Top
Image Alt

نواقض الوضوء المتفق عليها، والمختلف فيها؛ ومنها: خروج النجس من الجسد، وأقوال العلماء في النوم، والنقض بلمس النساء، ومَس الذكر أو الفرج، وأسباب الاختلاف فيها

  /  نواقض الوضوء المتفق عليها، والمختلف فيها؛ ومنها: خروج النجس من الجسد، وأقوال العلماء في النوم، والنقض بلمس النساء، ومَس الذكر أو الفرج، وأسباب الاختلاف فيها

نواقض الوضوء المتفق عليها، والمختلف فيها؛ ومنها: خروج النجس من الجسد، وأقوال العلماء في النوم، والنقض بلمس النساء، ومَس الذكر أو الفرج، وأسباب الاختلاف فيها

نواقض الوضوء:

المسألة الأولى: خُروج النَّجس من الجَسد: (ما يَخرج من السبيليْن).

أولًا: معنى: “نواقض  الوضوء”: كلمة: “النواقض” جَمع ناقِضة، وهي: الفعل أو الشيء الذي يُفسد الوضوء.

وقد بيَّنا من قبل أنّ الوضوء معناه: النظافة والطهارة بأفعال مَخصوصة وبكيفية مُعيّنة، بيَّنها القرآن الكريم، ووضَّحها الرسول صلى الله عليه وسلم.

فما الذي يُفسد هذا الوضوء، وما الذي يَنقضه، ويوجب على الإنسان أن يُعيده من جديد، ويستأنفه حتى يقوم للصلاة؟

كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6].

بَيَّنَ ابن رشد أن الأصل في باب النواقض هو قوله تعالى:{ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}.

و”الغائط”: هو مَوضع قضاء الحاجة، وهو: المكان المُنخفض من الأرض، وعُبِّر به عن النجس، أو عن الحاجة إلى الوضوء.

والأصل أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَقبَل اللهُ صلاةَ مَن أحدث حتى يتوضّأ».

إذًا نقض الوضوء عِبارة عن حَدث حصل للإنسان المُتوضئ فأفسد وضوءه، أو نَقضه؛ وبالتالي لا يَحق له أن يُصلي، وإذا صلّى لا يَقبل الله صلاتَه إلاّ إذا توضأ من جديد.

ما اتّفق الفقهاء عليه من النواقض:

البول: هو الماء الذي يَخرج من قُبُل الرجل، ومن قُبُل المرأة.

الغائط: هو الخارج من الدُّبر، وسُمي الغائط مجازًا عن المكان الذي تم فيه نزول الخارج من الدُّبر.

الرّيح: هو الخارج من الدّبر، ورائحته غالبًا ما تكون خَبيثة، وقد يَخرج أحيانًا من القُبل.

المَذي: هو ماء أبيض لزج يَخرج عقِب انتشار الشهوة في جسم الإنسان، لكنه يَختلف عن المَني، في أن المَني يكون بالانتصاب والقَذف عِدة دفعات، أما المَذي فهو سائل يسير يخرج من عُضو الذُّكورة، أو الأنوثة، وقد لا يشعر الإنسان بنزوله.

الوَدي: هو ماء يَخرج نتيجة مَجهود صَعب يبذله الإنسان، وتَضيق فيه أنفاسه، أو نحو ذلك. وما دام خَارجًا من السَّبيلين فهو نَجِس، وبالتالي يَحتاج صاحبه إلى الوضوء من جديد.

وقال ابن رشد: “اتفق الفقهاء في هذا الباب على انتقاض الوضوء وفساده من هذه الأشياء الخَمسة: البول، والغائط، والريح، والمَذي، والوَدي، لصحة الآثار في ذلك…”.

ويشير محقّق الكتاب: “أمّا البول والغائط فقد تقدّما في المسح على الخُفّيْن، وأمّا الريح فرواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأما المَذي، فرواه الجماعة، وأما الوَدي، فأخرجه عبد الرزاق، والطحاوي”.

وقد اتفق الفقهاء على: أن هذه الأشياء الخمسة إنما تنقض الوضوء إذا كان خروجها على وجْه الصحة، أي: بالصورة المُعتادة، لا في حَالة مَرضية؛ لأن للأمراض أحوالها وظروفها، وأحكامها الشرعية.

قال ابن قدامة: والذي يَنقض الطهارة: ما خَرج من قُبُل أو دُبر.

وجملة ذلك: أنّ الخارج من السبيليْن على ضَربيْن:

الضرب الأول: (مُعتاد)؛ كالبول، والغائط، والمَني، والمَذي، والوَدي، والريح، فهذا يَنقض الوضوء إجماعًا.

وأضاف ابن المنذر: وكذلك دَم الاستحاضة، وهو الدَّم المَعروف في غير أيّام الدَّورة الشهرية. وهو دم مَرَضيّ يطلق عليه: “النزيف”، ويَنقض الطهارة في قول عامة أهل العلم، إلاّ في قول ربيعة.

الضرب الثاني: (نادر)؛ أي: ما يَخرج بصورة نادرة، كالدَّم، والدُّود، والحَصاة؛ فينقض الوضوء، ولكن بَيْنَ العلماء اختلاف في ذلك.

ولم يُوجب مالك الوضوء من الدُّود إذا خرج من الدُّبر؛ لأنه نَادر، أي: غير مُعتاد، فأشبه الخارج من غَير السبيل.

ويَردّ ابن قدامة ذلك قائلًا: إنه يَنقض الوضوء ويُوجب الوضوء من جَديد؛ لأنه خارج من السَّبيل، فأشبه المَذي؛ ولأنه لا يَخلو من بَلَّة تَتعلّق به فيَنتقض الوضوء بها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المُستحاضة بالوضوء لكل صلاة، ودَمها خارج غير معتاد.

ممّا اختلف فيه الفقهاء:

المسألة الأولى: خُروج النَّجس من الجَسد:

اتفق الفقهاء على أن ما خَرج من السبيليْن المعتادين ينقض الوضوء.

أمّا إذا خَرج النَّجس من غير هذيْن السبيليْن، أي: من باقي أعضاء الجَسد، فيقول ابن رشد: “اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء ممّا يَخرج من الجَسد من النَّجس -أي: من غَير الفُروج- على ثلاثة مَذاهب…:

المذهب الأوّل: اعتبر قوم أنه ما دام هذا الخارج نَجسًا فهو يأخذ حُكم النجاسة. وهو قول: أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وأحمد، وجماعة، ولهم من الصحابة سلف، فقالوا: كل نَجاسة تَسيل من الجَسد وتَخرج منه يَجب منها الوضوء.

