Top
Image Alt

نماذج للأحاديث الموضوعة في المناقب والكلام عن الخلافات الفقهية

  /  نماذج للأحاديث الموضوعة في المناقب والكلام عن الخلافات الفقهية

نماذج للأحاديث الموضوعة في المناقب والكلام عن الخلافات الفقهية

نماذج من الأحاديث الموضوعة في فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم:

إن كل هذه النقول وغيرها كثير توضح دور الخلافات السياسية في نشأة الوضع، بل في زيادته واتساعه، بل في أنه فتح الباب للجرأة التي أعقبت هذا فتعددت الأغراض التي أدت إلى الوضع في السنة، وتحمل الوزر الأكبر في ذلك الشيعةُ الذين بدءوا ثم أسرفوا، وحملوا خصومهم على أن يحذوا حذوهم في هذا المضمار السيئ الذي كلف الأمة الكثير والكثير.

والآن ننتقل إلى ذكر نماذج من تلك الأحاديث الموضوعة في فضائل الأشخاص وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة وغيرهم, والذين امتلأت كتب السنة الصحيحة بالأحاديث الثابتة في فضلهم فردًا فردًا أو في فضلهم جميعًا، لكن ماذا نفعل مع هذه الأهواء والخلافات السياسية التي أدت إلى هذه النتيجة غير الطيبة؟

بعض النماذج مما وضع في مناقب الخلفاء الأربعة زعمهم أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر ولدًا، وعمر مشيرًا، وعثمان سندًا، وأنت يا علي ظهيرًا، أنتم أربعة قد أخذ الله لكم الميثاق في أم الكتاب، لا يحبكم إلا مؤمن تقي، ولا يبغضكم إلا منافق مسيء، أنتم خلفاء نبوتي وعقد ذمتي” هذا رواه الخطيب عن أنس، وقال: منكر جدًا وفي إسناده مجهولان.

وكتب الموضوعات، -أنا لا أحيل على المراجع للاختصار إنما كل كتب الموضوعات، مثل: اللآلئ المصنوعة، ومثل تنزيه الشريعة، ومثل الفوائد المجموعة، ومثل الموضوعات ابن الجوزي، ومثل الأسرار المرفوعة للملا علي القاري وغيرهم- كل ذلك هذه تذكر هذه الأحاديث في كتاب المناقب وفي غيرها.

حديث: “ينادي منادٍ يوم القيامة من تحت العرش: أين أصحاب محمد، فيؤتى بأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي  رضي الله  عنهم فيقال لأبي بكر: قف على باب الجنة, فأدخل من شئت برحمة الله، واردع من شئت بعلم الله، ويقال لعمر: قف على الميزان؛ فثقل من شئت برحمة الله، وخفف من شئت بعلم الله، ويكسى عثمان حلتين فيقال: البسهما فإني خلقتهما وأخرتهما لك حين أنشأت خلق السماوات والأرض، ويعطى علي بن أبي طالب عصا من عوسج الشجرة التي غرسها الله بيده في الجنة، فيقال: زد الناس عن الحوض”.

هذا الحديث متهافت جدًا، يتعارض مع ظاهر القرآن الكريم، يعنى دخول الجنة أو المنع على الحوض أو كذا ليس معلقًا بإرادة أحد من الصحابة، ولا هو تكريم لهم أن يعزى ذلك إليهم, فإن هذا مرتبط بالأعمال الصالحة، التي وردت الأدلة القاطعة في القرآن والسنة على أنها هي السبب في أن يُنزل الله عز وجل فضله, فيدخل الجنة من يشاء بفضله ورحمته، ويكون ذلك بسبب العمل الصالح، يعنى رحمة الله ينزلها الله على عباده المتقين, تكريمًا منه لهم بسبب عملهم الصالح: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72].

وعوسج هو شجر الشوك, كما في لسان العرب؛ ولذلك يقول الذهبي عن هذا الحديث: إسناده مظلم، وقد سرقه غير واحد, ذلك في تلخيص كتاب (الموضوعات).

