Top
Image Alt

نهضة النثر وتطوره

  /  نهضة النثر وتطوره

نهضة النثر وتطوره

ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى حالة النثر الأدبي قبل النهضة الحديثة:

فقد سبق أن حدثتك عن حالة الشعر قبل النهضة الحديثة، وأن الشعرَ كان ضعيفًا، ولم يكن النثر -بطبيعة الحال- أحسنَ حالًا من الشعر قبل هذه النهضة، ولم يكن أقل منه ضعفًا وجُمودًا في فترة رُكود الثقافة وتخلف الأدب إبَّان الحكم العثماني حتى بدأت النهضة الأدبية الحديثة.

فقد كان النثرُ يرسف في قيود التكلف، ويدور في مجالات التهنئة والتعزية، والاعتذار والمجاملة، إلى غير ذلك من الأغراض الضيقة التي لا تدفعها في الغالب عاطفة صادقة، ولا تعبِّر عن فكر عالٍ، ولا تتيح للأدباء تصويرَ الخواطر، وسبر أعماق الضمائر، وتحول بينهم وبين الإفادة من معطيات الطبيعة، وأسرار الوجود، وحكمة الحياة.

وتلك هي الروافد التي تحيي الأدب وتغذيه -أعني: الخواطر، وأعماق الضمائر، ومعطيات الطبيعة، وأسرار الوجود، وحكمة الحياة-، فإذا تحول عنها الأدب أو ضَلَّ الطريق إليها، تضاءلت قيمته وجفت دوحتُه، واستتبع هذا الفقر في الأغراض والمعاني جدبًا في الصياغة وضعفًا في الأسلوب، إذ كان هم الأديب -آنذاك- ينصرف إلى اصطياد لفظ يقيم له السجع، أو اقتناص كلمة تتمِّم له الجناسَ، ولو لم يبلغ ذلك إلا بكدِّ الذهن وشق النفس.

وهذه رسالة كتبها الشيخ علي أبو النصر -أحد أدباء تلك الفترة- إلى صديق له، تسلك هذا المسلك الضيق، وتتخذ من الصياغة المتكلفة المثقلة بألوان البديع أسلوبًا لها.

كتب يقول:

“إن أبهى ما تُسر به نفوسُ الأحبة، وأبهج ما يستضاء به في دياجي المحبة، دونما يرسمه يراع المشوق، وأبدعه مما يحسن ويروقُ، تشوفًا إلى اقتطاف ثمرات المسامرة، وتشوقًا إلى أبيات بمحاسن البديع عامرة، ولما تشرف المحب بورود المحلق الأسنى، الجامع بين رِقة اللفظ ودقة المعنى، كَادَ يرقص طربًا بعد أن قضَى مما رآه عجبًا، تاقت نفسه إلى التشبه بالأوائل، وأين فهاهة باقل من فَصاحة سحبان وائل، وكرم أخلاق سيدي، يقضي بغض النظر عن العيوب، وكل ما استحسنه المحبوب محبوب، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، ولا حول فيما قضَى الإله ولا حيلة، فإني وجدت الرسائلَ لا تجدي إذا شط المزار، ومعانقة الطيف لا تغني متى عَزَّ الاصطبار، غير أني أمرت بأداء ما وجب، ونسجت على مِنوال مَن تحلَّى بالأدب، ورقدت بجواد القَريحة، وقدحت زِند فكرة ليست بالمستريحة…”.

إلى آخر هذه الرسالة التي كتبها الشيخ علي أبو النصر، يرد على خطاب أو رسالة وردت له من صديق.

وأنت تلاحظ:

أن الرسالة فقيرة جدًّا في أفكارها، وكلها جُمل تدور حول معنى واحد، هو: تقديم الشكر إلى المرسل، والإعراب عن الإعجاب بأسلوبه، والتواضع أمامه.

وتلاحظ: أن الرجل كَدَّ ذهنه في اصطياد الكلمات التي تحقق له السجعَ، والتي تتمم له الجناس، ووقع في مبالغاتٍ كبيرةٍ.

وكما قلت: الرسالة فقيرة جدًّا من الناحية الفكرية، وأما العاطفة فالواضح عليها الضعف أو التصنع، والمحاسن البديعية المتكلفة واضحة جدًّا في أسلوب الشيخ.

