Top
Image Alt

نماذج من الكتابة العباسية

  /  نماذج من الكتابة العباسية

نماذج من الكتابة العباسية

يحسن بنا الآن أن نتوقف عند ألوان من الكتابة ونماذج منها، نتعرف على طبيعة كل لون من هذه الألوان:

1. المناظرات، والقصص، والوصايا، والأمثال:

من الكتابة التي تسمى بالمناظرات -مثلًا أو يغلب عليها طابع المناظرة- ما جاء في كتاب (المحاسن والأضداد)، وفي هذا الكتاب -كما يقول الدكتور شوقي ضيف: مجموعة كبيرة من المناظرات في الأخلاق والشمائل، فكل خُلق أو شيء تعرض محاسنه، ثم تعرض معايبه. وتصور المعايب والمحاسن في أخبار وأقاصيص وحكايات، تلتقي فيها الثقافات المعروفة حينئذٍ، وما كان يتسرب منها إلى كتب السمر، وفي مقدمتها -أي: في مقدمة هذه الثقافات- الثقافة الإسلامية وهي تضح في الاقتباس أحيانًا من الذكر الحكيم، والاستشهاد الدائم بالأحاديث النبوية.

وتتسع الثقافة الدينية لتجلب بعض أقوال الزهاد أو بعض قصص الأنبياء أو بعض وصايا من التوراة؛ من مثل: “اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغِيَر”.

وبجانب ذلك تلقانا عناصر كثيرة من الثقافة العربية في مقدمتها الأمثال والأشعار، وتكثر أخبار الجاهليين وأقاصيصهم المصورة لمكارم أخلاقهم أو مذامها، وبالمثل أخبار حكام العرب وحكاياتهم على توالي الحِقب من إسلاميين وعباسيين، وتكثر أخبار الأعراب وأقاصيصهم، وتلقانا حكم وأقاصيص منقولة عن بعض كُتُب الهند، من مثل: ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة، ولا لملول وفاء، ولا لبخيل صديق.

وبالمثل تلقانا أقاصيص وأخبار وحكم منقولة عن اليونان؛ من مثل: كلم رجل سقراط عند قتله بكلام أطاله فقال: أنساني أول كلامك طول عهده، وفارق آخره فهمي لتفاوته، ولما قدم -أي: للقتل- بكت امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: تقتل ظلمًا! قال: وكنت تحبين أن أقتل مظلومًا أو أقتل ظالمًا؟!

ولملوك الفرس ووزرائهم شطر كبير من الأقاصيص والأخبار.

وهذا يدلك على أثر الثقافات التي امتزجت بالثقافة العربية في الأدب وفي الكتابة -كما أشرت إلى ذلك، فهذا الكتاب يحتوي على مزيج هائل من هذه الثقافات المختلفة؛ الثقافة الإسلامية والعربية والفارسية واليونانية والهندية، كما هو واضح فيما ورد في هذا الكتاب.

ومما جاء في هذا الكتاب: روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكريا # إبليس -لعنه الله- فقال له: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغضهم، قال -أي: إبليس: أحبهم إليَّ كل مؤمن بخيل، وأبغضهم إليَّ كل منافق سخي، قال: ولما ذاك؟ قال إبليس: لأن السخاء خلق الله الأعظم، فأخشى أن يطلع عليه -أي: على المنافق- في بعض سخائه؛ فيغفر له. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “السخي قريب من الله، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله عز وجل من عابد بخيل، وأدوء الدواء البخل”، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما أشرقت شمس إلا ومعها مَلَكان يناديان، يسمعان الخلائق غيرَ الجن والإنس وهما الثقلان: اللهم عجل لمنفق خلفًا، ولممسك تلفًا، وملكان يناديان: أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإن ما قَلَّ وكفى خير مما كثر وأَلْهَى)).

وعن الشعبي قال: قالت أم البنين -ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز، وزوجة الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصًا ما لبسته أو طريقًا ما سلكتها، وكانت تُعتق في كل يوم رقبة -أي: عبدًا- وتحمل على فرس مجاهدًا في سبيل الله.

