Top
Image Alt

نوعا اللغة: مفرد، ومركب

  /  نوعا اللغة: مفرد، ومركب

نوعا اللغة: مفرد، ومركب

واللغة نوعان: مفردٌ كزيد، ومركب كعبد الله.

أما المفرد: فلا نزاع في وضع العرب له، لم يخالف في ذلك أحد، وأما المركب: فالصحيح أنه من اللغة، وعليه أكثر العلماء، وإن المركب مرادفٌ للمؤلف لترادف التركيب والتأليف، أي: أن التركيب والتأليف لفظان مترادفان على معنًى واحد.

ثم اعلم أن المفرد في اصطلاح النحاة هو الكلمة الواحدة، كما مثلنا قبل ذلك بزيد، وعند المناطقة والأصوليين: لفظٌ وضع لمعنى، ولا جزء لذلك اللفظ يدل على جزء المعنى الموضوع له، فشمل ذلك أربعة أقسام.

القسم الأول: ما لا جزء له البتة -يعني: ليس له جزء- كـ”باء” الجر، فالباء ليس لها جزء، فهو مفردٌ لأنه ليس له جزء.

القسم الثاني: ما له جزء، ولكن لا يدل مطلقًا كـ”زيد”، فـ”زيد” لها جزء، أو لها أجزاء كالزاي، والياء، والدال، لكن كلٌّ من الزاي والياء والدال لا تدل على شيء مطلقًا.

القسم الثالث: ما له جزء يدل لكنه لا يدل على جزء المعنى، كـ”إن” من حروف “إنسان”، فلفظة “إنسان” لها أجزاء الألف، والنون، والسين، والألف، والنون، فلو أخذنا الألف والنون وقلنا: إنها “إن”، فهي جزءٌ من لفظة “إنسان”، و”إن” تدل على شيء، لكنها لا تدل على جزء “إنسان”، أو على جزء المعنى الموضوع له لفظة “إنسان”، فهي بانفرادها تدل على الشرط أو تدل على النفي، لكنها لا تدل على بعض الإنسان.

القسم الرابع: ما له جزء يدل على جزء المعنى، كقولنا: “حيوانٌ ناطقٌ” عَلَمًا على شخص.

-والمركب عند النحاة: ما كان أكثر من كلمة، فشمل التركيب المزجي كبعلبك، وسيبويه، وخمسة عشر، ونحوها، والمضاف ولو علمًا كما مثلنا قبل ذلك.

أما عند المناطقة والأصوليين: ما دل جزؤه على جزء معناه الذي وضع له؛ فشمل المركب الإسنادي: كقام زيد، وشمل -أيضًا- المركب الإضافي: كغلام زيد، وشمل المركب التقييدي: كزيد العالم. وأما نحو: “يضرب” فهذه اللفظة -وهي الفعل المضارع “يضرب”- مفرد على مذهب النحاة، ومركب على مذهب المناطقة والأصوليين؛ لأن الياء منه تدل على جزء معناه، وهو المضارعة.

والمفرد من حيث هو قسمان:

قسمٌ مهملٌ: كأسماء حروف الهجاء؛ لأن مدلولاتها هي عينها، فإن مدلول الألف “أ”، ومدلول الباء “ب”… وهكذا إلى آخرها، وهذه المدلولات لم توضع بإزاء شيء.

يقول ابن العراقي وغيره: ألا ترى أن الصاد موضوعٌ لهذا الحرف، وهو مهملٌ لا معنى له، وإنما يتعلمه الصغار في الابتداء للتوصل بها إلى معرفة غيره.

وقسمٌ مستعملٌ: إن دل بهيئته على زمن من الأزمنة الثلاثة -وهي: الماضي، أو الحال، أو الاستقبال- فهو الفعل، فإذا كان الفعل يدل على الماضي: كقام، وأكل، وشرب… ونحوها، فهو ماضٍ، ويعرض له الاستقبال بالشرط نحو: إن قام زيد قمت، فأصله وضع للماضي، وقد يخرج عن أصله لما يعرض له.

هذا هو النوع الأول: من أنواع الفعل.

النوع الثاني: المضارع، كيقوم… ونحوه، ويعرض له المضي بـ”لم” تقول: لم يقم زيد، فأصل وضعه للحال والاستقبال، وقد يخرج عن أصله لما يعرض له.

