Top
Image Alt

نواقض الوضوء، والأفعال التي يُشترط لها الوضوء

  /  نواقض الوضوء، والأفعال التي يُشترط لها الوضوء

نواقض الوضوء، والأفعال التي يُشترط لها الوضوء

أولًا: نواقض الوضوء:

نتناول في هذا الدرس معنى “النَّواقض”، وبيان ما اتفق الفقهاء عليه من هذا الباب، ثم ما اختلفوا فيه.

والمسألة الأولى من مسائل هذا الباب هي: خُروج النَّجس من الجَسد. أو ما يُعبَّر عنه بـ”ما يَخرج من السبيليْن”.

وقبل أن نُبيِّن آراء الفقهاء وأقوالهم في هذه المسألة، نتحدث أولًا عن معنى: “نواقض الوضوء”، فنقول:

كلمة: “النواقض” جَمع ناقِضة، وهي: الفعل أو الشيء الذي يُفسد الوضوء.

فما الذي يُفسد هذا الوضوء، وما الذي يَنقضه، ويوجب على الإنسان أن يُعيده من جديد، ويستأنفه حتى يقوم للصلاة؟

كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6].

وقد ذكر ابن رشد: أن الأصل في هذا الباب -أي: في باب النواقض- هو: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}.

والغائط: هو مَوضع قضاء الحاجة، وهو: المكان المُنخفض من الأرض، وعُبِّر به عن النجس، أو عن الحاجة إلى الوضوء؛ لأنه مكان قضاء الحاجة.

ومعنى: أن يَجيء الواحد من الغائِط هو: أن يَجيء من المكان الذي قَضى فيه حاجته، وهو المكان المُنخفض، كما يُشير أيضًا قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، كما سنتبيَّن فيما بعد من أن اللّمس يَنقض الوضوء عند فريق من الفقهاء والعلماء.

إذًا حين يقول ابن رشد: الأصل في هذا الباب قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، فهو يُبيّن الدليل على ما يُفسد الوضوء أو يَنقضه، كما جاء في هذه الآية الكريمة.

والأصل أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَقبَل اللهُ صلاةَ مَن أحدث، حتى يتوضّأ)).

إذًا ناقض الوضوء عِبارة عن: حَدث حصل للإنسان المُتوضئ فأفسد وضوءه، أو نَقضه؛ وبالتالي لا يَحق له أن يُصلي، وإذا صلّى لا يَقبل الله صلاتَه إلَّا إذا توضأ من جديد.

ما اتّفق الفقهاء عليه من النواقض:

يَذكر ابن رشد في هذه المقدمة:أنّ العلماء اتّفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء من: البَول، والغائط، والرِّيح، والمَذي، والوَدي، لصحة الآثار في ذلك، إذا كان خُروج هذه الأشياء على وجه الصحة.

والبول: هو الماء الذي يَخرج من قُبُل الرجل، ومن قُبُل المرأة.

أما الغائط: فهو الخارج من الدُّبر، وسُمي الغائط مجازًا عن المكان الذي تم فيه نزول الخارج من الدُّبر.

والرّيح: هو الخارج من الدّبر، ورائحته غالبًا ما تكون خَبيثة، وقد يَخرج أحيانًا من القُبل.

أما المَذي: فهو ماء أبيض لزج يَخرج عقِب انتشار الشهوة في جسم الإنسان، لكنه يَختلف عن المَني، في أن المَني يكون بالانتصاب والقَذف عِدة دفعات، أما المَذي فهو سائل بسيط يكون على عُضو الذُّكورة، أو على عُضو الأنوثة، وقد لا يَحسّ الإنسان بنزوله أو بوجوده.

الوَدي: هو ماء يَخرج نتيجة مَجهود صَعب يبذله الإنسان، وتَضيق فيه أنفاسه، أو نحو ذلك فيَخرج. وما دام خَارجًا من السَّبيلين فهو نَجِس، وبالتالي يَحتاج صاحبه إلى الوضوء من جديد.

ولذلك قال ابن رشد: اتفق الفقهاء في هذا الباب على انتقاض الوضوء وفساده من هذه الأشياء الخَمسة: البول، والغائط، والريح، والمَذي، والوَدي، لصحة الآثار في ذلك. وجملة ذلك: أنّ الخارج من السبيليْن على ضَربيْن:

الضرب الأول: مُعتاد؛ كالبول، والغائط، والمَني، والمَذي، والوَدي، والريح، فهذا يَنقض الوضوء إجماعًا.

