Top
Image Alt

نموذج من نقد الدسوقي لجماعة أبوللو

  /  نموذج من نقد الدسوقي لجماعة أبوللو

نموذج من نقد الدسوقي لجماعة أبوللو

وإليك نموذجًا من الدرس النقدي التحليلي الذي قام به الدكتور عبد العزيز الدسوقي في هذا الكتاب في كثير من المواضع.

الوجدان الفردي:

تحت عنوان الوجدان الفردي يقول: ويكاد معظم شعرهم -يريد شعر شعراء جماعة أبوللو- يتسم بهذا اللون العاطفي الذي يصور الوجدان الفردي، فشعرهم -أو على وجه التحديد معظمه- قد كان وقفًا على تصوير هذه التجارب الذاتية، يجترون مشاعرهم الخاصة ويفكرون فيها طويلًا؛ حتى يعتريهم الملال والسأم وتغلف حياتهم الحيرة ويغشاهم الضياع، وإبراهيم ناجي هو رائد هذه النزعة في جماعة أبوللو؛ فشعره كله -إلا بعض قصائد قليلة- غناء عاطفي حزين كله شجن وألم والتياع.

وناجي روح عاشق متعطش دائمًا للحب، يبحث عنه في كل الأوقات في عيني كل امرأة وفي صحبتها، ويبدو أن المثال الذي كان يتصوره لفتاة أحلامه كان مثالًا خياليًّا مسرفًا في الخيال لا يمكن أن يتحقق في عالمنا المادي، أو لعل ناجي القلق الملول الذي كان يشبه الطائر المتوجس لا يستقر على حال ولا يهدأ لحظة في مكان؛ لعل هذا الطبع كان السبب في عثار جده في الحب، فحبه عاثر دائمًا، وتجاربه العاطفية كلها دموع وألم من هذا الفشل الذي كان يتربص بحبه؛ فهو يبكي مصرع حبه دائمًا ويعيش على الذكريات، وكلها ذكريات كئيبة معتمة لا تلوح فيها بارقة أمل ولا نلمح فيها أثرًا للحظة من لحظات الصفو، وقد استغرقه هذا الجدان الخاص استغراقًا كبيرًا، فراح يصوره ويبالغ في تصويره؛ حتى ليصدق على شعره قول مقدم ديوانه: (وراء الغمام): “يكاد يكون ديوان ناجي قصيدة واحدة وقصيدة حب”، ولا عجب أن يصفه أبو شادي بأنه شاعر اللهفة، ويصفه الدكتور مندور بقوله: ناجي قصيدة غرام.

ولهذا سنقف قليلًا عند شعر ناجي في هذه النزعة العاطفية؛ لأن كثيرًا من شعراء أبوللو تأثروا به في هذا النوع الشعر، بل لقد امتد هذا التأثير إلى بعض الشعراء الذين جاءوا بعد هذا التيار، وهذه النزعة العاطفية عند ناجي متنوعة، فهو تارة يبكي الأطلال ويندب حبه الضائع ويقف على معاهد ذكرياته وملاعب صباه ويذرف الدمع السخين، بل ويحل في هذه الآثار والطلول، ويستخدم التعبير الرمزي؛ ليوحي للقارئ بحالته النفسية العاصفة عندما تتفجر في نفسه ذكرياته وأحلام شبابه، وقصيدة “العودة” من خير القصائد التي نبدأ في تحليلها هنا في هذه النزعة، على الرغم من ذيوعها وشهرتها وعلى الرغم من تناول الدارسين لها؛ لأنها جزء من تكوينه العاطفي، وهو يصف فيها حبًّا غائرًا في روحه ظل يلازمه طوال حياته، وقد وصفها الدكتور محمد مندور بقوله: فهذه القصيدة التي أحسبها من روائع النغم في الشعر العربي الحديث تقطع بأن الدعوة إلى التجديد كانت قد نضجت واستقام فهمها.

وهذه هي القصيدة …

ويأتي الدكتور عبد العزيز الدسوقي بقصيدة العودة لإبراهيم ناجي، بوصفها نموذجًا لشاعر الجدان الفردي في أعلى صوره.

وهذه القصيدة تقول:

هذه الكعبة كنا طائفيها

* والمصلين صباحًا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها

* كيف بالله رجعنا غرباء

دار أحلامي وحبي لقيتنا

* في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

* يضحك النور إلينا من بعيد

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

* وأنا أهتف يا قلبُ اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

* لما عدنا ليت أن لم نعد

لما عدنا أولم نطوي الغرام

* وفرغنا من حنين وألم

ورضينا بسكون وسلام

* وانتهينا لفراغ كالعدم!

