Top
Image Alt

نقد ابن القيِّم لمتون الأحاديث في كتابه (المنار المنيف)، والقواعد التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا

  /  نقد ابن القيِّم لمتون الأحاديث في كتابه (المنار المنيف)، والقواعد التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا

نقد ابن القيِّم لمتون الأحاديث في كتابه (المنار المنيف)، والقواعد التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا

1. نقد ابن القيم لمتون الأحاديث في كتابة (المنار المنيف):

في نهاية التعرف على نقود المتون عند علمائنا ننهي ذلك بوقفة مع الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه القيم (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) ويتجلى في هذا الكتاب من أوله وآخره نقد المتون، ووضع قواعد كثيرة جدًّا، ومنصوص عليها منه -رحمه الله تعالى- يعني: كنا نستنبط قبل ذلك القواعد التي يسير عليها العلماء، أما هنا عند ابن القيم -رحمه الله- فهو ينص على هذه القواعد التي يمكن أن تطبق على كل الأحاديث فيميز منها ما هو صحيح، وما هو غير صحيح من حيث المتون لا من حيث الأسانيد.

هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟

يقول في كتابه: سُئلت: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده -أي: من حيث متنه؟

قال -رحمه الله-: فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكه، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم.

فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه: “من قال سبحان الله وبحمده، غرس الله له ألف نخلة في الجنة أصلها من ذهب” وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري. قال ابن عدي: أحاديثه مناكير، وأما أبوه فقال يحيى بن معين: لا شيء، ولا يُكتب حديثه، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: خرج من حد العدالة، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة.

ثم قال -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر أحاديث كثيرة: كلها فيها ثواب عظيم كبير لشيء قليل، ونحن لا نستكثر على المولى سبحانه وتعالى  أن يعطي الكثير على القليل.

ولكن الذي نلاحظه في أول مثال يعطيه ابن القيم في ذلك: أن نقد -إلى جانب نقد المتن- نَقْدَ السندِ، وبين أن جعفر هذا الذي روى عن أبيه لا يقبل حديثه لا هو ولا أبوه.

2. القواعد التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا:

ثم قال -رحمه الله تعالى-: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، وقد ذكرنا أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- ينص على تلك القواعد التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا، ومعنى ذلك أنه يتفرس في متنه، فالقواعد هذه أكثر ما تكون في المتون؛ فمنها:

القاعدة الأولى: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة جدًّا كقوله في الحديث المكذوب: “مَن قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له، ومَن فعل كذا وكذا أُعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، وفي كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء”.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من الكذب.

القاعدة الثانية: ومنها تكذيب الحس له، يعني: يحس الإنسان ويشعر أن هذا ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يحس عادة أن هذا لا يكون مقبولًا من ناحية التجربة التي تتكرر في مثل هذه الأمور، وضرب له مثلًا بحديث: “الباذنجان لما أكل له”، وحديث: “الباذنجان شفاء من كل داء” ضرب ابن القيم -رحمه الله تعالى- مثلًا لما يكذبه الحس بحديث: “الباذنجان بما أكل له” يعني: بالنية التي يأكل بها يتحقق له أو تتحقق له هذه النية، و”الباذنجان شفاء من كل داء” قال ابن القيم: قبح الله واضعهما، فإن هذا لو قاله أمهر الأطباء لَسَخِرَ الناس منه بحسهم وتجربتهم، ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الباذنجان الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم.

قال: وكذلك حديث: “إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل على صدقه” قال: هذا وإن صحح بعض الناس سنده -ولم يقل كل العلماء- فالحس يشهد بوضعه؛ لأننا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بصحته العطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق. هذا ما يقوله حس الناس وتجربتهم.

وكذلك قوله: حديث: “عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب، ويكثر الدمعة، قدس فيه سبعين نبيًّا”، وقد سئل عبد الله بن المبارك عن هذا الحديث، وقيل له: إنه يروي عنك فقال: وعني أيضًا! يعني: استنكر هذا، وهذه طبيعة الوضاعين ينسبون هذه الأحاديث الموضوعة إلى الأئمة.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ناقدًا متن هذا الحديث: أرفع شيء في العدس أنه شهوة اليهود، ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيًّا، وقد سمًّاه الله تعالى “أدنى” عندما طلب بنو إسرائيل أن يأكلوا من العدس وغيره، فقال له سبحانه وتعالى :{ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61].