وحديث: “أبو بكر وزيري والقائم بأمتي من بعدي، وعمر حبيبي ينطق على لساني، وأنا من عثمان وعثمان مني، وعلي أخي وصاحب لوائي”.

هذا رواه ابن عدي وابن حبان، ابن عدي في (الكامل)، ورواه ابن حبان في (المجروحين).

ومن أوضح الأدلة على الوضع هذه الأحاديث التي ذكرها العلماء، وسنواصل -إن شاء الله- ذكر الأمثلة على الوضع في الفضائل.

أمثلة لما وضع لأبي بكر خاصة:

نذكر بعض الأمثلة مما وضع بالأحرى لأبي بكر رضي الله  عنه خاصة:

قالوا: “لما خرج رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الغار أخذ أبو بكر بغرزه، فنظر النبي إلى وجهه فقال: يا أبا بكر, ألا أبشرك؟ قال: بلى فداك أبي وأمي، قال: إن الله عز وجل يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة يا أبا بكر”.

قال الخطيب: لا أصل له، وضعه محمد بن عبد إسنادًا ومتنًا، وقد قال أصحاب كتب الوضع: جاء من عند طرق كلها واهية، ومنها طريق أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن قاسم الحنفي أبو سهل اليماني، قال ابن حجر في (الميزان): كذبه أبو حاتم، وابن صاعد، وقال الدراقطني: ضعف، وقال مرة: متروك. هذا في (لسان الميزان).

وحديث عائشة قالت: “كانت ليلتي من رسول الله، فلما ضمني وإياه الفراش، قلت: يا رسول الله, ألستُ أكرم أزواجك عليك؟ قال: بلى، قلت: حدثني عن أبي بفضيلة له، قال: حدثني جبريل: إن الله تعالى لما خلق الأرواح اختار روح أبي بكر من بين الأرواح، فجعل ترابها من الجنة، وجعل لها قصرًا في الجنة من درة بيضاء، مقاصيرها من الذهب والفضة، وإن الله تعالى آلى على نفسه ألا يسلبه حسنة، ولا يسأله عن سيئة، وإني ضمنت على الله كما ضمن الله على نفسه ألا يكون لي ضجيع في حفرتي، ولا أنيس في وحدتي، ولا خليفة على أمتي من بعدي إلا أبوك، بايع على ذلك جبريل وميكائيل، وعقدت خلافته براية بيضاء، وعقد لواؤه تحت العرش، قال الله تعالى للملائكة: رضيتم ما رضيت لعبدي. فكفي بأبيك فخرًا أن يبايع له جبريل وميكائيل، وملائكة السماء… إلى آخر حديثٍ طويل ظاهر البطلان”.

وقال الذهبي في (تلخيص الموضوعات): هذا من أسمج الكذب.

أمثلة لما وضعه الوضاعون في شأن عمر بن الخطاب خاصة:

أنتقل إلى ما وضعه الوضاعون في شأن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه خاصة:

قالوا: “أول من يعطي كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، قيل: فأين أبو بكر؟ قال: تزفه الملائكة إلى الجنان”.

قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والمتهم به عمر، ويعرف: بالكردي، قال الدراقطني: كان كذابًا يضع الحديث. هذا في كتاب (الموضوعات).

وقول نُسب لعمار بن ياسر مرفوعًا: “أتاني جبريل آنفًا، فقلت: يا جبريل, حدثني بفضائل عمر في السماء، فقال: يا محمد, لو حدثتك بفضائل عمر في السماء ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ما عددت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر”. قال أحمد بن حنبل: موضوع، ولا أعرف إسماعيل، وقال ابن حبان: يروي المناكير التي لا يشك في أنها موضوعة.

أمثلة لما وضع في عثمان خاصة:

ومما وضع في عثمان خاصة رضي الله  عنه قالوا: نسبوه إلى سهل بن سعد: “وصف لنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم الجنة، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أفي الجنة برق؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن عثمان ليتحول من منزل إلى منزل فتبرق له الجنة”. ذكره صاحب (تنزيه الشريعة) ابن عراق وحكى أنه موضوع. وحديث لابن عباس طويل وفي آخره: “إن عثمان أصبح عروسًا في الجنة وقد دعيت إلى عرسه”.

