Top
Image Alt

نقد البراجماتية

  /  نقد البراجماتية

نقد البراجماتية

قد تقدم بيان أن مصطلح البراجماتية ليس مرادفًا للعقلانية؛ فالبراجماتية تقرر أن الحقيقة أو التجربة أو الواقع يتغير، أما الواقع والحقيقة في نظر العقلانية فهي قائمة منذ الأزل؛ فبمقدار ما ينظر العقلانيون إلى الماضي يعتد البراجماتيون بالمستقبل وحده.
أما العلمانية أو اللادينية بتعريفها العلمي الدقيق، فقد كانت وما تزال منهجًا فكـريًّا هـدامًا تسللت من خلاله أفكـار الغرب وقيمه التي تحملها، وكان من أخلص دعاتها بَعْض أبناء هذه الأمة وفلذات كبدها، إلا أن تيار الصحوة الإسلامية الذي اجتاح بفضل الله ورحمته بقاع الأرض تصدى لهذا الفكر الفاسد، وعرَّى دعاته، ورد كيد مروِّجيه.
فلم يعد للعلمانية في عدد من ديار المسلمين التي نضجت فيها الصحوة ونمت وأثمرت مشاعل خير وهدى، لم يعد لها بريق أخاذ كما كانت في الماضي؛ فقد أصبحت الأصوات المنادية بأفكارها نشازًا، ودعاتها منبوذين، واستبانت للجماهير سبيلُ المجرمين وطريقُهم.
فلم يعد مقبولًا في أكثر بلاد المسلمين أن ينعق أحد بالقول: ما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ وما للإسلام وزي المرأة؟ وما للإسلام والأدب؟ وما للإسلام والاقتصاد؟ لكن هذه الأصوات تجد آذانًا صاغية، بل وأتباعًا ومريدين ومؤيدين حينما تنهج الفكر البراجماتي، فتقول: “إنه لا بأس بوجود القنوات الفضائية العربية الماجنة، طالما أنها تصرف المشاهدين المسلمين عن القنوات الكفرية المنحلة”.
أو تنادي بأن التمكين في الأرض واستخلافها يسوِّغ بعض الربا، إذ ما أدى إلى انتعاش موارد الأمة وقوة اقتصادها، كما أنه ليس في بعض الكفر والإلحاد بأس إذا ما أنتج الأدب إبداعًا ثقافيًّا مميزًا، فهذا المذهب الذرائعي البراجماتي ربما كان مطية يمتطيه أصحاب الفكر العلماني للوصول إلى مآربهم وأهدافهم في تمييع شـرائع الدين، ونقض أصوله وثوابته.
والحق أن البراجماتية -على هذا النحو- تعد أكثر خطرًا على سلوك المسلمين، وعامتهم من العلمانية في وقتنا المعاصر، كما أن دعاتها الذين استمرءوا هذا الفكر ودافعوا عنه، وروجوا له وحسنوه في أعين الناس، وارتضوه معتقدًا ومنهجًا لسلوكهم ليسوا مجرد عُصاة، بل مبتدعة ومحدثون يسري فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)).
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((من أحدث فيها أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))، وهم أشد من مرتكبي المعاصي المقصرين، والمعترفين بذنوبهم وآثامهم، فكما قال سفيان الثوري: “البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها”.
فخطرهم قد امتد إلى كثير من نواحي الحياة، ولم يقتصر على السلوك الشخصي لأبناء الأمة، بل تجاوزه إلى التغلغل إلى معاملاتهم الاقتصادية، وتوجهاتهم الأدبية، ومناهجهم السياسية، ومنطلقاتهم الإعلامية.
فالتزام المسلم فيما يكتب ويقول يعد مبدأ هامًّا من المبادئ المقررة في الشريعة، وهو “الالتزام” الذي تدعو إليه أدبيات الدعوة، وسيرة السلف الصالح.
فحياة المسلم وأفكاره ومنطلقاته لا تسير عبثًا ولا تتشكل ارتجالًا، بل قوامها ومرجعها الثوابت الأساسية، والشرائع الربانية التي تعد الإطار العام الذي ينظم للمسلم ومنطلقاته، وتوجهاته العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية، وسائر حياته العامة.