ومثّلوا لها بالأشياء الآتية: الدَّم، والرُّعاف الكَثير الذي يَخرج من الأنف، والفَصْد- أي: إخراج الدم- والحِجامة أيضًا من بَعض أجزاء الجسم، والقَيء، إلاّ البَلغَم عند أبي حنيفة.

قال أبو يوسف- وهو صاحب أبي حنيفة: القيء، إذا ملأ الفَم ففيه الوضوء. ولم يَعتبر أحد من هؤلاء اليَسير من الدَّم إلاّ مجاهد.

المذهب الثاني: كلّ ما خَرج من السبيليْن ناقض للوضوء، سواء كان دمًّا، أو حصاة، أو بلغمًا، وعلى أي وجه خَرج، سواء كان خُروجه على سبيل الصِّحة، أو على سبيل المَرض، فهو ناقض. وممَّن قال بهذا القول: الإمام الشافعي وأصحابه، ومحمد بن الحَكَم، وهو من أصحاب مالك.

المذهب الثالث: اعتبر قوم آخرون: (الخارج، والمخرَج، وصفة الخروج)، فقالوا: كل ما خَرج من السبيليْن ممّا هو مُعتاد خروجه -وهو: البَول، والغائط، والمَذي، والوَدي والريح- إذا كان خُروجه على وجه الصِّحة فهو يَنقض الوضوء. فلم يَروا في الدَّم، والحَصاة، والدُّود – وكذا المَذي عند الإمام مالك – وضوءًا، ولا في سَلَس البَول – الماء الذي يَقطر دائمًا- وكذلك المستحاضة التي يَنزل عليها الدم في غير أيام الحيض؛ وممّن قال بهذا القول: الإمام مالك وجُلُّ أصحابه.

والمَني: موجب للغُسل، بخلاف المَذي والوَدي. فإذا كان المَذي، والوَدي ناقِضيْن للوضوء، فإن المَني ناقض للطهارة الكُبرى، ومُوجب للغُسل.

سبب اختلاف العلماء في ذلك:

يَحكي ابن رشد السبب في اختلاف الفقهاء في ذلك، فيقول: إنه لمّا أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء ممّا يَخرج من السبيليْن من غائط، وبول، وريح، ومَذي، لظاهر الكتاب -كما أشرنا في الآية- ولتظاهر الآثار بذلك، تَطرَّق إلى ذلك ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الحُكم إنما عُلِّق بأعيان هذه الأشياء، أي: ما دامت هذه الأشياء نَجسة، سواء خَرجت من السبيليْن أو من أي جُزء من أجزاء الجَسد، فهي بأعيانها أشياء نَجسة، وتُفسد الوضوء وتُوجبه من جديد.

الاحتمال الثاني: أن يكون الحُكم إنما عُلِّق بهذه الأشياء أو الأعيان، من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثِّر فيها النَّجس؛ فما دام النَّجس قد خَرج من أي مكان كان، فهي نجاسة تُفسد الطهارة، وبالتالي تَنقض الوضوء، وبالتالي تُوجب الوضوء.

الاحتمال الثالث: أن يكون الحُكم قد عُلِّق بهذه الأشياء من جِهة أنها خارجة من السبيليْن، فإذا خَرجت من غَير السبيليْن لم يكن لها هذا الحُكم.

وبالتالي يُعلق ابن رشد على هذا الكلام بقوله: “فيكون على هذيْن القوليْن الأخيريْن ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المُجمع عليها، إنما هو من باب الخاصّ أريد به العامّ”.

يعني: أن هذه الأشياء خاصة، أي: الخمسة المذكورة، وخَرجت من السبيلين بطَريقة خاصة، لكنها يُراد بها العموم، أي : أريد بها العُموم من أي مكان خَرجت.

الإمام مالك وأصحابه: هذه الأشياء الخَمسة خاصة، لا تَخرج عن هذا الخُصوص إلى العُموم فتبقى على خصوصها، وبالتالي يَجب أن تكون خَارجة من السبيليْن، ويجب أن تكون في ظُروف صحية طبيعية و بصورة مُعتادة، أما ما خرج لمرض أو على غير العادة فلا يأخذ نفس الحُكم، فهو من باب الخاص الباقي على خُصوصه.

أما الشافعي وأبو حنيفة فقد اتفقا على أن الأمر بهذه الأشياء هو من باب الخاص أريد به العام، لكن اختلفوا بعد ذلك، أيّ عامّ هو الذي قُصد به ذلك؟.

فالشافعي يَحتَج بأن المُراد به المَخرج -أي: السَّبيليْن- وليس الخَارج، فالوضوء واجب في الريح الذي يَخرج من أسفل، وكذلك الخارج من فوق، فكلاهما ذات واحدة. وكأن الشافعي يردُّ على المُخالفين بقوله: إنكم أوجبتم الوضوء إذا خَرج الريح من الدّبر، ولم توجبوه إذا خرج من مكان آخر، فالفرق في اختلاف المَخرجيْن، فكان هذا تَنبيهًا على أن الحُكم للمَخرج. يقول ابن رشد: وهو ضَعيف -أي: احتجاجه ضَعيف- لأن الريحيْن مُختلفان في الصفة والرائحة.

أمّا أبو حنيفة -رحمه الله-  فيحتج بأن المَقصود بذلك هو الخارج النَّجس. فالقضية قضية نجاسة، وليست قضية مَخرج، لكون النجاسة مؤثّرة في الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حُكمية، فإن فيها شبهًا من الطهارة المعنوية، أي: الحسية. كما احتج أيضًا بحديث ثوبانَ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ»، وهذا الحديث رواه الترمذي، وقال الغماري في (الهداية): الصواب: «قاءَ، فأفطر»، كما هو عند أبي داود، والحاكم وغيرهم، وبما روي عن عمر، وابن عمر من إيجابهما الوضوء من الرُّعاف -الدم الخارج من الأنف- رواه مالك، وبما روي من أمْره صلى الله عليه وسلم المُستحاضة بالوضوء لكلّ صلاة، وإن كان بسند ضعيف. فالمَفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة أن الخارج ما دام نجسًا فهو مُؤثر في الطهارة، وما دام مؤثرًا في الطهارة فقد أفسدها، وما دام قد أفسدها فهو موجب للوضوء.

وإنما اتفق الشافعي وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث الخَمسة المُتّفق عليها، وإن خَرجت على جِهة المَرض؛ لأمْره صلى الله عليه وسلم المُستحاضة بالوضوء عند كل صلاة، مع أن الاستحاضة مَرض.

