Top
Image Alt

نهج ابن دريد في كتابه (جمهرة اللغة)

  /  نهج ابن دريد في كتابه (جمهرة اللغة)

نهج ابن دريد في كتابه (جمهرة اللغة)

اشتهرت مدرسة التقليبات الهجائية بابن دريد واشتهر بها أيضًا، وإن كان بعض الباحثين يُدخل فيها كتابي ابن فارس: (مقايس اللغة) و(المجمل)، ولنا كلام حول هذين المعجمين عندما نتناول كتاب (المجمل) إن شاء الله.

لقد بين ابن دريد هدفه من (الجمهرة) في مقدمته التي يقول فيها -ما ملخصه-:

إني لما رأيت زهد أهل هذا العصر في الأدب، وتثاقلهم عن الطلب، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا، لغلبة الغباوة عليه، وملكة الجهل لقياده، مضيعًا لِمَا استودعته الأيام، مقصرًا في النظر فيما يجب عليه حتى كأنه ابن يومه ونتيج ساعته، ورأيت الناشئ المستقبل ذا الكفاية مؤثرًا للشهوات، صادفًا عن سبل الخيرات؛ حَبَوْت العلم خزنًا على معرفتي بفضل إذاعته…

ثم يقول: فعاشرت العقلاء كالمسترشد، ودامجت الجهال كالغبي؛ نفاسةً في العلم أن أبثه في غير أهله، أو أضعه حيث لا يعرف كُنه قدره؛ حتى تناهت بي الحال إلى صحبة أبي العباس: إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال -أيده الله بتوفيقه- فعاشرت منه شهابًا زاكيًا، وسبَّاقًا مبرزًا، وحكيمًا متناهيًا، وعالمًا متقنًا، يستنبط الحكمة بتعظيم أهلها، ويرتبط العلمَ بتقريب حملته؛ فبذلت له مصون ما أكننت، وأبديت مستور ما أخفيت، وسمحت بما كنت به ضنينًا؛ فارتجلت الكتاب المنسوب إلى (جمهرة اللغة)، وابتدأت فيه بذكر الحروف المعجمة التي هي أصل تفرع منه جميع كلام العرب، وعليها مدار تأليفه، وإليها مآل أبنيته…

ولم أجرِ في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا، ولا الطعن على أسلافنا، وأنَّى يكون ذلك؟! وإنما على مثالهم نحتذي، وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصلوا نبتني، وقد ألَّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي كتابَ (العين)؛ فأتعب مَن تصدَّى لغايته، وعنَّى من سَمَا إلى نهايته؛ فالمنصف له بالغلب له معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده تبع، أقر بذلك أم جحد، ولكنه -رحمه الله- ألف كتابًا مشاكلًا لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وحدة أذهان أهل دهره.

وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاشٍ، والعجز لهم شامل، إلا خصائص كدراري النجوم في أطراف الأفق؛ فسهلنا وعره، ووطأنا شأزه، وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة؛ إذ كانت بالقلوب أعبق وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة وطالبها من هذه الجهة بعيدًا من الحيرة مشفيًا على المراد، فمن نظر في كتابنا هذا فآثر التماس حرف ثنائي؛ فليبدأ بالهمزة والباء إن كان الثاني باء ثقيلة، أو الهمزة والتاء إن كان الثاني تاء… وكذلك إلى آخر الحروف.

وأما الثلاثي؛ فإنا بدأنا بالسالم؛ فمن أحب أن يعرف حرفًا من أبنيته مما جاء على فَعْلٍ وفُعْل وفِعْل وفُعَل وفِعَل وفُعُل وفَعُل وفَعِل وفَعَل وفِعِل؛ فليبغِ ذلك في جمهور أبواب الثلاثي السالم، ومن أراد بناءً يلحق بالثلاثي بحرف من الحروف الزوائد؛ فإنا قد أفردنا له بابًا في آخر الثلاثي، تقف عليه -إن شاء الله- مع المعتل.