ونَعَى على من اختاره على المن والسلوى، فبنو إسرائيل كان الله يمدهم بالمن والسلوى، فأرادوا أن يستبدلوا ذلك، وأن يكون العدس وغيره بدلًا من المَن والسلوى، وهذا في سورة البقرة في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] أَفَتَرَى أنبياء بني إسرائيل قدسوا في العدس لهذه العلة والمضار التي فيه من تهييج السوداء، والنفخ، والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك من المضار المحسوسة، ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى أو أشباههم.

ومن ذلك حديث: “إن الله خلق السماوات والأرض يوم عاشوراء” وحديث: “اشربوا على الطعام تشبعوا، فإن الشرب على الطعام يفسده، يمنع من استقراره في المعدة من كمال نضجه” ومن ذلك حديث: “أكذب الناس الصباغون والصواغون” والحس يرد هذا الحديث فإن الكذب في غيرهم أضعافه فيهم كأعداء السنة، فإنهم أكذبُ خلقِ الله، والكهان والطرائقيين والمنجمين، وقد تأوله بعضهم على أن المراد بالصباغ الذي يزيد للحديث ألفاظًا تزينه، والصواغ الذي يصوغ الحديث ليس له أصل، وهذا تكلف بارد لتأول حديث باطل.

القاعدة الثالثة: سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث: “لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا، ما أكله جائع إلا أشبعه”، فهذا من السمج البارد الذي يُصان عنه كلام العقلاء فضلًا عن كلام سيد الأنبياء.

وحديث: “الجوز دواء، والجبن داء، فإذا صار في الجوف صار شفاءً” قال ابن القيم: فلعن الله واضعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكحديث: “لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها ذهبًا” وحديث: “أحضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان” وحديث: “بئس البقلة الجرجير من أكل منها ليلًا بات ونفسه تنازعه، ويضرب عرق الجذام في أنفه، كلوها نهارًا وكفوا عنها ليلًا”، وكحديث: “فضل دهن البنفسج على الأدهان كفضل البيت على سائر الخلق” وغير ذلك من الأحاديث التي فيها سماجة ويسخر منها من سمعها أو قرأها.

القاعدة الرابعة: ومن القواعد التي وضعها ابن القيم لمعرفة الحديث الموضوع -وهذا نقد للمتون- مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضةً بينة، وهذا هو الذي تعرفنا عليه فيما سبق من عرض السنة على السنة الثابتة.

قال ابن القيم موضحًا ومبينًا: فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبس أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء. وابن القيم في هذا البيان اتسع بهذه القاعدة بعد أن كان الأمرُ عَرْضَ حديثٍ على حديث، هنا عرض هذا الحديث الذي جاء على روح السنة، واتجاهها وأهدافها، فالسنة لا تشتمل على فساد، وإنما تشتمل على الإصلاح، وكذلك لا تشتمل على ظلم أو عبس أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك كما قال -رحمه الله-: فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء.

ويتجلى ذلك في تمثيله، فقد مثل لهذه القاعدة، ققال: فَمِنْ هذا الباب أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار، وقد أورد الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) حديثًا: “إذا سَميتم الولد محمدًا فعظموه ووقروه وبجلوه، ولا تذلوه ولا تحقروه؛ تعظيمًا لمحمد”، وقال: وفي معناه أحاديث أخرى لا تصح”.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: هذا مناقض -يعني: حديث أو أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأن كل مَن يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار- قال: هذا مناقض لِمَا هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم وأن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة. قال: ومن هذا الباب أحاديث كثيرة علقت النجاة من النار بها، وأنها لا تمس -أي: النار- مَن فعل ذلك، وغايتها أن تكون من صغار الحسنات، والمعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، وأنه إنما ضمن النجاة منها لمن حقق التوحيد.

القاعدة الخامسة: أن يُدَّعَى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه، ولم ينقلوه كما يزعم أكذب الطوائف: “أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: هذا وصيي وأخي والخليفة مِن بعدي فاسمعوا له وأطيعوا”، ثم اتفق الكل على كتمان ذلك، وتغييره ومخالفته، فلعنة الله على الكاذبين. وهذه القاعدة على هذا النحو إنما تشبه قاعدة: “عموم البلوى”: يعني: قال بعض العلماء: إن الحديث إذا كان مما تعم به البلوى -أي: يحدث كثيرًا بين الناس- ثم يعرضون عنه، فهذا يدل على أنه ليس بصحيح. وهذا يشبه هذه القاعدة، ولكن هي ليست هذه القاعدة.