وقال بهرام جور: مَن أحبَّ أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء، فلينظر إلى ما جاد الله به على الخلق من المواهب الجليلة والروائب النفيسة، وقال الموبذان لأبرويز -ملك فارس: أكنتم تمنون أنتم وآباؤكم بالمعروف، وتترصدون عليه المكافأة؟ قال: ولا نستحسن ذلك لعبيدنا، فكيف نرى ذلك؟! وفي كتاب ديننا –(كتاب زرادشت): “مَن فعل معروفًا خفيًّا وأظهره ليتطول به على المنعم عليه، فقد نبذ الدين وراءَ ظهره، واستوجب ألا نعده من الأبرار، ولا نذكره في الأتقياء والصالحين”.

وسُئل الإسكندر: ما أكبر ما شيدتَ به مُلْكَك؟ قال: ابتداري إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم، وكتب أرسطاطاليس في رسالته إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلقه -أي: تبليه- وتخلق آثاره، وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس، فأودع قلوبهم محبة بأثرك تبقي بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك، ولما قُدم “بزرجمهر” -وزير فارسي- إلى القتل قيل له: إنك في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة، فتكلم بكلام تُذكر به، فقال: أي شيء أقول، الكلام كثير، ولكن إن أمكنك أن تكون حديثًا حسنًا فافعل.

وتنازع رجلان؛ أحدهما من أبناء العجم والآخر أعرابي في الضيافة، فقال الأعرابي: نحن أقرى للضيف -يعني: أكرم- قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدَنا ربما لا يملك إلا بَعيرًا، فإذا حلَّ به ضيف نحره، فقال له الأعجمي: فنحن أحسن مذهبًا في القِرى -أي: الضيافة- منكم، قال: وما ذاك؟ قال: نحن نسمي الضيف مِهمان، ومعناه: أنه أكبر مَن في المنزل وأملكنا له، وقال المأمون: الجود بذل الموجود، والبخل سوء الظن بالمعبود.

وشَكَا رجل إلى إياس بن معاوية -قاضي البصرة المشهور في العصر الأموي- كثرة ما يهَب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالسًا بين بابين، فقال للرجل: أغلق هذا الباب فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت؟ قال: لا، قال: فافتحه، فجعلت الريح تخترق البيت، فقال: هكذا الرزق، أغلقتَ البيتَ فَلَمْ تدخل الريح، فكذلك إذا أمسكتَ لم يأتِك الرزق.

ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى، فنحر ناقة الضيف وعشَّاه وغدَّاه، وقال له: إنك أقرضتني ناقتك، فاحتكم عليَّ، قال الرجل: راحلتين، قال حاتم: لك عشرون، أرضيتَ؟ قال: نعم وفوق الرضا.

وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن مامة الإيادي، وبلغ من جُوده أنه خرج في ركب فيهم رجل من بني النمر في شهر قيظ فضلوا، وتصافنوا -أي: تقاسموا ماءَهم- فجعل النمري يشرب نصيبه ويظهر أنه عطشان، فكان كعب إذا أصاب نصيبه، قال للساقي: آثر أخاك النمري حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحثَّ راحلته، وبادر حتى وصل إلى ورد ماء، وقيل له: ردَّ كعب إنك وارد، ولكن العطش غلبه فمات.

ومن قول أبي تمام:

ولو لم يكن في كفه غير نفسه

*لجاد بها فليتقِ الله سائله

هذا نموذج من الكتابة التي تدلك على هذه الثقافات العديدة التي أصبحت زادًا يَتزوَّد به الكتاب، ويستفيدون به في كتابتهم، وهي لم تقتصر على ثقافة واحدة، بل جمعت إلى الثقافة العربية ثقافة هندية، وأخرى فارسية، وأخرى يونانية، فعلى هذا النحو كان الزاد الثقافي المتاح للكتاب في العصر العباسي زادًا غنيًّا وثريًّا، مكّن للكتابة في هذا العصر من التفنن في الموضوعات والأغراض، والتوسع في الأنواع والأنماط، والتنوع كذلك في الأساليب، وقد بلغت الكتابة أوج عظمتها وازدهارها على أيدي كتاب موهوبين مثقفين، لم تحل موهبتهم بينهم وبين أن يتزودوا من الثقافات المتاحة أيامهم، ولم تجعل هذه الثقافات أسلوبهم يجنح إلى الغموض أو العُجمة أو الغرابة، كالجاحظ ومَن سار على نهجه.

2. الرسائل:

الرسائل السياسية:

الرسالة الأولى: لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، أرسلها لمحمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية لمّا خرج عليه.