فأما الرباعي؛ فإن أبوابَه مجمهرة على حدتها، نحو: فعلل مثل جعفر، وفُعْلل مثل برثن، وفِعلل مثل عِظلم، وفِعلِل مثل هجرع، وفِعلّ مثل سِبَطْر، ثم جعلنا ما لحق بالرباعي بحرف من الزوائد أبوابًا مثل: فوعل نحو كوثر، وفعول نحو جهور، وفيعل نحو: خيعل وبيطر، وفعيل نحو حذيم، وليس في كلامهم فَعْيَلٌٌ إلا مصنوعًا -كذا قال الخليل- فهذا سبيل الرباعي في الأسماء والصفات.

وأما الخماسي؛ فَنُبوب له أبوابًا لم نحوج فيه إلى طلب لقُرب تناولها، وكذلك الملحق بالسداسي بحرف من الزوائد؛ فإن عسر مطلب حرف من هذا؛ فليطلب في اللفيف؛ فإنه يوجد -إن شاء الله تعالى…

وجمعنا النوادر في باب اشتمل عليها؛ وسميناه “النوادر” لقلة ما جاء على وزن ألفاظها، نحو: قهوباه، وطوباله، وقلنسوة، وقرعبلانه، وما أشبه ذلك، على أنا ألغينا المستنكر واستعملنا المعروف، والله الموفق.

انتهى كلام ابن دريد في هذا التسطير الذي صَدَّر به كتابه (الجمهرة).

إنه كشف عن غايته، وكشف عن منهجه، الذي ينبغي أن يكون قد سلكه في كتابه (الجمهرة).

لقد كشف ابن دريد عن هذا الصنيع، وعن هذا الكرم الذي تميز به أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال؛ فقد سببه الله عز وجل لشيخنا في إخراج هذا الكتاب؛ حيث قال: فبذلت له مصون ما أكننت، وأبديت مستور ما أخفيت… كان شيخنا قبل صحبته لأبي العباس بن ميكال مغتمًّا؛ لأنه رأى أهل عصره زاهدين في الأدب، ومتثاقلين عن الطلب، يستوي في ذلك ذو السن -أي: الكبير- وكذلك الناشئ الصغير.

كما أشارت المقدمة أيضًا إلى الخطة أو إلى المنهج الذي انتهجه:

لقد رَعَى ابن دريد عند الترتيب كمية الكلمات؛ فبدأ بالثنائي، ثم بالثلاثي الصحيح، ثم بالثلاثي المعتل، ثم بالرباعي الأصلي، ثم بالمحلق به، ثم بالخماسي الأصلي، ثم بملحقاته. وختم الكتاب بباب خاص بالنوادر.

إن ابن دريد التزم أمورًا ثلاثة:

الأمرُ الأولُ: الألفبائية العادية في ترتيب الأبواب والمواد، أي: التزم ترتيب حروف الهجاء: ألف باء تاء ثاء…

الأمرُ الثاني: التزم بالتقليبات؛ حيث ذكر جميع الصور الممكنة من المادة في أول الحروف ترتيب هجائيًّا مع ما يليه.

الأمرُ الثالثُ: نظام الأبنية من حيث الكم، أي: الثنائي فالثلاثي… إلى آخره.

فالهدف المشترك بين نظامه ونظام الخليل -وإن شئتَ فقل: بين المدرستين: بين مدرسة التقليبات الهجائية، ومدرسة التقليبات الصوتية- في اتباع نظام التقليبات، وهو حَصْر ألفاظ اللغة المستعملة والمهملة بطريقة حسابية رياضية بحتة.

وقد أشار ابن دريد إلى هذه الطريقة – طريقة الحصر- في ثنايا معجمه لقد شرح طريقة التقليب بالدائرة والمثلث، حيث يقول:

إذا أردت أن تؤلف بناء ثنائيًّا أو ثلاثيًّا أو رباعيًّا أو خماسيًّا؛ فخذ كل جنس من الأجناس -يقصد الحروف المتباعدة-، ثم أَدِرْ دارةً فوق ثلاثة أحرف حواليها، ثم أرشد أيضًا إلى أن يَنظر المرء عند كل حرف يَمنةً ويسرةً؛ فيخرج من الثلاثي بستة أبنية ثلاثية، ويستطيع -من الناحية الرياضية البحتة- أن يخرج أيضًا بتسعة أبنية ثنائية، وذُكِرَ رسم أيضًا لهذا، ثم بعد الصورة وبعد الرسم -أي: رسم الدارة أو الدائرة أو رسم المثلث- قال: فإذا فعلت ذلك استقصيت من كلام العرب ما تكلموا به وما رغبوا عنه… يعني: تستطيع أن تعرف ما استعمل من كلام العرب وما أهمل.