وأما الإمام مالك: فرأى أن المَرض هنا له تأثير في الرُّخصة، قياسًا على ما روي من أنّ المُستحاضة لم تؤمر إلاّ بالغَسل فقط، أي: غَسل الدم، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حُبيش هذا، متفق على صحته، ورواه الشيخان، وسيأتي في أحكام الدِّماء الخارجة من الرَّحم في الباب الثاني، في علامات الطُّهر والحَيض والنِفاس والاستحاضة.

واختلف في هذه الزيادة –أي الأمر بالوضوء لكلّ صلاة- ولكن صححها أبو عمر ابن عبد البَر قياسًا على مَن يَغلبه الدَّم من جَرح ولا يَنقطع.

المسألة الثانية: هيئات النائم:

عَرض ابن قدامة أنواع النوم الثلاثة:

النوع الأول: نوم المُضطجِع، وهذا يَنقُض الوضوء يَسيره وكَثيره.

النوع الثاني: نوم القاعد إن كان كَثيرًا نَقض لرواية واحدة، وإن كان قليلًا لم يَنقض.

النوع الثالث: من أنواع النوم ما عدا هاتيْن الحالتيْن: فهو نَوم القائم، والراكع، والساجد، وقد روي عن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يَنقُض، وهو رأي الشافعي. والثانية: لا يَنقض إلاّ إذا كثُر. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ النوم في حال من أحوال الصلاة لا يَنقُض، وإن كثُر.

أسباب اختلاف العلماء:

 يقول ابن قدامة: وأصل اختلافهم في هذه المسألة -مسألة النوم- اختلاف الآثار الواردة في ذلك، فهناك أحاديث يفيد ظاهرها أنه ليس في النوم وضوء أصلًا:

الحديث الأول: حديث ابن عباس الذي رواه الجماعة: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى ميمونة، فنام عندها حتى سمعنا غَطيطَه، ثم صلَّى ولم يَتوضأ». هذا حديث يدلُّ على أن النوم مهما كان وبأي كَيفية، لا يَنقض الوضوء أصلًا.

الحديث الثاني: فقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نَعِسَ أحدُكم في الصلاة، فليَرْقدْ حتى يَذهب عَنه النوم، فإنه لعلَّه يَذهب أن يَستغفر ربه فيَسبّ نَفسه»؛ ظاهر الحديث: أنه يَرقد ثم يُصلّي. والحديث رواه الشيخان.

الحديث الثالث: ما روي أيضًا: «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون في المَسجد حتى تَخفِق رءوسهم، ثم يصلّون ولا يتوضئون»، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.

إذًا، فالأحاديث الثلاثة تدلُّ على أنه ليس بعد النوم وضوء، حتى ولو كان نومًا طويلًا أو ثقيلًا، في الصلاة أو خارج الصلاة. وهي كلها أحاديث ثابتة عند الشيخيْن، وأبي داود، والترمذي، وأصحاب (السنن) الآخرِين.

ثم هناك أحاديث أخرى يُوجب ظاهرها أنّ النوم حَدث يُوجب الوضوء، ومن أظهر هذه الأحاديث في ذلك:

حديث صفوان بن عسَّال، وذلك أنه قال: «كنَّا في سَفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فأمَرنا ألا نَنزِع خِفافنا من غائط، وبول، ونوم، ولا نَنزِعها إلاّ من جنابة»، فكون النبيصلى الله عليه وسلم يأمر بعدم نَزع الخِفاف من الغائط، أو من البول، أو من النوم، فمعناها: أن يَمسحوا على الخُف، ولا يَنزعوها إلاّ من جنابة؛ فسوَّى بين البول، والغائط، والنوم. وهذا الحديث صحّحه الترمذي، وقد ذكر في مسائل “المَسح على الخفّيْن”.

ومعنى ذلك أن النومَ حَدثٌ يُوجب الوضوء كالبول والغائط.

ومنها: حديث أبي هريرة: يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو هريرة: «إذا استيقظ أحدُكم من نَومه، فليَغسِلْ يَده قبل أن يُدخلها في وَضوئه».

فظاهر الحديث أنّ النوم يوجب الوضوء سواء أكان قَليلًا أم كَثيرًا، ويدلّ على ذلك أيضًا ظاهر آية الوضوء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}[المائدة:6]، أي: إذا قُمتم من النوم، على ما روي عن زيد بن أسلم وغَيره من السلف.

إذًا نحن أمام مجموعتيْن من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، وأمام أفعال الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين.

فبعض هذه الأحاديث يدلُّ ظاهرها على أن النوم ليس حدثًا، فلا يوجب الوضوء. وبعضها الآخر يدلُّ على أن النوم حَدث مساوٍ للبول والغائط، فيوجب الوضوء.

ماذا فعل الأئمة أمام هذه الأحاديث المُتعارضة؟

يقول ابن رشد: “لمّا تعارضت ظواهر هذه الآثار، ذهب العلماء فيها مذهبيْن: مذهب التَّرجيح، ومذهب الجَمْع”.

المذهب الأول: مذهب التَّرجيح:

وهو يُرجِّح بعض الأحاديث على البعض الآخر، فيأخذ بالأحاديث التي لا تَعتبر النوم حَدثًا، ولا تُوجب على النائم وضوءًا، ويُرجِّحها على الأحاديث الأخرى التي اعتبرت النوم حَدثًا وأوجبت الوضوء.

وهناك مسلك آخر وهو أن يأخذ بالأحاديث التي اعتبرت النوم حَدثًا موجبًا للوضوء، ويُرجِّحها على مجموعة الأحاديث الأخرى التي لم تَعتبر النوم حدثًا ولا موجبًا للوضوء.

المذهب الثاني: مذهب الجَمع بين الأحاديث:

فهذه أحاديث صحيحة وهذه أحاديث صحيحة. فنَجمع بينها، ونقول:

الأحاديث التي لم تَعتبر النوم حَدثًا وليس مُوجبًا للوضوء تُحمل على أنه نوم القاعد، كما قال الإمام الشافعي؛ لأنه مُتمكِّن، أو نوم الراكع، والساجد، والمصلّي، كما قال أبو حنيفة وأصحابُه.

أما الأحاديث التي تعتبر النوم ح حَدثًا فتُحمل على مَن نام مُضطجعًا، أو ساجدًا، أو النوم الكثير الذي هو مَظنّة وقوع الحَدث.

وعلى هذا: فمن ذهب مذهب التَّرجيح: إمّا أسقط وجوب الوضوء من النوم أصلًا على ظاهر مجموعة الأحاديث التي تُسقطه. وإمّا أوجبه من قَليله وكَثيره؛ عملًا بالأحاديث الأخرى التي اعتبرت النوم حَدثًا موجبًا للوضوء، مساويًا للبول والغائط.

