Top
Image Alt

نماذج من المعجميْن

  /  نماذج من المعجميْن

نماذج من المعجميْن

يمكنك أن تتصفح المعجمين وتقارن بين بعض موادهما؛ لتعرف الفرق بين (الكبير) و(الوسيط)؛ فمثلًا: الهمزة والكاف وما يثلثهما، هكذا جاء العنوان في (المعجم الكبير) في باب الهمزة، صدر هذا العنوان بتفسير الأكاديمي والأكاديمية قبل الدخول في الألفاظ ذات الجذور العربية؛ فالأكاديمي: أحد أتباع المدرسة الأفلاطونية، والأكاديمي أيضًا: عضو الأكاديمية وبخاصة الأكاديمية الفرنسية، والأكاديمي: كل ما ينسب إلى الأكاديمية فيقال: بحث أكاديمي ومنهج أكاديمي.

وأكاديمية في اليونانية: أكاديميا: مدرسة أفلاطون كانت تقوم في حدائق بالقرب من أثينا، تسمى حدائق أكاديموس، وهو بطل أسطوري وهي أقدم مدرسة فلسفية، أسسها أفلاطون في أثينا عام سبعة وثمانين وثلاثمائة قبل الميلاد، درس فيها الرياضيات والفلسفة وكتب على بابها: من لم يكن عالمًا بالرياضيات؛ فلا يدخل علينا، وقام على أمرها تلاميذه من بعده، واستمرت إلى أن أغلقها “جُستنيان” عام سبعة وعشرين وخمسمائة من الميلاد، وهي بحسب تطورها الزماني: الأكاديمية القديمة: وهي التي استمسكت بتعليم أفلاطون، ثم الوسطى: التي انحرفت عنها قليلًا، ثم الحديثة: التي قنعت بالاحتمال حين عز عليها اليقين، ويطلق هذا اللفظ على بعض المجامع والمعاهد العلمية والفنية الأدبية، وتسمَّى أيضًا “أقاذمية”.

وتحدَّث المعجم عن الأكاديمية الفرنسية، وأنها تتألف من أربعين عضوًا من الخالدين، ومن أهم آثارها المعجم الذي طبع عدة مرات… وهكذا، حينما تنظر في (الوسيط) لا تجد أثرًا لهذا كله عندما تصل في باب الهمزة إلى الهمزة والكاف.

ثم بعد ذلك يأتي في (الكبير): الهمزة والكاف والهمزة، وذكر المجمع تحته: أكأ فلان يكئأ أكئًا: استوثق من غريمه بشهود، أي: استعان بهم في إثبات حقه على خصمه، وذكر من ذلك أيضًا الإيكاء: كل ما شد به رأس وعاء ونحوه، لغةً في الوِكاء، وفي الحديث: ((لا تشربوا إلا من ذي إكاء))، وأحال القارئ إلى الواو والكاف والياء، لا تجد أثرًا لهذه المادة في (المعجم الوسيط)، لا يوجد فيه همز وكاف وهمزة.

كذلك يأتي بعد الإكاء في (المعجم الكبير): أكبر، قال: من أباطرة المغول، ويحيل القارئ إلى الكاف والباء والراء، ثم يذكر بعد الأكبر: الإكتمكت: وهو حجر العقاب، حجر في حجم بيضة العصفور أو في حجم الرمانة، إذا حُرك سمعت خشخشة شيء يتحرك في جوفه ويعرف قديمًا بحجر الولادة؛ لأنه فيما يقال: يسهل عسر الولادة. لا تجد هذا أيضًا في (المعجم الوسيط).

ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن أكتوبر و(الوسيط) يبدأ الهمزة والكاف بأكتوبر. إذًا كل ما تقدم في (الكبير) لا تجد له ذكرًا في (الوسيط) في الهمزة والكاف، وحينما تقرأ عن أكتوبر في (الكبير) تجده: الشهر العاشر من الشهور الرومية الإفرنجية، وعدد أيامه واحد وثلاثون، ويقابله في السنة السريانية شهر تشرين الأول، وحينما تقرؤه في (الوسيط) تراه هكذا: الشهر العاشر من الشهور الرومية الميلادية. فالإفرنجية في (الكبير) تقابل الميلادية في (الوسيط)، يقابله تشرين الأول من الشهور السريانية فقط، لا تجد عددًا لأيامه في (الوسيط).