قال المنصور في رسالته:

“بسم الله الرحمن الرحيم، مِن عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله، أما بعد: فـ {إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ } [المائدة: 33، 34] ولك عهد الله وذمته وميثاقه، وحق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن ثُبت -أي: رجعت- من قبل أن أقدر عليك، أن أؤمنك على نفسك وولدك وأخواتك، ومَن بايعك ومن تابعك وجميع شيعتك، وأن أعطيك ألفَ درهم، وأن أنزلك من البلاد حيث شئتَ، وأقضي لك ما شئت من الحاجات، وأن أطلق من في سجني من أهل بيتك وشيعتك وأنصارك، ثم لا أتبع أحدًا منكم بمكروه، فإن شئت أن تتوثق لنفسك فوجّه إليَّ من يأخذ لك الميثاق والعهد والأمان ما حييت، والسلام”.

وهذه الرسالة -على قِصرها ووجازتها- قد وفّت بالغرض المنوط منها، وجمعت بين الشدة واللين، والوعد والوعيد، والترهيب والترغيب، وهي مُناسبة للمقام، ومناسبة لمكانة الكاتب، فكاتِبُها أو مرسلها هو الخليفة، ولذلك بدأها بما يتوخى منه أن يُوقع في نفس خصمه الخارج عليه الرهبة منه، فقدم في أولها قول الله عز وجل: {إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، ثم بعد ذلك أَلَانَ من جانبه، ووعده بالعفو والإحسان إن هو رجَعَ عن الخروج عليه، ولم يرد في الرسالة ما ألِفَ الناس أن يجدوه في الرسائل من مثل قولهم: أحمد الله إليك، أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ ليشعره أنه لا سلامَ في حال الخِصام، وأنه سيأخذه بالشدة إذا لم يرجع عما هو فيه.

وكما رأيتَ الرسالة ألفاظها جزلة، وعباراتها محكمة، واستفادت واقتبست من القرآن الكريم، يستدل أبو جعفر لنفسه على خَصمه بالآية الكريمة: {إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ}.

الرسالة الثانية: الرسالة التي ردّ فيها محمد بن عبد الله -الملقب بالنفس الزكية- على رسالةُ أبي جعفر المنصور، قال فيها:

“بسم الله الرحمن الرحيم، مِن عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد، وتلاحظ أنه بدأ الرسالة بتسمية نفسه أمير المؤمنين؛ كأنه يرد علَى المنصور، ويذكر أنه أحق بالخلافة منه، أما بعد: {طسَمَ * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرّحْمَـَنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [القصص: 1-6] وأنا أعرض عليك من الأمان مثلَ الذي أعطيتني، وقد تعلم أن الحق حقنا -يريد الحق في الخلافة، حق أبناء علي وليس حق العباسيين- وأنكم إنما طلبتموه بنا، ونهضتم بشيعتنا وخبطتموه بفضلنا، وأن أبانا عليًّا # كان الوصي والإمامَ، فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء؟! وقد علمتَ أنه ليس أحد من بني هاشم يمتُّ بمثل فضلنا، ولا يفخر بمثل قديمنا، وحديثنا، ونسبنا، وسببنا”.

وأنت تلاحظ في هذا الجزء من الرسالة أن محمد بن عبد الله يستشهد أيضًا بالقرآن الكريم، ويذكر ما فعله فرعون، ويقصد أن يشبّه المنصورَ بفرعونَ، وذكر بعد ذلك أن الحق في الخلافة لأبناء عليٍّ، وأن العباسيين إنما طلبوه باسمِهم، وأنهم جمعوا الناس حولهم بالدعوة إلى العلويين، ثم استأثروا بالأمر دونَهم، ثم يذكر بعد ذلك فضلَه في النسب، ويذكر بعد ذلك أنه أوسط بني هاشم نَسَبًا، وخيرهم أمًّا وأبًا، يقول:

فأنا أوسط بني هاشم نسبًا، وخيرهم أمًّا وأبًا، وأن الله -تبارك وتعالى- لم يزل يختار لنا، فولدني من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه أقدمهم إسلامًا، وأوسعهم علمًا، وأكثرهم جهادًا، علي بن أبي طالب، ومن نسائه أفضلهن خديجة بنت خويلد، أول مَن آمَنَ بالله وصلى للقبلة، ومن بناته أفضلهن، وسيدة نساء أهل الجنة، ومِن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدَا شباب أهل الجنة.