والنوع الثالث من الأفعال: فعل الأمر، كـ”قم”، وتجرده -أي: تجرد الفعل عن الزمان، أي: عن أحد الأزمنة الثلاثة- يكون للإنشاء، تزوجت وقبلت عارضٌ بوضع العرف، وقد يلزمه -أي: يلزم الفعل- التجرد عن الزمان كعسى فإنه وضع أولًا للماضي ولم يستعمل فيه قط، بل في الإنشاء، يقول: القاضي عضد الدين الإيجي -رحمه الله-: وكذا حبذا فإنه لا معنى لها في الأزمنة.

وقد يتجرد الفعل عن الزمان ولا يلزمه التجرد، كنعم وبئس، فإنهما تارة يستعملان على أصلهما كنعم زيد أمس، وبئس زيد أمس، وتارة يستعملان لا بنظر إلى زمان بل لقصد المدح والذم مطلقًا كنعم زيد، وبئس زيد، وإلا -أي: وإن لم يدل المفرد المستعمل بمعناه بهيئته على أحد الأزمنة- فهو الاسم، فصبوح، وغبوق، وأمس، وغد، وضارب أمس، وضارب اليوم… ونحو ذلك يدل بنفسه على الزمان، لكن لم يدل وضعًا، بل لعارض كاللفظ بالاسم ومدلوله، فإنه لازم كالمكان، ونحو “صه” دل على “اسكت”، وبواسطته على سكوت مقترن بالاستقبال.

والمضارع إن قيل: مشتركٌ بين الحال والاستقبال فوضعه لأحدهما، واللبس عند السامع، وإن لم يستقل اللفظ المفرد بمعناه كـ”عن”، و”لن”، فهو الحرف، والصحيح أنه يحد، وهو ما دل على معنًى في غيره ليخرج الاسم والفعل، وقيل: لا يحتاج إلى حد؛ لأن ترك العلامة له علامة، ورُد بأن الحد لتعريف حقيقة المحدود، ولا تعرف حقيقته بترك تعريفهما.

وأما المركب من حيث هو أيضًا فقسمان:

قسمٌ مهملٌ: وهو موجودٌ في اختيار الإمام البيضاوي والتاج السبكي، ومثلاه بالهذيان فإنه لفظٌ مدلوله لفظٌ مركبٌ مهملٌ. قال الإمام الرازي: والأشبه أنه غير موجود؛ لأن الغرض من التركيب الإفادة، وهذا إنما يدل على أن المهمل غير موضوع لا على أنه لم يوضع له اسم، واتفقوا على أن المهمل لم تضعه العرب قطعًا.

وقسم مستعملٌ: وضعته العرب خلافًا للرازي وابن مالك وجَمعٍ، ويدل على صحة وضعه أن له قوانينَ في العربية لا يجوز تغييرها، ومتى غُيِّرت حكم عليها بأنها ليست عربية، كتقديم المضاف عليه على المضاف، وإن كان مقدمًا في غير لغة العرب، وكتقديم الصلة أو معمولها على الموصول، وغير ذلك مما لا ينحصر، فحجروا في التركيب كما في المفردات.

يقول الإمام القرافي: وهو الصحيح، وعزاه غيره إلى الجمهور.

والقول الثاني: أن العرب لم تضع المركب، بدليل أن مَن يعرف لفظين لا يفتقر عند سماعهما مع إسناد إلى معرف لمعنى الإسناد، بل يدركه ضرورة، ولأنه لو كان المركب موضوعًا لافتقر كل مركب إلى سماع من العرب كالمفردات.

قال البرماوي: والتحقيق أن يقال: إن أريد أنواع المركبات فالحق أنها موضوعة، أو جزئيات النوع فالحق المنع، وينبغي أن يُنزَّلَ المذهبان على ذلك.

قال في (شرح التحرير): ومما يتفرع على الخلاف ما سيأتي أن المجاز هل يكون في التركيب؟ وأن العلاقة هل تشترط في آحاده، ونحو ذلك؟ وهو -أي: المركب التي وضعته العرب- نوعان:

أحدهما: غير جملة كمثنى؛ لأنه مركبٌ من مفرده ومن علامة التثنية، وجمع لتركبه من المفرد وعلامة الجمع.

والنوع الثاني: جملة، وتنقسم الجملة إلى لفظ وضِع لإفادة نسبة، وهو اللفظ الذي وضِع لإفادة نسبة هو الكلام لا غيره، ولا يتألف الكلام إلا من اسمين نحو: “زيد قائم”، أو من اسم وفعل نحو: “قام زيد”؛ لأن الكلام يتضمن الإسناد، وهو يقتضي مسندًا ومسندًا إليه.

