Top
Image Alt

نماذج من (مسند الإمام أحمد بن حنبل)

  /  نماذج من (مسند الإمام أحمد بن حنبل)

نماذج من (مسند الإمام أحمد بن حنبل)

نقرأ من آخر طبعة ظهرت لهذا الكتاب وهي الطبعة السعودية، التي أشرف عليها الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وكل جزء من هذه الأجزاء له علماء عملوا فيه واشتغلوا به، وحققوه وخرّجوا أحاديثه، هذه الموسوعة الضخمة التي خرجت في خمسين مجلدًا، اخترت الجزء الواحد والثلاثين كنموذج لهذا الكتاب القيم (الموسوعة الحديثية مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى).

أقول: إن هذا المجلد به مائة وعشرة من الرواة الذين روى لهم الإمام أحمد، وروى لكل راو على حدة من هذه المسانيد لهؤلاء الرواة. بدأ هذا المجلد بحديث رقم 18713 وهو من تتمة مسند الكوفيين، حديث أبي السنابل بن بَعْكَك، ثم جاء بعده مسند عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري، ثم مسند أبي ثور الفهمي، ثم مسند حرملة العنبري، ثم حارثة بن وهب، ثم نَبِيط بن شريط، ثم عمرو بن حُريث، ثم سعيد بن حريث، ثم عبد الله بن يزيد الأنصاري، ثم أبي جُحيفة، ثم عبد الرحمن بن يعمُر، ثم عطية القرشي، ثم رجل من ثقيف.

ثم صخر بن عَيَلَة، ثم أبي أمية الفزاري، ثم عبد الله بن عُكَيم، ثم طارق بن سويد، ثم خداش بن أبي سلامة، ثم ضرار بن الأزور، ثم دحية الكلبي، ثم حديث رجل، ثم حديث جندب، ثم حديث سلمة بن قيس، ثم حديث رجل، ثم حديث طارق بن شهاب، ثم حديث رجل، ثم حديث مُصَدِّق النبي صلى الله عليه  وسلم ثم حديث وائل بن حجر، ثم حديث عمار بن ياسر، ثم حديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

ثم حديث كعب بن قرة البَهْلي، ثم حديث كعب بن مرة البهلي، ثم حديث خُرَيْم بن فاتك، ثم حديث قطبة بن مالك، ثم حديث رجل من بكر بن وائل، ثم حديث ضرار بن الأزور، ثم حديث عبد الله بن زمعة، ثم حديث المسور بن مخرمة، ثم حديث صهيب بن سنان، ثم حديث ناجية الخزاعي، ثم حديث

الفِرَاسي، ثم حديث أبي موسى الغافقي، وهكذا تتوالى المسانيد حتى نهاية هذا المجلد، والذي آخر رواية من رواياته -أي: آخر مسند من مسانيده- مسند جرير بن عبد الله البَجْلي عن النبي صلى الله عليه  وسلم.

وفي (المسند) من أوله لآخره قد يأتي الإمام أحمد بعدة أحاديث لراو، وقد يأتي لراو -أي: لصحابي- بمائة حديث مسندة من رواية ذلك الصحابي، وقد يأتي بعشرة أحاديث لصحابي واحد، وقد يِأتي بحديث واحد لصحابي؛ لأنه لم يصله إلا هذا الحديث عن طريق ذلك الصحابي، فيضعه في بابه وكأنه كتاب كامل، وكأنه مسند منفصل وحده.

وإليكم النماذج:

حديث رقم 18713: يقول الإمام أحمد: “حدثنا زياد بن عبد الله البكائي قال: حدثنا منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أبي السنابل قال: ((ولدت سُبَيعة بعد وفاة زوجها بثلاث وعشرين أو خمس وعشرين ليلة، فتشوفت فأُتي النبي صلى الله عليه  وسلم فأُخبر، فقال صلى الله عليه  وسلم: إن تفعل فقد مضى أجلها)) أي: بعد خمس وعشرين ليلة أو ثلاث وعشرين ليلة من موت زوجها، تزينت وتعرضت لخطبة الرجال لها، أراد بعض الناس أن يعيبوا عليها ذلك- فقال صلى الله عليه  وسلم: ((إن تفعل فقد مضى أجلها)) أي: انقضت عدتها ((وهذا حقها))”.

الحديث الثاني: حديث رقم 18714: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن منصور وعفان قال: حدثنا شعبة، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أبي السنابل بن بعكك قال: ((وضعت سبيعة بنت الحارث بعد وفاة زوجها بثلاث وعشرين أو خمس وعشرين ليلة، فلما تَعَلَّت تشوفت للنكاح فأُنكر ذلك عليها، وذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه  وسلم فقال: إن تفعل فقد حل أجلها)). قال عفان: “فقد خلا أجلها، يعني: انقضت عدتها”.