أمثلة لما وضع في فضل علي خاصة:

ومما وضعوه في فضل عليّ رضي الله  عنه خاصة قولهم:

“خلقت أنا وهارون بن عمران، ويحيى بن زكريا، وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة”. قال ابن الجوزي: موضوع. وأيده ابن حجر في (اللسان). ابن الجوزي كلامه في (الموضوعات)، وابن حجر في (لسان الميزان) وقال الشوكاني: رواه الخطيب عن علي مرفوعًا وهو موضوع آفته من محمد بن خلف المروزي.

قولهم: “خلقت أنا وعليّ من نور, وكنا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم فانقلبنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماءنا من اسمه، فالله محمود، وأنا محمد، والله عليٌّ، وعليّ سمي عليًّا”. قال الشوكاني: موضوع، وضعه جعفر بن أحمد بن علي بن بيان وكان رافضيًا وضاعًا، قال ذلك في (الفوائد المجموعة).

وكان هَمُّ الشيعة أيضًا أن يقولوا: إن النبي صلى الله عليه  وسلم قد عقد وصايا كثيرة لعليّ رضي الله  عنه منها: ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات بسنده إلى علي بن أبي طالب قال -يعني: إن النبي صلى الله عليه  وسلم قال لعلي بن طالب-: “أوصيك بوصية فاحفظها فإنك لن تزال بخير ما حفظت وصيتي، يا علي, إن للمؤمن ثلاث علامات: الصلاة، والزكاة، والصوم، يا علي, وللمتكلف من الرجال ثلاث علامات: يتملق مَنْ شهده، ويغتاب مَنْ غاب عنه، ويشمت بالمصيبة، يا علي, وللمرائي ثلاث علامات: يكسل عن الصلاة إذا كان وحده، وينشط لها إذا كان الناس عنده، ويحب أن يُحْمَدَ في جميع أموره، وللظالم ثلاث علامات: يقهر من دونه بالغلبة، ومن فوقه بالمعصية، ويظاهر الظلمة، يا علي, وللمنافق ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم، يا علي, وليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصًا إلا في ثلاث خصال: مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير محرم، وذكر باقي الوصية… إلى آخرها”. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع, والمتهم به حماد بن عمرو. قال يحيى: كان يكذب ويضع الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. هذا في كتاب (الموضوعات).

ويلاحظ نقطة هامة هنا أن بعض ألفاظ هذه الوصايا قد يكون موافقًا للشرع، والوُضاع يعمدون إلى مثل ذلك؛ ليزيفوا على الناس، وليوهموهم أنهم لم يأتوا بكلام يخالف الشرع، لكن الأخطر هنا هو ما يحاول أن يثبته الشيعة من أن النبي صلى الله عليه  وسلم اختص عليّ بوصايا كثيرة لم يعطها لأحد غيره من الصحابة؛ لكي يصلوا بذلك إلى أنه قد وصى له بالخلافة، دون الصحابة جميعًا في قصة نعرض عنها؛ لأن الكثير يعرفها.

وفي الصحيح من البخاري في كتاب العلم: إن هناك أبا جحيفة سأل عليًّا: هل اختصكم رسول الله صلى الله عليه  وسلم بشيء؟ قال: “لا, إلا ما في كتاب الله” كتاب الله ليس اختصاصًا؛ لأنه متاح لكل المسلمين أن يقرءوا فيه وأن يفهموا منه “إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم” وإذا كان الله قد خص بعض الأفهام بالتفوق على غيرها فتلك منة من الله ليست خصيصة من النبي صلى الله عليه  وسلم أعطاها لعليّ “لا, إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة” وهذا الصحيفة فيها: أحاديث “العقل” -أي: الدية- “وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر” فعلي رضي الله  عنه كتب في صحيفته هذه الأحاديث المتعلقة بتلك المسائل، ونحن حتى نستدل بهذا الحديث على أن عليًّا رضي الله  عنه كان من الصحابة الكاتبين.