أمَّا من ذهب مذهب الجَمع بين الأحاديث: فقد حمَلَ الأحاديث الموجِبة للوضوء منه على النوم الكَثير، والمُسقِطة للوضوء على النوم القليل، وهو مذهب الجمهور، والإمام أحمد. لكن الإمام الشافعي لم يُفرِّق بين طول النوم وقصَره، ما دام ممكِّنًا مَقعده من الأرض.

أيّ الطريقتيْن أوْلى؟ طريقة التَّرجيح أم الجمع بين الأحاديث؟

ويقول ابن رشد: “والجَمع أوْلى من التَّرجيح ما أمكَن الجَمع عند أكثر الأصوليِّين”.

ونحن مع الإمام ابن رشد، ونقول: إنّ طريقة الجَمع أوْلى، وهي التي أخذ بها جمهور العلماء، وهي: التَّفريق بين النوم القليل فلا يَجب منه الوضوء، والنوم الكثير فيَجب منه الوضوء؛ لأنه مَظنّة الحَدث.

وبهذا نكون قد جَمعنا الأحاديث كلها وعَملنا بها.

المسألة الثالثة: أقوال الفقهاء في نَقض الوضوء بلمْس النساء:

 هل لمْس النساء مُطلقًا يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟ وهل كلّ النساء -المحارم والزوجة والأجنبيات- في ذلك سواء؟ وهل تَعمُّد المُصافحة مثل النِّسيان؟ وهل اللمس الاضطراري كما يَحدث في البيع والشِراء، وتبادل الأشياء، يَنقُض الوضوء أو لا يَنقُض؟

يبين ابن رشد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء من لمْس النساء باليد، أو بغيرها من الأعضاء الحَسّاسة. فقد يكون اللّمس بالقَدم، أو الفَم، ولذلك قال: باليد، أو بغير ذلك من الأعضاء الحَساسة.

في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وكلّ قول من هذه الأقوال فيه خِلاف، أو روايات في بعض المسائل.

الرأي الأول: ذهب قَوم إلى أنّ مَن لَمس امرأة بيده مُفضيًا إليها -أي: لمْس مباشر ليس بينها وبينه حِجاب ولا سِتر- فعليه الوضوء.

الرأي الثاني: التَّقبيل؛ لأنَّ القُبلة عِندهم صورة من صوَر اللمس، سواء التذّ بذلك أم لم يَلتذّ، وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه. إلاّ أن الشافعي مَرَّة فرَّق بين اللامِس والمَلموس، فأوجب الوضوء على اللامِس دون المَلموس، ومَرَّة سوَّى بينهما. والتَّسوية بينهما هو القول المُعتمد عند الشافعية، وهو مذهب مالك، ورواية عند الإمام أحمد.

وفرَّق الشافعي بين ذوات المحارم، والزَّوجة، فأوجب الوضوء من لمْس الزوجة؛ لأنها مَظنة الشَّهوة دون ذوات المحارم، وهو الصحيح أيضًا في المَذهب. ومَرَّة سوَّى بينهما، بأن الجَميع يَنقُض الوضوء، فهو لا يوجب الوضوء في لمس ذوات المحارم.

ومن الأقوال التي أوردها ابن رشد أيضًا في مسألة لَمْس المرأة: قول المالكية. يقول ابن رشد تحت هذا القول: وذهب آخرون إلى أن إيجاب الوضوء من اللّمس إذا قارنَتْه اللذَّة، أو قَصد اللذَّة، في تفصيل لهم في ذلك، سواء وقع هذا اللمس أو هذه اللذَّة بحائل أو بغير حائل، بأي عضو اتفق، ما عدا القُبلة فإنهم لم يَشترطوا لذَّة في ذلك؛ لأنها مَظنة الشهوة. وهذا هو مذهب مالك وجمهور أصحابه.

الرأي الثالث: يقول ابن رشد: ونَفى قومٌ إيجاب الوضوء لمَن لَمس النساء، وهو مذهب أبي حنيفة.

يقول المُحقّق -جزاه الله خيرًا-: إلاّ إذا انتشر ذَكَره، أي: تَحقّقت لذَّة من نوع ما، فيَنتقِض باللمس والانتشار معًا.

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني): وملاقاة جِسم الرجل للمرأة لشهوة.

المَشهور من مذهب الإمام أحمد: أن لمْس النساء لشهوة يَنقُض الوضوء، ولا ينقضه لغير شهوة، وبذلك يكون الوضوء واجبًا على مَن قبَّل لشهوة، ولا يَجِب على مَن قبَّل لرحم، أي: ذَوات المَحارم.

وممَّن أوجب الوضوء في القُبلة: ابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وزيد بن أسلم، ومَكحول، ويَحيى الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي.

إذًا نحن أمام رأي يُعتبر قريبًا من رأي الجمهور، قال أحمد: “المَدنيّون والكوفيّون ما زالوا يرون أن القُبلة من اللّمس تَنقُض الوضوء، حتى كان بأُخرَ -يعني: في آخر الزمان- وصار فيهم أبو حَنيفة، فقالوا: لا تَنقُض الوضوء، ويأخذون بحديث عروة. ونَرى -أي: ابن قدامة- نَقلًا عن الإمام أحمد- أنه غَلط”. تلك رواية.

وعن أحمد رواية ثانية: لا يَنقُض اللّمس بحال، وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق. وبه قال أبو حنيفة، إلاّ أن يَطأها دون الفَرج فيَنتشر، فهذا يَنقُض الوضوء، لِما روى حبيب عن عروة عن عائشة: «أنّ النبيصلى الله عليه وسلم قبّل امرأة من نِسائه، وخَرج إلى الصلاة ولم يتوضّأ»، رواه أبو داود، وابن ماجه وغيرهما،  وهو حديث مَشهور رواه إبراهيم التيمي عن عائشة.

ولأن الوجوب من الشّرع، ولم يَرد بهذا شرع، ولا هو في معنى ما ورد الشرع به، وقوله سبحانه وتعالى: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}[المائدة:6]، إنما أراد به الجِماع وليس اللمس، بدليل قوله تعالى في آيات الطلاق: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}[الأحزاب: 49]، فالمَسّ هو: الجِماع.

فاللمس يختلف عن المَس وعن الجِماع،وقد ذَكَر اللمس بلفظ المُفاعلة، وهي لا تكون من أقلّ من اثنيْن؛ ومن هذا أخذ أصحاب هذا الرأي: أنه لا ينتقض الوضوء بلمس المرأة لمسًا مُجرّدًا؛ لأن المَقصود باللمس في الآية هو الجِماع، كالمَسّ في آيات الطلاق.