قال ابن القيم: وكذلك روايتهم: “أن الشمس ردت لعلي بعد العصر والناس يشاهدونها”، ولا يشتهر هذا أعظم اشتهار، ولا يعرفه إلّا أسماء بنت عميس الذي نُسب الحديث إليها.

القاعدة السادسة: أن يكون الحديث باطلًا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث: “المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش” وحديث: “إذا غَضِبَ الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية” وكحديث: “سِت خِصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر، وإلقاء القملة في النار وهي حية، والبَوْل في الماء الراقد، وقطع القطار –يعني: مجموعة الإبل وهي تسير وراء بعضها فيقطعها- ومضغ العلك وهو اللبان، وأكل التفاح الحامض” وكحديث: “الحجامة على القفا تورث النسيان” وحديث: “يا حميراء، لا تغتسلي بالماء المشمس فإنه يورث البرص”. وسنقف عند هذا الحديث -إن شاء الله- بدراسة، وكل حديث فيه: يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق.

كل هذه الأحاديث وبطبيعة الحال نسميها الأحاديث من الناحية الاصطلاحية فقط، وإلا فهي ليست أحاديث، فهي تدل على أنها باطلة في نفسها، ويدل بطلانها على أنها ليست من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

القاعدة السابعة: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلًا عن كلام رسول اللهصلى الله عليه وسلم  الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] أي: وما نطقه إلا وحي يوحى فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي بل لا يشبه كلام الصحابة، يدل هذا على أنه من الموضوعات كحديث: “ثلاثة تزيد في البصر: النظرة إلى الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن” وهذا الحديث مما يجل عنه أبو هريرة وابن عباس بل سعيد بن المسيب والحسن بل أحمد ومالك -رحمهم الله تعالى- يعني: أن هذا الحديث نسب إلى رواية هؤلاء وهم منه برآء، وحديث: “النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر” وهذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة، وحديث: “عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود -حدقة العين- فإن الله يستحيي أن يعذب مليحًا بالنار” فلعنة الله على واضعه الخبيث، وحديث: “النظر إلى الوجه الجميل عبادة” وحديث: “الزرقة في العين يمن”.

قال ابن القيم: وفي الباب أحاديث كثيرة، وأقرب شيء في الباب حديث: “إذا بعثتم إليَّ بريدًا، فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم” وفيه: عمر بن راشد، قال ابن حبان: يضع الحديثَ، وذكر أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث في (الموضوعات).

القاعدة الثامنة: أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله: إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان كذا كذا وقع كيت وكيت، كقول الكذاب الأشر: إذا انكسف القمر في المحرم كان الغلاء، والقتال، وشغل السلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا، واستمر الكذّاب في الشهور كلها، وأحاديث هذا الباب كذب مفترى، وهذا الذي ذكره ابن الجوزي قبل ذلك بأن يكون الحديث مخالفًا للتاريخ، وإن كان المراد بالتاريخ عند ابن الجوزي هو التاريخ الماضي، أما هنا فهو الإخبار بما يستقبل، أو بما مضى أيضًا من تواريخ.

القاعدة التاسعة: أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق، كحديث: “الهريسة تشد الظهر” وكحديث: “أكل السمك يوهن الجسد” وحديث “الذي شكَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة الولد، فأمره أن يأكل البيض والبصل” وحديث: “أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأُعطيت قوة أربعين في الجماع” وحديث: “المؤمن حلو يحب الحلاوة” ورواه الكذاب الأشر بلفظ: “المؤمن حلوي والكافر خمري” وحديث: “كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود” وحديث: “أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر”. إلى غير ذلك من الأحاديث، وحديث: “إذا طنت أذنُ أحدِكم فليصلِّ عليّ وليقل: ذكر الله من يذكرني بخير” وكل حديث في طنين الأذن فهو كذب.

القاعدة العاشرة: أحاديث العقل كلها كذب كقوله: “لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: ما خلقت خلقًا أكرم عليَّ منك، بك آخذ وبك أعطي” وهكذا.