إذن لم يختصه النبي صلى الله عليه  وسلم بأي اختصاص لم يعطه لأحد من الصحابة كما يحاول الشيعة الرافضة أن يضيفوا ذلك إلى عليّ رضي الله  عنه.

أمثلة لما وضع في مناقب أهل البيت:

منها ما زعموا: “إذا استقر أهل الجنة في الجنة، قالت الجنة: يا رب, أليس وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك؟ قال: أولم أزينك بالحسن والحسن؟ فماست الجنة ميسًا -أي: تبخترت- كما تميس العروس”. هذا حديث آفته الحسن بن صابر الكسائي وهو تالف. كما قال الذهبي في (تلخيص الموضوعات).

قولهم: إن ابن عباس قال: “كنت عند النبي صلى الله عليه  وسلم وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن عليّ، تارة يقبل هذا، وتارة يقبل هذا، إذ هبط عليه جبريل بوحي من رب العالمين … إلى آخره”. هذا قال عنه الدراقطني: باطل.

نماذج لما وضعه الوضاعون في فضائل العباس وأولاده:

وننتقل إلى نماذج أخرى مما وضعه الوضاعون في فضائل العباس رضي الله  عنه وفي فضائل أولاده:

قال: نسبوه لابن عباس أنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم لأبي -أي: للعباس-: إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك، قال: فغدا وغدونا معه، فألبسنا كساءً له، ثم قال: اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا، اللهم اخلفه في ولده”. رواه ابن الجوزي في (العلل المتناهية)، قال: أنكروا عن الخفافي عن إبراهيم حديثًا رواه عن مكحول في فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، وكان يحيى بن معين يقول: هذا موضوع.

ووضعوا في خلافة بني العباس:

فمنها حديث نسب لجابر رضي الله  عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: ليكونن في ولده -يعني: العباس- ملوك يلون أمر أمتي يعز الله تعالى بهم الدين”. ذكر سنده وآفته محمد بن صالح. قال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، لا يجوز الاحتجاج بإفراده أو بأفراده. وفي إسناد الحديث السالف أيضًا عمرُ بن راشد، وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يساوي حديثه شيئًا. وقال ابن حبان: لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح؛ يضع الحديث.

نماذج لما وضع في ذم معاوية:

ضربنا أمثلة لما وضعه الوضاعون في شأن أبي بكر، وعمر، وعثمان  رضي الله  عنهم هناك أيضًا من وضع أحاديث في مناقب معاوية في مقابلة الأحاديث التي ذمته.

مما قالوا في ذمه: حديث حكيم بن أبي يحيى: “كنت جالسًا مع عمار، فجاء أبو موسى فقال: مالي ومالك؟ قالت: ألست أخاك؟ قال: لا أدري، ألا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يلعنك ليلة الجمل، قال: إنه استغفر لي، قال عمار: قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار”.

هذا في أبي موسى رضي الله  عنه الذي وردت في فضله أحاديث كثيرة فقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وهو من قبيلة الأشعريين من أهل اليمن، الذين مدحهم النبي صلى الله عليه  وسلم في حديث صحيح في البخاري ومسلم نذكر به فقط، وقال: ((هم مني، وأنا منهم)) لأنهم كانوا إذا أرملوا في الغزو، أو قلت أقواتهم جمعوا ما عندهم ثم اقتسموه فيما بينهم بالسوية، فقال النبي صلى الله عليه  وسلم عن هذا الفعل: ((إنهم مني وأنا منهم)).