ولما كان الاسم يصح أن يسند وأن يسند إليه صح تأليف الكلام من جنس الاسم فقط، ولما كان الفعل يصح أن يسند ولا يصلح أن يسند إليه صح تأليف الكلام منه إذا كان مع اسم لا بدونه، أي: لا يصح أن يؤلف كلام من فعل فقط، أو من فعلين، أو من ثلاثة أفعال، بل يشترط أن يكون مع اسم بشرط أن يكون المسند والمسند إليه من متكلم واحد. قاله الباقلاني، والغزالي، وابن مفلح… وغيرهم، وقال جَمعٌ: يجوز أن يكون من متكلمين فأكثر بأن يتفقا على أن يذكر أحدهما الفعل ويذكر الآخر الفاعل، أو أحدهما يذكر المبتدأ والآخر يذكر الخبر.

ورُد ذلك بأن الكلام لا بد له من إسناد، وهو لا يكون إلا من واحد، فإن وجد من كلِّ واحدٍ منهما إسناد بالإرادة، فكل واحد منهما متكلم بكلام مركب، ولكن حذف بعضه لدلالة الآخر عليه، فلم يوجد كلام من متكلمين، بل وجد كلامان من اثنين.

قال في (شرح التحرير): وهو التحقيق. ثم قال: وذكر أصحابنا فرعًا مترتبًا على ذلك، وهو ما إذا قال رجل: “امرأة فلان طالق”؛ فقال الزوج: “ثلاثًا”. قال الشيخ تقي الدين: هي تشبه ما لو قال: “لي عليك ألف”؛ فقال الصحاح: وفيه وجهان. قال: وهذا أصلٌ في الكلام من اثنين إن أتى الثاني بالصفة ونحوها هل يكون متممًا للأول أم لا؟ وعلى ذلك في هذه المسألة مذهبان. قال أحد الناس: “امرأة فلان طالق”؛ فقال الزوج: “ثلاثًا”، فهل يقع الطلاق ثلاثًا أو لا يقع؟ مذهبان للعلماء بناء على اختلافهم في أن الكلام يجوز من اثنين أو لا يجوز.

و”حيوان ناطق”، و”كاتب” في “زيد كاتب” لم يفد نسبة، قال في (شرح التحرير): هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره: أن الحد المذكور للجملة غير مطرد ضرورة صدقه على المركب التقييدي، وعلى نحو: كاتب في قوله: زيد كاتب، والمراد بالمركب التقييدي: المركب من اسمين أو من اسم وفعل، بحيث يكون الثاني قيدًا في الأول، ويقوم مقامهما لفظٌ مفردٌ مثل: “حيوان ناطق”، و”الذي يكتب” فإنه يقوم مقام الأول: الإنسان، ومقام الثاني: الكاتب، فإذا قلنا: الإنسان، فكلمة “الإنسان” تقوم مقام “حيوان ناطق” هذه لفظة مركبة، وكلمة “الكاتب” تقوم مقام قوله: “الذي يكتب”، وإنما قلنا: الحد يصدق عليهما؛ لأن الأول لفظٌ وضِع لإفادة نسبة تقيدية، والثاني وضِع لإفادة نسبة اسم الفاعل إلى الضمير الذي هو فاعله، والجواب عن السؤال المقدر أن يقال: لا نسلم أن الحد يصدق عليهما؛ لأن المراد بإفادة النسبة إفادة نسبة يحسن السكوت عليها، وهما يوضعان لإفادة نسبة كذلك، ولما تقدم أن الجملة تنقسم إلى ما وضِع لإفادة نسبة وإلى غير ما وضِع لإفادة نسبة، وانتهى الكلام على الأول. شرع في الكلام على الثاني: فقال: وإلى غيره، أي: غير ما وضِع لإفادة نسبة.

وذكر مثاله بقوله: كجملة الشرط بدون جزاء، أو جملة الجزاء بدون شرط، ونحوهما -أي: ونحو ذلك- فيندرج فيه المركبات التقيدية، وكاتب في زيد كاتب، وغلام زيد… ونحو ذلك، ويراد بمفرد في بعض إطلاقاته مقابلها، ويراد به في بعض مقابل مثنًى وجمع، ويراد به في بعض مقابل مركب؛ فيقال: مفرد وجملة، ويقال: مفرد ومثنى ومجموع، ويقال: مفرد ومركب، ويكون إطلاقه في الصور الثلاث إطلاقًا متعارفًا عليه.