ثم يقول بعد ذلك: “فما زال الله يختار لي حتى اختار لي في النار، فولدني أرفعَ الناس درجةً في الجنة وأهون أهل النار عذابًا، فأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار -وكأنه يريد بخير أهل النار أبا طالب- ولك عهد الله إن دخلت في بيعتي أن أؤمنك -هنا ينتقل ويرد على الخليفة أبي جعفر المنصور أمانه، ويقول له: إن الأمان الذي أعطاه له هو يعطيه له، يطالبه بالبيعة- أن أؤمنك على نفسك وولدك وكل ما أصبته، إلا حدًّا من حدود الله، أو حقًّا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك في ذلك”.

وهنا يظهر حِرص محمد بن عبد الله على العدل، فهو يخاطب الخليفة ويقول له: إن لك العهد بالأمان إلا إذا كنت أصبتَ حدًّا من حدود الله، أو أخذت حقًّا لمسلم أو معاهد؛ فإنه سيلزمه هذا الحق.

ثم يقول له: “فأنا أولى بالعهد منك، وأحرى بقبول الأمان، فأما أمانك الذي عرضت عليّ فأي الأمانات هو؟ أأمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟ والسلام”.

وفي هذه الفقرة الأخيرة يشير محمد بن عبد الله إلى أن أبا جعفر المنصور كان قد أمّن أناسًا قبل ذلك، ثم لم يوفِّ لهم بما وعدهم به من الأمان، فابن هبيرة ووالي العراقين من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، أعطاه الأمانَ إن سلّم نفسه وألقى سلاحه ألا يناله منه شرّ، ثم قتله، وكذلك فعل مع عمه عبد الله بعد أن أرسل له أبا مسلم الخراساني؛ ليقاتله فهزمه، وفَرَّ إلى البصرة، فأمّنه على نفسه إذا قدم نفسه إليه، ثم غَدَرَ به وقتله، وكذلك فعل مع أبي مسلم.

يدلك هذا على أن الذي يكتب الرسالة يكون يقظًا، ويحشد فيها كلَّ ما يلزم خَصمه الحجة، ويستشهد في ذلك بالقرآن الكريم، ويستشهد أيضًا بالوقائع التاريخية التي تُقوي جانبَه وتقوي حجته.

فالرسالتان إذًا من الأدب القوي، وتدلان على تمكّن كل من الكاتبين من ناصية اللغة وقدرته على البيان عن فكره وموقفه، وقدرته كذلك على الاحتجاج على خصمه وإلزامه بالحجة، وهي بعد ذلك ألفاظها -كما قلت لك- جزلة قوية، وعباراتها محكمة، وتَستند إلى القرآن الكريم؛ اقتباسًا منه واستشهادًا به.

الرسائل الإخوانية:

تظهر في الرسائل الإخوانية: العاطفة الصادقة، والقدرة البيانية. وإليك الرسالة التي كتبها يحيى بن خالد البرمكي -وهو في السجن- إلى هارون الرشيد، يستعطفه فيها، يقول:

“لأمير المؤمنين، وخليفة المهديين، وإمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه، ومال به الزمان ونزل به الحَدَثان، فحل في الضيق بعد السعة، وعالج البؤس بعد الدَّعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهاد بعد الهجود، ساعته شهر، وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت؛ جزعًا لموجدتك يا أمير المؤمنين، وأسفًا على ما فات من قُربك، لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل والمال إنما كانَا لك وبك، وكانا في يدي عارية، والعارية مردودة، وأما ما أصبت من ولدي فبذنبه، ولا أخشى عليك الخطأ في أمره، ولا أن تكون تجاوزتَ به فوق حده، فتذكَّر يا أمير المؤمنين كبر سني وضعف قوتي، وارحم شيبتي، وهب لي رضاك بالعفو عن ذنب إن كان، فَمِن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة، وإنما أعتذر إليك بإقراري ما يجب به الإقرار حتى ترضَى عني، فإذا رضيت رجوت إن شاء الله أن يتبين لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك بعده ذنب أن تغفره، مَدَّ الله لي في عمرك، وجعل يومي قبل يومك”.