وهناك عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنّ اللمس يَنقُض بكلّ حال، وهو مذهب الشافعي؛ لعموم قوله تعالى: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ }. وحقيقة اللمس: ملاقاة البشَرتيْن، قال الله تعالى مُخبرًا عن الجن، أنهم قالوا: { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} [الجن: 8].

وَقَالَ الشَّاعِرُ

لَمَسْت بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى

*… …. …. …. …. ….

وقرأها ابن مسعود: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}.

وأما حديث القُبلة فكل طُرقه مَعلولة.

الإمام أحمد: غلَّط الحديثيْن جميعًا، يعني: حديث إبراهيم التيمي، وحديث عروة بن الزبير؛ حيث إن إبراهيم التيمي لم يَصح سماعه من عائشة، وعُروة المذكور هنا، هو: عُروة المُزني، ولم يُدرك عائشة. كذلك قال سفيان الثوري، قال: ما حدثنا حبيب إلاّ عن عروة المُزني، ليس هو عروة بن الزبير.

 يقول ابن قدامة -رحمه الله- : ولا فَرق بين الأجنبية وذات المَحرم، والكَبيرة والصَّغيرة.

وقال الشافعي: لا يَنقُض لمْس ذوات المحارم، ولا الصَّغيرة في أحد القوليْن؛ لأن لمسهما لا يُفضِي إلى خُروج خارج، أشبه لمْس الرجل للرجل. ولنا عموم النص: واللّمس الناقض تُعتَبر فيه الشهوة، ومتى وُجدت الشهوة فلا فَرق بين الجَميع.

ثم يُضيف: فأمّا لمْس الميِّتة ففيه وجهان:

أحدهما: يَنقُض. لعموم الآية الكريمة: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ }.

ثانيهما: لا يَنقُض. واختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل؛ لأنها ليست محلًّا للشهوة، فهي كالرجل.

ثم يقول: ولا يختص الناقض باليد، بل أيّ شيء منه لاقى شيئًا من بَشَرتها مع الشهوة انتقض وضوؤه به، سواء كان عضوًا أصليًّا أو زائدًا. وحُكي عن الأوزاعي: لا يَنقُض اللمس إلا بأحد أعضاء الوضوء، لكن الصحيح أنه مُطلق اللمس وما دام قد صاحبته الشهوة أو اللذَّة فهو مُفسد للوضوء.

يقول ابن قدامة: “ولنا عموم النَّص -أي: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ }- والتخصيص بغير دليل تَحكُّم لا يصار إليه”.

ولا يَنقُض الوضوء مَسّ شعر المرأة، ولا ظُفرها، ولا سِنّها، وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن ذلك ممّا لا يقع الطلاق على المرأة بتَطليقه، ولا الظِّهار. أي: لو قال: ظُفرك طالق، أو شعرك طالق، هل يقع الطلاق؟ لا يَقع الطلاق. أو ظُفرك عليَّ كظفر أمي، لا يَقع به الظِّهار.

وإن لمَسها مِن وراء حائل، لم يَنتقض وضوؤه عند أكثر أهل العِلْم.

وقال مالك والليث: يَنتقض إن كان ثَوبًا رقيقًا؛ لأن الثوب الرقيق سيُحدث الشَّهوة واللذَّة. كذلك قال ربيعة: إذا غَمزها من وراء ثَوب رقيق لشهوة؛ لأن الغَمز أسلوب من أساليب الشَّهوة. وقال المروزي: لا نَعلم أحدًا قال ذلك غير مالك والليث:

ولنا أنه لمْ يَلمس جِسم المرأة أشبه ما لو لَمس ثِيابها، والشهوة بمُجرّدها لا تَكفي، كما لو مَسّ رجلًا بشهوة، أو وجِدت الشهوة من غير لَمس.

هذا كلام ابن قدامة في رواية عن الإمام أحمد.

وإنْ لمست امرأة رجلًا ووجدتْ الشهوة منهما، فظاهر كلام الخِرقي نَقض وضوئهما بملاقاة بَشرتهما. وقد سُئل أحمد عن المرأة إذا مَسَّت زَوجها؟ قال: ما سَمعت فيه شيئًا، ولكن هي شَقيقة الرجل، يُعجبني أن تتوضأ؛ لأن المرأة أحد المشتركيْن في اللمس، فهي كالرجل، ويَنتقض وضوء المَلموس إذا وُجدت مِنه الشهوة؛ لأن ما يَنتقض بالتقاء البَشرتيْن لا فَرق فيه بين اللامِس والمَلموس، كالتقاء الختانيْن.

يقول ابن قدامة -رحمه الله-  في كتابه (المغني):

ووجه عَدم النَّقض: أن النَّص إنما وَرد بالنَّقض بمُلامَسة النِّساء، فيتناول اللامِس من الرجال فيَختصّ به النَّقض كلمس الفَرج؛ ولأن المَرأة والمَلموس لا نَص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، لأن اللمس من الرجل مع الشهوة مَظنة لخروج المَذي الناقِض فأقيم مقامه، ولا يوجد ذلك في حق المرأة. والشَّهوة من اللامِس أشدُّ منها في المَلموس وأدعى إلى الخُروج، فلا يَصحّ القياس عليهما؛ وإذا امتنع النَّص والقياس لم يَثبت الدليل. وهذا الكلام أيضًا لا حُجة فيه، وإنما هي وجهة نَظر.

يقول ابن قدامة أيضًا: ولا يَنتقض الوضوء بلمس عضو مقطوع من المرأة، لزوال الاسم وخروجه عن أن يكون محلًّا للشهوة، ولا بمس رجل، ولا صَبي، ولا بمس المرأة المرأة؛ لأنه ليس بداخل في الآية، ولا هو في معنى ما في الآية؛ لأن المرأة مَحلّ لشهوة الرجل شرعًا وطَبعًا، وهذا العضو المَقطوع بخلافه. كما لا يَنتقض الوضوء بمسّ البهيمة لذلك، ولا بمسّ خُنثى مُشكل؛ لأنه لا يُعلم كَونه رجلًا ولا امرأةً، ولا بمَسّ الخُنثى لرجل أو امرأة، لنفس السبب، والأصل الطهارة فلا تَزول بالشَّك.

يقول ابن قدامة في نهاية ذلك كلّه: ولا أعلم في هذا خِلافًا، والله أعلم.

سبب الاختلاف في اللّمس:

يقول ابن رشد: وسبب اختلافهم في هذه المسألة هو اشتراك اسم “اللمس” في كلام العَرب؛ فإن العرب تُطلِقه مَرَّة على اللمس الذي هو باليد، ومَرَّة تُكني به على الجِماع.