والناظر إلى المذاهب الأدبية المتعارضة والمتناقضة يجد أنهـا كانت نتاج أزمات، وردود أفعال زمنية مَرَضِيَّة مرتبطة بالحالات والأزمان التي عايشتها؛ لذا فقد ظهرت تلك الأفكار ونمت تلك الاتجاهات الأدبية المريضة، وما يقابلها من اتجاهات معاكسة، وانبثقت من المجتمعات التي تسودها الأنانية المطلقة، والحرية الفردية التي تقدس الوحدوية، وتسعى إلى نقل ذلك التقديس الفردي إلى ما يصدر عن ذلك الفرد من أقوال لا ترتبط بثوابت ولا بقيم.
وقد كان للاتصال بالغرب والتتلمذ على أيديهم الأثر الكبير في تبني تلك المذاهب الأدبية المنحرفة، فبدافع الواقعية أو البراجماتية في الاستفادة من العلوم الغربية، ومحاكاة الغرب والتنافس معه في طلب العلم والمعرفة أقبل الأدباء والمفكرون المسلمون على تبني تلك المناهج الأدبية المنحرفة، وسايروا توجهاتهم الفكرية والأدبية، ونقلوها على علاتها وأسقامها.
فظهر المتبنون للمناهج الأدبية التي منها تلك المناهج، التي تجعل كاتب النص، أو مستقبله يترفع عن المبادئ والقيم التي تحكم المجتمع، فيقرأ المستقبل للنص، وهو يشارك القائل الحرية في معناها الإنساني دون أن يكون للنص علاقة بصاحبه، أو بمظاهر الحياة أو قيمها التي تسود في ذلك الزمن الذي صدر فيه النص.
كما ظهر أولئك المسايرون للمذاهب الحداثية في دراسة النصوص، فاعتنوا بالشكل دون المضمون، وأصبحت دراسة النص لديهم تنْحو المنحى التحليلي المعتمد على الدلالات والرموز والطلاسم، والإشارات المتحررة من جميع النـزعات الدينية أو السياسية أو المذهبية، وتخلَّوْا عن مصطلحات النقد العربي إلى المصطلحات الغربية؛ ليضفوا على توجهاتِهم الشرعيةَ والعلميةَ، فتحوَّل المجاز في اللغة إلى “انحراف”، ودلالات اللغة إلى “سيميوتيكا”.
والإشارات الموحية إلى “سوسيولوجيا”، وقواعد اللغة إلى زوايا وخطوط وتقاطعات وتداخلات هندسية، وحلت هذه المصطلحات محل مصطلحات النقد الأدبي الموروث؛ ليختلط بذاك المعنى مع التركيب مع الدلالة؛ ولتصبح إبداعًا وابتكارًا وتجديدًا يختلط فيه الصحيح مع السقيم والحق مع الباطل، والخير مع الشر دونما رابط أو محدد أو إطار ينظم ذلك الإبداع ويقوِّمه.
خلافًا للأدب الذي كانت بداياته وأصوله الإسلامية حسنة منذ زمن طويل، فإن ولادة الإعلام في كثير من بلاد المسلمين كانت على يد المستعمر الأجنبي، الذي أنشأ تلك الوسائل الإعلامية التي من أهدافها أن تديم وتبقي استعماره، وترسخ سيطرته وسطوته؛ ولذلك فقد كانت منطلقات الإعلام وأهدافه لا تمت بصلة لخدمة قضايا الأمة، ولا ترتبط بتراثها الأصيل.
فالإذاعة على سبيل المثال بدأت في بلادنا العربية كمحطات أهلية صغيرة متفرقة في مصر، هدفها خدمة الاستعمار، فلما تحولت إلى مؤسسات حكومية ظلت تقلد الغرب، وتعتمد على الترجمة والاقتباس والنقل الأعمى لما تبثه إذاعات الغرب ووسائله، وهكذا كان الحال في معظم البلاد العربية والإسلامية.
وما يسري على الإذاعة يسري كذلك على التلفاز والمسرح والسينما، التي تنافست في تشتيت هوية الأمة، وإهدار فكرها، وتمزيق وحدتها، وإفساد أخلاقها.