الضرب الثاني: نادر؛ أي: ما يَخرج بصورة نادرة، كالدَّم، والدُّود، والحَصاة، والشَّعر، فينقض الوضوء أيضًا، ولكن بَيْنَ العلماء اختلاف في ذلك.

ممّا اختلف فيه الفقهاء:

المسألة الأولى: خُروج النَّجس من الجَسد:

ما خَرج من السبيليْن المعتادين، اتفق الفقهاء على أنه ينقض الوضوء. وأمّا إذا خَرج النَّجس من غير هذيْن السبيليْن، أي: من باقي أعضاء الجَسد، فيقول ابن رشد:

“اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء ممّا يَخرج من الجَسد من النَّجس -أي: من غَير الفُروج- على ثلاثة مَذاهب:

المذهب الأوّل:اعتبر قوم في ذلك: الخارج وَحده، من أي مَوضع خَرج، وعلى أي جِهة خَرج -يعني: اعتبروا الشيء الخارج، أي: ما دام هذا الخارج نَجسًا فهو يأخذ حُكم النجاسة- وهو قول: أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وأحمد، وجماعة، ولهم من الصحابة السلف، فقالوا: كل نَجاسة تَسيل من الجَسد وتَخرج منه يَجب منها الوضوء.

ومثّلوا لها بالأشياء الآتية: الدَّم، والرُّعاف الكَثير الذي يَخرج من الأنف، والفَصْد -أي: إخراج الدم- والحِجامة أيضًا من بَعض أجزاء الجسم، والقَيء، إلَّا البَلغَم عند أبي حنيفة.

قال أبو يوسف -وهو صاحب الإمام أبي حنيفة-: إنه -أي: القيء- إذا ملأ الفَم ففيه الوضوء. ولم يَعتبر أحد من هؤلاء اليَسير من الدَّم إلَّا مجاهد.

المذهب الثاني: فريق آخر من الفقهاء اعتبروا المَخرجيْن -القُبُل والدُّبر- فقالوا: كلّ ما خَرج من هذيْن السبيليْن فهو ناقض للوضوء. فأيّ شيء خَرج من دم، أو حصاة، أو بلغم، وعلى أي وجه خَرج، سواء كان خُروجه على سبيل الصِّحة، أو على سبيل المَرض، فهو ناقض. وممَّن قال بهذا القول: الإمام الشافعي وأصحابه، ومحمد بن الحَكَم، وهو من أصحاب مالك.

المذهب الثالث: اعتبر قوم آخرون: الخارج، والمخرَج، وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خَرج من السبيليْن ممّا هو مُعتاد خروجه -وهو: البَول، والغائط، والمَذي، والوَدي والريح- إذا كان خُروجه على وجه الصِّحة فهو يَنقض الوضوء. فلم يَروا في الدَّم، والحَصاة، والدُّود، وكذا المَذي عند الإمام مالك، لم يَروا في ذلك وضوءًا، ولا في سَلَس البَول -يعني: الماء الذي يَقطر دائمًا- وكذا المستحاضة أيضًا، التي يَنزل عليها الدم في غير أيام الحيض؛ وممّن قال بهذا القول: مالك وجُلُّ أصحابه.

والمَني: موجب للغُسل، بخلاف المَذي والوَدي. فإذا كان المَذي، والوَدي ناقِضيْن للوضوء، فإن المَني ناقض للطهارة الكُبرى، وموجب للغُسل.

المسألة الثانية: هيئات النائم:

عَرض ابن قدامة أنواع النوم الثلاثة:

النوع الأول: نوم المُضطجِع، وهذا يَنقُض الوضوء يَسيره وكَثيره.

النوع الثاني: نوم القاعد إن كان كَثيرًا نَقض رواية واحدة، وإن كان قليلًا لم يَنقض.

النوع الثالث: ما عدا هاتيْن الحالتيْن: فهو نَوم القائم، والراكع، والساجد، وقد روي عن أحمد فيه روايتان:

الأولى: يَنقُض، وهو رأي الشافعي.

الثانية: لا يَنقض إلَّا إذا كثُر. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ النوم في حال من أحوال الصلاة لا يَنقُض، وإن كثُر.