القاعدة الحادية عشرة: الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد، كحديث: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فسمع كلامًا من ورائه فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر” وحديث: “يلتقي الخضر وإلياس كل عام” وحديث: “يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر…” إلى آخره الحديث المفترى الطويل، وسئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق فقال: مَن أحال على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان. وسُئِلَ البخاري عن الخضر وإلياس: هل هم أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) وسئل عن ذلك كثير غيرهم من الأئمة، فقالوا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُون} [الأنبياء: 34] وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)) وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين الخِضر حينئذٍ؟

قال أبو الفرج ابن الجوزي: والدليل على أن الخضر ليس بباقٍ في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحققين من العلماء، والمعقول.

أما القرآن: فقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُون} فلو دام الخضر كان خالدًا.

وأما السنة: فذكر حديث: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو اليوم عليها أحد)) متفق عليه، وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل: ((ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حيّة)).

وأما إجماع المحققين من العلماء: فقد ذكر عن البخاري وعلي بن موسى الرضا أن الخضر مات، وأن البخاري سئل عن حياته، فقال: وكيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ)) قال: وممن قال: إن الخضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربي وأبو الحسين بن المنادي وهما إمامان، وكان ابن المنادي يقبح قول مَن يقول: إنه حيٌّ، وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد، وذكر عن بعض أهل العلم: أنه احتج بأنه لو كان حيًّا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

واستمر ابن الجوزي في الأدلة التي تثبت أن أحاديث الخضر، وحياته موضوعة فقال بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني)) فكيف يكون حيًّا ولا يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة والجماعة، ويجاهد معه ألا ترى أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة، ولا يتقدم؛ لئلا يكون ذلك خدشًا في نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم قال أبو الفرج -أي: ابن الجوزي-: وما أبعد فَهم مَن يثبت وجودَ الخضر وينسَى ما في طيّ إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة.

أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه:

الوجه الأول: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه من ولد آدم لصلبه، وهذا فاسد فبذلك يكون عمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذكر في كتاب يوحنا المؤرخ، ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.

الوجه الثاني: أنه لو كان ولده لِصُلْبِه أو الرابع من ولدِ ولدِهِ كما زعموا، وأنه كان وزيرَ ذي القرنين، فإن تلك الخِلقة ليست على خلقتنا، بل هو مفرط في الطول والعرض، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خلق الله آدم طوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعد)) وما ذكر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس.

الوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قَبْلَ نوح لركب معه في السفينة، ولم ينقل هذا أحد.

الوجه الرابع: أنه قد اتفق العلماء أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبقَ غير نسل نوح، والدليل على هذا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِين} [الصافات: 77] وهذا يبطل قول مَن قال: إنه كان قبل نوح.

الوجه الخامس: أنه لو كان صحيحًا أن بشرًا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح، لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى  من أحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا وجعله آية، فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطانٌ.

الوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القرآن، وقد فصّل ابن الجوزي ذلك.

الوجه السابع: أن غاية مَن يتمسك مَن ذهب إلى حياته حكايات منقولة يخبر بها أن رأى الخضر، فيا لله العجب! هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه، وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخضر ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله، فأين للرائي أن المخبر له صادق ولا يكذب؟

الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بنَ عمران كليمَ الرحمن، ولم يصاحبه، وقال له: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78]. فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى، ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة، ولا مجلس علم ولا يعرفون شيئًا، وكل منهم يقول: قال الخضر؟!! فيا عجبًا له، يفارق كلام الله تعالى، ويدور على صحبة الجهال، ومَن لا يعرف كيف يتوضأ ولا كيف يصلي؟!!

الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله، ولم يحتج به في الدين إلا أن يقول: إنه لم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يرسل إليه وفي هذا مِن الكفر ما فيه.

الوجه العاشر: إنه لو كان حيًّا لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره للجمعة والجماعة، وتعليمه للعلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له؟!

وهكذا انتهى ابن القيم -رحمه الله تعالى- من الإثبات بالقرآن والمعقول والمنقول أن الخضر ليس حيًّا، ولكن الأمر يحتاج إلى أن نتعرف على وجهة النظر الأخرى التي تثبت أن الخضر حيٌّ، وهذا من بعض العلماء الذين يُعتبر بعلمهم وبفضلهم، ولهم أدلة في ذلك.

على كل حال ليس هذا مجالنا.