سبب اختلاف الفقهاء:

أولًا: اشتراك اللفظ، أو المُشترك اللفظي: وهو أن يكون له أكثر من معنى، مثل، لفظ: القُرء؛ قلنا: إنه يُراد به الحَيض، كما يُراد به الطُّهر؛ ولذلك لما قال رب العزة -تبارك وتعالى-: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] قال بعض العلماء: إن القُروء هي: الحِيَض، فعِدّة المرأة ثلاث حِيَض، وقال آخرون: إن القُروء هي: الأطهار، فعِدّة المرأة ثلاثة أطهار، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].

إذًا لفظ: “القُرء” من الألفاظ المُشتركة، وكذلك لفظ: “اللمس”، فقد استخدمه العرب في اللغة العربية للدلالة على مَعنييْن، الأول: هو اللّمس باليد، وهو: مُلاقاة بَشرة الرجل لبشرة المرأة. والثاني: يُكنُّون به عن الجِماع: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، أي: الجماع بين الرجل والمرأة.

إذًا يُتوقع بعد هذا أن يَختلف العلماء في ذلك.

فمنهم: مَن يَحمل اللّمس على اللّمس باليد، كما ذَكر الإمام الشافعي.

ومنهم: مَن يَحمل اللمس على الجِماع، فلا يَعتَبر اللمس المَذكور في الآية لمسًا باليد، فهو غير مُراد ولا يَنقُض الوضوء.

ويقول ابن رشد: “ذهب قوم إلى أن اللّمس المُوجب للطهارة في آية الوضوء هو الجِماع في قوله تعالى:{ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}[المائدة:6].

ثانيًا: هناك اعتبارات أخرى غير الاشتراك اللفظي:

وهي أن كلمة: { لَامَسْتُمُ } فيها زيادة مَبنى، فلم يَقل: “لمَسْتُم”، إنما قال: { أَوْ لَامَسْتُمُ }، وزيادة المَبنى تدلُّ على زيادة المَعنى.

ثالثًا: هناك اعتبار ثالث وهو: أنّ هذه صيغة تسمَّى صيغة المفاعَلة، والمفاعَلة والمبادلة لا تكون إلاّ بين اثنيْن، وعند الرجل والمرأة مُشاركة من الطرفيْن. وبالتالي يكون المقصود بـ{ أَوْ لَامَسْتُمُ } في هذه الآية هو: الجِماع.

 وذهب آخرون إلى أنه اللّمس باليد -كما رأينا عند الإمام الشافعي-. ومن هؤلاء مَن رآه من باب العامّ أريد به الخاصّ، فاشترط فيه اللذَّة، كما قال الإمام مالك وأصحابه. ومنهم مَن رآه من باب العامّ أريد به العامّ، فلم يَشترط اللذَّة فيه.

ثم يُضيف ابن رشد إلى ذلك تَحليلًا، وتَعليلًا، وتَعليقًا، بقوله: ومَن اشترط اللذَّة فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عُموم الآية، من أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَلمس عائشة عند سجوده بيده، وربما لَمستْه.

يقول المحقّق: أما لمْس النبي صلى الله عليه وسلم عائشة – رضي الله عنها – ففي الصحيحيْن عن عائشة: «كُنت أنام بين يَدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غَمزني فقبضتُ رِجلي، فإذا قام بسطْتُهما».

وإمّا لمسُها إياه، فعند مسلم والترمذي، عنها قالت: «فقدْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفِراش، فالتمسْتُه -يعني: بحثت عنه- فوقعتْ يدي على بطن قَدميْه وهو في المَسجد -أي: ساجد- وهما منصوبتان، يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخطك، وبمعافاتك من عُقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نَفسك».

وبعد هذا كلّه نَستطيع أن نَقول: إنّ ابن رشد يَميل إلى تَرجيح رأي القائلين بعَدم اعتبار اللمس باليد للمرأة ناقضًا للوضوء، أو موجبًا له.

وأمّا مَن فهم من الآية اللمسيْن معًا، أي: المَس والجِماع، أو اللمس باليد والجِماع، فضعيف. فإنّ العَرب إذا خاطبت بالاسم المُشترك إنما تَقصد به معنًى واحدًا من المعاني التي يَدل عليها الاسم، وليس جَميع المعاني التي يدلّ عليها، وإلاّ يكون ذلك اضطرابًا وإفسادًا، وعَدم وضوح في الرؤية أو في الفِكرة، أو في التَّعبير، أو في تَوصيل المعنى المُراد؛ وهذا بَيِّن في نَفسه في كلامهم.

كلام الفقهاء في مَسّ الذَّكَر أو الفَرْج:

الذَّكَر: هو عُضو الذكورة عند الرجل.

يقول ابن رشد: إنّ العلماء اختلفوا في نَقض الوضوء بمَسّ الذَّكَر على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: مَن رأى الوضوء فيه، كيفما مَسّه -أي: سواء كان بباطِن الكَف، أو بظاهِر الكف- وهو المَشهور عند الإمام أحمد، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.

المذهب الثاني: ليس في مَسّ الذَّكَر وضوء أصلًا، وهذا مذهب أبي حَنيفة وأصحابه.

ولِكلا الفريقيْن سَلف من الصحابة والتابعين.

المذهب الثالث: فرَّق قوم بين أحوال المَسّ، فأوجبوا الوضوء في حال دون حال. وهؤلاء بدورهم افترقوا:

فمنهم: مَن فرَّق فيه بين أن يَلتذَّ أو لا يَلتذَّ. فإذا التذَّ انتقَض الوضوء، وإذا لم يَتلذَّ لم يكن ناقضًا للوضوء.

ومنهم: مَن فرَّق بين أن يمَسّه بباطن الكَّف أو لا يمَسّه بباطن الكف. فمَن مَسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، ومَن مَسّه بظاهر اليد لم يَجب عليه الوضوء. فأوجبوا الوضوء مَع اللذَّة، ولم يوجبوه مع عَدمها.

وهذان الاعتباران مرويان عن أصحاب مالك، وكأن اعتبار باطن الكف راجع إلى اعتبار سبب اللذَّة لأنها مَظنّة ذلك.

وفرَّق قَوم في ذلك بين العَمد والنِّسيان، فأوجبوا الوضوء منه مع العَمد، ولم يوجبوه مع النِّسيان، وهو مَروي عن مالك، وهو قول داود وأصحابه.

ورأى قوم: أنّ الوضوء من مَسِّه سُنة، وليس واجبًا، قال أبو عمر ابن عبد البَر: “وهذا الذي استقرّ من مذهب مالك عند أهل المغرب من أصحابه، والرواية عنه فيه مُضطربة”.

