Top
Image Alt

نقد الوجودية، وموقف الإسلام

  /  نقد الوجودية، وموقف الإسلام

نقد الوجودية، وموقف الإسلام

بيان بطلان الوجودية لا يحتاج إلى كبير جهد؛ ففسادها يغني عن إفسادها، وتصورها كافٍ في الرد عليها.
يقول الأستاذ عبد الرحمن الميداني: لا تحتاج آراء سارتر، وكذلك كل آراء الوجودية الملحدة إلى جهد كبير لتفنيدها، وكشف زيوفها؛ فهي أقل من أن توضع بين الفلسفات التي تستحق المناقشة، والاعتراض والنقد.
ولولا أنها كتبت بأيدي رجال متخصصين في دراسة الفلسفة، ثم قامت منظمات ذات مخططات سياسية عالمية هدامة بترويجها في أسواق الفارغين من العقول لنشر الإلحاد بالله، وتدمير الأخلاق، وسائر القيم الصحيحة عن طريقها -لما كان لها شأن يذكر، ولما رفعها أحد من مجمع قمامات الآراء؛ لينظر إليها، ويفحص ماهيتها، ولما شُغل بقراءة كتبها مشغولون حريصون على أوقاتهم أن تضيع سدى في قراءة كلام هراء متهافت سخيف، لا قيمة له لدى أهل الفكر والنظر.
وفيما يلي ذكر لبعض الأمور التي يتبين من خلالها بطلان الوجودية وزيفها:

  1. بطلان قولها بإنكار الخالق: فالوجودية أنكرت وجود الخالق عز وجل وهذا الأمر منقوض بالشرع، والعقل والفطرة والحس، فهذه كلها تدل على وجود الله عز وجل.
    أما دلالة الشرع على وجود الله؛ فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، فما جاءت به من العقائد الصحيحة، والأخلاق القويمة، والأحكام العادلة دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح عباده.
    وأما دلالة العقل؛ فلأن المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق؛ إذ لا يمكن أن تُوجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه؛ ولأن كل حادث لا بد له من مُحدِث؛ ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعًا باتًا أن يكون وجودها صدفة، إذا تقرر ذلك تَعَيَّن أن يكون لها مُوجد وهو الله رب العالمين، وبطل القول بإنكاره عز وجل.
    وأما دلالة الفطرة على وجود الله؛ فلأن كل مولود قد فُطر وجُبل على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكيرٍ أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه)).
    أما دلالة الحس على وجود الله؛ فلأن كل ما في الكون شاهد ودليل على وجود الله عز وجل.
    فكيف يأتي جاهل سفيه موتور كفور، فينكر وجود الله عز وجلبجرة قلم؟! ومن أدلة الحس: إجابة الدعوات، ومعجزات الأنبياء، ودلالة الأنفس والآفاق ونحو ذلك.
  2. بطلان دعواهم إلى الحرية المطلقة: فلقد دعا الوجوديون إلى الحرية المطلقة، زعمًا منهم بأن هذا هو الطريق الوحيد لأن يثبت الإنسان وجوده.
    ويقال لهؤلاء: ما مفهوم الحرية عندكم؟ أهي على حساب حريات الآخرين؟ أم على حساب القيم والمبادئ؟ وهل الإنسان إذا أطلق العنان لنفسه وشهواته يكون حرًّا، فيثبُت وجوده من خلال ذلك؟
    الجواب: أن هذا فهم خاطئ للحرية؛ فهي لا تكون بإطلاق الشهوات، ولا تكون على حساب الآخرين، فإذا لم تضبط بالشرع أصبحت البشرية كقطيع من البهائم السائبة، ولا يردعها دين، ولا يزُمُّها حياء، ولا يحكمها عقل، وإذا كانت الغاية من الوجودية هي أن تحقق للإنسان وجوده، فإن ذلك مقرر في الإسلام في إطاره الطبيعي، وضوابطه الأصلية، التي تحمي وجوده وكيانه، وليس للإنسان أن يطلق العنان لتحقيق شهواته فيدمر نفسه ويدمر الآخرين.
    ثم إن الإنسان -أي إنسان- عبد، لا ينفك عن هذه العبودية طرفة عين، فإذا رضي بعبودية الله تحرر مما سواه، وإلا تناوشته سائر العبوديات، فصار عبدًا للشهوة، أو عبدًا للشهرة، أو عبدًا للمال أو المنصب، أو عبدًا للطواغيت، ونحو ذلك.
    ثم إن الحرية المطلقة سبب للشقاء والدمار، والتفكك، والانهيار، ولا أدل على ذلك من حال الدول التي يشيع فيها هذا النوع من الحرية؛ فهي تعاني الأمرَّين من السرقة، والشذوذ، والأمراض الجنسية والانتحار، وما جرى مجرى ذلك مما يطول ذكْرُه.
  3. قيامها على التناقض والجهل، ومخالفتها للثوابت: فمما يكشف زيف الوجودية أنها قامت على التناقض، والجهل، ومخالفة العلم والعقل، والحقائق الثابتة.
    فلقد قدم سارتر وسائر الوجوديين آراءهم على أنها أحكام تقريرية، دون أن يُؤيد بدليل علمي، أو حسي، أو واقعي. فما قيمة آراء وأفكار من هذا القبيل؟!
    إن أي صاحب خيال يستطيع أن يقول أيَّةَ فكرةٍ تخطر في وهمه، فيزينها بصبغة كلامية، ويزوقها بزخرف من القول، ثم يطرحها في ميادين الفكر، ويجعلها مذهبًا فكريًّا، ولكن عند النظر فيها لا يثبت لها قدم، ولا يستوي لها ساق، وكما قدم الوجوديون أحكامًا تقريرية بدون أي دليل -أنكروا حقائق يشعر بها الناس جميعًا بدون أي دليل.
    ونظرًا لهذا الاضطراب، والتذبذب لم تستطع الوجودية إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار.
  4. شذوذ روادها وانحرافهم: فلقد قامت الوجودية على أيدي دعاة كانوا جميعًا من الشذاذ، وكانت حياتهم مليئة بالاضطرابات والقلق، وهذا مما يدل على بطلانها؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ثم إن كتابات أربابها كانت متسمة بالانحراف والسقوط؛ فهم يُعَنْوِنُونها دائمًا بعنوانات ساقطة، ينفر منها الذوق السليم، وتأباها الفطرة القويمة.
    ومن مقالاتهم في ذلك: القلق، الحائط، الذباب، الغثيان، التمزق، اللامعقولية، ولا غرو في ذلك؛ فكل إناء بما فيه ينضح.
  5. آثارها ونتائجها المدمرة: وهذا يدل بجلاء على فساد تلك الفكرة وزيفها؛ ذلك أنها قامت -فيما تزعم- من أجل إسعاد الفرد، ورد اعتباره، فما النتيجة التي حصلت بالدعوة إليها؟ وماذا حدث من جراء اعتناقها؟ النتيجة كما قيل: تلك آثارنا تدل علينا، فلقد انتشر التشاؤم والقلق، والحيوانية، والضياع، والخوف الرهيب، والانتحار والتمرد، والأنانية المفرطة.
    أضف إلى ذلك ضياع المشاعر الإنسانية: كالمحبة، والرحمة، والإيثار، ونحو ذلك كلها ضاعت في مستنقع الوجودية الآسن.