القاعدة الثانية عشرة: ومن القواعد كما قال ابن القيم: أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عُوج بن عنق الطويل الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإنهم يجترئون على هذه الأخبار، فإن في هذا الحديث: “إن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثُلثًا، وإن نوحًا لما خوفه الغرق قال له: احملني في قصعتك هذه، وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه، وأنه خاض البحر فوصل إلى حجزته -يعني: إلى وسطه- وأنه كان يأخذ الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس، وأنه قلع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى وأراد أن يرميهم بها فكورها الله في عنقه مثل الطوق”.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ليس العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على الله، إنما العجب مما يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره، ولا يبين أمره، وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِين} فأخبر أن كل مَن بقي على وجه الأرض فهو من ذرية نوح، فلو كان لعوج هذا وجود لم يبق بعد نوح عليه السلام وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) وأيضًا فإن بين السماء والأرض مَسيرة خمسمائة عام وسمكها كذلك، وإذا كانت الشمس بالسماء الرابعة فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة فكيف يصل إليها من طوله ثلاثة آلاف ذراع حتى يشوي في عينها الحوت، ولا ريبَ أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب التي قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم.

ومن هذا حديث: “أن “قافًا” جبل من زبرجدة خضراء تحيط بالدنيا كإحاطة الحائط البستان، والسماء واضعة أكنافها عليه فزرقتها منه”. وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفرًا.

قال ابن القيم: ومن هذا حديث: “إن الأرض على صخرة والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فتحركت الأرض وهي الزلزلة”. والعجب مِن مُسَوِّد كتبه بهذه الهذيانات، ورحم الله ابن القيم فإنه أدرك ببصيرته وخبرته الحديثية أن مثل هذا هو موضوع، على الرغم من أنه كان في عصر لم تكتشف فيه حقيقة الزلازل، وكيف تحدث، والآن وقد عرفنا كيف تحدث الزلازل كما بينها الجولوجيون، فندرك تمامًا أن هذا الحديث لا يمكن أن يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما عرفنا أن الأرض كروية، وتتحرك وتدور حول نفسها وحول الشمس، يتبين لنا جليًّا أن هذا الحديث غير صحيح، وأنه موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن هذا حديث: “كانت جنية تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبطأت عليه، فقال: ما أبطأ بك؟ قالت: مات لها ميت بالهند فذهبت في تعزيته، فرأيت في طريقي إبليس يصلي على صخرة، فقالت له: ما حملك على أن أضللت بني آدم؟ فقال: دعي هذا عنك. قلت: تصلي وأنت أنت؟ قال: يا فارغة، إني لأرجو من ربي إذا برَّ قسمه أن يغفر لي فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك مثل ذلك اليوم”. قال ابن عدي في (الكامل): حدثنا عبد المؤمن بن أحمد، قال: حدثنا منقر بن الحكم، قال: حدثنا ابن لهيعة عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر فذكره، قال ابن القيم: والله تعالى يعلم بما دسّ في كتب ابن لهيعة وإلا فهو أعلم بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا الهذيان.

القاعدة الثالثة عشرة: مخالفة الحديث صريح القرآن، وهذا المقياس قد مر عند السيدة عائشة رضي الله عنها  وعند بعض الصحابة رضي الله عنهما كعمر وابن عباس وغيره، ومن المتأخرين نسبيًّا عند ابن الجوزي، وهو ها هنا عند ابن القيم مخالفة الحديث صريح القرآن، ومثل له ابن القيم بحديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وبطبيعة الحال قد مرت الألف، ونحن في الألف الثامنة الآن على هذا الحديث.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي القيامة من وقتنا هذا مائتان وإحدى وخمسون سنة، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ} [الأعراف: 187].

ومما يدل على أن تقدير عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة، وأنه مخالف لصريح القرآن الكريم، قولُه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [لقمان: 34] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) وقد جاهر بالكذب بعض مَن يدعي في زماننا العلم، وهو يتشبع بما لم يعطَ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم متى تقوم الساعة، قيل له: فقد قال في حديث جبريل: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) فحرّفه عن موضعه، وقال: معناه أنا وأنت نعلمها. قال ابن القيم: وهذا من أعظم الجهل، وأقبح التحريف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من أن يقول لمن يظنه أعرابيًّا: “أنا وأنت نعلم الساعة” إلا أن يقول هذا الجاهل: إنه كان يعرف أنه جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصادق في قوله: ((والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا وعرفته غير هذه الصورة)) وفي اللفظ الآخر: ((ما شبه عليَّ غير هذه المرة)) واللفظ الآخر: ((ردوا عليَّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا فلم يجدوا شيئًا)) وإنما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبريل بعد مدة كما قال عمر: فلبثت مليًّا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا عمر، أتدري مَن السائل؟)) والمحرف يقول: عَلم وقت السؤال أنه جبريل ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة.