ويقول ابن قدامة: فالخِرقي، يَعُدُّ مَسّ الفَرْج من نواقض الوضوء. والفَرْج: اسم لمَخرج الحَدث، ويَتناول الذَّكَر، والدُّبر، وقُبُل المرأة. وفي نَقض الوضوء بجَميع ذلك -أي بمَس جميع هذه الفُرُوج- خِلاف في مذهب الحَنابلة وغيره”.

ويقول: روي عن الإمام أحمد في ذلك روايتان:

الرواية الأولى: يَنقُض الوضوء، وهو مذهب ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وأبان بن عثمان، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، والشافعي. وهو المَشهور عن مالك. وقد رُوي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وابن سيرين، وأبي العالية. والمَشهور من مذهب الإمام أحمد.

دليل هذا القول: ما روت بُسرة بنت صفوان: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن مَسّ ذَكَره فلْيتوضّأ». وعن أم حبيبة وأبي أيوب، قالَا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن مَسّ فَرْجَه فلْيتوضّأ».

وقال أحمد: حديث بُسرة، وحديث أم حبيبة صحيحان. وقال الترمذي: حديث بُسرة حسن صحيح. وقال البخاري: أصحّ شيء في هذا الباب: حديث بُسرة. وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة أيضًا صحيح، وقد روى عنه بضعَة عشر من الصحابة.

الرواية الثانية: لا وضوءَ في مَسّ الذَّكَر، مثل رأي أبي حنيفة. وروي ذلك عن علي، وعمار، وابن مَسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء. وبه قال رَبيعة، والثوري، وابن المنذر، وأصحاب الرأي -أبو حنيفة وأصحابه-.

دليل هذا القول: روى قيس بن طَلق، عن أبيه، قال: قَدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بَدوي، فقال: يا رسول الله، ما تَرى في مَسّ الرجل ذَكَره بعدما يَتوضأ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل هو إلاّ بضْعة منك، أو مُضغة مِنك»، رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه.

ولأنه عُضو منه فكان كسائره، فمَسّ الذَّكَر كمَسّ اليد والوَجه.

فأمّا خبر قيس بن طَلق، فقال أبو زرعة، وأبو حاتم: قَيس ممّا لا تَقوم بروايته حُجّة، ثم الحديث متأخّر؛ لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخّر الإسلام، صَحِب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين، وكان قُدوم طَلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسِّسون المَسجد أول زَمن الهجرة؛ فيكون حديثنا -يعني: وجوب الوضوء- ناسخًا له، وقياس الذَّكَر على سائر البَدن لا يَستقيم؛ لأنه تَتعلق به أحكام يَنفرد بها، من وجوب الغُسل بإيلاجه، ووجوب الحَد على مَن يرتكب فاحشة به، ووجوب المَهر على إيلاجه، والدِّية في قَطعه، أو في إذهاب مَنفَعته، إلى غير ذلك من الأحكام الخاصة.

إذًا في المذهب الحنبلي قولان:

قول: مثل قول الشافعية وهو: نَقض الوضوء من مَسّ الذَّكَر، وهو المشهور والمعتمَد في المذهب.

والقول الآخر: كقول أبي حنيفة، وهو: أنّ المَسّ لا يَنقُض الوضوء.

يتابع ابن قدامة فيقول: فعلى رواية النَّقض، لا فَرقَ بين العامد وغيره، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأبي أيوب، وأبو خَيثمة، لعموم الخَبر: «مَن مَسّ ذَكَره فلْيتوضّأ» دون أن يُفصّل بين عَمْد أو نِسيان.

وعن أحمد: لا يَنتقض الوضوء إلاّ بمَسّه قاصدًا مَسّه. قال أحمد بن الحسين: قيل لأحمد: ما قولك في الوضوء من مَسّ الذَّكَر؟ فقال: هكذا، وقَبض على يده. يَعنى: إذا قَبض عليه ببَطن كَفّه. وهذا قول مَكحول، وطاوس، وسعيد بن جبير، وحُميد الطويل، قالوا: إنْ مَسّه يُريد نَقض وضوئه انتقض وضوؤه، وإلا فلا شيء عليه؛ لأنه لمَس، فلا ينقض الوضوء من غير قَصد، كلمَس النساء.

ثم قال: ولا فَرق بين بَطن الكَّف وظَهره، وهذا قول: عطاء، والأوزاعي. وقال مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق: لا يَنقُض الوضوء مَسّه إلاّ بباطن كفّه؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة لمَس فأشبه ما لو مَسّه بفَخذه. واحتج أحمد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أفضَى أحدُكم بيده إلى فَرجِه ليس بينهما سترة، فليتوضأ»، وفي لفظ: «إذا أفضى أحدكم إلى ذَكَره، فقد وجب عليه الوضوء»، رواه الشافعي في مسنده.

ثم يقول: ولا يَنقض مَسّه بذراعه، وعن أحمد: أنه يَنقُض لأنه من يده. وهو قول عطاء، والأوزاعي، والصحيح الأول.

ثم يقول: ولا فَرق بين ذَكَره وذَكَر غَيره، وقال داود: لا ينقض مَسّ ذَكَر غَيره؛ لأنه لا نص فيه، والأخبار إنما وردت في ذَكَر نَفسه، وهذا كلام غير صحيح، ولذلك يَردّ عليهم ابن قُدامة بقَوله:

“ولنا أنّ مَس ذَكَر غَيره معْصية، وأدعى إلى الشهوة وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تَدعو إلى مَسّ ذَكَر نَفسه، فإذا انتقض بمَسّ ذَكَر نفسه فبمَسّ ذَكَر غيره أوْلى”.

ويقول أيضًا: ولا فَرق بين ذَكَر الصَّغير والكَبير، وبه قال: عطاء، والشافعي، وأبو ثور. وعن الزهري، والأوزاعي: لا وضوء على مَن مَس ذَكَر الصغير؛ لأنه يجوز مَسه والنظر إليه. -أي أنّ الأمهات والآباء مع أطفالهم الصغار في حاجة لمثل ذلك-.

يَردّ ابن قدامة على وجهة نظر الزهري، والأوزاعي ويقول: لنا عُموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن مَس الذَّكَر فلْيتوضّأ»؛ ولأنه ذَكَر آدمي متّصل، فأشبه الكَبير. والخَبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بثابت. ثم إن نَقض اللمس لا يلزم منه كون القُبلة ناقضة، ثم ليس فيه أنه صلَّى ولم يَتوضأ، فيحتمل أنه لم يتوضأ في مَجلسه. وجَواز اللمَس والنَّظر يَبطُل بذَكَر نفسه.