ويراد بكلمة الكلام في الكتاب والسُّنة وكلام العرب، قال سبحانه وتعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 99، 100] فسمى ذلك كله كلمة، وقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((أصدق كلمةٍ قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ)) فسمى ذلك كله كلمة، وهو مجازٌ مهملٌ في عرف النحاة؛ فقيل: هو من تسمية الشيء باسم بعضه، وقيل: لما ارتبطت أجزاء الكلام بعضها ببعض حصل له بذلك وحدة، فشابه به الكلمة، فأطلق عليه كلمة، ويراد به -أي: بالكلام- الكلمة عكس ما قبله، ما قبله قلنا: إنه يراد بالكلمة الكلام، هنا نقول: إنه يراد بالكلام كلمة؛ فيقال: تكلم بكلام ومرادهم كلمة، قال سيبويه في قوله: مَن أنت زيد؟ معناه: من أنت كلامك زيد.

ويراد بالكلام أيضًا الكَلِم الذي لم يفد، ومنه حديث البراء رضي الله  عنه قال: ((أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام))، فيشمل الكلمة الواحدة والكلم الذي لم يفد. والحالف أن لا يتكلم يحنث بمطلق اللفظ، وتناول الكلام والقول عند الإطلاق للفظ والمعنى جميعًا كالإنسان، أي: كتناول لفظ الإنسان للروح والبدن، قال الشيخ تقي الدين: عند السلف والفقهاء والأكثر، وقال كثير من أهل الكلام: مسمى الكلام هو اللفظ، وأما المعنى فليس جزأه بل مدلوله، وقاله النحاة لتعلق صنعتهم باللفظ فقط، أي: تعلق صناعة النحاة -وهو النحو- باللفظ فقط.

وعكس عبد الله بن كلّاب وأتباعه ذلك، فقالوا: مسمى الكلام المعنى فقط، وقال بعض أصحاب ابن كلّاب: الكلام مشتركٌ بين اللفظ والمعنى؛ فيسمى اللفظ كلامًا حقيقةً، ويسمى المعنى كلامًا حقيقةً، وروي عن الأشعري وبعض الكلّابية: أن الكلام حقيقةٌ في لفظ الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم مجازًا في كلام الله سبحانه وتعالى لأن الكلام العربي عندهم لا يقوم به تعالى.

وقال الشيخ تقي الدين: اتفق المسلمون على أن القرآن كلام الله تعالى، فإن كان كلامه هو المعنى فقط والنظم العربي الذي يدل على المعنى ليس كلام الله تعالى كان مخلوقًا خلقه الله تعالى في غيره؛ فيكون كلامًا لذلك الغير؛ لأن الكلام إذا خلق في محل كان كلامًا لذلك المحل، فيكون الكلام العربي ليس كلام الله تعالى، بل كلام غيره، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الكلام العربي الذي بلغه محمدٌ صلى الله عليه  وسلم عن الله تعالى أعلم أمتَه أنه كلامُ الله تعالى لا كلام غيره.

وفيما يتعلق بالموضوع، وهو أنواع اللغة من حيث التركيب والإفراد، يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: ويطلق المفرد باصطلاح النحويين على أربعة معانٍ:

أحدها: مقابل المثنى والمجموع، وهو اللفظ بكلمة واحدة.

والثاني: مقابل المضاف في باب النداء؛ ولهذا يقولون: المنادى مفردٌ ومضافٌ.

والثالث: مقابل الجملة في باب المبتدأ، وهو المراد بقولهم: الخبر قد يكون مفردًا، وقد يكون جملةً.

الرابع: مقابل المركب.

وأما المفرد باصطلاح المنطقيين: فهو ما دل على معنى ولا جزء من أجزائه يدل بالذات على جزء من أجزاء ذلك المعنى كإنسان، وإن شئت فقل: هو ما لا يراد بالجزء منه دلالة أصلًا على معنى حين هو جزؤه كأحمد.