ثم يأتي بعد أكتوبر: التينومتر: مقياس حرارة أشعة الشمس، ولا تجد ذلك في (الوسيط)، ثم تجد بعده في (الكبير): إكفيما: طفح بثري متصلب القاعدة، ينشأ من التهاب بالمكورات العنقودية أو السبحية ويتخلف عنه ندب. لا تجد لذلك أثرًا له في باب الهمزة والكاف في (الوسيط).

وكذلك يأتي الهمزة والكاف والحاء: الأوكح: فَوْعل عن قراع التراب، ويحيل القارئ إلى الواو والكاف والحاء، لا تجد لذلك أيضًا مكانًا في باب الهمزة والكاف في (الوسيط).

ثم يأتي الحديث عن الهمزة والكاف والدال؛ فهي موجودة في الاثنين معًا لكن الحديث في (الكبير) غيره في (الوسيط)، بدأ (المعجم الكبير) بقول ابن فارس: الهمزة والكاف والدال ليست أصلًا؛ لأن الهمزة مبدلة من واوه. لا تجد لقول ابن فارس ذكرًا بطبيعة الحال في (الوسيط)، ويبدأ (الكبير) بأكد العقدة ونحوها يأكد أكدًا: وثقها. وهو موجود أيضًا في (الوسيط) بنصه، ويحيل إلى الواو والكاف والدال؛ بينما لا تجد إحالة في (الوسيط).

وبعد أن ينتهي المعجمان من الهمزة والكاف والدال؛ يذكر (الوسيط) الهمزة والكاف والراء مباشرة، ويأتي بألفاظ من هذا الجذر؛ بينما يذكر (المعجم الكبير): أكد، ويحيل القارئ إلى الهمزة والكاف والكاف والدال؛ ليرى هنالك حديثًا عن: أكد: اسم الدولة السامية التي أسسها البطل سرجون في الجزء الشمالي من أرض بابل سنة خمسين وثلاثمائة وألفين قبل الميلاد بعد أن قضى على سلطان السومريين في جنوبي ما بين النهرين، وهي أول دولة سامية قامت في تلك البلاد، وقد سادت زهاء قرنين إلى نحو خمسين ومائتين قبل الميلاد؛ إذ قضى عليها الجوتيون القادمون من الجبال في الشرق.

ومضى المعجم يتحدث عن أكد اسم المدينة واسم المنطقة الممتدة حول مدينة أكد، ويتحدث عن الأكادي المنسوب إلى أكد، و كذلك يثبت أن الأكاديين: اسم جامع للبابليين والآشوريين، اصطلح عليه العلماء المحدثون. كما يثبت الأكادية: اسم جامع أطلقه البابليون على لغتهم البابلية ولغة إخوانهم الآشوريين معًا، ويطلقه العلماء المحدثون أيضًا على اللهجات البابلية والآشورية المختلفة؛ فإذا أرادوا التمييز قالوا: البابلية القديمة، والآشورية القديمة، ويثبت اللغة الأكادية القديمة: وهي لغة دولة أكد الأولى، ويخلو (المعجم الوسيط) من ذلك كله.

ثم يثبت (المعجم الكبير) الأكدرية، وهي: مسألة من مسائل الميراث التي اختلف فيها فقهاء الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين تشعبت فيها أقوالهم؛ نظرًا لصعوبتها ودقة وجه الحكم فيها، ويذكر المعجم صورتها: امرأة توفيت عن زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب، وقد اختلفوا في الأخت: هل ترث مع الجد أو تحجب به كما تحجب بالأب؟ وعلى المذهب الذي يورثها، ماذا يكون نصيبها من التركة؟ وماذا يكون نصيب الجد معها؟ هل يستقل كل منهما بنصيب خاص: السدس للجد والنصف للأخت؟ أو يقاسم الجد الأخت بطريقة التعصيب كما يعصب الأخ أخته، وذلك بأن يقسم مجموع هذين السهمين أثلاثًا، فيكون للجد ثلثان وللأخت الثلث؟

وقد اشتهرت هذه المسألة باسم الأكدرية؛ لأن المرأة المتوفاة في واقعة الحال كانت معروفة بالأكدرية نسبة إلى أكدر، وقيل: لأن عبد الملك بن مروان كان قد عرض المسألة على رجل من أكدر -أو كان يدعى أكدر-، فلم يحسن أن يجيب فيها إجابة شافية. كل هذا لم يرد في (المعجم الوسيط).