أما حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري فهو رقم 18715: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره ((أنه سمع النبي صلى الله عليه  وسلم وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليّ، والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله عز وجل ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)).

الحديث برواية ثانية: عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سَمِعَ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو واقف بالحزورة من مكة يقول لمكة: ((والله إنك لَأَخْير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله عز وجل ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)).

وجاء الحديث برواية أخرى: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله  عنه قال: ((وقف النبي صلى الله عليه  وسلم على الحزورة فقال: علمْتُ أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله عز وجل ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).

رواية أخرى: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال وهو في سوق الحزورة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)).

وهكذا تتكرر الروايات في (مسند أحمد)، وكل رواية فيها حرف زائد أو حرف ناقص أو تعبير بالمعنى، وكلها تُعد مرويات، من أجل ذلك كان مسند الإمام أحمد بالمكرر أربعين ألف حديث، ومن غير المكرر ثلاثين ألف حديث، وقد مضى الكلام عن ذلك في الدرس السابق.

حديث أبي ثور الفهمي: حدثنا أبو زكريا يحيى بن إسحاق من كتابه أخبرنا ابن لهيعة، وحدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي ثور قال إسحاق الفهمي: “كنا عند رسول الله صلى الله عليه  وسلم يومًا، فأُتي بثوب من ثيات المعافر، فقال أبو سفيان: لَعَنَ الله هذا الثوبَ ولعن مَن يُعمل له، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: لا تلعنهم، فإنهم مني وأنا منهم”. وقال إسحاق: “ولعن الله من يَعمله”.

هذا الإسناد إسناد ضعيف؛ فيه ابن لهيعة وهو عبد الله، وإن سمع منه إسحاق بن عيسى وهو ابن الطباع قبل احتراق كتبه، ويحيى بن إسحاق وهو السَّيْلَحِينِي من قدماء أصحابه، إلا أنه تفرد به وهو ممن لا يُحتمل تفرده، فقد قال أحمد: “ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به”. وهو يقوي بعضه بعضًا، وأبو ثور الفهمي ليس له إلا هذا الحديث، وقد ترجم له الحسيني في (الإكمال) والحافظ في (التعديل).

ونُقل عن ابن عبد البر قوله: “حديثه عند أهل مصر يرويه ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو عنه في فضل المعافر”. وأخرجه ابن الأثير في (أُسد الغابة) من طريق الإمام أحمد بن حنبل بهذا الإسناد، وأخرجه الدُّولابي في (الكُنى والأسماء) من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، وحسان بن عبد الله، والطبراني في (الكبير) من طريق عثمان بن صالح، وعمرو بن خالد الحَرّاني، وأبي صالح عبد الغفار بن داود الحراني، خمستُهم عن ابن لهيعة به، وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) الجزء العاشر صفحة 56 وقال: “رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن”. قال السِّندي: “قوله: فأُتِيَ، على بناء المفعول، من ثياب المعافر: هي برود باليمن، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن”.

المسند الذي بعد ذلك هو حديث حرملة العنبري، وليس له في مسند الإمام أحمد إلا هذا الحديث: حديث رقم 18720: حدثنا روْح، حدثنا قرة بن خالد، عن درغامة بن عُلَيْبَة بن حرملة العنبري قال: حدثنا أبي عن أبيه قال: ((أتيت رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم فقلت: يا رسول الله أوصني، قال: اتقِ الله، وإذا كنتَ في مجلس فقُمتَ منه، فسمعتهم يقولون ما يعجبك فأْتِه، وإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه)).

الحديث في أدب المجلس، يدْعونا فيه رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى أن نجلس ونتحدث مع الناس. فإذا كان الناس يتحدثون بكلام حسن يعجبنا، كلام طيب وخير لنا أن نعود فنسمع ما يقولون، أما إذا قالوا شرًّا وكلامًا نكرهه، فعلينا أن نترك ذلك المجلس. قال مَن خرَّج هذا الحديث: “هذا حديث حسن”.

ولننتقل إلى آخر مسند من مسانيد ذلك المجلد، وهو مسند جرير بن عبد الله البَجْلِي عن النبي صلى الله عليه  وسلم.

قال: ومن حديث جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه  وسلم حديث رقم 19152 يقول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى: “حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله قام يخطب يوم توفي المغيرة بن شعبة فقال: عليكم باتقاء الله عز وجل والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب العفو، وقال: ((أما بعدُ؛ فإني أتيت رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم واشترط عليّ: والنصحَ لكل مسلم، فبايعته على هذا)) ورب هذا المسجد إني لكم لناصح جميعًا، ثم استغفر ونزل”.

هذا الحديث قال من خرجوا (المسند): “إسناده صحيح على شرط الشيخين، وعفان هو ابن مسلم، وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري. والحديث أخرجه البخاري في رقم 58، وأخرجه ابن منده في الإيمان رقم 278 من طريقين عن أبي عوانة بهذا الإسناد”.