وعلى الرغم من هذا، فإن الشيخ عليًّا أبا النصر وأبناء جيله كانوا أحسنَ حالًا من الأجيال التي سبقتهم في العهد العثماني، فلغةُ الشيخ علي أبي النصر وأمثاله لغة فصيحة وخالية من اللحن والدخيل -كما ترى- لكنها -كما قلت- عندما نقوِّمها في مجال الدراسة الأدبية نحكم عليها بما سبق أن أشرتُ إليه.

ظلَّ حال النثر إذًا على هذا الحالِ من الضعف والركاكة، وضيق الأغراض، واصطناع الأساليب البديعية، إلى أن حدثت النهضة الأدبية الحديثة.

ولا بد أن نشير إلى أن أسباب الضعف والجمود والتخلف التي تتمثل في الاستبداد السياسي، والجهل، والفقر، والعزلة عن العالم، إذَا استمرت هذه العوامل مدة طويلة من الزمن؛ أجدبت الحياة الفكرية، وجفت ينابيعُ الثقافة، واضمحلت المواهبُ، وهذه العوامل -عوامل التخلف المتمثلة في الاستبداد السياسي والجهل، والفقر، والعزلة عن العالم- أدت إلى توقف نهر البيان العربي، وحالت بينه وبين التدفق مدةً طويلةً، فقلَّ الخطباء الموهبون، والكتاب المبدعون، ولم تعد تربة البلاغة صالحةً لإنبات براعمَ جديدة، بعد أن انقطع عنها مدُّها وغذاؤها، وانصرف الناس عن العلم، وخمدت جذوة الفكر، وشاع الفقر، وغلب الاستبداد، كل ذلك هو ما حدث في ظل الحكم العثماني لبلاد العرب.

وتحتاج الأمم في مثل هذه الأحوال إلى حدث كبير يهزها هزًّا عنيفًا؛ ليتحرك الساكن، ويتنبه الغافل، ولقد كان هذا الحدث الذي هزَّ الحياة العربية هزًّا عنيفًا، كان هذا الحدث هو حملة “نابليون” الفرنسي التي غزت مصر سنة ألف وسبعمائة وثمان وتسعين من الميلاد -وقد أشرت إلى ذلك في حديثنا عن نهضة الشعر – ولما أفاق المصريون على واقع جديد، وحدثت في حياتهم تطورات سياسية واجتماعية جديدة، كان من أهمها إحياء الحس الوطني، والرغبة في تغيير حالة الوطن، وحالة الأُمة، ثم التعليم، وبداياته الناشطة التي بدأت في عهد محمد علي، ثم بعد ذلك الطباعة، والصحافة، والمكتبات، والجمعيات العلمية، والترجمة، والأخذ من الغرب في بعض الفنون الأدبية، كل هذه العوامل الجديدة أدت إلى النهضة الأدبية، وكما أدت إلى نهضة الشعر أدت أيضًا إلى نهضة النثر؛ لأن الأدبَ له جناحان هما الشعر والنثرُ.

إذًا تطور الوضع الثقافي والاجتماعي والسياسي وتغير، ومن هنا بدأت حالة النثر الأدبي تتغير.

وكان لا بد من وجود موهبة قادرة تقوم بدور الريادة في نهضة النثر، كما قام البارودي بدور الريادة في نهضة الشعر وإحيائه.

والحقيقة أن الشيخ محمد عبده هو الذي أدى دورَ الريادة في إصلاح النثر، والنهضة به، وتغيير حاله.

فَمَن هو الشيخ محمد عبده؟

وُلِدَ الشيخ محمد عبده بقرية “محلة نصر” بمحافظة البحيرة، سنة ألف وثمانمائة وتسع وأربعين من الميلاد، وحَفِظَ القرآن الكريم وهو صغير، ثم التحق بالأزهر وتخرَّج فيه وعمل به مدرسًا، كما درس بدار العلوم، ولما وفَدَ جمال الدين الأفغاني إلى مصرَ تتلمذ الشيخ محمد عبده عليه، وتأثر بآرائه في السياسة والاجتماع والأدب، وأشرف الشيخ محمد عبده على صحيفة “الوقائع” المصرية سنة ألف وثمانمائة وسبعين، ولم يكن راضيًا عن الثورة العرابية حين بدت بوادرها، ثم أيدها، وبعد فشلها سُجِنَ، ثم نُفِيَ إلى خارج مصر.