وقد سبقت الإشارة إلى بيان الأبنية الثلاثية الناتجة عن تقليب أي جذر ثلاثي؛ حيث تستطيع أن تضع على كل ضلع من أضلاع المثلث حرفًا من كلمة ثلاثية مثل: الباء والراء والجيم؛ فتستطيع أن تبدأ بالباء يمنة مرة، ويسرة مرة، فينتج تقليبان: الباء والجيم والراء، والباء والراء والجيم، واصنع نفسَ الصنيع مع الجيم، يمنة مرة، ويسرة مرة أخرى؛ فيتحصل أيضًا تقليبان: الجيم والباء والراء، والجيم والراء والباء، واصنع الصنيع نفسه مع الراء يمنة مرة ويسرة مرة أخرى؛ يتحصل أيضًا تقليبان: الراء والباء الجيم، والراء والجيم والباء.

أما الأبنية الثنائية التي ذكر أننا -بالطريقة الرياضية- نستطيع أن نحصرها في تسعة؛ فهي حاصلة أيضًا من ضرب اثنين في ثلاثة بالصورة نفسها التي قلناها مع الباء والجيم والراء، ثم تضيف إلى ذلك ثلاثة أبنية من خلال الحروف المتماثلة نفسها؛ فالباء مع الباء بناء، والجيم مع الجيم بناء، والراء مع الراء بناء؛ فهذه الأبنية الثلاثة تضاف إلى الستة تصير الأبنية تسعة.

فكتاب (جمهرة اللغة) يعد خطوةً تاليةً للخطوة التي بدأها الخليل بن أحمد في كتابه (العين)؛ حيث عَدَّلَ منهج وضع معجم الخليل، بعدما رأى الصعوبة الخاصة التي يلقاها الباحث في هذا المعجم؛ حيث تخلص من الترتيب الصوتي وعدل عنه إلى الترتيب الهجائي الألفبائي، إلا أنه لم يتخلص من فكرة التقليبات؛ ولذا يعد (جمهرة اللغة) مدرسة فريدة تسمى باسم “التقليبات الألفبائية أو الهجائية أو الأبجدية” -كما قلت- حيث يعد ابن دريد ترتيب حروف الكلمة حسب الهجائية العادية، ثم يذكرها وتقليباتها في أول الحروف الهجائية التي بها ترتيبًا؛ فمثلًا: مادة الكاف والراء والباء ترتب حروفها هجائيًّا هكذا: الباء أولًا، الراء ثانيًا، والكاف ثالثًا. فيذكر ابن دريد في هذه المادة التقليبات الستة للباء والراء والكاف: وهي الباء والراء والكاف، والباء والكاف والراء، والراء والباء والكاف، والراء والكاف والباء، والكاف والراء والباء، والكاف والباء والراء. وكلها عنده مستعملة.

كما لم يتخلص ابن دريد من نظام الأبنية من حيث الكم، أي: عدد الحروف التي تحتويها الكلمة، وقد بان -من خلال المقدمة التي ذكرتها عنه- أنها تنحصر في الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، ولكل منهما ملحق؛ فالثنائي وما ألحق به، والثلاثي وما ألحق به، والرباعي وما ألحق به، والخماسي وما ألحق به؛ فالكتاب -إذًا. يقوم على أسس ثلاثة: الترتيب الهجائي العادي، التقليبات، الأبنية.

والتزام هذه الأمور الثلاثة قد يوقع صاحبه في الخطأ والاضطراب، وهذا ما حدث فعلًا، وإن كان قد اجتهد حين سرد الأفعال أن يبدأ -في الغالب. بالماضي والمضارع ويعقبهما بالمصدر أحيانًا، ويذكر المصادر المتعددة للفعل -إن وجدت-، ويشرح معاني المادة ويستشهد لها بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي القديم؛ كما يشرح الألفاظ الغريبة في الشواهد، ويذكر وجوه المادة وتقليباتها في مكان واحد، واهتم بالأعلام والأماكن والحيوان والنبات… كل هذا يشير إلى جهد شيخنا في كتابه هذا، بالإضافة إلى أمانته العلمية؛ حيث يتحدث عن مصادره، ويشير إلى أسماء من نقل عنهم، ولا يتخيلن أحد أنه اقتصر على كتاب (العين) للخليل؛ لكن الذي يتصفح معجم (جمهرة اللغة) يرى ابن دريد فيه قد نقل عن الخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وغيرهم، ومن أمانته أنه إذا صادف شيئًا لا يعرفه يقول: لا أدري ما هو…