إلى آخر القصيدة التي قال في آخرها الشاعر، مخاطبًا دار محبوبته بعد أن عاد إليها وقد تحولت إلى طلل خرب درس؛ قال:

ركني الحاني ومغناي الشفيق

* وظلال الخلد للعاني الطليح

علم الله لقد طال الطريق

* وأنا جئتك كيما أستريح

وعلى بابك ألقي جعبتي

* كغريب آب من واد المحن

فيك كف الله عني غربتي

* ورسا رحلي على أرض الوطن

وطني أنت ولكني طريد

* أبديُّ النفي في عالم بؤسِ

فإذا عدت فمن نجوى أعود

* ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي

يقول الدكتور عبد العزيز الدسوقي: فالشاعر يعود إلى منزل صباه فيجده قد تغير وتبدلت معالمه وتنكرت له ذكرياته وأحلامه، وهو يصف هذه الدار بأنها كعبة كان يطوف فيها ويصلي في الصباح والمساء، عابدًا الحسن خاشعًا في أركانها للجمال؛ فكيف تتنكر له الآن وتلقاه في مثل هذا الجمود؟! وكأنها تراه لأول مرة، وقد كانت في الماضي تلقاه حفية به، باسمة يضحك لها نورها من بعيد…

وهنا نحس قلبه الذبيح وهو يرفرف بين جنبيه ويناجيه، لما عدنا؟! ليت أنا لم نعد، أولم نطوِ الغرام؟! أولم نفرغ من اللهفة والحنين؟! أولم نعش في فراغ كالعدم؟! فيقول له الشاعر: يا قلب اتئد، وينحني على الدار يناجيها ويقول لها: إن الأليف إذا طار يصبح صاحبه في غير حاجة إلى شيء، ولا يرى معنًى لأي هناء، وتتحول الأيام إلى أوراق صفراء ذابلة شاحبة كأوراق الخريف.

ثم يبكي صارخًا: آه مما صنع الدهر بهما؛ فتحول هو إلى خيال المطرق الرأس، وتحولت دار أحلامه إلى طلل عابث، ثم يستعيد ذكرياته وأيام سمره ولهوه؛ فيثب الدمع إلى عينيه، ويرى من خلال دموعه موطن الحسن، وقد غشاه السأم وملأت أنفاسه كل أجوائه، ويبصر البلى وقد تحول إلى عملاق يجثم فوق دار حبه، ويطلق في هذه الدار أشباحه وخيالاته، وبين هذا الظلام وتلك الرؤى والأشباح، يبصر من خلال عينيه الغائمتين بالدموع البلى وهو ينسج خيوطًا كخيوط العنكبوت.

وهنا تتوهج الرؤية الشعرية لناجي، وتبلغ ذروة الانفعال الحاد، فيصرخ:

والبلى أبصرته رأي العيان

* ويداه تنسجان العنكبوت

صحت يا ويحك تبدو في مكان

* كل شيء فيه حي لا يموت

كل شيء من سرور وحزَن

* والليالي من بهيج وشجِي

 وأنا أسمع أقدام الزمن

* وخطى الوحدة فوق الدرَجِ

وبعد التحليل الموضوعي للقصيدة وشرح معانيها والإشارة إلى العواطف المتدفقة للشاعر، يقول الدكتور عبد العزيز الدسوقي: وهذه القصيدة على ما فيها من دفق عاطفي متفجر وشعور ملتهب وصوفية وحنين دائم ولهفة إلى مواطن الذكريات واستعذاب الألم والتغني به؛ إلا أننا مع ذلك نلمح نزوع الشاعر إلى التعبير الرمزي؛ فالدار عنده جامدة، والنور يضحك، والقلب ذبيح، والماضي يتكلم، والغرام يطوى كالحسيات، والفراغ كالعدم، والأيام صفر كالخريف، والطلل عابث، وهو خيال مطرق الرأس، والسأم يجسم على الدار، والأشباح تجري في البهو، والبلى تنسج يداه العنكبوت، وللزمن أقدام، وللوحدة خطوات فوق الدرج، وغير هذه التعبيرات الرمزية التي لجأ إليها الشاعر ليصل من خلالها إلى أغوار روحه، وينقل إلينا حالته المستكنة في هذه الأغوار البعيدة.

بهذا التقديم النقدي الذي يقدم المضمون، ويشير إلى طريقة التعبير والتصوير قدم الدكتور عبد العزيز الدسوقي نماذج من شعر شعراء أبوللو، في كتابه المهم (جماعة أبوللو وأثرها في الشعر الحديث).

error: النص محمي !!