المسألة الثالثة: أقوال الفقهاء في نَقض الوضوء بلمْس النساء:

 هل لمْس النساء مُطلقًا يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟ وهل كلّ النساء -المحارم والزوجة والأجنبيات- في ذلك سواء؟ وهل تَعمُّد المُصافحة مثل النِّسيان؟ وهل اللمس الاضطراري كما يَحدث في البيع والشِراء، وتبادل الأشياء، يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟ تلك هي المسألة الثالثة من المسائل التي أوردها ابن رشد في كتابه: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الباب الرابع من أبواب الوضوء، وهو: نواقض الوضوء.

يقول ابن رشد -رحمه الله-  تحت هذه المسألة:

المسألة الرابعة: كلام الفقهاء في مَسِّ الذَّكَر أو الفَرْج:

الذَّكَر: هو عُضو الذكورة عند الرجل.

يقول ابن رشد: إنّ العلماء اختلفوا في نَقض الوضوء بمَسّ الذَّكَر على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: مَن رأى الوضوء فيه، كيفما مَسّه -أي: سواء كان بباطِن الكَف، أو بظاهِر الكف- وهو المَشهور عند الإمام أحمد، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.

المذهب الثاني: ليس في مَسّ الذَّكَر وضوء أصلًا، وهذا مذهب أبي حَنيفة وأصحابه.

ولِكلا الفريقيْن سَلف من الصحابة والتابعين.

المذهب الثالث: فرَّق قوم بين أحوال المَسّ، فأوجبوا الوضوء في حال دون حال. وهؤلاء بدورهم افترقوا:

  • فمنهم: مَن فرَّق فيه بين أن يَلتذَّ أو لا يَلتذَّ. فإذا التذَّ انتقَض الوضوء، وإذا لم يَتلذَّ لم يكن ناقضًا للوضوء.
  • ومنهم: مَن فرَّق بين أن يمَسّه بباطن الكَّف أو لا يمَسّه بباطن الكف. فمَن مَسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، ومَن مَسّه بظاهر اليد لم يَجب عليه الوضوء. فأوجبوا الوضوء مَع اللذَّة، ولم يوجبوه مع عَدمها.

وهذان الاعتباران مرويان عن أصحاب مالك، وكأن اعتبار باطن الكف راجع إلى اعتبار سبب اللذَّة؛ لأنها مَظنّة ذلك.

وفرَّق قَوم في ذلك بين العَمد والنِّسيان، فأوجبوا الوضوء منه مع العَمد، ولم يوجبوه مع النِّسيان، وهو مَروي عن مالك، وهو قول داود وأصحابه.

ورأى قوم: أنّ الوضوء من مَسّه سُنة، وليس واجبًا، قال أبو عمر ابن عبد البَر: “وهذا الذي استقرّ من مذهب مالك عند أهل المغرب من أصحابه، والرواية عنه فيه مُضطربة”.

المسألة الخامسة: أكل ما مَسّتْه النار، وأكل لحْم الجَزور:

هل أكْل ما مَسته النار يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟

وهل أكل لحم الجَزور يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟

هذه من المسائل الخِلافية التي أوردها ابن رشد -رحمه الله- في كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” تحت المسألة الخامسة من المسائل السبعة، التي اختَلف فيها الفقهاء في نَواقض الوضوء.

(أ) أكل ما مسته النار:

يقول ابن رشد: اختَلف الصَّدر الأول -يعني: السَّلف الصالح من الصحابة والتابعين- في إيجاب الوضوء من أكْل ما مَسّتْه النار؛ لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن رشد: اتفق جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه -أي: على سقوط الوضوء من أكل ما مسّتْه النار- وعَدم وجوبه، ويكون أكْل ما مَسّتْه النار ليس ناقضًا للوضوء؛ إذ صحَّ عندهم أنه عَمل الخُلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ولِما ورد أيضًا من حديث جابر أنه قال: ((كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَرْك الوضوء ممّا مسّتْه النار))، خرَّجه أبو داود والنسائي -رحمهما الله تبارك وتعالى-.

وذهب جماعة من السلف، إلى إيجاب الوضوء مما غَيَّرت النار، منهم من الصحابة: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مِجلز، وأبو قُلابة، والحسن، والزهري، وجماعة من التابعين، لِما روى أبو هريرة، وزيد، وعائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تَوضَّئوا ممّا مَسَّتِ النار))، وفي لفظ: ((إنّما الوضوء ممّا مسّتِ النار))، والحديثان رواهما مسلم.