فَلْتَعْلَمْ أن ابن دريد جعل نظام الأبنية أساسًا لتقسيم كتابه، وقسمها إلى أبواب وفق نظام الألفباء، ووفق التقليبات الخليلية في آن واحد، وبدأ بالثنائي وما ألحق به؛ حيث بدأ بالثنائي الصحيح: وهو المشدد الآخر وهو في عرف غيره الثلاثي المضعف مثل مد؛ فالثنائي المشدد الآخر عنده يقابل عند غيره الثلاثي المضعف، مثل: مدَّ، وشدَّ، وهدَّ، وكرَّ، وفرَّ… إلى آخره. وألحق به الثنائي الذي كرر مقطعه، وهو المسمى عند غيره بالرباعي المضعف، أو الرباعي المكرر، ويأتي بعده الثنائي المعتل، وهو المسمى عند الصرفيين باللفيف…

لذلك فإن المتصفح للجمهرة يرى أنه قد بدأها بباب الثنائي الصحيح؛ حيث يبدأ بباب الباء وما بعده، ثم باب التاء وما بعده، وباب الثاء وما بعده، والجيم وما بعده، والحاء وما بعده… إلى أن يصل إلى باب الهاء وما بعده، ثم يتبع الثنائي الصحيح بأبواب من الملحق ببناء الرباعي المكرر؛ فيبدأ كذلك بباب الباء وما بعده… وهكذا إلى أن يصل إلى حرف الهاء وما بعده، ثم يفرد بابًا للهمزة، ثم ينهي أبواب الثنائي بباب الثنائي المعتل وما تشعب منه.

والثنائي المعتل نحو: “أتى” الهمزة والتاء وحرف العلة، ونحو: توى، يعني: سواء اشتمل على حرف معتل واحد أو على حرفين مما يسمى عند الصرفيين بتسمية أخرى؛ كاللفيف مثلًا، ويدخل فيه كذلك الباء والواو والهمزة، والواو والثاء والهمزة، إذًا الثنائي قد يكون صحيحًا وهو -على حد تعبير شيخنا. لا يكون حرفين البتة إلا والثاني ثقيل -يقصد مشددًا؛ حتى يصير ثلاثة أحرف، اللفظ ثنائي، والمعنى ثلاثي.

قال: وإنما سُمي ثنائيًّا للفظه وصورته، فإذا صرت إلى المعنى وإلى الحقيقة كان الحرف الأول أحد الحروف المعجمة، والثاني حرفين مثلين: أحدهما مدغم في الآخر، نحو: بت يبت بتًّا، أما الثنائي الملحق ببناء الرباعي المكرر فنحو: بحبح وبجبج؛ فالبحبوحة تراها في باب الثنائي المحلق ببناء الرباعي المكرر، وأفرد بعده ابن دريد بابًا صغيرًا للرباعي المكرر المهموز نحو: بأبأ وتأتأ، أما الثنائي المعتل وما تشعب منه فقد عرفته.

ثم يرى المتصفح (للجمهرة) بعد الثنائي بأبوابه يرى الثلاثي ويبدؤه بالصحيح؛ حيث يبدأ بباب الباء والتاء مع سائر الحروف، ثم بباب الباء والثاء… إلى آخره. إلى أن يصل إلى وباب الباء والواو وما بعدهما، أقصد: الهاء والياء.

وهذا الباب -أعني: الثلاثي الصحيح- وما تشعب منه يشغل ما يقرب من ثلثي المعجم، ثم ألحق بالثلاثي الصحيح ثلاثيًّا يجتمع فيه حرفان مِثلان في موضع الفاء والعين، أو في موضع العين واللام، أو في موضع الفاء واللام؛ فالباء واللام واللام تجدها في هذا الثلاثي بعد الثلاثي الصحيح؛ وكذلك اللام والباء والباء هذا الجذر -أو هذا الأصل- تجده في هذا الثلاثي الملحق بالثلاثي الصحيح، ثم أنهى الثلاثي بباب أخير خصه بما كانت عين فعله أحد حروف اللين نحو باب، ومنه ما هو مهموز أيضًا سواء كانت الهمزة في آخر الجذر أو في أوله؛ فخبأ تجدها في هذا الباب، وأبد تجدها أيضًا في هذا الباب.