وأما المركب: فما دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه حين هو جزؤه، سواء كان تركيب إسناد كـ”قام زيد”، و”زيد قائم”، أم تركيب مزج كـ”خمسة عشر”، أو إضافة كـ”غلام زيد”، وأما “عبد الله” فإن كان دالًّا على الذات فهو مفردٌ، وإن كان دالًّا على الصفات فهو مركبٌ، والمراد بالجزء في عباراتهم هذه ما صار به اللفظ مركبًا، كحروف “زيد”، فلا يراد الزاي من “زيد قائم”، فإنها لا تدل على جزء المعنى، وكذلك أوردوا على أنفسهم كون الماضي يجب أن يكون مركبًا؛ لأن مادته تدل على المصدر، وزنته تدل على خصوص الزمن، فأجابوا بأن المعنى بقولنا: “الجزء” ليس مطلق الجزء، بل الأجزاء المترتبة في السمع، وقالوا: ونحو: “بعلبك” مركبٌ عند النحويين؛ لأنه كلمتان، ومفرد عند الأصوليين؛ لأنه لا يدل جزؤه على جزء معناه، وكذلك “أقوم” و”نقوم” و”يقوم” مركبٌ عند الأصوليين؛ لأن جزأه يدل على جزء معناه؛ لأن حرف المضارعة منها يدل على الفاعل المتكلم وحده، والمتكلم ومعه غيره، والمخاطب منها، ونفس الكلمة تدل على الحدث والزمان، ومفرد عند النحويين؛ لأنه لفظٌ بكلمة واحدة.

وزعم الزمخشري وتبعه ابن يعيش في أول (شرح المفصل): أن الرجل مركبٌ فإنه يدل على معنيين: التعريف، والمعرف، وهو من جهة النطق لفظة واحدة، وكلمتان، وكذلك “ضرب”، و”ضربوا”، قال الزنجاني في (الهادي): وهذا غلطٌ؛ لأن الرجلَ ونظائره لفظتان لا لفظة واحدة، ثم ينتقد ما ذكره بنحو “ضرب” فإنه يدل على معنيين الحدث والزمان، وأنه كلمة بالاتفاق.

قلت: لعل الزمخشري بناه على أن المعرف اللام وحدها، وحينئذٍ فهي لفظة واحدة، واللام كالتنوين في “زيد”، فإن قلنا: إن المعرف “أل”، فهو لفظتان لإمكان التلفظ بها وحدها.

والحاصل: أن أمثلة المضارع خلا الغائب مركباتٌ قطعًا، وأمثلة الماضي مفردات قطعًا، وأمثلة الأوامر مركبات عند المنطقيين.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: وصرح ابن مالك في أول (شرح التسهيل) بأن ياء النسب، وألف “ضارب”، وميم “مكرم” يدل على معنًى، ولكن لا بالوضع، وقال ابن الساعاتي: المجموع هو الدال على شخص مسمى بذلك لا أن الحرف دل بنفسه، ومأخذ الخلاف بينهم أن النحاة يترجح نظرهم في جانب الألفاظ، وأولئك يترجح نظرهم في جانب المعاني، وعلى هذا “عبد الله” ونحوه إن أريد به العلمية كان مفردًا بمثابة “زيد” و”عمرو”؛ لأن جزأها لا يدل على معناها، وإن أريد بها نسبة العبودية إلى مستحقها فهي مركبة؛ لدلالة جزئها على جزء معناها.

وقد اجتمع الأمران في حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده)؛ فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعمر، عن زيد بن أسلم، قال: كان ابن عمر رضي الله  عنهما يحدث: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم رآه، وعليه إزارٌ يتقعقع -يعني: جديدًا- فقال: مَن هذا؟ فقلت: عبد الله. فقال: إن كنتَ عبد الله فارفع إزارك. قال: فرفعته وكان طويلًا))، فقول ابن عمر: “عبد الله” يعني: أنا عبد الله، فهو مفردٌ؛ لأنه أراد العلمية، وقول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إن كنتَ عبدَ الله))، فهو مركبٌ تركيبًا إضافيًّا؛ لأن مراده نسبة العبودية إلى الله تعالى.

فالإفراد العلمي طَارَ على التركيب الإضافي، وهو يلوح فيه، ويقال للمركب: مؤلف، لا فرق بينهما عند المحققين كما قاله الإمام الأصفهاني في (شرح المحصول)، ومنهم مَن فرق بينهما: بأن المركب ما دلت أجزاؤه إذا انفردت، ولا تدل إذا كانت أجزاءً كـ”عبد الله” فإنه إذا كان علَمًا كان بمنزلة “زيد”، فلا تدل أجزاؤه في هذه الحالة على شيء، ولو انفردت الأجزاء كانت دالة؛ لأن “عبدًا” دالة على ذات اتصفت بالعبودية، والمؤلف ما دلت الأجزاء في حال البساطة وحال التركيب، كقولنا: “الإنسان حيوان”، فإن كلّ واحدٍ من هذه الأجزاء يدل إذا انفرد وإذا كان جزءًا.

error: النص محمي !!