح حديثه في رأي بعض النقاد، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يُسقط جميع الحديث ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محظور ولو وُهم حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين. هذا كما قال ابن حجر -رحمه الله تعالى-.

النقد الثالث: وهو تضمن هذه الرواية لما يفهم منه أن المعراج كان منامًا، يمكن أن يدفع بأن عبارات الرواية التي فهم البعض منها ذلك ليست نصًّا في أن المعراج كان منامًا، فعبارة: ((حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه)) يمكن أن تحمل على أن ذلك كان في أول القصة عندما جاءت الملائكة إليه صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ بعد ذلك وجرى له ما جرى وهو يقظان، ومثله ما جاء في بعض الروايات الأخرى وهي عبارة: ((بينا أنا نائم)) فذلك يحتمل أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه، والعبارة الأخرى في آخر الحديث: ((واستيقظ وهو في مسجد الحرام)) يمكن أن تحمل على أنه صلى الله عليه وسلم أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي.

وقال ابن أبي جمرة: لو قال صلى الله عليه وسلم : إنه كان يقظان لأخبر بالحق؛ لأن قلبه في النوم واليقظة سواء وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكن منه لكنه تحرى صلى الله عليه وسلم الصدق في الإخبار بالواقع، يريد أن يقول: إنه صلى الله عليه وسلم كان يقظان، لكنه كان في حالة غير الحالة التي يكون عليها في الدنيا، ويقول ابن حجر: يحتمل أن يكون قد نام بعد أن هبط من السماء فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام.

النقد الرابع: وهو مخالفته في محل سدرة المنتهى، فقال: إنها فوق السماء السابعة مع أن الجمهور على أنها في السابعة وفي بعض الروايات في السادسة. هذا النقد يندفع إذا لاحظنا أننا لا نعرف كنه سدرة المنتهى، حيث يحتمل أن تكون مشتركة بين سماء وأخرى فيجوز أن تكون في السابعة أو السادسة، ثم تتجاوزهما وتعلو عليهما إلى آفاق لا يعلمها إلا رب العزة -جل وعلا-، يقول ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدم -من كونها في السابعة والسادسة- صفة أصلها. أما الروايات التي تكتفي بسماء واحدة، فمعنى ذلك أنها اكتفت بجانب من جوانب وجود سدرة المنتهى.

والنقد الخامس: وهو مخالفة رواية شريك لمكان أصل نهري النيل والفرات وذكرها أن عنصرهما في السماء الدنيا، مع أن غير هذه الرواية يقول: إنهما في السماء السابعة، وإنهما يجريان من سدرة المنتهى. هذا النقد يمكن دفعه بأن نقول: إن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى وأن مقرهما في السماء الدنيا.

النقد السادس: إنكار أن يكون شق الصدر حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كما جاء في هذه الرواية، والواقع أن الروايات الصحيحة قد ذكرت أن صدره الشريف قد شُرح ليلة الإسراء كما شرح قبل ذلك وهو صغير، تقول رواية ابن شهاب، عن أنس: ((فنزل جبريل ففرج صدري)) وتقول رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة: ((أتاني آتٍ فشق ما بين هذه إلى هذه)) يقصد بطنه وصدره صلى الله عليه وسلم ، قال الإمام القرطبي أبو العباس في كتابه (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير، فهذه الرواية لم تأتِ بما يخالف بعض الروايات الأخرى وزادت على بعضها الآخر، وزيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر عند علماء الحديث.

النقد السابع: وهو ذكر هذه الرواية أن نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الأحاديث الصحيحة أنه في الجنة وهي في السابعة، يدفع ابن حجر هذا النقد بقوله: إنه يحتمل أن يكون في هذا الموضع من الرواية شيء محذوف تقديره: ثم مُضي به من السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر، ولكن هذا في الحقيقة تكلف، والأولى أن نقول: إننا لا نعرف حدود الجنة ولا نعرف حدود السماوات، ومن هنا يمكن أن يكون نهر الكوثر ممتدًا بين السماء السابعة والدنيا، وأن أصله في الجنة في السماء السابعة كما قلنا ذلك في نهري النيل والفرات. ينبغي أن نقول هذا ولا نقيس عالم الغيب بعالم الشهادة في تفسيراتنا، وهذا من المخالفات اليسيرة إذا افترضنا أنه وهم وخطأ، ومثله لا ينبغي أن ترد به رواية هذا الراوي شريك بن عبد الله بن أبي نمر.

النقد الثامن: وهو نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل  والمشهور في الحديث أنه جبريل عليه السلام وهذا أقوى نقد وجه إلى رواية شريك؛ لأن ظاهر هذا يوهم تحديد المسافة بين الله عز وجل  ورسوله صلى الله عليه وسلم ويوهم التمييز مكان كل واحد منهما ونسبة الحركة الانتقالية إليه تعالى -كما قال بعضهم- هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، وكل هذا مما يتنزه عنه الله عز وجل  حقيقة، قد وردت أحاديث تثبت النزول، لكنها لا تبين هذه الكيفية كما بينتها عبارات هذا الحديث.

على كل حال، الذين يأخذون على شريك هذا يتخيلون أن دنو الله كدنونا، ويشبهون عالم الغيب بعالم الشهادة، مع أن الحقيقة خلاف ذلك؛ لأن الله عز وجل  ليس كمثله شيء، فكل ما نتخيله للحوادث يتنزه الله سبحانه وتعالى  عنه، وكما لا نعرف كنه الذات العلية لا نعرف قربها أو بعدها؛ لأنه قرب لهذه الذات أو بعد لها، ففعل الله تعالى في كل هذا ليس كفعلنا؛ لأن ذاته ليست كذواتنا، فهو عز وجل  خالق ونحن مخلوقون وهو قديم ونحن حادثون، وهذا من الأشياء التي نعلم، وهذا من الأشياء التي نسلِّم بها ولا نعرف كيفيتها.