ولذلك رجّح ابن قدامة هذا القول، وهو قول عامة أهل العلْم، بل ذَكَرَ أنه لم يَجِد فيه خلافًا في زمانه، ولا نَعلم اليوم فيه خلافًا، وأكّد هذا بقوله:

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولا تَتوضّئوا من لحوم الغَنم))، وقول جابر: ((كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَرْك الوضوء ممّا مَسّتِ النار))، رواه أبو داود والنسائي.

(ب) أكْل لحم الجَزور:

يقول ابن رشد: “ولكن ذهب قوم من أهل الحديث: الإمام أحمد، وإسحاق، وطائفة غيرهم… إلى أنّ الوضوء يَجب فقط من أكْل لحم الجَزور؛ لِثبوت الحديث الوارد بذلك عنه صلى الله عليه وسلم، عند مسلم، وأبي داود، والترمذي”.

يقول ابن قدامة -رحمه الله- : “وفيما سِوى اللّحم من أجزاء البَعير-مِن كَبده وطحاله، وسنامه ودُهنه، ومَرقه، وكِرشه ومُصرانه- وجهان. ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((توضّئوا من لحوم الإبل وألبانها))، وفي لفظ: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ألبان الإبل فقال: ((توضّئوا من ألبانها)). وسئل عن ألبان الغنم فقال: ((لا تتوضّئوا من ألبانها))”؛ ولذلك يُعلّق ابن قدامة على ذلك بقوله: “وفيما ما سوى اللّحم من أجزاء البَعير التي ذكرناها: الكَبد، والطِحال، والمُصران، والسَّنام… يقول فيها وجهان:

الأول: لا يَنقُض؛ لأن النَّص يتناول لحوم الإبل.

الثاني: يَنقُض؛ لأنه من جُملة الجَزور، وإطلاق اللحم في الحَيوان يُراد به جُملته؛ لأنه أكثر ما فيه؛ ولذلك لمّا حرَّم الله تعالى لحم الخنزير، كان تَحريمًا لجُملته، كذلك ها هنا.

يُرجِّح إذًا ابن قدامة القَول بنَقض الوضوء من أكْل لحم الجَزور، عملًا بالحديث النبوي الصحيح في ذلك.

ونحن مع جمهور الفقهاء في عَدم الموافقة على هذا التَّرجيح، والقَول بعَدم انتقاض الوضوء بأكل لحم الجَزور.

فإذا نظرنا إلى ما قاله ابن قدامة في هذا الجُزء، وهو يَزيد الكلام تفصيلًا، فيقول: أكْل لحم الإبل يَنقُض الوضوء على كلّ حال، نَيئًا، ومَطبوخًا، عالِمًا كان أو جاهلًا. وبذلك قال جابر بن سَمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي.

قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحَديث، كما أشار ابن رشد بقوله: ولكن ذهب قوم من أهل الحديث.

رأي الجمهور: وقال الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يَنقُض الوضوء بحال؛ لأنه روي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الوضوء ممَّا يَخرج لا ممّا يدخل))، يعني: ممّا يخرج من السبيليْن فيوجب الوضوء، ولكن الطعام الذي يدخل المعدة ما شأنه في وجوب الوضوء؟.

وروي عن جابر، قال: ((كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترْك الوضوء ممّا مسّتِ النار)) رواه أبو داود؛ ولأنه مأكول أشبه سائر المأكولات.

وقد رُوي عن أبي عبد الله أنه قال في الذي يأكل من لحوم الإبل: إن كان لا يَعلم ليس عليه وضوء. فإن كان الرجل قد علِم وسَمع، فهذا عليه واجب؛ لأنه قد علِم فليس هو كمَن لا يَعلم ولا يَدري.

وبهذا تبيَّن لنا: أن أكل لحم الجَزور فيه رأيان، والراجح هو: عَدم انتقاض الوضوء به.

المسألة السادسة: الضّحك في الصّلاة:

هل الضّحك في الصلاة يَنقض الوضوء أو لا؟

جمهور الفقهاء، على أنّ الضحك لا يَنقض الوضوء، سواء كان في داخل الصلاة أو في خارجها، ولم يُخالف في ذلك إلَّا أبو حنيفة -رحمه الله-.

المسألة السابعة: حَمْل الميِّت، وزوال العقل:

(أ) حَمْل الميّت:

هو: تَشييع الجنازة. فهل إذا شارك الإنسان في حَمْل جنازة، أو حَمْل ميّت إلى مَثواه الأخير، يكون ذلك ناقضًا للوضوء، وموجبًا للوضوء الجديد، أو أنه ليس ناقضًا للوضوء؟

يَرى ابن رشد: أن القَول بالوضوء من حَمْل الميت قول شاذ؛ ولذلك قال: “وقد شذَّ قوم فأوجبوا الوضوء من حَمْل الميّت”.