ثم في قوله في الحديث: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) يعم كل سائل ومسئول عن هذه الساعة شأنهما كذلك -يعني: أن هذا الحديث أيضًا يرده الحديث الشريف- ولكن هؤلاء الغلاة عندهم أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم منطبق على علم الله سواءً بسواء، فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يقول: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] وهذا في سورة “براءة” وفي أواخرها، وهي من أواخر ما نَزَلَ من القرآن، هذا والمنافقون جيرانه في المدينة.

ومن هذا عُقْدُ عائشة رضي الله عنها  لما أرسل في طلبه، فأثاروا الجمل فوجدوه. ومن هذا حديث تلقيح النخل وقال: “ما أرى لو تركتموه يضره شيء، فتركوه فجاء شيصًا فقال: ((أنتم أعلم بدنياكم))، وقد قال الله تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] وقال: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: 188] ولِمَا جرى لأم المؤمنين عائشة ما جرى ورماها أهل الإفك بما رموها به لم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم حقيقة الأمر حتى جاءه الوحي من الله ببراءتها، وعند هؤلاء الغلاة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الحالة على حقيقته بلا ريبة، واستشار الناس في فراقها، ودعا الجارية فسألها، وهو يعلم الحال، وقال لها: ((إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله)) وهو يعلم علم اليقين أنها لم تذنب.

ولا ريبَ أن الحامل لهؤلاء على الغلو إنما هو اعتقادهم أنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة، وكلما غلو وزادوا غلوًا فيه كانوا أقربَ إليه وأخص به، فهم أعصى الناس لأمره وأشدهم مخالفة لسنته، وهؤلاء فيهم شبه ظاهر من النصارى الذين غلوا في المسيح أعظم الغلو، وخالفوا شرعه، ودينه أعظم المخالفة.

والمقصود أن هؤلاء يصدقون بالأحاديث المكذوبة الصريحة، ويحرفون الأحاديث الصحيحة عن مواضعها لترويج معتقداتهم، ويشبه ما وقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة: “خلق الله التربة يوم السبت…” الحديث وهو في (صحيح مسلم)، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير، وقاله غيرُه من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا؛ لأن الله تعالى أخبر أنه خلق السماوات وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام.

هكذا وافق ابن القيم -رحمه الله تعالى- البخاري ومَن ذهب مذهبه من أن هذا الحديث وقع فيه الغلط، وأنه يتعارض مع مدة التخليق سبعة أيام، ويتعارض مع أن الله تعالى أخبر في القرآن الكريم أنه خلق السموات وما بينهما في ستة أيام، فهذا الحديث يقتضي أن مدة التخليق سبعة أيام.

ولكن هناك وجهة نظر أخرى أن الحديث ليس فيه غلط ولا يخالف القرآن الكريم؛ لأن الحديث لا يتكلم عن خلق السموات والأرض، وإنما يتكلم عن شيء على الأرض، فبعد أن خلق الله عز وجل  السموات والأرض خلق على الأرض أمورًا كالجبال والتربة وكذا وكذا، ولقد أنصف ابن القيم -رحمه الله تعالى- حين بين أن هذا الحديث لا يتعارض مع القرآن الكريم، وأن الحديث في أمر غير أمر خلق السموات والأرض، فنقل عن صاحب (مِشكاة المصابيح) بعد أن ذكر حديث التربة وقال: رواه مسلم ولا مطعنَ في إسناده، قال: وليس هو مخالفًا للقرآن بوجه من الوجوه خلافًا لِمَا توهمه بعضهم، فإن الحديث يفصل كيفية الخلق على الأرض وحدها، وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونص القرآن على أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام والأرض في يومين، لا يعارض ذلك الاحتمال أن هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث.