بعض الوضاعين نسبوا للنبي صلى الله عليه  وسلم أنه قال لأصحابه: “كيف بك يا أبا بكر, إذا وليت؟ قال: لا يكون ذلك أبدًا، قال: كيف بك يا عمر, إذا وليت؟ قال: لقد لقيت إذن شرًا، قال: فكيف بك يا عثمان, إذا وليت؟ قال: آكل وأطعم، وأقسم ولا أظلم، قال: كيف بك يا عليّ, إذا وليت؟ قال: آكل القوت، وأقسم التمرة، وأخفي العورة، قال: أما إنكم سبيلي وسيرتي، وسيرى الله أعمالكم، ثم قال: كيف بك يا معاوية, إذا وليت حقبًا، تتخذ السيئة حسنة، والقبيح حسنة، يربو منها الصغير، ويهرم منها الكبير، أجلك يسير وظلمك عظيم؟”.

هذا ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) وقال: قال لنا شيخنا ابن ناصر: موضوع, فيه مجهولون، وإسناده غير صحيح، ومتنه موضوع كذبًا.

نعم, يفترون على معاوية، ومعاوية رضي الله  عنه من الصحابة، وتشرف بمصاهرة النبي صلى الله عليه  وسلم وكتب الوحي للنبي صلى الله عليه  وسلم وأقام دولة الإسلام مدة طويلة رضي الله  عنه ، وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا.

نماذج لما وضع في مناقب معاوية:

هذه الأحاديث المزعومة التي وضعت في مثالبه، جعلت محبيه يضعون أحاديث في مناقبه.

منها: “الأمناء عند الله ثلاثة: أنا، وجبريل، ومعاوية”. ومنها: “ائتمن الله على وحيه ثلاثة: جبريل في السماء، ومحمد في الأرض، ومعاوية بن أبي سفيان”. أخرجه ابن عدي من حديث أنس، وفيه محمد بن أحمد بن يزيد البلخي وهو آفته.

حديث أبي هريرة: “أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ناول معاوية سهمًا وقال: خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة”.

هذه الأحاديث -كما قلت- في (تنزيه الشريعة)، وفي (اللآلئ المصنوعة) وفي غيرها، وكلها موضوعة.

نماذج لما وضع في مثالب ومناقب الأئمة الأربعة:

هذه هي الخلافات السياسية وما أدت إليه، ولم يتوقف خطر الخلافات السياسية عند هذا الحد، فقد أدت إلى قيام أسباب أخرى للوضع منها الخلافات الفقهية والمذهبية والعقدية، فقد كانت امتدادًا للخلافات السياسية.

نشأت بعض أتباع المذاهب الفقهية بعد تكونها أثناء القرن الثاني الهجري، وأوائل القرن الثالث الهجري أيضًا، وتعصب بعض الجهلة من أتباع كل مذهب لإمامهم، فوضعوا أحاديث في فضل هذا الإمام، وذم الأئمة الآخرين، كما وضعوا أحاديث في تأييد آراء مذاهبهم الفقهية وانتقصوا من الآراء الأخرى، وكل ذلك قد تم كشفه وبيان زيفه بفضل الله تعالى فلا ننزعج من ذلك.

لكن المؤلم المؤسف أن الوضاعين غلبت عليهم عصبيتهم المذهبية, فاجترءوا على الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وما دروا أن كل واحد من هذه الأمة يؤخذ من قوله ويرد ما عدا النبي صلى الله عليه  وسلم فهو الصادق المصدوق، وهو المعصوم المؤيد بالوحي من الله تعالى الذي لا ينطق عن الهوى، وكل واحد من أصحاب المذاهب الأربعة صح عنه أنه قال: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”. وكل واحد منهم قد فتح باب الخطأ على رأيه، وباب الصواب على مخالفيه، فقال: “قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”. لقد عاشوا يحترمون بعضهم، ويقدر بعضهم بعضًا، ويحب بعضهم بعضًا.

ولقد تتلمذ ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة على بعضهم، فكان الإمام مالك -رحمه الله- الذي ولد سنة ثلاث وتسعين، وتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، كان أستاذًا وشيخًا للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى.

وولد الإمام الشافعي -رحمه الله- سنة مائة وخمسين، ومات سنة أربع ومائتين.

وتتلمذ الإمام أحمد -رحمه الله- المولود في سنة مائة وأربع وستين، والمتوفى في سنة واحد وأربعين ومائتين، على الإمام الشافعي.