ويقول القاضي عياض: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، بل -كما ذكرنا- عن جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حدٍّ وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم وقربه منه وإبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبه، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول فيه ما يتأول في قوله صلى الله عليه وسلم : ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) على أحد الوجوه نزول إفضال وإجمال وقبول وإحسان، قال الواسطي: من توهم أنه بنفسه دنا، جعل ثمَّ مسافة، بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدًا -يعني: عن درك حقيقته, إذ لا دنو للحق ولا بعد- ومعلوم أن قول عياض هذا وقول الواسطي إنما هو من باب التأويل.

والأولى هو ما قلناه أولًا: إنه سبحانه وتعالى  دنا دنوًا يليق بذاته سبحانه وتعالى  ولا نعلم كيفيته ونؤمن به دون تشبيه ولا تمثيل، ولا نعلم كيفيته.

وقوله:{ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] فمن جعل الضمير عائدًا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا، كان عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم وعبارة عن إجابة الرغبة وقضاء المطالب وإظهار التحفي -أي: الاحتفاء- به صلى الله عليه وسلم وإنافة المنزلة والمرتبة من الله له، ويتأول فيه ما يتأول في قوله: ((من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) قرب بالإجابة والقبول وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمور.

ونقول أيضًا: إن في هذا تأويلًا، والأولى بنا أن نقول في مثل هذه الآيات التي أتت في كتاب الله تعالى: إننا نؤمن بها ولا نعرف كيفيتها، وعلى هذا المذهب أو ذاك فالتعبير في الحديث شبيه بالتعبير في قوله عز وجل : {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] والجدير بالذكر أن شريكًا لم ينفرد بهذا، فقد روي عن ابن عباس بإسناد الحسن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] قال: “دنا منه ربه”، فهذا -كما قال ابن حجر- شاهد قوي لرواية شريك هذه.

النقد التاسع: ما يفهم من هذه الرواية أن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى سؤال الله عز وجل  التخفيف كان عند الخامسة، بينما تنص رواية أخرى أن هذا كان بعد التاسعة، والحق أن شريكًا لم ينفرد بهذه؛ لأن رواية مالك بن صعصعة توافق روايته، ويمكن الجمع بين رواية شريك وما يوافقها وبين تلك الرواية التي خالفتها بأن رواية شريك ليس فيها نص على الرجوع خمس مرات، ولا تنص أيضًا على أن الله عز وجل  كان يخفف كل مرة عشرة, فربما كان يخفف أقل من ذلك في بعض المرات؛ حتى صارت المراجعة تسعًا.

والمقارنة التي ينبغي أن يعنى بها النقاد هي التي تكون بين رواية ثابت التي تقول: “إن التخفيف كان خمسًا خمسًا”, ورواية مالك بن صعصعة التي تقول: “إن التخفيف كان عشرًا عشرًا”، أما رواية شريك فيمكن الجمع بينها وبين رواية ثابت التي أعلت بها بسهولة كما رأينا، وعلى هذا فالمخالفة ليست بسبب خلل في ضبط شريك كما توهم بعض النقاد.

النقد العاشر: شبيه بالنقد الثامن من حيث إنهم يأخذون هنا على شريك عبارة: ((فعلا به إلى الجبار فقال وهو في مكانه: يا رب خفف عنا)) ففيها إضافة المكان إلى الله عز وجل  وهو سبحانه منزه عن الجرمية والحلول في مكان، وليس في نصوص الكتاب والسنة ما ينسب المكان صريحًا إلى الله تعالى وإن كان فيهما لفظ العلو والفوقية، ولكن هل في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى، الحق أنه كذلك؛ لأن الأرجح أن نقول: إن الضمير في مكانه يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرجع إلى الله تعالى، ويكون المكان إذًا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مكان الله عز وجل  وبهذا لا يتوجه اعتراض على هذه الرواية وليس فيها تجسيم للذات العلية، وهذا التعبير قريب الشبه من التعبير القرآني: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين} [الصافات: 99].

بقي من النقود النقد الحادي عشر والثاني عشر، وأرجو أن يرجع إليهما في كتابنا (أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية).

ولعله قد وضح لنا بعد هذه المناقشة أن هذه الرواية -رواية شريك بن أبي نمر- لا تستحق أن ترفض ولا يستحق راويها أن يتهم بما ينقص من ضبطه، وأن البخاري كان على جانب من الحق عندما رواها إلى جانب الروايات الصحيحة الأخرى، وحري بنا أن تكون هذه الرواية أمامنا ونحن ندرس أحاديث الإسراء والمعراج؛ لأنها تضفي على القصة معانٍٍ لم تذكرها الروايات الأخرى، وهذا في غالب الأمر هو ما دعا البخاري إلى روايتها. على أن الذي يعنينا بالدرجة الأولى هنا هو أننا وقفنا على نموذج فريد في نقد متون السنة، فالنقد هنا قد طال وقد شمل أجزاءً كثيرةً من الحديث، وقد اختصرنا اختصارًا شديدًا في عرض النقود ومناقشتها، والواقع أنها أطول من ذلك بكثير مما يدل على صبر النقاد وعلى تأملهم وعلى وقوفهم أمام الأحاديث حتى تخرج نقية خالصة من أية تغييرات يظن أنها تلحق بالحديث وتغير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.

error: النص محمي !!