وعلى هذا فقد بُني أغلب إعلامنا لخدمة الغرب ومبادئه، وغلب عليه الانفصام بين الدين والدنيا، والبعد عن الأصالة، والإيغال في التقليد الأعمى، ولم تكن الحركات الإصلاحية الرسمية ذات أثر فعال سوى فيما يحقق أهدافها ومآربها من توجهات إعلامية ترضيها، وتعمل على تقديسها وإضفاء الشرعية المطلقة لأحكامها وأوامرها.
ولما هيأ الله لهذه الأمة صحوة مباركة أيقظت أبناءها من السبات العميق، والغفلة الغارقة، أدرك المصلحون الحاجة إلى صياغة أخرى للإعلام الإسلامي، وخدمة قضايا الأمة وأهدافها السامية؛ حينها ظهرت المحاولات الجادة لأسلمة الإعلام، وجعله أداة داعية إلى الخير العام للإنسانية، ومعينًا على عمارة الأرض والاستخلاف فيها، ومحققًا للعبودية الخالصة لله عز وجل، كما قال -تعالى-: {قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
وظهر في الساحة الإسلامية أولئك المتبنون والمتحمسون لتقديم إعلام إسلامي رزين، يكون بديلًا لتلك المعاول الهدامة والوسائل المفسدة. ولكنها لم تكن سوى بدايات متواضعة واجتهادات بسيطة أمام ذلك الفساد الجارف، ونشأ بين هؤلاء وأولئك البراجماتيون الذين خلطوا السم بالدسم؛ ليقدموا إعلامًا هجينًا مشوَّهًا يختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر؛ فظهرت تلك الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، التي جعلت الترويج والترفيه هدفًا أساسًا، وغاية كبرى للإعلام الإسلامي البديل فخلطت المفاهيم، ومُيِّعت القضايا باسم الإسلام ونصرته ونشر مبادئه السمحة.
فليس هناك غضاضة لدى القائمين عليها من أن تعرض تلك القنوات أفلامًا عربية ساقطة، ومفسدة للأخلاق بحجة أنها البديل الأفضل، والأهون ضررًا على المشاهد العربي المسلم من تلك الأفلام الأجنبية الغربية الخليعة.
كما أنه لا بأس في عصر الحضارة والتقدم أن تنبري بعض الماجنات، والمتغربات مظهرًا ومخبرًا لتقديم الفتاوى الإسلامية، ومناقشة القضايا الدينية والاجتماعية في حياة أبناء وبنات هذه الأمة.
فكان هذا التوجه البراجماتي الخطير نذير شؤم على تصحيح مسار الإعلام الإسلامي النبيل، فدعاته هم أولئك الذين يملكون السبل المادية، والإمكانات البشرية التي يحلو لها الرقص على ما يثير نزواتها وشهواتها.
يقول الدكتور محمد عزيز سالم: “إن البراجماتية تعبير صادق عن الفلسفة الأمريكية”، فهي تدعو إلى العملية، وتتخذ من العمل مقياسًا للحقيقة؛ لتوافق بذلك ما يدعو له النظام الرأسمالي الذي يربط بين الحقيقة من جهة، والذاتية والنفعية من جهة أخرى.
وأصبحت البراجماتية منذ ذلك الحين المبدأ الإداري والاقتصادي الحكيم، الذي يتعامل مع الواقع وما يحيط به من ظروف متغيرة بصورة عملية تحقق الأهداف القائمة على مبدأ المنافسة الحرة بكفاءة واقتدار، وأصبح المصطلح البراجماتي مفهومًا مرتبطًا بالإدارة والاقتصاد، وتسلل هذا المفهوم إلى مبادئ الاقتصاديين والإداريين المسلمين وسلوكيات التجار، وأصحاب الأموال والاستثمارات.
فتساهل الممارسون للأعمال التجارية في استخدام جميع الوسائل -بغض النظر عن شرعيتها-، للوصول إلى ما يعتقدونه هدفًا ساميًا، وغاية حسنة تسوغ الوسائل كلها، فظهر من ينادي بحِلِّ بعض أنواع الربا حتى تتمكن البنوك الإسلامية من مقارعة مثيلاتها الغربية الكافرة ومنافستها، واستحلال اليانصيب لجمع الأموال وإنفاقها في وجوه الخير.
