Top
Image Alt

نقد عائشة حديث: ((الشؤم في ثلاثة…))

  /  نقد عائشة حديث: ((الشؤم في ثلاثة…))

نقد عائشة حديث: ((الشؤم في ثلاثة…))

روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الشؤم في ثلاثة: في الدار، والمرأة، والفرس)) فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة؛ إنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قاتل الله اليهود؛ يقولون: الشؤم في ثلاثة: في الدار، والمرأة، والفرس)) فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله.  وقد جاء الإنكار على وجه آخر:

روى الإمام أحمد في مسنده بسنده، عن أبي الحسان الأعرج: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله كان يقول: ((إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار)) قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم، ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة، والدابة، والدار)) ثم قرأت عائشة: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} [ الحديد :22].

هكذا، استعملت السيدة عائشة مقياس عرض السنة على القرآن؛ لتعديل الرواية وتوثيقها. وهكذا لم تقبل ما وردها عن أبي هريرة بل ونقدته ورفضته؛ لأنه يتعارض مع القرآن الكريم، ولكن هل أخطأ أبو هريرة؟

لقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن عمر وغيره، ولفظ البخاري في كتاب: الجهاد والسير في باب: ما يذكر من شؤم الفرس، عن ابن عمر وسهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن كان في شيء (يعني: الشؤم) ففي المرأة، والفرس، والمسكن)) وفي مسلم في كتاب: السلام، في باب: الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، عن ابن عمر وسهل بن سعد وجابر، وليس في روايات الصحيحين اعتراض السيدة عائشة رضي الله عنها ، قال ابن حجر: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكر من الصحابة له في ذلك.

كما بين العلماء معنى الحديث بما لا يتعارض مع الآية الكريمة، فقال بعضهم: إنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس؛ فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه، وأن يستبدل به غيره. وقد وقع في رواية لهذا الحديث: “ذكروا الشؤم، فقال: إن كان في شيء ففي كذا وكذا”، ولمسلم: “إن يكن من الشؤم شيء حق ففي كذا وكذا”، وهذا أيضًا في حديث جابر عند مسلم. قال ابن العربي: معناه: إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء، وقال المازري: مجمل هذه الرويات إن يكن الشؤم حقًّا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى: أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها، وقيل: معنى الحديث: أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها؛ لملازمتها بالسكنى والصحبية، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب. وقد أفاض ابن حجر -رحمه الله تعالى- في شرح هذا الحديث ويرجع إليه في (فتح الباري) في الجزء السادس، في صفحة ثنتين وستين؛ لأن المجال لا يتسع هنا لعرض ما قاله.

الخلاصة: أن السيدة عائشة قد تعرضت لنقد متون السنة، وأرست قواعد لنقدها فيما بعد ذلك، وهذا بصرف النظر عن كون ما نقدته كان خطأً، كما هي تظن أو كما هي تعتقد في رأيها، أو لم يكن خطأً.

error: النص محمي !!