وقال صاحب (المشكاة) أيضًا: والحديث تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل والأيام السبعة من أيامنا هذا كما هو صريح الحديث، وحينئذٍ فلا تعارض بين القرآن وبينه؟

ومن ذلك –يعني: من الأحاديث التي رويت ويدل متنها على أنها غير صحيحة- الذي يروى في الصخرة أنها عَرْش الله الأدنى -تعالى الله عن كذب المفترين- ولما سمع عروة بن الزبير هذا قال: “سبحان الله، وسع كرسيه السموات والأرض”، وتكون الصخرة عرشه الأدنى. فذلك أيضًا يدل على أن هذا مخالفٌ للقرآن الكريم.

قال ابن القيم: كل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقَدَم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين، قالوا: إن القدم التي عليها هي قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وقف عليها ليعرج بها إلى السماء، وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الزمان، أبدل الله بها هذه الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام، ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس: هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها، فقال له كعب: “يا أمير المؤمنين، ابنهِ خلف الصخرة، فقال: يا ابن اليهودية، خالطتك اليهودية، بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون فبناه حيث هو اليوم”.

وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضائلها وفضائل بيت المقدس، والذي صح في فضله قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) وهو في الصحيحين، وقوله من حديث أبي ذر: ((وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ فقال: المسجد الحرام، ثم قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى…)) الحديث. وهو حديث متفق عليه، وحديث عبد الله بن عمرو: ((لما بنى سليمان البيت سأل ربه ثلاث مسائل: حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد بعده فأعطاه إياه، وسأله ألا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك)). وهو في (مسند أحمد) والحاكم.

وفي الباب حديث رابع دون هذه الأحاديث رواه ابن ماجه في سننه، وهو حديث مضطرب: “إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة” وهذا محال؛ لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة، وقد روي في بيت المقدس التفضيل بخمسمائة -يعني: بخمسمائة صلاة- وهو أشبه، وصح أنه صلى الله عليه وسلم أسري به إليه، وأنه صَلَّى فيه وأَمَّ المرسلين في تلك الصلاة، وربط البراق بحلقة الباب، وعرج به منه، وصح عنه أن المؤمنين يتحصنون به من يأجوج ومأجوج.

فهذا مجموع ما صح فيه من الأحاديث.

ثم افتتح الكذاب الجراب وأكمل الأحاديث المكذوبة فيه وفي الخليل، فقبح الله الكاذبين على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحرفين للصحيح من كلامه، فيا لله من للأئمة من هاتين الطائفتين؟

ومنها -يعني: الأحاديث الموضوعة التي يعرف أنها موضوعة من حيث متنها، وما فيها من علامات على ذلك- أحاديث صلوات الأيام والليالي الأحد وليلة الأحد، ويوم الإثنين وليلة الإثنين… وهكذا إلى آخر الأسبوع كلها إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب.

وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمثالها ما رواه عبد الرحمن بن منده وهو صدوق عن ابن جهم وهو واضع الحديث، قال: حدثنا علي بن محمد بن سعيد البصري قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا خلف بن عبد الله الصنعاني عن حميد الطويل عن أنس يرفعه: “رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي…” الحديث وفيه: “لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب” وذكر الحديث المكذوب بطوله.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ومنها أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان كحديث علي: “مَن صلى ليلة النصف من شعبان مائة ركعة بألف: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص: 1] قضى الله كل حاجة طلبها تلك الليلة…”، وساق جزافات كثيرة إلى آخر الحديث. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها، وهذا الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربعمائة ونشأت من بيت المقدس فوضع لها عدة أحاديث.

القاعدة الرابعة عشرة: ومنها -وقد سبق أن تعرفنا على ذلك عند ابن الجوزي: ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع، ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن كحديث: “أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذُن من خبر” وحديث: “ارحموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالمًا يتلاعب به الصبيان” ومن ذلك حديث ذم الحاكة والأساكفة والصواغين أو صنعة الصنائع المباحة، كله كذب على رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذ لا يذم الله ولا رسوله الصنائعَ المباحة.

ومن الأحاديث أيضًا التي يعرف أنها كذب بمجرد ما فيها من معانٍ أحاديث: ذم الحبشة والسودان، قال ابن القيم: كلها كذب ومنها أحاديث ذم الترك، وأحاديث ذم الخصيان، وأحاديث ذم المماليك.

القاعدة الخامسة عشرة: ومنها: ما يقترن من الحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل، وذلك مثل حديث وضع الجزية عن أهل خبير. قال ابن القيم: وهذا كذب من عدة وجوه، وهذه الوجوه هي القرائن التي قصدها ابن القيم -رحمه الله تعالى:

أحدها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد قد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، أي: توفي قبل كتابة هذا الكتاب.