وبعد الأكدرية تأتي الهمزة والكاف والراء بنهج (المعجم الكبير): وهو الحديث عن المعنى العام الذي تدور حوله كلمات هذا الجذر: وهو الحفر -عن ابن فارس بطبيعة الحال؛ كما هو نهج (المعجم الكبير)- ويزيد أيضًا الحرث، وبعد ذلك -أقصد: بعد الهمزة والكاف والراء- يأتي ذكر أكرا وهي مدينة على خليج غانا، سكانها زهاء خمسين ومائة ألف نسمة سنة ستين وتسعمائة وألف من الميلاد، عاصمة جمهورية غانا التي كانت تعرف بساحل الذهب، يخلو (الوسيط) من هذا.

ثم يأتي ذكر الأكراد جمع كرد، ويحيل (الكبير) القارئ إلى الكاف والراء والدال، كل هذا غير موجود في الهمزة والكاف والدال وبعدها في (المعجم الوسيط)، ويأتي الإكرار اسم عند عرب نَجْد لنوع الكبير من الترنشول: هي حشيشة العقرب، ثم يأتي الحديث عن أوكرانيا، وعن الأكرودول، وعن إكزيما، كل هذا يخلو (المعجم الوسيط) منه.

ثم تأتي الهمزة والكاف والسين والدال: أكسدت المادة مادة أخرى أكسدة: أعطتها أكسجينًا أو عنصرًا يعدله، ويتحدث عن الأكسيد، وأكسيد الكالسيوم، والأكسيد الأحادي، والأكسيد الثنائي، ويتحدث عن التأكسد الذاتي، والمؤكسد، وأكسفورد، كل هذا غير موجود في (الوسيط).

ثم يأتي الأكسيجين وهو مشترك بين المعجمين وله تعريف أوسع من تعريفه في (الوسيط)؛ فالأكسيجين في (المعجم الكبير): عنصر غازي من عناصر الهواء لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لا يشتعل؛ ولكنه يساعد على الاشتعال، ويذوب بنسبة ضئيلة في الماء، وهو ضروري لتنفس الحيوان والنبات، وزنه الذري ستة عشر، وعدده الذري ثمانية.

لَمَّا نقارن هذا بما ثبت في (المعجم الوسيط) نجده كالآتي: الأكسيجين: عنصر غازي من عناصر الهواء عديم اللون والطعم والرائحة، ويذوب بنسبة ضئيلة في الماء، وهو لازم لتنفس الحيوان والنبات. ثم يشير إلى رمز الميم والجيم، يعني: لفظ أقره المجمع، ولا يشير في (الوسيط) إلى وزنه الذري، ولا عدده الذري، ولا يشير إلى اشتعاله أو إلى أنه لا يشتعل؛ ولكنه يساعد على الاشتعال كما جاء في (الكبير).

إذًا (المعجم الكبير) متميز عن (الوسيط) في ذكر المعنى العام الذي يجمع ألفاظ المادة الواحدة، ثم يفصل القول في الألفاظ المستحدثة المتصلة بالعلوم والمعارف والحضارة، ثم إنه يهتم بالبلدان والأماكن.

إن (الوسيط) يفيد منه طلاب المدارس في المرحلة الثانوية وما قبلها، ويفيد أيضًا المثقف العادي؛ أما (المعجم الكبير) فيفيد المثقف العادي، والمختص، وطلاب المرحلة الثانوية، وطلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا.

إن (المعجم الكبير) يتميز بغزارة المادة العلمية؛ فلم يتسع الجزء الأول إلا لباب الهمزة، ويقع في نحو سبعمائة صفحة من القطع الكبير، ولم يتسع الجزء الثاني أيضًا إلا لباب الباء ويقع في نحو ثمان وستين وسبعمائة صفحة، وقد زاده قيمةً ذكره المعاني الكلية؛ فميزته عن المعاجم الأخرى متأثرًا في ذلك بمعجم (المقاييس) لابن فارس.

وعلى أية حال؛ فإن (المعجم الوسيط) -على إيجازه بالنسبة (للكبير)- يعد أقرب معاجمنا إلى الكمال في الجمع والترتيب، ويمتاز بالتنظيم والتيسير.

error: النص محمي !!