يُضيف ابن قدامة: وفَرْج المَيت كفَرْج الحي، لبقاء الاسم وبقاء الحُرمة لاتصاله بجُملة الآدمي، وهذا هو قول الشافعي، وقال إسحاق: لا وضوء عليه.

وفي الذَّكَر المَقطوع وجهان:

أحدهما: يَنقُض لبقاء اسم الذَّكَر.

والآخر: لا يَنقض لذهاب الحَرمة وعَدم الشَّهوة.

يُضيف ابن قدامة -في كلام عن حَلقة الدُّبر -وهو فرْج أيضًا-: فأما مَسّ حَلقة الدُّبر، فعن الإمام أحمد روايتان:

إحداهما: لا يَنقض الوضوء، وهو مذهب مالك. قال الخلَّال: العَمل والأشيع في قوله وحجّته أنه: لا يُتوضأ من مَس الدُّبر؛ لأن المَشهور من الحديث: «مَن مَسّ ذَكَره فلْيتوضّأ»، والدُّبر ليس في معنى الذَّكَر، وهذا ليس في معناه؛ لأنه لا يُقصَد مَسّه ولا يُفضي إلى خروج خارج- أي: لا يُثير شَهوة ولا لذَّة-.

الثانية: أنّ مَسّ حَلقة الدُّبر يَنقُض، نَقلها أبو داود، وهو مَذهب عطاء، والزهري، والشافعي؛ لعموم قوله: «مَن مَسّ فرْجَه فلْيتوضّأ»؛ ولأنه أحد الفَرْجيْن، فأشبه الذَّكَر.

 سبب اختلاف العلماء في مَسِّ الذَّكَر أو الفرْج:

 بيّن ابن رشد إن سبب اختلافهم في ذلك: أن فيه حديثيْن مُتعارضيْن، أي: قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثان متعارضان في مَسّ الذَّكَر، فبعض الأحاديث يُشير إلى أنه يَنقض وبعضها يُشير إلى أنه لا يَنقض.

هذان الحديثان يَرويهما ابن رشد، فيقول:

أحدهما الحديث الوارد من طريق بُسرة: أنها سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مَسّ أحدُكم ذَكَره فلْيتوضّأ»، وهو أشهر الأحاديث الواردة في إيجاب الوضوء من مَس الذَّكَر، وقد خرَّجه مالك في (الموطأ)، وكذلك أصحاب السنن الأربعة، وصحّحه يَحيى بن مَعين، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وغَيرهم… ونُقل عن البخاري شيخ المُحدثين: أنه أصحّ شيء في هذا الباب. والحديث وارِد بعِدّة طُرق وكلّها طُرق صحيحة.

الحديث الثاني المُعارض لهذا الحَديث: حديث طَلْق بن علي بأن المسَّ لا يَنقض الوضوء؛ لأنه كما أن يَمسّ الإنسان يَده، أو وجهه، أو رجْله. خرَّجه أيضًا أبو داود، والنسائي، وصحّحه كَثير من أهل العلْم الكوفيّين وغيرهم.

قال الغماري عنه إنه حديث مَنسوخ، فلا حاجة إلى الإطالة بتحقيقه وإثبات صِحَّته أو ضَعفه. أي: أن العَمل على الحديث الأوّل حديث بُسرة، وهو أشهر ما وَرد في هذا الباب.

ولذلك قال ابن رشد في تعليقه على هذيْن الحديثيْن: فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث أحد مَذهبيْن:

إمّا مذهب التَّرجيح والنَّسخ، وإمّا مذهب الجَمع.

الأول: مذهب التَّرجيح،يعني : جعل الحُكم للأحاديث القَويّة، وهو هنا حديث: بُسرة. أمّا المَنسوخ فهو حديث طَلْق بن علي.

الثاني: مذهب الجَمع بين الأحاديث، بمعنى: أننا نَستنبط الحُكم مِن كِلا الحديثيْن، فنقول: إنه يَنتقض الوضوء بمَس الذَّكَر في حالة دون حالة، مثل: مَسّه ببَاطِن الكَفّ، وعَمدًا، ومع حُدوث اللذَّة، ونحو ذلك…

ونقول عن الحديث الثاني: إن مَسّ الذَّكَر بظاهر الكف لا يَنقض الوضوء، حينما يكون بدون لذَّة، أو حينما يكون نِسيانًا، أو نحو ذلك من الأمور…

وهذا ما بيَّنه ابن رشد -رحمه الله-

 حيث علَّق على هاتيْن الطريقتيْن: طَريقة التَّرجيح أو النَّسخ، وطريقة الجَمع، فقال: فمن رجَّح حديث بُسرة -الذي يُفيد انتقاض الوضوء بمَسّ الذَّكَر- أو رآه ناسخًا لحديث طَلْق بن علي، قال بإيجاب الوضوء من مَسّ الذَّكَر. ومَن رجَّح حديث طَلْق بن علي أسقط وجوب الوضوء من مَسّه، كما جاء في حديث بُسرة.

ومَن جَمَع بين الحديثيْن جعل العَمل بهما على حدٍّ سواء، فأوجب الوضوء مِن مَسّ الذَّكَر في حال، ولم يوجِبه في حال، أو حَمل حديث بُسرة على النَّدب، فيكون الوضوء للنَّدب والاستحباب، وأنّ الأصل: عَدم الوضوء، وحديث طَلْق بن علي على نَفي الوجوب.

وبهذا تبيّن لنا السبب الذي قام عليه اختلاف الفقهاء في مَسّ الذَّكَر هل يَنقُض الوضوء أو لا يَنقضه؟ وبهذا، فرأي الإمام الشافعي في كون مَسّ الذَّكَر يُعتبر ناقضًا للوضوء، ومعه في ذلك أحمد، وداود يكون عاملًا بحديث بُسرة.

أما أبو حنيفة وأصحابه القائلون بعَدم الوضوء أصلًا من مَسّ الذَّكَر، فهؤلاء يعْملون بحَديث طَلْق بن علي ويُضعّفون حديث بُسرة.

أما مَن فرَّقوا، فيكون شأنهم الجَمع بين الحديثيْن وهم: مالك وأصحابه، حيث فرَّقوا بين المَس في حال فيَنقُض، والمَس في حال آخر فلا يَنقض؛ ولذلك قَرنوا المَس بكونه بباطن الكَف، أو بكَونه يُثير اللذَّة والشَّهوة، أو بكونه عمدًا، أو كما جاء أيضًا عند أبي عمر ابن عبد البَر: أن الوضوء بعد المَس سُنّة لا واجب.

error: النص محمي !!