وبعد ذلك شارك أستاذَه جمال الدين الأفغاني في إصدار مجلة “العُروة الوثقَى” وسافر إلى باريس وإلى بيروت، ثم عاد إلى مصر فعين قاضيًا ثم مفتيًا. وله جهود كبيرة في إصلاح الأزهر، وظل في محاولة إصلاح الحياة الاجتماعية، والثقافية، والأدبية، إلى أن تُوفي سنة ألف وتسعمائة وخمس من الميلاد.

ويتمثل دورُ الشيخ محمد عبده في إصلاح النثر والنهضة به، في أخذ نفسه -أولًا- بتقويم الأسلوب الذي يكتب به وإصلاحه، وتخليصه من قيود التكلف، وأثقال الزينة البديعية المرذولة، ولقد خرج الشيخ بقلمه من المضايق الخانقة إلى رِحاب فسيحة، فجعل من قلمه أداةَ إصلاح ديني، وتنوير سياسي، وكتب في الأخلاق والأدب، والوطنية والاجتماع، وكان إذ يكتب في هذه الموضوعات يجاهد ما علق بنفسه وبأسلوبه وبالعرف الأدبي، من أوضار الماضي حتى سَلِمَ له أسلوبه، واستقامت طريقته، وأصبح العَلَم الهادي والرائد الأول في ترقية الكتابة؛ مضمونًا وأسلوبًا، ولم يحبس الشيخ قلمَه في الأغراض التافهة -التي أشرنا إليها ذي قبل- كالتهنئة، والتعزية،… وما إلى ذلك، وإنما انطلق الشيخ بأسلوبه وبكتاباته وبقلمه في مجالات الإصلاح في شتَّى مناحي الحياة.

ويدلك على جهاد الشيخ محمد عبده في محاولة تحرير أسلوبه من القيود التي كانت موجودةً، تلك الرسالةُ التي كتبها ردًّا على رسالة أرسلها إليه حفني ناصف، وهو من تلاميذ الشيخ وأصدقائه، وفيها يقول الشيخ محمد عبده:

“تسجعُ لي في كتابك، وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع حتى لو ساق إليه الطبع، فماذا أصنع بك وقد نقضت توبتي بأدبك؟!”.

وواضح أن الشيخ حفني ناصف كان قد أرسل رسالةً إلى الشيخ محمد عبده، التزم فيها بالسجع والجناس، وتقاليد الأسلوب القديم، والشيخ يرد عليه في هذه الرسالة مع أنه سجع فيها، لكنه من باب التظرف، يقول: “تسجع لي في كتابك وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع”، فهذه الجملة كان قد هجَرَ هذا الأسلوب القديم أسلوبَ السجع والحرص على المحسنات البديعية.

وتسير الرسالة على هذا النمط إلى نهايتها؛ مما يدل على أن الكتابة في هذا الوقت لم تكن تخلصت تمامًا من قيود البديع، ولم يكن مجهود الشيخ محمد عبده مقصورًا على إصلاح أسلوبه فحسب، بل عمِلَ على تصحيح أساليب الكتَّاب الآخرين، وقد مكَّن له منصبه في صحيفة (الوقائع المصرية) الإشراف على الجرائد والمجلات، ومراجعة ما يحرره كتبة الدواوين في شئون الحكومة، وكان ينذر الصحيفة بالتعطيل إذا لم تغير أحد كتابها ممن لا يحرِّرون أساليبهم ويصححونها، أو تحمله على تحسين أسلوبه.

يضاف إلى ذلك جهود الشيخ الإمام في تدريس البلاغة في الأزهر بطريقة تهدف إلى تصفية الذوق وترقيته، كما نشر الشيخُ الكتبَ النافعةَ في ذلك المجال؛ كـ(دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) للإمام عبد القاهر الجرجاني، كما قام بشرح كتاب (نهج البلاغة). وأنشأ جمعية لإحياء الكتب العربية، وأدخل تدريس كتب الأدب؛ كـ(الكامل) للمبرد، و(ديوان الحماسة) لأبي تمام، إلى الأزهر، وعهد بتدريس الأدب فيه إلى شيخ أديب ذواقة هو الشيخ سيد بن علي المرصفي.

فكل هذه الجهود التي بذلها الشيخ محمد عبده في إصلاح أسلوبه وإصلاح أساليب الكتاب الآخرين، وإصلاح التدريس بالأزهر، ونشر الكتب التي ترقِّي الذوق وتهذبه، كل هذه الجهود جعلت دور الشيخ محمد عبده في النهضة بالنثر مشابهًا إلى حد كبير دور محمود سامي البارودي في النهضة بالشعر وإحيائه.