والأقوال المتواترة المنقولة عنهم تؤكد حبهم وتقديرهم واحترامهم، ومعرفتهم بأقدار بعضهم من الناحية العلمية، فيما يضيق المقام عن ذكره هنا، لكن المشكلة دائمًا في الأتباع، الذين تغيب عنهم آداب الحوار، وتغلب عليهم العصبية، فينتصرون بالحق وبالباطل لأئمتهم، وآرائهم، ولئن أغلق باب الوضع في زماننا هذا، فإن باب التعصب لا يزال مفتوحًا، ولا تزال ساحة الدعوة تعاني من خلافات بين بعض العاملين عليها، أو بعض العاملين لها، مما يؤدي إلى العصبية، والشرذمة، وتشتيت الجهود، مما يجعلنا نشير إلى خطورة هذه الخلافات، وإلى أنها قد تعيق العمل لصالح الدعوة، وتؤخر جني الثمار، وتفتح الباب لتدخلات من أعداء الإسلام الذين يتربصون به الدوائر، ويكيدون ضده أهله، مما يجعلنا نطلب من الجميع الانضواء تحت راية الإسلام، والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم.

والآن نسوق بعض الأمثلة على تلك العصبيات المذهبية والفقهية والعقدية التي أدت إلى الوضع في الحديث.

فمن ذلك: ما قيل لمأمون بن أحمد الهروي: ألا ترى إلى الشافعي، ومن معه بخرسان؟ فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله كما في (الميزان)، أو أحمد بن عبد البر كما في (التدريب) -في (الميزان) وفي (التدريب) قال: حدثنا أحمد بن عبد البر، قال: حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعًا: “يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي”. هكذا تؤدي العصبية إلى ذم عالم قريش الكبير الإمام الشافعي الذي يلتقي مع النبي صلى الله عليه  وسلم في نسبه، والذي ملأ طباق الأرض علمًا، ومهما اختلفت معه أو مع غيره فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، لكنها العصبية -قاتلها الله- التي تتجاوز نقد الأقوال ومناقشتها إلى ذم أصحابها، والانتقاص من قدرهم رغم علو كعبهم، وارتفاع مكانتهم علمًا، وخلقًا، ونسبًا.

نماذج لما وضع في الأمور العقدية:

وهذه أمثلة للأمور العقدية مما وضع فيها، ويزعمون أنه حديث: “من قال القرآن مخلوق فقد كفر”.

هذا أخرجه الخطيب وأصحاب الكتب أيضًا في الوضع وقال: لا يصح، فيه محمد بن عامر السمرقندي.

حديث يزعمون: “القرآن كلام الله لا خالق ولا مخلوق، فمن قال غير ذلك فهو كافر”. كلام متناقض، يناقض بعضه بعضًا؛ لأنه أصلًا مقطوع النسبة بالنبي صلى الله عليه  وسلم ولأنه ناتج عن هوى، كل يتعصب لرأيه، ويؤيد ما يذهب إليه من أحاديث موضوعة والعياذ بالله.

قالوا: “الإيمان لا يزيد ولا ينقص”. قال ابن القيم: كل حديث فيه: “إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص” فكذب مختلق. قال ذلك في: (المنار المنيف).

نماذج لما وضع في المسائل الفقهية:

نماذج من الأحاديث الفقهية التي زعموا أنها أحاديث، وهي تتعلق بالمسائل الفقهية، ولا دافع لها إلا العصبية للمذهب.

يزعمون أنه حديث: “من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له”. جاء في (لسان الميزان) في ترجمة الوضاع الكذاب محمد بن عكاش الكرماني، قال الحاكم: بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبةً، فقيل له: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه، فقال: حدثنا المسيب بن وضاح، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن أنس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم : “من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له”.

قال ابن حجر: فهذا مع كونه كذبًا من أنجس الكذب، هذا كلام في (لسان الميزان) يقول عن القول المذكور: فهذا مع كونه كذبًا من أنجس الكذب، فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع، وعند الاعتدال، وهي في (الموطأ) وسائر كتب الحديث، والأمر فيه أسهل من أن يستدل له.