وفيه أثر ضعيف: “مَن غَسل ميتًا فلْيَغْتسلْ، ومَن حَمَله فلْيتوضّأْ”. وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي. وهو لا يُوجب الوضوء فقط، بل يقول: “مَن غسل ميتًا فليَغْتسلْ، ومَن حَمَله فلْيتوضأ”. فهل هذا الرأي صحيح؟

(ب) زَوال العقل:

يقول: يَنبغي أن تَعلم أن جمهور العلماء أوجبوا الوضوء من زوال العقل، سواء كان هذا الزوال بأي نوع: من قِبَل إغماء، أو جنون، أو سُكْر. وهؤلاء كلّهم قاسوه على النوم، فإذا كان النوم مَظنة للحَدث وناقضًا للوضوء، فإن زوال العَقل من باب أوْلى.

فإذا كان النوم يوجب الوضوء في الحالة التي هي سبب للحدث غالبًا، وهي: الاستثقال، فأحرى أن يكون ذهاب العَقل سببًا لذلك.

يقول ابن قدامة في هذا الإطار: “زوال العقل من نواقض الوضوء، إلَّا أن يكون بنَوم يَسير، جالسًا أو قائمًا”. ويُعقِّب على كلام الخرقي، بقوله: “وزوال العقل على ضَربيْن: نوم، وغيره.

فأما غَير النوم، وهو: الجنون، والإغماء، والسُكْر، وما أشبهه من الأدوية المُزيلة للعقل، فينقض الوضوء يَسيره وكَثيره إجماعًا.

ثانيًَا: معرفة الأفعال التي يُشترط لها الوضوء:

كان ابن رشد قد أشار في مقدّمة كتاب الطهارة من الحَدث، وتحتها كتاب الوضوء، إلى أنّ كتاب الوضوء يَنحصر في خَمسة أبواب:

الباب الأول: في الدليل على وجوب الطهارة بالوضوء، وعلى مَن تَجب، ومتى تَجب؟

الباب الثاني: في معرفة أفعالها، أي: أركان الوضوء، وشروطه ونحو ذلك…

الباب الثالث: في مَعرفة ما به تُفعل، وهو: الماء، وما يَتعلق به من أحكام.

الباب الرابع: في معرفة نواقِضها، أي: نواقِض الطهارة التي تَحقّقت بالوضوء، أو نواقض الوضوء.

الباب الخامس: وهو الذي سنتحدث عنه، في مَعرفة الأشياء التي تُفعل طهارة الوضوء من أجْلها. وبحمد الله تعالى وفَضله انتهينا من الأبواب الأربعة السابقة.

الأفعال التي تُشترط فيها هذه الطَّهارة حَصرها ابن رشد في عِدّة أمور تَبلغ خَمس مسائل:

المسألة الأولى: الصّلاة:

لأن الله -تبارك وتعالى- أمر بذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] إلى آخر الآية الكريمة، فبيَّن فيها أعضاء الوضوء، ووجوب غَسلها بالماء، وقال في نهايتها: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].

قال ابن رشد: وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَقبَل الله صلاة بغَير طَهور، ولا صَدقة من غُلول))، رواه مسلم والترمذي. وقد سبقت الإشارة إليه في أول كتاب الوضوء، في الباب الأول.

المَسألة الثانية: مَسّ المُصحَف:

هل الوضوء شَرط في مَسّ المُصحَف أم لا؟

يقول ابن رشد:”ذهب مالك, وأبو حنيفة, والشافعي, وأحمد -أي: جمهور الفقهاء- إلى أنه شَرط في مَس المُصحَف. وأجازوا حَمله بغِلاف, إلَّا الشافعي, ويَجوز عنده حَمله في أمتعة، وتَفسير أكثر منه, وقَلب وَرقه بعُود, وكتابته ما لمْ يمَس المَكتوب. ولا يُمنع المُميز من حَمْله ومَسّه للدِّراسة؛ لأن ذلك ضَرورة.

وذهب أهل الظاهر، يعني: الإمام داود بن علي، والإمام ابن حزم، إلى أنها ليست بشَرط, فيَجوز لغَير المتوضئ أن يمَسّ المُصحَف”.