الحديث الثاني من مسند جرير بن عبد الله البجلي:

قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: “حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائل، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ((قلت: يا رسول الله، اشترط عليّ، فقال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتنصح للمسلم وتبرأ من الكافر))”. أي: على المسلم أن ينصح إخوانه المسلمين، وأن يتبرأ من الكفار من أقوالهم ومن أفعالهم، والحديث صحيح، حكم بذلك مَن خرّجوا المسند.

والحديث الذي بعد ذلك حديث رقم 19154 يقول الإمام أحمد: “حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن جابر قال: حدثني رجل عن طارق التميمي عن جرير: ((أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم مَرَّ بنساء فسلَّمَ عليهن)) من هنا أخذ الفقهاء أنه يجوز للرجل أن يسلم على النساء، وللمرأة أن تسلم على الرجال بشرط أن تُؤمن الفتنة، أما لو كان هناك فتنة من هذا السلام فيمتنع السلام من الرجال على النساء، ومن النساء على الرجال”.

حديث 19155: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب، عن المغيرة بن شِبْل -قال أبو نعيم: المغيرة بن شبل يعني: ابن عوف في هذا الحديث- عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((أيما عبد أَبَقَ فقد برئت منه الذمة)) ومعنى أبَق أو أبِق: أن العبد فر من مُلَّاكِه ولم يقم بخدمتهم، فقد برأت منه الذمة، فالحديث يدعو إلى أن يحافظ العبيد على حق مواليهم.

والحديث رقم 19156 حديث مهم، ويجب أن يفهمه المسلمون.

يقول الإمام أحمد في ذلك الحديث: “حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((مَن سن في الإسلام سنة حسنةً، كان له أجرها وأجر مَن عمل بها من بعده، مِن غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومَن سَنَّ في الإسلام سنةً سيئةً، كان عليه وزرها ووز من عمل بها من بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء)).

أما الحديث الآتي فهو حديث من الأحاديث التي يجب أن يعتني بها المسلمون، وإن كانت كل أحاديث النبي صلى الله عليه  وسلم يجب أن يعتني بها المسلمون.

حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة قال: سمعت عونَ بن أبي جحيفة، سمعت منذرَ بن جرير البجلي، عن أبيه -أي: عن جرير البجلي- قال: ((كنا عند رسول الله صلى الله عليه  وسلم في صدر النهار فذكره إلا أنه قال: فأمر بلالًا فأذن، ثم دخل ثم خرج يصلي، وقال: كأنه مٌذْهَبَة)) إسناده صحيح على شرط مسلم.

ومعنى قوله: “مذهبة”، يعني: شبه إشراق وجه النبي صلى الله عليه  وسلم وتنويره بالمذهبة، وسروره صلى الله عليه  وسلم بذلك فرح بما ظهر من فعل المسلمين، ومن سهولة البذل عليهم ومبادرتهم لذلك، وبما كشف الله من فاقات أولئك المحاويج.

حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن عمرو بن مرة، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله البجلي ((أن رجلًا جاء فدخل في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يُعلمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خفُّ بعيره في جُحر يربوع، فوقصه بعيره فمات، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقال: عَمِل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا)) قالها حماد ثلاثًا، أي: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال ثلاث مرات: ((عمل قليلًا وأجر كثيرًا، عمل قليلًا وأجر كثيرًا، عمل قليلًا وأجر كثيرًا، اللحد لنا والشِّق لغيرنا)). هذا حديث حسن بطرقه.

وهذا يبين لنا أن العاقبة بالخاتمة والعبرة بالخواتيم، فهذا الرجل دخل في الإسلام متأخرًا، وفي الوقت الذي يتعلم فيه الإسلام مات، فما عَمِلَ شيئًا كثيرًا من العبادات، ولكنه أُجر بإسلامه، فقال صلى الله عليه  وسلم: ((عمل قليلًا وأجر كثيرًا)).

وآخر حديث من أحاديث جرير بن عبد الله البجلي التي جاءت في هذا الجزء، يقول فيه الإمام أحمد بن حنبل: “حدثنا روح، حدثنا شعبة قال: سمعت سِمَاك بن حرب قال: سمعت عبد الله بن عميرة -وكان قائدَ الأعشى في الجاهلية- يُحدِّث عن جرير قال: ((أتيت رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام. قال: فقبض يده وقال: والنصح لكل مسلم، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: إنه مَن لا يرحم الناس لم يرحمه الله عز وجل)).

والرواية التي بعدها مباشرةً عن عُبيد الله بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((مَن لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل)).

هذا آخر ما جاء في الجزء رقم 31 من (مسند الإمام أحمد) في طبعته الأخيرة.

error: النص محمي !!