Top
Image Alt

نقد الديمقراطية، وبيان موقف الإسلام منها

  /  نقد الديمقراطية، وبيان موقف الإسلام منها

نقد الديمقراطية، وبيان موقف الإسلام منها

أولًا: نقد الديمقراطية:
للديمقراطية عيوب في ذاتها، منقوضة بالأدلة الشرعية، وهذه العيوب والمثالب كثيرة، منها ما يلي:
أولًا: لا تنظر الديمقراطية إلى حقوق الله على عباده، ولا تنظر بعدل إلى الحقوق العامة، وحقوق المجتمع على الأفراد، فهي منحازة بإسراف لجانب الفرد وإطلاق حريته.
ثانيًا: تخضع الديمقراطية لدى وضع الدستور والقوانين والنظم لأهواء أعضاء المجالس النيابية، واللجان التي تفوض في وضعها، أو وضع مشروعاتها. وغالبًا ما يحرك هذه المجالس أفراد معدودون، ويوجهونها حسب أهوائهم، وبوسائلهم وأحابيلهم الشيطانية. وتظفر بنصيب الأسد فيها غالبًا بعض الطبقات الاجتماعية التي تسخر التطبيقات والمؤسسات الديمقراطية لصالحها، أو يظفر بنصيب أسد فيها الأفراد المحركون لها، والموجهون لمسيرتها وآرائها ومناقشاتها.
وتتدخل عناصر الحيلة، والذكاء، والمال، والشهوات، ومطامع المناصب، وشراء الضمائر، وتزوير إرادات الجماهير بأساليب شتى، في استغلال المجالس وتجميع الأصوات، وتحريك الجماهير الغوغائية، والتغشية على الأفكار والبصائر، وإبعاد كل رأي صحيح عن مجال رؤية الجماهير له، وصناعة الضجيج الإعلامي المشوه بالحقائق والمزين للباطل.
ثالثًا: إن الديمقراطية باعتبارها تنادي بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن شأن الأقليات في الدولة كشأن الأكثرية في الحقوق والواجبات، تمكِّن الأقليات من التكاتف والتناصر؛ لاستغلال الوضع الديمقراطي ضد الأكثرية ومبادئها وعقائدها ودينها. وتمكنها أيضًا من التسلل إلى مراكز القوة في البلاد، ثم إلى طرد عناصر الأكثرية رويدًا رويدًا من هذه المراكز بوسائل الإغراء، وبالتساعد والتساند مع الدول الخارجية المرتبطة بالأقليات ارتباطًا عقديًّا أو مذهبيًّا أو سياسيًّا أو قوميًّا، أو غير ذلك.
رابعًا: الديمقراطية وفق مبادئها المعلنة حقل خصيب جدًّا لتنمية أنواع الكذب والخداع والمكر والحيلة والدس الخبيث، والغش والخيانة، والغدر والغيبة، والنميمة والوقيعة بين الناس، وتفريق الصفوف، ونشر المذاهب والآراء الضالة الفاسدة المفسدة، إلى سائر مجمع الرذائل الخلقية الفردية والجماعية.
خامسًا: الحريات الشخصية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى شرور كثيرة وانتشار فواحش خطيرة في المجتمع، ومآلها إلى الدمار الماحق.
سادسًا: الحريات الاقتصادية في الديمقراطية حريات مسرفة، تُفضي إلى عدوان المحتالين على حقوق الشرفاء، ونشر الاستغلال والاحتكار، وحيل سلب الأموال، وتمكين الغشاشين والمقامرين والمرابين والمحتكرين والرائين والمحتالين ومستغلي السلطة الإدارية أو العسكرية من تحقيق مكاسب مالية وفيرة، بالظلم والعدوان وهضم الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل، والغلول في الأموال العامة.
سابعًا: حق كل مواطن في في المساواة السياسية في الحكم، دون شرط الإسلام والعدالة الشرعية والأهلية للمشاركة في الرأي، أو المساهمة في الاقتراع، أو الانتخاب، أو الاختيار، يُفضي إلى نسف دعائم الدولة الإسلامية، وجعلها علمانية غير دينية، أو تمكين الأرذال من اعتلاء سلطة الحكم، وتحويل الدولة إلى دولة فساد وإفساد، وفسق وفجور، وفحش في الأقوال والأعمال، وشر كبير.