كما ظهر من لا يرى غضاضة في استخدام الأساليب الإعلامية والإعلانية الشهوانية، تقليدًا للغرب؛ وذلك بحجة جذب المستهلكين إلى الصناعات المسلمة، وصرفها عن صناعات أعدائها؛ فأصبح من المضحك المبكي أن ترى من لا يجد بأسًا في ظهور الفتيات الفاتنات، يعرضن إعلانًا لأحد المنتجات العربية، ما دمن متحجبات الحجاب العصري الجديد.
كما ظهرت في بلادنا العربية تلك الاستثمارات السياحية المشبوهة، والاحتفالات المختلطة التي يسوِّغ دعمها صرف الشباب المسلم عن الوقوع فريسة السياحة الغربية الكافرة، والأمثلة كثيرة على تلك الاستثمارات التجارية المتنامية في بلاد المسلمين، التي تقوم على أسس براجماتية وذرائعية.
إن البراجماتية ليست فلسفة خاطئة فقط، بل هي ممارسة وضيعة، تسقط الإنسان في وحل سلوك الحيوانية وما قبلها، فالإنسان لم يصبح إنسانًا إلا بفضل التزامه منظومة قيم، وحينما يتخلى عنها يرتد، لكنه بارتداده للحيوانية، وما قبلها يفقد الخيط والعصفور، كما يقال، أي: أنه يخرج من مملكة الإنسان، لكنه لا يدخل مملكة الحيوان مجددًا، بل يدخل مملكة فساد الضمير، وهي مملكة يأكل فيها المخلوق ذاته كي يعيش، وهي أحط وأقذر ممالك المخلوقات؛ لذلك فالبراجماتية هي فلسفة وقوعية، وليست واقعية.
ولاختصار الإحاطة بهذه الفلسفة، فإن مدخل دراستها يقتضي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية في النظم والقيم، فنحن أمام مقولتين:
الأولي: ازدراء الفكر أو النظر.
الثانية: إنكار الحقائق والقيم.
أي بعبارة أخرى أكثر وضوحًا، فإن العمل عند جيمس مقياس الحقيقة، فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة، ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها.
وقد نبتت فلسفته منذ بداية اهتماماته بها من حاجاته الشخصية؛ إذ عندما أصيب في فترة من عمره بمرض خطير، استطاع بجهوده أن يرد نفسه إلى الصحة، فاعتقد أن خلاص الإنسان رهن بإرادته، وكان الموحي إليه بالفكرة المفكر الفرنسي رنوفيير، الذي عرف الإرادة الحرة بأنها “تأييد فكرة؛ لأن المرء يختار تأييدها بإرادته حين يستطيع أن تكون له أفكار أخرى”.
وكانت تجربة شفائه من المرض قد هدته إلى أهمية العمل، ورجحت عنده الاجتهاد في العمل بدلًا من الاستغراق في التأمل؛ “لأن العمل هو الإرادة البشرية استحالت حياة”.
وتلون هذه الفلسفة نظرة أتباعها إلى العالم، فإن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات، بل هو شيء كائن، وهو في الحق مجموعة من أشياء كثيرة، وليس من شيء يقال له الحق دون سواه!. إن الذي ندعوه بالحق، إنما هو فرض عملي -أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام.
ويلزم من هذا التعريف للعالم، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال، فما كان حقًّا بالأمس -أي ما كان أداة صالحة أمس- قد لا يكون اليوم حقًّا؛ ذلك بأن الحقائق القديمة، كالأسلحة القديمة تتعرض للصدأ، وتغدو عديمة النفع”.
وهذه بعض الأوجه لنقد البرجماتية من وجهة النظر الفلسفية:

  1. في نقدنا لهذه الفلسفة، سنبدأ بالمنهج المقارن حيث يتبين أنها في جوهرها الفلسفة هي الرواقية القديمة، التي أسسها زينون، فإذا أباح وليم جميس لنفسه بعث الحياة فيها من جديد، فإن ذلك يقوض دعائم فكرته عن استبعاد الحق القديم، كما سنوضح بعد قليل.
  2. الحق قيمة مطلقة، وليست نسبية وإلا فإن المجتمع يصاب بالفوضى المدمرة لكيانه، وبعلاقاته مع غيره من المجتمعات بسبب الحرب.