انظر إلى خطورة الوضع, نفس السند المقطوع به الذي أثبت رفع اليدين عند الركوع وعند الاعتدال من الركوع، يستعمله الوضاعون ليشوشوا على الأمة، ويجعلوها تعيش في اضطراب، أيُّ القولين أصح والإسناد واحد؟ الإسناد واحد تأتي عنه الأحاديث المتعارضة، أو المتناقضة ليست متعارضة: “من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له” هذا هو القول الباطل, وأما الحديث بالإسناد الصحيح الذي أيضًا نسب إليه الوضاعون هذا الحديث؛ ولذلك قال ابن حجر: من أنجس الكذب، لماذا هو من أنجس الكذب؟ لأنه قد ينطلي على بعض غير المتخصصين حين يرون نفس الإسناد الذي ثبت به رفع اليدين في الركوع وعند الاعتدال منه هو نفس الإسناد الذي ورد به النهي عن الرفع في الركوع وعند الاعتدال منه.

أيضًا قالوا: “مسح الرقبة أمان من الغل” قال النووي: إنه موضوع. ولكننا أيضًا سنجد بعض أصحاب الكتب من تعصب لمذهبه كما حاول المل علي القاري في كتابه (الآثار المرفوعة) أن يدعم رأي الأحناف الذين يرون مسح الرقبة ويرفع الحديث من درجة الضعف، لكن الحديث كما قال النووي في (روضة الطالبين): المسألة لم يثبت فيها شيء أصلًا.

نماذج لما وضع عصبية للبلد، أو الجنس، أو اللغة، أو القبيلة:

وهناك نوع آخر من أسباب الوضع داخل تحت بند العصبية أيضًا، ونشأ عن الخلافات، أو هو بالأحرى امتداد للخلافات السياسية، وامتداد أيضًا للعصبيات المذهبية، والفقهية، والعقدية، هناك عصبيات أخرى وهي التي للبلد، أو للجنس، أو للغة، أو للقبائل.

وقد وجدت هذه العصبيات عقب اتساع أرجاء الدولة الإسلامية بعد عصر الفتوحات المبارك، ودخول أمم كثيرة في دين الإسلام من سائر الألوان، والأجناس، واللغات.

بعض أفراد هذه الأمم لم يكن أُشرب قلبه الإيمان تمامًا، كما أنه لم يتخلص تمامًا من عصبيته لبلده أو لجنسه، كما لم يفقه شريعة الإسلام العظيمة التي لم تؤسس التفاضل بين البشر على أساس الجنس، أو اللون، أو اللغة، بل أسستها على أساس التقوى، والعمل الصالح، فكل الخلق في ميزان الله تعالى سواء، والتفاضل بينهم, والتقرب إليه سبحانه إنما يكون بإتباع ما افترضه عليهم، واجتناب ما نهى عنه.

أقول: لما لم يفقهوا ذلك، وغلبت عليهم العصبية، وشق على بعضهم انهيار عروش ممالكهم، شرعوا يضعون الأحاديث في فضائل بلدانهم، أو أجناسهم، أو لغاتهم، وجرأهم على ذلك باب الوضع الذي كان قد فتح، ودخل منه أصحاب الأغراض المتعددة، جمعتهم الجرأة على دين الله تعالى، والتوقح على سنة النبي صلى الله عليه  وسلم فوضعوا الأحاديث في فضائل البلدان، والأجناس، واللغات، والألوان، وفتحوا باب الشعوبية، وسيأتي معنا بعد قليل دور الزندقة في هذا، فقد استغلوا الفرصة ليفتتوا أجزاء الأمة الإسلامية، وليشيعوا العداوة والبغضاء بين أفرادها على عكس ما يهدف إليه الإسلام تمامًا من أن هذه الأمة أمة واحدة، والله ربها، وخالقها، والعبادة له وحده، والتقوى له وحده، والاستمداد منه وحده سبحانه.