ثامنًا: حق الفرد في ترشيح نفسه للحكم في الديمقراطية، يجعل طلاب مغانم الحكم يتنافسون عليه، ويتقاتلون من أجله، ويسلكون مسالك كثيرة غيرَ شريفة للوصول إليه، ويبذلون أموالًا طائلة؛ أملًا بأن يعوضوها أضعافًا مضاعفةً متى ظفروا بالحكم.
ثانيًا: موقف الإسلام من الديمقراطية:
قبل البدأ ببيان موقف الإسلام من الديمقراطية، لا بد أن نلقي الضوء على بعض جوانبها؛ زيادةً على ما سبق:
واعلم بأن العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية هي علاقة الفرع بأصله، أو علاقة الثمرة الخبيثة بالشجرة التي أثمرتها، فالعلمانية هي “مذهب من المذاهب الكفرية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية وغيرها، بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه”. والديمقراطية تقوم أساسًا على إسناد السيادة أو السلطة العليا للأمة أو الشعب، وهذا يعني أن الكلمة العليا في جميع النواحي السياسية إنما هي للأمة أو الشعب.
وعلى ذلك يمكننا القول:
إن الديمقراطية مذهب من المذاهب الفكرية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في جميع النواحي السياسية، فالديمقراطية إذن هي التعبير السياسي أو الوجه السياسي للعلمانية، كما أن الاشتراكية والرأسمالية تعبير اقتصادي عن العلمانية، وهذه العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية نستطيع أن ندركها بكل سهولة ويسر، إذا علمنا أن نظرية “العقد الاجتماعي” التي تمثل الأساسية الفلسفية لنظرية السيادة التي تقوم عليها الديمقراطية، كانت في نفس الوقت تمثل الركن الأساسي في فكر زعماء الثورة الفرنسية التي أقامت دولة علمانية لأول مرة في تاريخ أوربا المسيحية.
وإذ قد تبينت لنا حقيقة الديمقراطية، وحقيقة الأصول والأسس الإلحادية التي انطلقت منها الديمقراطية، وتبين لنا ما اشتملت عليه من الكفر الغليظ، والشرك بالله العلي الكبير، إذ تبين لنا حقيقة ذلك بكل وضوح وجلاء، يصبح من الأمور المنكرة جدًّا أن تسمع مَن يقول: “إن الديمقراطية من الإسلام، أو إن الإسلام نظام ديمقراطي، أو الديمقراطية الإسلامية، أو أشباه ذلك من الأسماء الملفقة من كلمة الحق وهي الإسلام، ومن كلمة الباطل وهي الديمقراطية”.
إن على المسلمين الذين تعلو ديارهم أو بلادهم أحكام النظام الديمقراطي، عليهم العمل لإزالة هذه الأحكام بالطرق الشرعية حتى تعلوها أحكام النظام الإسلامي. كثيرًا ما يحدث أن يقول بعض الناس: إننا لا نشك بأنه لا توجد ديمقراطية في الإسلام بهذا المعنى المذكور، والموجود فعلًا في الدول النصرانية وغيرها من ملل الكفر، ثم يضيفون إلى هذا القول قولهم: “ولكننا وجدنا في الديمقراطية بعض العناصر الطيبة مثل: حق الشعوب في اختيار حكامهم، ومساءلتهم بما يمنع من استبدادهم، وحقهم في إبداء آرائهم، وأن يكون لهم نصيب في إدارة شئون بلادهم، وحق في خيراتها ومواردها”، يقولون: “إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع من أن نأخذ من الديمقراطية ما فيها من خير، وندع ما فيها من شر؟!”
والسؤال على هذا النحو يدل على ذلك الجهل المطبق المتفشي في الأمة، وخاصةً فيما يتعلق بالفقه الشرعي السياسي.
والجواب يتلخص فيما يلي:
قد ذكرنا من قبل أن أصول الديمقراطية وجذورها إنما هي أصول وجذور إلحادية كفرية، فما معنى أن ندع ما فيها من الشر؟ معناه: أن تترك هذه الأصول، وبالتالي ما نتج عنها أو تفرع منها، وإذا كنا سوف نترك أصول الديمقراطية فهل يمكن أن نقول عن نظام ليس فيهأسس الديمقراطية: أنه نظام ديمقراطي؟! وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن الإصرار على التمسك بلفظ لا حقيقة له؟!