والآن نقف على بعض النماذج من كتابة الشيخ محمد عبده، نستدل منها على انطلاق أسلوبه إلى مجالات فسيحة من الفكر، بعيدًا عن المجالات الضيقة التافهة، ومنطلقًا بأسلوبه بعيدًا كذلك عن قيود المحسنات البديعية المتكلفة.

من مقال بعنوان “خطأ العقلاء”، يقول الشيخ محمد عبده:

“إن كثيرًا من ذوي القرائح الجيدة إذا أكثروا من دراسة الفنون الأدبية، ومطالعة أخبار الأمم وأحوالهم الحاضرة، تتولد في عقولهم أفكار جليلة، وتنبعث في نفوسهم همم رفيعة، وتندفع إلى قول الحق وطلب الغاية التي يجب أن يكون العالم عليها، ولكونهم اكتسبوا هذه الأفكار وحصلوا تلك الهمم من الكتب والأخبار، ومعاشرة أرباب المعارف، ونحو ذلك، تراهم يظنون أن وصول غيرهم إلى الحد الذي وصلوا إليه، وسير العالم بأسره أو الأمة التي هم فيها بتمامها على مقتضى ما علموه، هو أمر سهل مثل سهولة فَهم العبارة عليهم، وقريب الوقوع مثل قرب الكتب من أيديهم، والألفاظ في أسماعهم، فيطلبون من الناس طلبًا حاثًّا أن يكونوا على مشاربهم، ويرغبون أن يكون نظام الأمة وناموسها العام على طبق أفكارهم، وإن كانت الأمة عدة ملايين، وحضرات المفكرين أشخاصًا معدودين، ويظنون أن أفكارهم العالية إذا برزت من عقولهم إلى حيز الكتب والدفاتر، ووضعت أصولًا وقواعدَ لسير الأمة بتمامها، ينقلب بها حال الأمة من أسفل درج في الشقاء إلى أعلى درج في السيادة، وتتبدل العادات، وتتحول الأخلاق، وليس بين غاية النقص والكمال إلا أن ينادَى على الناس باتباع آرائهم، تلك ظنونهم التي تحدثهم بها معارفهم المكتسبة من الكتب والمطالعات، وإنهم وإن كانوا أصابوا طرَفًا من الفضل من جهة استقامة الفكر في حد ذاته، وارتفاع الهمة وانبعاث الغيرة، لكنهم أخطئوا خطأً عظيمًا من حيث إنهم لم يقارنوا بين ما حصّلوه وبين طبيعة الأمة التي يريدون إرشادها، ولم يختبروا قابلية الأذهان واستعدادات الطبائع للانقياد إلى نصائحهم واقتفاء آثارها”.

وهذا اللون من الكتابة -كما ترى- معنيٌّ بالفكرة في المقام الأول، يغلب عليه طابع الإقناع العقلي، وتقليب الفكرة على وجوهها المحتملة في أسلوب سهل مسترسل، لا يحفل بالسجع ولا بالجناس ولا بغيرهما من المحسنات البديعية؛ ذلك لأن هذا المقالَ يعالج قضية أو مشكلة ثقافية اجتماعيةً تتعلق بتصورات أصحاب الفكر في النهضة بالأمة، وينتقد المقالُ غفلةَ هؤلاء المفكرين عن الواقع الذي يريدون تغييره، والمقال موجه إلى الناس في صحيفة يقرؤها عامتهم، فالغرض منه توصيل الفكرة واضحةً وسهلةً، دون الحاجة إلى التأنق في الأسلوب أو تنميقه.

فالشيخ محمد عبده في هذا المقال يلوم المفكرين الذين يظنون أن تغيير أحوال الناس أمر سهل، كما سهل عليهم هم اكتساب أفكارهم من المطالعة في الكتب، ومجالسة أصحاب الرأي في المجتمع، لكنه يلفت نظرهم إلى أن تغيير الأمم وتغيير الشعوب والتقاليد والأخلاق، أمر صعب جدًّا، وأن الذين يظنون أن الناس ستتغير بمجرد نشرهم لبعض المقالات في الصحف واهمون.

وأنت تلاحظ:

أن الأسلوب في هذه المقالة أسلوب متحرر، وأسلوب فصيح، وأسلوب صحيح، وغني بالفكرة، ولكنه -كما قلت- بريء من قيود البديع، وبريء من محاولات التأنق في عرض الفكرة.