أراد الزنادقة أن يفسدوا -كما سنوضح ونبين خطورة دورهم- أن يفسدوا على الأمة ذلك كله, فانتهزوا الفرصة ووضعوا الأحاديث أيضًا، بالإضافة إلى أهل البلاد من عصبيات, كل ذلك قد اجتمع ليزيد الطين بلة، وليزيد الجرأة على حديث النبي صلى الله عليه  وسلم.

مما وضعوه في الأماكن سواء من حيث المناقب، أو المثالب -قولهم -يذكرونها على أنها أحاديث-: “أربع مدائن من مدن الجنة في الدنيا: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ودمشق، وأربع مدائن من مدن النار في الدنيا: القسطنطينية، والطبرانية، وأنطاكية، والمحترقة، وصنعاء، وإن المياه العذبة، والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس”. قال ابن الجوزي: هذا الحديث لا أصل له. قال أحمد بن حنبل: الوليد ليس بشيء، وقال يحيى: كذاب. هذا في (الموضوعات)، وفي اللآلئ.

القسطنطينية التي بشر النبي صلى الله عليه  وسلم بفتحها، والتي مدح الجيش الذي سيتم الله على يديه هذا الفتح، هل يبشر النبي صلى الله عليه  وسلم بفتح القسطنطينية، ويمدح الجيش الذي يقوم بهذه المهمة لتكون القسطنطينية بعد ذلك مذمومة، وأنها من مدن النار كما يزعم الزاعمون؟ أعوذ بالله من تلك الجرأة الوقحة على حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أيضًا قولهم: “الزنجي إذ شبع زنى، وإذا جاع سرق”. وكم من الزنوج من أسدَوا للإسلام فضائل في العلم وفي الجهاد؟ وقد قال ابن القيم عن هذا الحديث: إنه كذب. كما في (المنار المنيف).

وأيضًا يقولون: “يأتي على الناس زمان يكون أفضل الرباط رباط جدة”. فيه محمد بن عبد الرحمن السليماني، قال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: حدث عن أبيه شبيهًا من ثمانين حديثًا كلها موضوعة لا يحل الاحتجاج بها، هذا أيضًا في (الموضوعات) وفي (تنزيه الشريعة) وفي غيرهما.

أحاديث ذم التُّرك وأحاديث ذم الخصيان، وأحاديث ذم المماليك، كحديث: “لو علم الله في الخصيان خيرًا لأخرج من أصلابهم ذرية يعبدون الله”، وحديث: “شر المال في حرز المماليك”. حكم عليه ابن القيم بالكذب في (المنار المنيف).

وهكذا شمل الوضع كل الميادين، وإنما ألحقنا في كلامنا الخلافات الفقهية، والعقدية، والبلدان وغير ذلك بالخلافات السياسية؛ لأنها في الحقيقة امتداد لها؛ ولأنها تفرعت عنها؛ ولأنها كانت ثمرة من ثمار الجرأة التي تولدت بعد هذه الخلافات السياسية، وانتقل التعصب من الأسباب السياسية إلى الأسباب القبلية، وإلى البلاد, وإلى اللغات, وإلى الأوطان, وإلى المذاهب العقدية والفقهية… إلى آخره، كما رأينا وكم ضربنا لها الأمثلة.

إن هذا البلاء كان شديدًا، وتحدثنا مرارًا أثناء كلامنا عنه وعن خطره الشديد على السنة، ونحذر -وكما قلنا: وإن كان الوضع بفضل الله عز وجل قد أغلق بابه- نحذر من أي عصبيات تنشأ بين هذه الأمة؛ لأن الذي يجمع بين هذه الأمة أكثر من الذي يفرق بينها، فهي أمة كتابها واحد، وسنتها واحدة، وقبل ذلك ربها واحد، وهي تتوجه إليه بالعبادة، وتستمد منه الخير كله، وتعلم أن أبناء الإسلام جميعًا في ميزان ربهم سواء، لا يتفاضلون بينهم بلون، ولا بجنس، ولا ببلد، إنما التفاضل هو بالتقوى وبالعمل الصالح.

error: النص محمي !!