وقد ذكرنا أيضًا من قبل أنه في ظِل النظام الديمقراطي لا يمكن الفصل بين ما يظن أنه حسن وبين ما هو خبيث؛ لأن الجميع يصدر عن أساس واحد. ثم نقول: وهل في الديمقراطية، أو في غيرها من النظم شيء من الخير ينقصنا حتى يقال: نأخذ ما فيها من خير وندع ما فيها من شر؟! هل الأمة التي قال فيها الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} [آلعمران: 110] تحتاج في شيء من نظامها السياسي الذي هو جزء من دينها إلى ما عند أمم الكفر والضلال؟
إن من عقيدة الإسلام التي يعتقدها كل مسلم: أن ديننا لم يترك بابًا من أبواب الخير إلا ودلنا عليه، ولم يترك بابًا من أبواب الشر إلا وحذَّرنا منه. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم)). فهل يسوغ في عقيدة المسلم -بعد ذلك- أن يقال: إن في النظام الديمقراطي عناصرَ طيبة أو نوعًا من الخير تنقص النظام الإسلامي، ومن ثم فنحن في حاجة إلى استعارتها منه وتطعيم النظام الإسلامي بها؟!
لقد بلغ من عناية الدين بالمسلمين أن علمهم كل شيء حتى أدب قضاء الحاجة، فهل يمكن أن تكون الهداية في مجال النظام السياسي غير كاملة حتى نحتاج إلى غيرنا؟
إن من المقاصد الأساسية في شريعة الإسلام إقامة دولة على أساس الإيمان، وتنظيمها تنظيمًا دقيقًا محكمًا وصحيحًا، يكفل الخير كله، والحق كله، والعدل كله، لكل مَن أظلتهم راية الدولة الإسلامية، فهل يمكن أن يقال: إن هناك عناصرَ من الخير لازمة لدولة الإيمان لم تأتِ في شريعة الإسلام، ونحن في حاجة إلى استيرادها من أمم الكفر والضلال؟!
إن ما يمكن أن يقال فيه: نأخذ ما فيه من خير، وندع ما فيه من شر، هو ما كان من قبيل المخترعات التي بُنيت على الاكتشافات والتجارب المعملية، أو ما كان من قبيل الأمور المباحة التي تركها الله لنا؛ لنجتهدَ فيها وفق ظروف العصر ومصالح الأمة، أما ما جاءنا فيه من الله ورسوله أمر أو نهي، أو هداية أو إرشاد، فلا خيرَ إلا فيه، وليس في غيره خير نحتاج إليه.
للديمقراطيين والعلمانيين وغيرهم من أعداء الإسلام وسائل متعددة في محاربة النظام الإسلامي، ومن ذلك: زعمهم أن الإسلام ليس فيه نظام سياسي، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن من عمله إقامة دولة وإدارتها، وأن عمله لم يتجاوز حدود البلاغ والإنذار المجرد من كل معاني السلطان، وأن الخلافة ليس لها سند من الدين، وأن بيعة أبي بكر رضي الله عنه كانت بيعة سياسية ملكية قامت على أساس القوة والسيف.
كانت تلك إحدى وسائلهم، وهي إنكار النظام السياسي في الإسلام جملةً، وكانت هذه الكلمات السابقة هي مجمل ما افتراه على النظام السياسي الإسلامي الشيخ علي عبد الرزاق القاضي الشرعي في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، وممن قفا قفوه في إنكار النظام السياسي الإسلامي الكاتب خالد محمد خالد في كتابه (من هنا نبدأ).
لكنه -بفضل الله وحده- وقف لهم العلماء بالمرصاد، وبينوا كذبهم وافتراءَهم، ومخالفتهم للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولهذا لم يكن عجبًا أن تعقد جلسة محاكمة لعلي عبد الرزاق من قِبل شيخ الأزهر وباجتماع هيئة كبار العلماء، ويتم فيها إخراجه من زمرة العلماء، لكن في الحقيقة إن الذي أتاه علي عبد الرزاق إنما يخرجه من زمرة المسلمين لا من زمرة العلماء فقط. ، وقد خفت -بحمد الله- هذا الصوت بل مُحِقَ، فلم نعد نسمع به، ولم يعد أحد يجرؤ على ترديده بعدما تبين عَواره، وبعدما افتضح أمر الداعين إليه، وأنهم إنما كانوا يرددون كلامًا نقلوه من كلام أعداء الإسلام.