وكَتَبَ إليه بهذه الأبياتِ:

“قل للخليفة ذي الصنيـ

*ـعة والعطايا الفاشية

وابن الخلائف من قريـ

*ـش والملوك العالية

إن البرامكة الذيـ

*ـن رُموا إليك بداهية

صفر الوجوه عليهم

*خلع المذلة بادية

فكأنهم مما بهم

*أعجاز نخل خاوية

عمتهم لك سخطة

*لم تبقِ منهم باقية

بعد الإمارة والوزا

*رة والأمور الساميه

ومنازل كانت لهم

*فوق المنازل عالية

أضحوا وجلّ مناهم

*منك الرضا والعافيه

يا مَن يود لي الردى

*يكفيك مني ما بيَه

يكفيك ما أبصرت من

*ذلي وذل مكانيه

وبكاء فاطمة الكئيـ

*ـبة والمدامع جاريه

ومقالها بتوجع

*يا سوءتي وشقائيه

مَن لي وقد غضب الزمـ

*ـان على جميع رجاليه

يا لهفَ نفسي لهفها

*مال الزمان وما ليه

يا عطفة الملك الرضا

*عودي علينا ثانيه”

هذه رسالة -كما أشرت- تمتلئ بالعاطفة الصادقة يريد كاتبها أن يرق قلب الخليفة له بعد أن غضب عليه وعلى أسرته، وقد كان يحيى بن خالد وأسرته من المقربين جدًّا إلى هارون الرشيد، ثم دالت دولتهم وانقلب عليهم الخليفة وفتك بهم، وهذه الرسالة تتسم -كما أشرتُ- بصدق العاطفة، وبحسن تخير الألفاظ، وتنميق الجمل وتنسيقها، وتستشهد أو تتضمن أبياتًا من الشعر تعزز الغرض منها، وهو الاستعطاف، وجهها الكاتب للخليفة وهو يؤمّل أن يعفو عنه.

3. المقامات:

المقامات: نَوْع من النثر الفني يمتاز بالأناقة اللفظية، والروعة البيانية، والمفردات اللغوية، وفيه كذلك سبك للأسلوب، وتخيل لبعض الحوادث، وبعض الدارسين يعدون هذا اللون أصلًا من أصول الفن القصصي؛ لأن المقامةَ في أصلها اللغوي كلمة مقامة اسم مكان من قام بمعنى: أقام، والمعنى أنها موضع للإقامة، ثم انتقل هذا المعنى إلى الكلام الذي يُملأ به مجلس من المجالس، فتكون من إطلاق المحل على الحال، ولم يُعرف استعمالها بهذا المعنى كفن أدبي قبل العصر العباسي.

فالمقامة إذًا جملة من الكلام تقال على لسان امرئ خيالي، يحكي قصةً وقعت لإنسان أو أكثر، يتخيلهم الكاتب ويضع على ألسنتهم عبارات يلتزم فيها بالسجع غالبًا، ويحاول أن يأتي فيها بنصيب موفور من الألفاظ، ويزينها بما استطاع من الحكم والأمثال والشعر، ويهدف من هذه القصص أو المقامات إلى نقد المجتمع، أو بيان بعض العيوب والنقائص التي تكون في الناس، مع القصد إلى بيان موقف الكاتب الذي يكتب هذا اللونَ من النثر الأدبي.

وتذكر كتب الأدب أن أول مَن كتب هذا اللون من النثر المعروف بالمقامات، هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي المتوفى عام ثلاثمائة وواحد وعشرين من الهجرة، وهو صاحب (المقصورة) وصاحب كتاب (الجمهرة في اللغة) ووليه في كتابة هذا اللون أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي صاحب كتاب (المجمل في اللغة) والمتوفى سنة ثلاثمائة وتسعين من الهجرة، فكتب مقاماتٍ، ومقاماته ومقامات ابن دُريد مفقودة.

ثم جاء رجل اسمه بديع الزمان الهمذاني كتب أربعمائة مقامة، لم يعثر منها إلا على خمسين، وقد جعل راويها الذي يحكيها رجلًا اسمه عيسى بن هشام راوية متخيل، وسمَّى بطلها أو الرجل الذي وقعت منه حوادثها أبا الفتح الإسكندري، وقد اشتهرت مقامات الهمذاني، وعني كثير من الأدباء بشرحها، وممن شرحها الشيخ محمد عبده -رحمه الله.