ثانيها: أن فيه: وكتب معاوية بن أبي سفيان هكذا، ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح وكان من الطلقاء -يعني معناه أسلم بعد كتابة هذا الكتاب.

ثالثها: أن الجزية لم تكن نزلت حينئذٍ ولا يعرفها الصحابة رضي الله عنهما ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك، وحينئذٍ وضعها النبي صلى الله عليه وسلم على نصارى نَجران وعلى يهود اليمن، ولم تؤخذ من يهود المدينة؛ لأنهم وادعوه قبل نزولها ثم قتل من قتل منهم، وأجلى بقية منهم إلى خيبر وإلى الشام، وصالحه أهل خيبر قبل فرض الجزية، فلما نزلت آية الجزية استقر الأمر على ما كان عليه وابتدأ ضربها على من لم يتقدم له معه صلح، فمن هاهنا وقعت الشبهة في أهل خيبر.

رابعها: أن فيه: وضع عنهم الكُلف والسُّخر، ولم يكن في زمانه صلى الله عليه وسلم كُلف ولا سخر ولا مكوس، والمراد بالكلف: ما يكلفون به دون أجر ودون مقابل، وكذلك المكوس والتسخير -سُخر يعني: التسخير- كل ذلك يؤخذ من الأموال أو يعملون أعمالًا دون مقابل.

خامسها: الذي يدفع صحة هذا الحديث أنه لم يجعل لهم عهدا لازمًا -يعني: لم يجعل لأهل خيبر عهدًا لازمًا- بل قال: نقركم ما شئنا، فكيف يضع عنهم الجزية التي يصير لأهل الذمة بها عهد لازم مؤبد، ثم لا يثبت لهم أمانًا لازمًا مؤبدًا.

سادسها: أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكيف يكون قد وقع، ولا يكون علمه عند أحد من حملة السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، وينفرد بعلمه ونقله اليهود؟

سابعها: أن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية عنهم، فإنهم حاربوا الله ورسوله، وقاتلوا أصحابه، وسلوا السيوفَ في وجوههم، وسموا النبي صلى الله عليه وسلم وآووا أعداءه المحاربين المحرضين على قتاله، فمن أين يقع هذا الاعتناء به وإسقاط هذا الفرض الذي جعله الله عقوبة لمن لم يدن منهم بدين الإسلام؟

ثامنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقطها عن الأبعدين مع عدم معاداتهم له كأهل اليمن وأهل نجران، فكيف يضعها عن جيرانه الأدنين مع شدة معاداتهم له وكفرهم وعنادهم، ومن المعلوم أنه كلما اشتد كفر الطائفة وتغلظت عداوتهم كانوا أحق بالعقوبة لا بإسقاط الجزية؟

تاسعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أسقط عنهم الجزية -كما ذكروا- لكانوا من أحسنِ الكفار حالًا، ولم يحسن بعد ذلك أن يشترط لهم إخراجهم من أرضهم وبلادهم متى شاءَ، فإن أهل الذمة الذين يقرون بالجزية لا يجوز إخراجهم من أرضهم وديارهم ما داموا ملتزمين لأحكام الذمة، فكيف إذا روعي جانبهم بإسقاط الجزية، وأعفوا من الصغار الذي يلحقهم بأدائها، فأي صغار بعد ذلك أعظم من نفيهم من بلادهم وتشتيتهم في أرض الغربة، فكيف يجتمع هذا وهذا؟! عاشرها: أن هذا لو كان حقًّا لَمَا اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون والفقهاء كلهم على خلافه، وليس في الصحابة رجل واحد قال: لا تجب الجزية على الخيبرية لا في التابعين، ولا في الفقهاء، بل قالوا: أهل خيبر وغيرهم في الجزية سواء، وعرضوا بهذا الكتاب المكذوب، وقد صرحوا بأنه كذب كما ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وغيرهم، وذكر الخطيب البغدادي هذا الكتاب، وبين أنه كذِب من عدة وجوه وأُحضر هذا الكتاب بين يدي شيخ الإسلام -أي: ابن تيمية- وحوله اليهود يزفونه ويجلونه، وقد غُشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بصق عليه، وقال: هذا كذب من عدة أوجه وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصَّغار.

error: النص محمي !!