وإذا كانت هذه الصورة من إنكار النظام الإسلامي صورة فجة ومستقبحة، فإن هناك صورة أخرى لإنكار النظام الإسلامي، ولكن بطريقة أكبر مكرًا، وأشد خبثًا من الطريقة الأولى، وذلك بالتدرج عبر مراحل للوصول إلى هدفهم ومبتغاهم، وهذه الطريقة تعتمد على الهجوم على مصادر التشريع في الإسلام، وإخراجها عن أن تكون مصدرًا للأحكام السياسية.
وتوضيح ذلك: أنّ هذه الوسيلة تقوم على التسليم بأن الإسلام له نظام سياسي، وأن الإسلام دين ودولة، وهذا أمر لا غبار عليه، ثم ينطلقون من هنا إلى القول: بأن مصادر الأحكام السياسية “الدستورية” إنما هي الكتاب والسنة فقط، ويرفضون بقية أدلة الأحكام الأخرى، حتى الإجماع عندهم مرفوض في مجال الأحكام السياسية ولو كان إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
ثم يخطون خطوة ثانية في مجال تفريغ اعترافهم السابق -بأن الإسلام له نظام سياسي- من مضمونه فيقولون: إن ذكر القرآن الكريم للأحكام السياسية إنما كان على سبيل القواعد العامة لا الأحكام التفصيلية؛ ومعنى ذلك: أنه ليس هناك أحكام محددة يجب التقيد بها في مجال النظام السياسي، وإنما هناك قواعد عامة فقط هي التي يجب التقيد بها، وما يترتب على ذلك من إدخال نظام أو طرق غربية إلى النظام الإسلامي بدعوى أنها لا تتعارض مع القواعد العامة !!
ثم يخطون خطوة ثالثة لإفراغ المصدر الثاني عندهم وهو السنة من أن يكون مصدرًا للأحكام السياسية “الدستورية” فيقولون: “إن الأحكام التي جاءت بها السنة منها ما هو تشريع دائم ومنها ما هو تشريع وقتي مرتبط بزمن النبوة”، ويقولون -وهم في ذلك كاذبون: “إن السنة المتعلقة بالأحكام السياسية “الدستورية” كقاعدة عامة، هي من ذلك النوع الثاني الذي يعد تشريعًا وقتيًّا أو زمنيًّا”. ثم لا يكتفون بهذا القدر حتى يضيفوا إليه قولهم: “ولا يوجد أحيانًا حد فاصل دقيق بين ما يعد من السنة تشريعا دائمًا، وما لا يعد كذلك”.
وبهذا الطريق يكون هؤلاء قد أفرغوا الكتاب والسنة من أي مضمون يتعلق بالاحتجاج بنصوصهما في مجال مسائل الفقه السياسي “الدستوري”.
ومن وسائلهم أيضًا: القول بأن النظام الإسلامي نظام مثالي -ومثل هذه المقولة قد يفرح بها الذين لا يفهمون اصطلاحاتهم- ومرادهم بهذه المقولة أنه نظام غير صالح للتطبيق، وإذا طُبِّق فهو غيرُ صالح لقيادة الحياة؛ وذلك لأن النظام المثالي -في عُرفهم- لا يصلح إلا لأناس مثاليين، ولما كان الناس غير مثاليين بل فيهم الطيب وفيهم الخبيث، وحتى الطيب فهو عرضة للزلل، يكون النظام الإسلامي -على قولهم- غير قابل للتطبيق، أو غير صالح لقيادة الحياة.
ويكفي في الرد على هذا الزعم الباطل أن يقال: إن النظام السياسي الإسلامي ظل يحكم دولة الإسلام منذ قيامها في المدينة المنورة بقيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ولعدة قرون بعدَهُ، وفتح المسلمون في ظله مشارقَ الأرض ومغاربَها، ورفعوا على ربوعها راياتِ الإسلام، ونشروا الحق والعدل بين الناس، وغيروا وجه التاريخ الإنساني، كل ذلك حدث باسم الإسلام، وفي ظل دولة الإسلام.
فهل حدث ذلك في ظل نظام غير قابل للتطبيق، أو غير صالح لقيادة الحياة؟!!

error: النص محمي !!