Top
Image Alt

نقض حكم القاضي

  /  نقض حكم القاضي

نقض حكم القاضي

ما معنى النقض؟

النقض: مصدر الفعل نقض ينقض نقضا، بمعنى: هدم يهدم هدمًا، وبمعنى: الإبطال. وجمع النقض: نقوض بالضاد، تقول: “نقضت الحبل نقضا” إذا حللت برمه، ونقض الحكم معناه: إبطال هذا الحكم وهدمه. فإذا المراد بنقض حكم القاضي: إبطال حكم القاضي، وعدم تنفيذه، وكأنه لم يكن. ونقض حكم القاضي لا يجوز إلا بسبب، والواقع أن أسباب نقض الحكم الذي حكم به القاضي أسباب عديدة، منها:

السبب الأول: إذا كان حكم القاضي مخالفا للدليل الشرعي من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ومن صور مخالفة الكتاب: القضاء بشاهد، ويمين صاحب الحق؛ وذلك لمخالفة قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ} [البقرة: 282] . وهذه الآية صريحة في أنه يجب تعدد الشهداء، أو الشهود. وهذه الآية ذهبت إلى إبطال الحكم بشاهد ويمين صاحب الحق، مستدلًا بها سيدنا علي، والإمام أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وغيرهم.

من صور القضاء المخالف للسنة:

ما روي عن مالك -رحمه الله-: أنه إذا ولد قتيل في محلة بينه وبين أهل المحلة عداوة ظاهرة، والمحلة يعني: الجهة، تعين ولي القتيل رجلين، وحلف يعني: ولي القتيل على أنهما قتلاه، فيقضي القاضي بالقصاص. في رواية عن مالك. فلو أن قاضيًا قضى بمذهب مالك، وحكم بالقصاص في هذه الحالة، فقضاؤه مخالف للسنة المشهورة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) فالحديث جعل اليمين في جانب المنكر. وهذه الرواية عن مالك جعلت اليمين في جانب المدعي، فالمفروض المدعي عليه البينة؛ لأن جانبه ضعيف، والمنكر عليه اليمين إذا كان مدعى عليه؛ لأنه في جانب قوي.

من صور المخالفة للإجماع:

ما إذا قضى بصحة نكاح المتعة، فهذا القضاء مخالف للإجماع، لإجماع الصحابة على فساده، فصح رجوع ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله في جواز  نكاح المتعة. وهذا في لفظ المتعة، كأن قال: أتمتع بك إلى أجل.

أما إذا كان بلفظ النكاح بطل النكاح. وقال زفر من الحنفية: صح النكاح، وبطل التأكيد، يعني: نلغي التأكيد، ويكون زواجا دائمًا مستمرًا. هذا الخلاف فيما لو كان بلفظ النكاح، فقال: أنكحك أو أتزوجك لمدة إقامتي في بلد كذا، فإذا قال: نكحتك، واستخدم لفظ النكاح، أو الزواج فهذا النكاح باطل. لكن زفر يقول: “ما دام بلفظ النكاح يصح الزواج، ويبطل التأقيت لكن لو صرح بلفظ المتعة فهو باطل بالإجماع” يعني: عند أهل السنة، أما المبتدعة فلا قيمة لأقوالهم.

السبب الثاني: إذا كانت صلاحية القاضي للحكم في الدعوى محل خلاف: وهذا ما يعرف في القضاء الحديث: برد المحكمة، يعني: الاعتراض من جانب أطراف القضية أو الدعوى في صلاحية المحكمة. كأن يكون أحد طرفي الدعوى أبا للقاضي، أو ابنا له، أو يكون أحد طرفي الدعوى هو زوجة القاضي، أو قريبة له قرابة أكيدة، ويحكم لصالح ذلك القريب، أو أن يكون بين القاضي وصاحب الدعوى خصومة، أو أحد طرفي الدعوى عدو للقاضي ويحكم عليه، فإن وقع قضاء مثل هذا ينقض.

أما لو كان أحد طرفي الدعوى قريبا للقاضي وحكم عليه فلا ينقض. وكذلك، إذا كان أحد طرفي الدعوى عدوًا له، أو خصمًا له، ومع ذلك حكم له، فلا ينقض حكمه.

السبب الثالث:  ينقض حكم القاضي المجتهد إذا حكم بما يخالف اجتهاده، أما المقلد، فإنه إذا حكم بما يخالف مذهب إمامه نقض حكمه. إذا قلنا: إنه لا يجوز له مخالفة مذهب إمامه، وهذا رأي الجمهور.

وعند الشافعية: لا ينقض حكم القاضي في المسائل الاجتهادية التي ليس فيها نص قطعي، ولا إجماع، ولا قياس جليل، يعني: يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل.

ويرى المالكية: أن القاضي إذا حكم في موضع اجتهاد، فإنه ينظر إلى القاضي نفسه، فإن كان معروفًا بالاجتهاد، والعدالة، وعدم الجور، فإنه لا ينقض حكمه إلا إذا كان هذا الحكم جورا واضحا، وإن كان غير مجتهد، ولم يشاور العلماء في حكمه نقض حكمه. فإن كان قد شاور فحكمه الخطأ ينقض دون حكمه الصواب؛ وذلك لأن المالكية يشترطون في القاضي: أن يكون عالما.

وأما الحنفية: فإن حكم القاضي في المسائل الاجتهادية  نافذ قضاؤه إلا في بعض المسائل ينقض فيها قضاؤه، منها: أنه لا ينفذ قضاء القاضي ببطلان الحق  بمضي المدة. لا ينفذ قضاء القاضي عند الحنفية بسبب أنه أبطل الحق بمضي المدة، هذا لا ينفذ قضاؤه استثناء. ومن المسائل الاستثنائية أيضا: أنه إذا قضى القاضي بسقوط المهر بالتقادم،  فإن قضاءه لا ينفذ، وإذا لم تخاصم الزوجة حتى مضت مدة طويلة، فإن حكمه ينقض.

وإذا قضى على غائب التفريق للعجز عن الإنفاق على زوجته، فإنه لا ينفذ، وينقض؛ لظهور مجازفة الشهود. وإذا قضى القاضي بالتفريق بين الزوجين للرضاعة بينهما بشهادة مرضعة فقط،  فإن حكمه ينقض. إلى غير ذلك من المسائل العديدة التي عد منها ابن عابدين أربعين مسألة، نقلها عن (الأشباه والنظائر) لابن نجيم -رحمه الله.

إذا هذا هوالأصل الأصل عند الحنفية، أن حكم القاضي عند الحنفية في المسائل الاجتهادية ينفذ ولا ينقض، إلا في هذه المسائل المستثناة، وهي مسائل عديدة ولكنها بوجه عام قليلة إذا قيست بغيرها من القضايا الجديدة، أو النوازل المستحدثة.

error: النص محمي !!