    يقول بوخينسكي، أستاذ الفلسفة بجامعة فريبورج “بسويسرا” بعد عرضه آراء سارتر في الوجودية: وليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي ترتبت على هذه الفلسفة، والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعة، وهي ادعاء عدمية واستحالة، وعدم جدوى الحياة الإنسانية.
    بل إن الوجودية قد أفرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يد سارتر، ومن نتائج الوجودية -أيضًا- دعوتها إلى التشكيك في جدوى قيام كل ما يتسم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تمامًا.
  6. وبالجملة: فليست الوجودية كما حددها سارتر سوى صورة من صور الضياع؛ فهي ليست إلا ثورة سلبية يائسة، لم تستطع أن تشخص الداء فضلًا عن تقديم الدواء.
    وكل ما تستطيع أن تقول بصدق: إن ما قدمته الوجودية للإنسانية هو عرض بعض جوانب المأساة البشرية، تلك المأساة التي تعبر عنها جملة واحدة هي: البحث عن الإله.
    فهي ترفض الإيمان بالله كما يبينه الدين، ولكنها لا تجد البديل، والإنسان الذي تحاول تأليهه محصورٌ مقهور أمام القدر الكوني، وأمام وضعه التاريخي المحدد.
    وحول إيجاد مخرج من هذا التناقض تأتي الفلسفات الوجودية بشعارات شتى كالحرية عند سارتر، والعبث عند البيركامو، وهكذا ضلوا وأضلوا، وشقُوا وأشقوا.
    وصدق الله إذ يقول: فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَىَ}(123) {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ}(124) {قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَىَ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً}(125) {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىَ}(126) {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبّهِ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَشَدّ وَأَبْقَىَ} [طه: 123-127].
    حكم الوجودية والانتماء إليها:
    فقد عُرض موضوع الوجودية على مجلس المجمع الفقهي في دورته المنعقدة في 26/4/1399هـ-4/5/1399هـ، وأصدر بذلك قرارًا حول الوجودية وهذا نصه:
    “الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:
    فقد درس مجلس المجمع الفقهي البحث، الذي قدمه الدكتور محمد رشيدي عن الوجودية بعنوان (كيف يفهم المسلم فكرة الوجودية)، وما جاء فيه من شرح لفكرتها، ولمراحلها الثلاث التي تطور فيها هذا المذهب الأجنبي إلى ثلاثة فروع تميز كل منها عن الآخر تميزًا أساسيًّا جذريًّا، حتى يكاد لا يبقى بين كل فرع منها والآخر صلة أو جذور مشتركة.
    وتبين أن المرحلة الثالثة رجعت بفكرة الوجودية إلى إلحاد انحلالي، يستباح فيه تحت شعار الحرية كل ما ينكره الإسلام والعقول السليمة، وفي ضوء ما تقدم بيانه يتبين أنه حتى فيما يتعلق بالمرحلة الثانية المتوسطة من هذه الفكرة، وهي التي يتسم أصحابها بالإيمان بوجود الخالق، والغيبيات الدينية، وإن كان يقال: إنها رد فعل للمادية والتكنولوجيا والعقلانية المطلقة.
    وكل ما يمكن أن يقوله المسلم عنها في ضوء الإسلام هو أن هذه المرحلة الثانية منها، أو عقيدة الفرع الثاني من الوجودية -رأي أصحابها في الدين على أساس العاطفة دون العقل- لا يتفق مع الأسس الإسلامية في العقيدة الصحيحة، المبنية على النقل الصحيح، والعقل السليم في إثبات وجود الله -تعالى-، وما له من الأسماء والصفات، وفي إثبات الرسالات على ما جاء في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله محمد.
    وبناءً على ذلك يقرر مجلس المجمع بالإجماع: إن فكرة الوجودية في جميع مراحلها وتطوراتها، وفروعها لا تتفق مع الإسلام؛ لأن الإسلام إيمان يعتمد النقل الصحيح، والعقل السليم معًا في وقت واحد.
    فلذا لا يجوز للمسلم بحال من الأحوال أن ينتمي إلى هذا المذهب متوهمًا أنه لا يتنافى مع الإسلام، كما أنه لا يجوز بطريق الأولوية أن يدعو إليه أو ينشر أفكاره الضالة.
    الرئيس/ عبد الله بن حميد، نائب الرئيس/ محمد علي الحركان.
    الأعضاء:
  7. عبد العزيز بن باز.
  8. محمد السبيل.
  9. صالح بن عثيمين.
  10. محمد عبد الودود.
  11. حسين مخلوف.
  12. عبد المحسن العباد.
  13. مصطفى الزرقاء.
  14. محمد قباني.
  15. اللواء محمود شيت خطاب.
  16. محمد رشيدي.
  17. محمد الشاذلي.
  18. محمود الصواف.
  19. عبد القدوس الهاشمي.
    وبالجملة: فإن الوجودية اتجاه إلحادي يمسخ الوجود الإنساني، ويلغي رصيد الإنسانية من الأديان وقيمها الأخلاقية، وتختلف نظرة الإسلام تمامًا عن نظرية الوجودية حيث يقرر الإسلام أن هناك وجودًا زمنيًّا بمعنى عالم الشهادة ووجودًا أبديًّا بمعنى عالم الغيب، والموت في نظر الإسلام هو النهاية الطبيعية للوجود الزمني، ثم يكون البعث والحساب والجزاء والعقاب.
    أما الفلسفة الوجودية، فلا تسلم بوجود الروح ولا القوى الغيبية، وتقوم على أساس القول بالعدمية والتعطيل، فالعالم في نظرهم وجد بغير داع ويمضي لغير غاية، والحياة كلها سخف يورث الضجر والقلق، ولذا يتخلص بعضهم منها بالانتحار.
error: النص محمي !!