    وبغير الاعتقاد في ثبات المبادئ، فإننا لسنا أمام فلسفة جديدة وإن بدت كذلك، ولكنها مجرد إعادة للنظرية الرواقية القديمة مضافًا إليها الروح النضالية الحديثة، فإن الخير الحقيقي عند الرواقي القديم في حكمة الاختيار وحدها، وليس في الشيء المختار الذي يصطفيه، مثله كمثل ضارب القوس يهدف إلى عين الثور، فغايته ليست في إصابة الهدف نفسه، بل إظهار مهارته في إصابته”!!
    إن تعليق الحكمة هنا في مظهرها العملي، أي على النجاح في ذاته بصرف النظر عن إصابة الهدف، تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضًا، إذ تتنافس على التفوق والغلبة، ولا تتفق إرادتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة: كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة في ذاتها.
    فهل نحن مرة أخرى أمام دليل جديد يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم؟!
  3. يرى وليم جيمس أن الحق إنما هو فرض عملي، أي مجرد أداة يختبر بها تصوره السابق، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة!!
    والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة: أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابتة خارج مقولتي الزمان و المكان.
    ونراه أيضًا يخلط خلطًا معيبا بين المبادئ والأهداف، حيث يصبها في قالب المنفعة، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولًا عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات، فضلًا عن افتقاد المنافع، وهذا هو منهج الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام.
    يقول الدكتور توفيق الطويل في تقييم هذه الفلسفة: ” ويكفي أن تعتبر البراجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها، بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلًا، فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها! ولم يجد أصحاب البراجماتية غضاضة في النظر إلى الحق، أو الخير كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفى الأخلاق، وفى السياسة وفى كل مجال.
    ونضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة، ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق، واستفحلت أخطاره التي تتضح، كما يرى الدكتور فؤاد زكريا في ثلاثة:
    أ. اللاأخلاقية: بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة، ومراعاة المواعيد، ولكنها كفضائل ليست مقصودة لذاتها، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير، وتظهر اللاأخلاقية بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام.
    ب. الارتباط الوثيق بالحروب.
    ج. الانحرافات السلوكية: وأظهرها الإجرام، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة، والصراعات من شأنه تمجيد العنف، ويتضح الانحراف بصورة أخرى في شرب المسكرات والمخدرات وعقارات الهلوسة وغيرها، وتفسيرها أنها ظاهرة هروبية من واقع العنف والمنافسة المريرة التي لا ترحم.
  4. لم يسلم الدين أيضًا من التفسير النفعي في ضوء الفلسفة البراجماتية، فإن اعتبار شروط وجود الدين وأصوله ونشأته لا أهمية لها عند من يسأل عن قيمة الدين؛ لأن قيمته فيما ينتجه.
    فلم يكن الدين عند وليم جيمس كموضوع للبحث في ذاته، ولكن في آثار الانفعال الديني، وهل هذه الآثار حسنة تحقق الأمل؟ وهل يمكن الحصول عليها بطريق آخر خلاف الدين؟
    إنه يرى أن للدين أثرًا أخلاقيًّا، كما أنه يتفوق على أي مصدر آخر للحث على النشاط والمثابرة وفعاليته تظهر بإيحائه المؤثر في الغالب أكثر من الأساليب المادية، ويضرب على ذلك مثالًا بالطبيب الذي يعترف بأن شفاء المريض لا يتحقق بالعلاج المادي وحده، بل بالإيحاء الناجم عن قوة الإيمان.
    وهذا الرأي -كما يقول برتراندرسل: لا يقنع مؤمنًا مخلصًا في إيمانه؛ لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وإيمانه، إن المؤمن لا يقول: إني إذ آمنت بالله سعدت، ولكنه يقول: إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد…. إن الاعتقاد بوجود الله -تعالى- في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتل أن يترتب على وجوده من نتائج وآثار”.
    أما نحن معشر المسلمين، فإننا -بحمد الله- نمتلك أعظم ثروة للعقيدة والقيم تضمنها كتاب الله عز وجل ونفذها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛حيث حقق في عقيدته وسلوكه، وأخلاقياته الأسوة الحسنة، وجمع بين الحق عقيدة وإيمانًا، والعمل أخلاقًا وسلوكًا، وحدد الأهداف، ووضع المنهج وأحصى القيم، مبينًا الطريق الذي يجتازه المسلمون من دنياهم إلى أخراهم.
error: النص محمي !!