والشيخ محمد عبده له نمط آخر من الكتابة يميل فيه إلى التأنق في اختيار اللفظ والعبارة، وعرض الأفكار في معرضٍ من الصور البيانية المعبرة عن عاطفة صادقة، ويكون ذلك عندما يكتب نثرًا أدبيًّا خالصًا يتوجه به إلى صديق من طبقته؛ ردًّا على رسالة، أو تعبيرًا عن ود أو شكوى حال، فعندئذٍ مقام الكتابة يختلف، وأسلوب الكاتب يختلف. في المقال السابق كان الشيخ يتوجه بمقاله إلى عدد كبير من القراء في مجلة سيارة، لكنه عندما يكتب رسالة إلى أحد أصدقائه نجده يعبر عن موهبة في التصوير والتعبير، وعندئذٍ تكون العاطفة وراء النص الأدبي.

من هذا النمط رسالة أرسلها الشيخ محمد عبده من سجنه بالقاهرة عندما كان محكومًا عليه بالسجن بتهمة الاشتراك في أحداث الثورة العرابية، كتب إلى أحد إخوانه يقول:

“رأيت نفسي اليوم في مهمهٍ لا يأتي البصر على أطرافه، وفي ليلة داجية غُطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا، لا أرى إنسانًا ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا، أسمع ذئابًا تعوي، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب، والتف على رجليَّ تنينان عظيمان -يقصد القيود والسلاسل التي قُيد بها كما يقيد كل السجناء- وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومَن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين، انقطع حبل الأمل وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء، وضل الاعتقاد بالأصفياء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء والناس أجمعين، سقطت الهمم، وخربت الذمم، وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبقَ إلا هوًى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيظ يحتدم، وخشونة تنفِّذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين، ذهب ذوو السلطان في بحور الحوادث الماضية، يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوقاتٍ من التهم، وسواقطَ من اللمم؛ ليموهوها بمياه السخطة، ويغشوها بأغشية من معادن القوة؛ ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعينَ الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكشفونه، أو لحق خفي فيظهرونه، أو خرق بَدَا فيرتقونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلا، بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين”.

ويظهر من هذه الرسالة -كما ترى- تمكن الشيخ من لغته، وسيطرته على أدوات البيان، وتلوح موهبته الأدبية العالية من خلال هذه الألفاظ الموحية، والعبارات المحكمة، والصور البيانية البارعة التي صورت ما يشعر به من مرارة اليأس، وما تراكم في نفسه من ظلمات، وما يختلج بصدره من كره للظلم، وضيق بأولئك الحكام المستبدين الذين يأخذون الناس بالشبهات، ويلفقون لهم التهم، ويسومونهم سوء العذاب.

فهذا النمط من الكتابة متجاور مع النمط الآخر الذي يمثله مقال “خطأ العقلاء”، فلكل مقام أسلوب يصلح فيه.

ولقد تضافرت مع جهود الشيخ محمد عبده في إصلاح الكتابة والنهضة بها، جهود صفوة من معاصريه الذين تتلمذوا معه على السيد جمال الدين الأفغاني، أو تتلمذوا على الشيخ محمد عبده بعد ذلك.

من هؤلاء: أديب إسحاق، وعبد السلام المويلحي، وإبراهيم المويلحي، وحفني ناصف، وغيرهم.

وعلى الرغم من تنوع موضوعات الكتابة، واتساع الآفاق التي ارتادها الكتاب، والتغير الذي لحق أساليبهم بفضل جهود الشيخ محمد عبده وأصحابه، فإن الكتابة لم تتحول تمامًا من الأساليب القديمة الملتزمة بالتسجيع والتجنيس وتوشية الكلام بصنوف البديع، إلى الأساليب المسترسلة في غير قَيْد، فقد بقي الأسلوب البديعي قسيمًا للأسلوب المسترسل عند بعض الكتاب، وراجحًا عليه عند البعض الآخر.

ومن أبرز ما يمثل هذا الأسلوب البديعي الذي اتخذه بعض الكتاب سبيلًا لمعالجة الموضوعات الاجتماعية والأخلاقية، بل وموضوعات النقد السياسي والاجتماعي، كتاب (صهاريج اللؤلؤ) للسيد توفيق البكري، وكتاب (أسواق الذهب) للشاعر أحمد شوقي، فكلٌّ من الكتابين يحتوي على مقالات في موضوعات مختلفة، كُتبت بأسلوب منمق، يعتمد على السجع والجناس، والطباق والمقابلة، وإيراد المترادفات، ويتضمن بعض الحكم والإشارات التاريخية.