ثم جاء بعد بديع الزمان الهمذاني ابن نباتة السعدي المتوفى عام أربعمائة وخمس من الهجرة، فعمل بعض المقامات، ولكنها لم تشتهر كما اشتهرت مقامات بديع الزمان. ثم وضع أبو محمد القاسم بن علي الحريري المتوفى عام خمسمائة وستة عشر من الهجرة مقامات بلغت خمسين مقامة، وقد اشتهرت هذه المقامات كما اشتهرت مقامات بديع الزمان الهمذاني.

ويقول مؤرخو الأدب عن مقامات الهمذاني: إنها حكايات أو قصص قصيرة انتزعها بديع الزمان من الحوادث التي وقعت له، أو شاهدها في أثناء رحلاته الكثيرة في بلاد خُراسان وما جاورها، وقد كتبها في نَيْسابور بعد أن عاشر كثيرًا من الناس وخالط العامة والخاصةَ هناك.

ويبدو أن التسول كان ذائعًا، وكانت حيل المتسولين معروفةً لديه، وقد عرف بعضَهم واتصل به، وكان كثيرٌ من الأدباء إذ ذاك على هذه الحال، فكتب مقاماته يصف فيها حالة هؤلاء، وعَزَاها إلى رجل سماه أبا الفتح الإسكندري، ونسب روايتها إلى رجل سماه عيسى بن هشام.

وقد يكون في حياة أبي الفتح الإسكندري شيء من صفات بديع الزمان نفسه، وشيء من أخلاقه؛ لأنه كان ممن يسأل بأدبه، ولأن حياته كانت في جملتها على هذا النحو من الرحلة والسؤال.

وتنسج مقامات الحريري على مِنوال مقامات الهمذاني، فقد جعل الحريري أبا زيد السروجي مكانَ أبي الفتح الإسكندري، فأبو زيد هذا هو بطل القصص أو بطل المقامات التي كتبها الحريري، وقد وصفه الحريري بأنه فقير محتالٌ يستعمل ذكاءَه وقوة بيانه في عطف الناس عليه واستدرار أموالهم، كما وصفه بأنه شاعر بليغ، وخطيب مفوّه، وشحاذ مُلِحٌّ في السؤال، امتلأت نفسه بالاحتيال على الناس، ينتقل من مكان إلى مكان، ويرحل من بلد إلى بلد للسؤال، وقد اتخذ ذلك حرفةً له، وكل مقاماته وصف لنفس هذا الرجل أو صور لبعض الناس، ولا سيما الأدباء منهم، وبيان لِمَا هو كامن في نفوسهم من أطماع وحِيل، واستعمال ما وهبوا من فصاحة وبلاغة في ذلك.

من مقامات الحريري: “المقامة الحُلوانية”:

“حكى الحارث بن همام قال: كلفت مذ ميطت عني التمائم ونيطت بي العمائم بأن أغشى مغاني الأدب، وأمضي إليه ركائب الطلب، لأعلق منه بما يكون لي زينة بين الأنام ومزنة عند الأوام، وكنت لفرط اللهج باقتباسه والطمع في تقمص لباسه أُبَاحِث كلَّ مَن جلّ وقلّ، وأستسقي الوبل والطل، وأتعلل بعسى ولعل، فلما حللت حلوان وقد بلوت الإخوان وسبرت الأوزان، وخبرت ما شان وزان، ألفيت أبا زيد السروجي، يتقلب في قوالب الانتساب ويخبط في أساليب الاكتساب، فيدعي تارةً أنه من آل ساسان، ويعتزي مرةً إلى أقيال غسان، ويبرز طورًا في شعر الشعراء، ويلبس حينًا كِبر الكبراء؛ بَيْد أنه مع تلوّن حاله وتبين محاله يتحلى برواء ورواية، ومداراة ودراية، وبلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآداب بارعة، وقدم لأعلام العلوم فارعة، فكان لمحاسن آلاته يَلبس على علاته، ولسعة رواياته يُصبَى إلى رؤيته، ولخلابة عارضته يرغب عن معارضته، ولعذوبة إيراده يسعف بمراده، فتعلقت بأهدابها لخصائص آدابه”.

والملاحظ على أسلوب المقامات: أنها تجمع الألفاظ اللغويةَ، وتُعْنَى بالجمل المختارة والأمثال السائرة، وتجمع إلى ذلك أشعارًا رقيقةً، يضمّنها الكاتب بعض مقاماته، والغالب عليها الصناعة اللفظية من مراعاة الجناس، والطباق، والسجع، في كثير من الأحيان.

error: النص محمي !!