المسألة الثالثة: نوم، وأكل، وجِماع الجُنُب:

الجُنُب هو: الإنسان الذي عليه حَدث أكبر، سواءً كان ذلك الحَدث الأكبر بسبب الجِماع، أو بسبب نزول المَنيّ بشيء آخر كالاحتلام أو نحوه…

يقول ابن رشد:

“اختلف الناس في إيجاب الوضوء على الجُنُب في أحوال: هل يَجوز للجُنُب أن ينام قَبل أن يتوضأ؟ هل يَجوز للجُنُب أن يأكل شيئًا وهو جُنُب قبل أن يتوضأ؟ هل يَجوز للجُنُب أن يجامِع مَرة أخرى قَبل أن يتوضأ؟ أم أنّ الجُنُب يَجب عليه الوضوء في هذه الأحوال الثلاثة؟

أحدها: إذا أراد أن يَنام وهو جُنُب:

فذهب الجمهور إلى استحبابه دون وجوبه.

وذهب أهل الظاهر إلى وجوب الوضوء على الجُنُب قبل أن ينام؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث عمر الذي رواه الجماعة، ونص الحديث: أنه ذكر -أي: عمر- لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تُصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَوضّأْ واغسلْ ذَكَرك، ثم نَمْ)). وهذا الحديث أيضًا مَروي عنه من طَريق عائشة، وقد أخرجه الجَماعة أيضًا، إلَّا الترمذي.

وذهب الجمهور الذين قالوا بعَدم وجوب الوضوء، بل باستحبابه فقط، إلى حَمل الأمْر في الحديث: ((تَوضّأ واغسلْ ذَكَرك، ثم نَمْ)) على النَّدب والاستحباب، والعدول به عن ظاهره، أي: عن الوجوب، لمكان عَدم مناسبة وجوب الطهارة لإرادة النوم، أي: أنه لا مُناسبة شَرعية بين الوضوء والنوم.

وقد احتج الجمهور أيضًا بأحاديث:

منها: حديث ابن عباس الذي رواه مسلم، وأصحاب “السنن”: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرج من الخَلاء، فأتي بطعام، فقالوا: ألاَ نأتيك بطُهر؟ -أي عرضوا عليه أن يتوضّأ- فقال: أأصلي فأتوضأ؟)) وفي بعض رواياته، فقيل له: ((ألا تتوضأ؟ فقال: ما أردت الصلاة فأتوضأ)). والاستدلال به ضَعيف، فإنه من باب مفهوم الخطاب.

ومنها: حديث عائشة الذي رواه أبو داود، والترمذي أنه: صلى الله عليه وسلم: ((كان يَنام وهو جُنُب لا يَمسّ الماء)) إلَّا أنه -كما يقول ابن رشد-: حديث ضَعيف.

وقد صحّحه الغماري، وقال: صحّحه الحَاكم، والبيهقي.

يقول ابن رشد:

وكذلك اختلفوا في وجوب الوضوء على الجُنُب الذي يُريد أن يأكل أو يشرب، وعلى الذي يُريد أن يُعاود أهله.

فقال الجمهور في هذا كله: -كما سبق أن ذكرنا في مسألة النوم- بإسقاط الوجوب لعَدم مناسبة الطهارة لهذه الأشياء، وهو مُقْدم على ما هو أكبر من الوضوء، أي: أنه مُقْدم على الناقض الذي هو النَّوم والجِماع، فالنوم في حد ذاته يَنقض الوضوء، فلماذا يَتوضأ ويَنقُض وضوءه؟ والجِماع حَدث أكبر، فلماذا يتوضأ مع أن وضوءه سينتقض انتقاضًا كَبيرًا بالجِماع؟ والطهارة إنما فُرضت في الشرع لأحوال التَّعظيم، فالعَبد يتوضّأ ليَقوم بعَمل عَظيم كالصلاة، أو قِراءة القرآن، أو مَسّ المُصحَف.

المسألة الرابعة: الطَّواف:

يقول ابن رشد: “ذهب مالك، والشافعي إلى اشتراط الوضوء في الطَّواف.

وذهب أبو حنيفة إلى إسقاطه”.

المسألة الخامسة: قِراءة القرآن والذِّكْر:

يقول ابن رشد: “ذهب الجمهور إلى أنه يَجوز لغَير مُتوضِّئ أن يَقرأ القرآن، وأن يَذكر الله.

وقال قوم: لا يَجوز ذلك له إلَّا أن يتوضأ”.

هذا، وبالله التوفيق.

error: النص محمي !!