وهذا نموذج من (صهاريج اللؤلؤ) يقول فيه البكري متحدثًا عن العزلة:

“رحماك، إن عزلة بين كرْم وأعناب، ودواة وكتاب، لَهِيَ الجماعة والأنس للنفس، وإن اجتماعًا بكبير يبغض ويزار، أو رئيس، لا يجد نفسه في الليل ولا تجده في النهار، أو عدو ليس من صداقته بد، أو حقود ذله أظهر منه الود، أو حسود ملِق كالذبالة يضحك ويحترِق، أو جاهل تعاقل، أو متفصح وهو باقل، أو صغير به كِبر، أو خِدن فيه غدر، لَهو وايم الله الوحشة والوحدة”.

ومما كتبه أحمد شوقي في (أسواق الذهب) كتب تحت عنوان “المال” يقول:

“يا مال، الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سحرت القرون، وسخرتَ من قارون، وسعرت النار يا نيرون، تعود الحقد أن يحالفك، وكُتِبَ على الشر أن يخالطك ويؤالفك، الفتنة إن حركتها اتقدت، والحرب وهي الحَرب تبعثها ذات لهب، منك الرياح ومنها الحطب، تذري بالكرام، وتغري بالحرام، وتضري بالإجرام، فقدانك العرو والضر، ونَكد الدنيا على الحر، حالك وحال الناس عجب، تملكهم من المهد ويقولون: أصبنا، وترثهم عند اللحد ويقولون: ورثنا وتركنا، مَن عاش قوموه بما ملك، ومن هلك تساءلوا: كَمْ ترك؟ المحروم مَن أوثقك، كثيرك هم، وقليلك غم، ومع التوسط الخوف والطمع، والحِرص والجشع؛ حذرَ النفاد، ورغبةً في الازدياد”.

فأنت تلاحظ أن هذا المقال -والمقال الذي سبقه للبكري- حريص كلا الكاتبين في مقاله على التزام السجع، ولم يترك لقلمه مجالًا للاسترسال في توضيح الفكرة التي يريد توضيحها، أو بيانها.

ولقد كان أصحاب هذه الطريقة في الكتابة مِن الداعين إلى المحافظة واستلهام التراث، وكان في مقابل اتجاههم اتجاه آخر لم يحفل أصحابه بجمال الأسلوب، ولا بروعة العبارة، ولا بنصاعة البيان، ولم يهتموا بشيء اهتمامهم بالفكرة وتوضيحها، والاحتجاج لها باصطناع البراهين العقلية، والأقيسة المنطقية، وأصحابُ هذا الاتجاه كان يغلب على تفكيرهم الإعجاب بالفكر الغربي، والميل إلى التجديد في الأدب والحياة على هَدْي مِن فكر الغربيين ونظمهم.

ومن أمثلة الكتابة عند أصحاب هذا الاتجاه:

ما كتبه أحمد لطفي السيد بعنوان “غرض الأمة هو الاستقلال” حيث يقول:

“استقلال الأمة في الحياة الاجتماعية كالخبز في الحياة الفردية لا غِنى عنه؛ لأنه لا وجود إلا به، وكل وجود من غير استقلال مرض يجب التداوي منه، وضعف يجب إزالته، بل عار يجب نفيه، استقلال الأمة عمن عداها أو حريتها السياسية حق لها بالفطرة، لا ينبغي لها أن تسامح فيه”.

وهكذا، فإذًا أصبح في الساحة أسلوبان؛ أسلوب يميل إلى الطريقة القديمة، وأسلوب يتخلص من كل مقومات الجمال الأدبي في الأسلوب، وهناك مَن كان يحاول أن يوفق بين الجديد والقديم في أساليبه، إذ يجمع في أسلوبه بين الانطلاق والاسترسال، والاهتمام بالفكرة والعناية بها، إلى جانب اهتمامه بالصياغة الأسلوبية. وكان الشيخ محمد عبده ومَن سار على نهجه هم أصحاب هذا الاتجاه الذي يجمع بين العناية بالفكرة، وجمال الأسلوب.

ومضى الزمن وكثر تلاميذ الشيخ محمد عبده، وأضافوا إلى النثر خطواتٍ جيدةً في النهضة به.

error: النص محمي !!