ثم ختم هذا الثلاثي بباب في النوادر في الهمز، وألحق به باب اللفيف فيه، وألحق به أيضًا باب المقصور في الهمز، ثم يأتي باب الرباعي الصحيح، فالرباعي المعتل، وذكر تحت الرباعي المعتل أشياء غير معتلة من الرباعي؛ كالرباعي الذي فيه حرفان مثلان: نحو: كركم أو دردق، وأيضًا الثلاثي المضعف الآخر نحو: خدبّ وعِكدّ، ثم يأتي الخماسي في آخر الأبنية وما لحق به من الحروف الزوائد.

ثم يختم كتابه بأبواب لغوية متفرقة ضمها إلى المعجم بدون ترتيب، تعالج أموارًا مثل التي عالجتها الرسائل اللغوية الصغيرة، منها ألفاظ يجمعها وزن ما، وألفاظ يجمعها موضوع ما، وألفاظ تمثل ظاهرة لغوية ما؛ كالإتباع، كالاستعارة، وغيرهما.

والملاحظ أن ابن دريد يعتبر الهمزة حرف علة تارة -كما فعل المتقدمون-، ويعتبرها حرفًا صحيحًا تارة أخرى -كما فعل المتأخرون- فاعتبرها حرفًا صحيحًا في الثنائي، ثم عدها حرف علة في غيره.

كما تلاحظ أن تاء التأنيث قد عدها هاء أصلية في الكلمة؛ فحبة مثلًا تجدها في الحاء والباء والباء والهاء، وعفة تجدها في العين والفاء والفاء والهاء، وكان قد ذكرهما مع المادتين الحاء والباء، والعين والفاء، وقد اعتُذر عنه بجهل من ألف لهم الكتاب، وأخذ على ابن دريد -لهذا السبب وغيره- مخالفته لمنهجه الذي رسمه في خطته ومقدمته، فقد أوضح أنه قصد الجمهور الشائع دون الغريب المستنكر؛ ولكنه اهتم اهتمامًا كبيرًا بالغريب والنادر.

كما أخذ عليه التصحيف، وأخذ عليه إكثاره من الألفاظ المولدة؛ ولكن هذه المآخذ لا تنقص من قدر (الجمهرة)؛ فاهتمامه بالقراءات القرآنية وتوجيهها، واهتمامه باللغات الواردة عن القبائل العربية ونسبتها إلى أصحابها، واهتمامه بالإشارة إلى المعرب والدخيل من الرومية أو الحبشية أو السريانية… كل هذا يشهد لهذا الكتاب بالقيمة الكبرى والنفع العظيم، وإني أسوق نماذج من كتابه -أعني: (الجمهرة)-؛ ليتضح جهد ابن دريد فيه… وأذكرك بطريقة الكشف في هذا السفر الضخم:

عليك أن تجرد الكلمة من الزوائد -كما هو شأن كل المعاجم اللفظية المنتسبة إلى المدارس المختلفة- وعليك أن ترتب حروف المادة بعد تجريدها من الزوائد حسب الترتيب الهجائي المعروف ألف باء وتاء، ويبحث عنها في باب أسبق حروفها في هذا الترتيب؛ فـ”الجبر” مثلًا يبحث عنها في الباء والجيم والراء؛ لأن الباء أسبق من الجيم والجيم أسبق من الراء، و”الكتابة” يبحث عنها في الباء والتاء والكاف؛ لأن الباء أسبق من التاء والكاف، والتاء أسبق من الكاف، و”القلب” يبحث عنه في الباء والقاف واللام؛ لأن الباء أسبق من كل من القاف واللام، والقاف متقدمة أيضًا على اللام… وهكذا.

كما تنظر إلى بناء المادة وعدد حروفها ونوعها، وظواهر وضعها: أهي ثنائية، أم ثلاثية، أم رباعية؟! أصحيحة هي أم معتلة أم مهموزة؟! مضعفة أم غير مضعفة؟! حيث إن للأبنية أساسًا مهم في معجم (الجمهرة).

error: النص محمي !!