Top
Image Alt

(نقد الشعر) لقدامة بن جعفر

  /  (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر

(نقد الشعر) لقدامة بن جعفر

ننتقل بعد ذلك إلى كتاب (نقد الشعر)، ومؤلفه هو أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة، كان نصرانيًّا وأسلم على يد المكتفي بالله، وقد جمع بين الثقافتين السائدتين في عصره؛ الثقافة الإسلامية العربية اللغوية والأدبية، والثقافة المترجمة وما كانت تحمله من فكر وافد، ومنها: الفلسفة والمنطق والعلم الرياضي والفلك، وغير ذلك من العلوم التي كانت تترجم في العصر العباسي.

وله مؤلفات غير هذا الكتاب (نقد الشعر)، منها: كتاب (جواهر الألفاظ)، وكتاب (الخراج)، و(صناعة الكتابة)، وكتاب (الرد على ابن المعتز)، وكانت وفاة قدامة بن جعفر سنة ثلاثمائة وسبع وثلاثين.

وتبدو في هذا الكتاب (نقد الشعر) آثار الثقافة التي سبق الإشارة إلى مصدريها، فيبدو أثر الثقافة العربية في الاستشهاد بالنصوص ومحاولة تذوقها، وتتجلى الثقافة الوافدة في هندسة البناء وإحكام التقسيم والخضوع للشكل المنطقي، وبعض الآراء المبثوثة في الكتاب التي يمكن إرجاعها إلى تأثر صاحبها بالثقافة الأجنبية الوافدة.

وقد بدأ قدامة بن جعفر الكتاب بتعريف الشعر، فعرفه بأنه: قول موزون مقفًّى يدل على معنى، واستخرج من هذا التعريف أربعة عناصر للشعر، هي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى، ولكل عنصر منها محاسن وعيوب؛ سواء أكان مفردًا أم مركبًا مع غيره، فاللفظ له نعوته أو محاسنه مفردًا، ومؤتلفًا مع المعنى أو مع الوزن، فمن محاسنه وهو مفرد: السماحة وسهولة المخرج والفصاحة، وبيَّن محاسن المعنى أو نعوته مفردًا ومؤتلفًا مع الوزن، وأوضح أن جودة المعنى تتحقق حينما يكون موجهًا إلى الغرض المقصود، وهو يردّ كل المعاني إلى الأغراض: المديح، والهجاء، والنسيب، والرثاء، والوصف، والتشبيه، ويتحدث بالتفصيل عن هذه الأغراض ونعوتها.

فعندما يتحدث عن المديح يُرجعه إلى الإشادة بصفات أربع هي: العقل، والشجاعة، والعدل، والعفة، ولكل صفة أقسام، وهذه الأربعة يأتلف بعضها مع بعض، فتعطينا أقسامًا ستة، وينتقل إلى الهجاء، فيبين أنه ضد المديح؛ ولهذا يتحقق بسلب تلك الصفات التي يُمتدح بها، وتحدث قدامة بن جعفر عن الوزن مفردًا، وكذلك القافية مبينًا محاسنهما، وبعد أن ينتهي من تعداد المحاسن أو النعوت يعود فينبه إلى العيوب الخاصة بالعناصر الأربعة: اللفظ، والمعنى، والوزن، والقافية مفردة ومركبة، ويذكرها.

وقد جعل من النعوت التي تعم جميع المعاني الشعرية: صحة التقسيم، وصحة المقابلة، وصحة التفسير، والتتميم، والمبالغة، والتكافؤ، والالتفات، وجعل من نعوت ائتلاف اللفظ مع المعنى: المساواة، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، كما جعل التوشيح من نعت ائتلاف المعنى مع القافية.

ووضح نعت التشبيه بقوله: “فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين، اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد”، وقد أشار إلى أن هناك وجوهًا تُستحسن بالتصرف في التشبيه؛ كأن تجمع تشبيهات كثيرة في بيت واحد، أو أن يشبه شيء بأشياء في بيت؛ كأن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تُشبهه في تلك الأحوال، وذلك كما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجُمَّة عليه وبعد حلقها -في حال وجود الشعر وبعد حلقه:

فأصبح رأسي كالصُّخَيْرة أشرفت

*عليها عقاب، ثم طارت عقابها

ومن الآراء النقدية التي وردت في هذا الكتاب أن الشاعر إذا كرر معنى، ثم كرر نقيضه في موقف أو وقت آخر؛ فلا يُعد ذلك عيبًا، وإنما العيب هو أن يكون كلامه مما ينقض بعضه بعضًا، أو ينقض ما كرره في وقته وفي قصيدته نفسها، ويقرر أيضًا أن للشاعر التكلم فيما يحب من غير أن يُحظر عليه معنى يروم الكلام فيه من الرفعة والضعة، والرفث والنزاهة؛ فليس هناك فحاشة في المعنى في نفسه مما يُزيل جودة الشعر فيه، هذا ويحبّذ الغلو الذي يصور ويفيد بلوغ الغاية في النعت.

هذه بعض الآراء النقدية لقدامة بن جعفر، والتي وردت في كتابه (نقد الشعر).

error: النص محمي !!