Top
Image Alt

نوع السفر المجيز للقصر، ومدته

  /  نوع السفر المجيز للقصر، ومدته

نوع السفر المجيز للقصر، ومدته

الموضع الثالث: نوع السفر الذي يجوز فيه القصْر:

أنواع السفر لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة:

النوع الأول: سفر طاعة: كالسفر للحجّ، أو للغزو والجهاد في سبيل الله، أو أداء العمرة، أو صلة الأرحام، أو طلب العلْم، أو نحو ذلك من الأمور التي يتقرَّب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى.

النوع الثاني: السفر المباح: كالسفر للتجارة، والسفر للنزهة أو للترويح عن النفس، والسفر لزيارة صديق، أو نحو ذلك.

النوع الثالث: سفر معصية: سفر لتعاطي الخمور أو المخدِّرات، أو ارتكاب غير ذلك من المخالفات الشَّرعية.

هذه أنواع السَّفر. العلماء أيضًا اختلفوا، هل تقصر الصلاة بأيِّ نوع من أنواع السفر؟ أو القصر مباح لأنواع معيَّنة من السفر؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد -رحمه الله- في هذه القضية:

وأما الموضع الثالث: وهو اختلافهم أي: الفقهاء في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة.

فرأى بعضهم: أنَّ ذلك مقصور على السفر المتقرَّب به إلى الله، كالحجِّ، والعمرة، والجهاد. وممّن قال بهذا القول: أحمد.

ومنهم من أجازه في السَّفر المباح، دون سفر المعصية. وبهذا القول قال مالك، والشافعي؛ وهو رواية أيضًا عن الإمام أحمد.

ومنهم من أجازه في كل سفر، قربة كان أو مباحًا أو معصية؛ وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وأبي ثور.

ب. ما قاله ابن قدامة:

ابن قدامة -رحمه الله- يعرض هذه القضية أيضًا بتفصيل أفضل وأوسع ممّا عرضه ابن رشد؛ حيث قال تحت المسألة التي ذكرها الخرقي بقوله: “إذا كان سفره واجبًا أو مباحًا”.

قال ابن قدامة: وجملته، أنّ الرُّخص المختصة بالسفر، من القصر، والجمع، والفطر، والمسح ثلاثًا، والصلاة على الراحلة تطوعًا، يباح في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، كسفر التجارة، ونحوه… وهذا قول أكثر أهل العلْم. وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر. وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأهل المدينة، وأصحاب الرأي.

وعن ابن مسعود: لا يقصر إلَّا في حجٍّ أو جهادٍ؛ لأن الواجب لا يترك إلَّا لواجب.

وعن عطاء كقول الجماعة. وعنه: لا يقصر إلَّا في سبيل من سبل الخير؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم إنما قصر في سفر واجب أو مندوب. ونلاحظ هنا أن ابن قدامة -رحمه الله- نسب إلى أصحاب الرأي، وإسحاق، ما قال به الأوزاعي، والشافعي، وأهل المدينة أي: مالك بينما ابن رشد، قال: إن الحنفية، أو أبا حنيفة، وأصحابه، يجيزون القصر في كل سفر، سواء كان مباحًا أو قُربةً أو معصيةً.

إذًا، هنا تعارض بين ما قاله ابن رشد بالنِّسبة لأبي حنيفة وأصحابه، وما قاله ابن قدامة عن أبي حنيفة وأصحابه، وأصحاب الرأي. يردُّ ابن قدامة على أصحاب الرأي الآخَر بأنَّ السفر في غير طاعة يبيح القصر في الصلاة، بقوله: لنا قول الله سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} [النساء: 101]، وقوله عز وجل: {فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وقالت عائشة رضي الله عنها: ((إنّ الصلاة أوّل ما فُرضت ركعتان؛ فأُقِرّت صلاة السفر، وأُتمَّت صلاة الحضر))، متّفق عليه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتيْن، وفي الخوف ركعة))، رواه مسلم. وقال عمر رضي الله عنه: ((صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمام غير قصْر، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى))، رواه سعيد، وابن ماجه.

وروي عن إبراهيم أنه قال: ((أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إني أريد البحريْن في تجارة، فكيف تأمرني في الصلاة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلِّ ركعتيْن))، رواه سعيد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم. وقال صفوان بن عسال: ((أمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين سفرًا: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)).

وهذه النصوص تدلُّ على إباحة الرخص في كل سفر. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترخَّص في عَوْده من سفره، وهو مباح. ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية، كالإباق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر، والمحرَّمات. نص عليه أحمد.

وهو مفهوم كلام الخرقي، لتخصيصه الواجب والمباح، وهذا قول الشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: له ذلك.

وبهذا وافق كلام ابن رشد عن أبي حنيفة، أنّ سفر المعصية أيضًا يُبيح الرخصة. قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: له ذلك، احتجاجًا بالنصوص التي سبق ذكْرها. ولأنه مسافر، فأبيح له التّرخّص، كالمطيع. وأنا أستبعد أن يكون الإنسان مسافرًا لمعصية، ويصلّي! لأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر! فكيف يستفيد بالرخصة، وهو مسافر لإغضاب الله سبحانه وتعالى؟!

يقول ابن قدامة في الردِّ على أبي حنيفة ومن معه، من القائلين بإباحة التّرخّص للمسافر لمعصية: لنا قول الله سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، أباح الأكل لمن لم يكن عاديًا، أي: معتديًا ولا باغيًا؛ فلا يُباح لباغٍ، ولا عاد.

قال ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، يُخيف السبيل، ولا عادٍ عليهم. ولأن الترخص شُرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح، توصّلًا إلى المصلحة، لو شرع ههنا، لشرع إعانة على المحرّم، تحصيلًا للمفسدة؛ والشرع مُنزّه عن هذا. والنصوص وردت في حق الصحابة، وكانت أسفارهم مباحة، فلا يثبت الحكم فيمن سفره مخالف لسفرهم. ويتعيّن حمله على ذلك، جمْعًا بين النّصيْن. وقياس المعصية على الطاعة بعيدٌ، لتضادِّهما. كما ذكرتُ من أنه لو كان مصلِّيًا فعْلًا، لَنَهَتْهُ صلاته عن الفحشاء والمنكر.

أمّا ابن رشد -رحمه الله- فيُبيِّن السَّبب في اختلاف الفقهاء على هذا النحو، في نوع السفر الذي يُبيح القصر، على هذه الآراء، أو الأقوال الثلاثة. فيقول: السَّبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول مع ظاهر اللفظ، أو معارضة المعنى المعقول وظاهر اللفظ لدليل الفعْل، أي: فعْل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وذلك أنَّ مَن اعتبر المشقَّة أو ظاهر لفظ السَّفر، لم يفرِّق بين سفرٍ وسفرٍ؛ لأن الآية لم تذكر إلَّا الضرب في الأرض أو السفر، ولم تفرق بين سفر طاعة وسفر معصية. والعبرة هو: وجود المشقَّة.

وأمَّا من اعتبر دليل الفعل، قال: إنه لا يجوز إلَّا في السَّفر المتقرَّب به لأنَّ النبيصلى الله عليه وسلم لم يقصر قطُّ إلا في سفر متقرَّبٍ به.

وأمّا من فرَّق بين السفر المباح وسفر المعصية، فعلى جهة التغليظ. والأصل فيه وهذه قاعدة أصولية هل تجوز الرُّخَص للعصاة أم لا؟ وهذه مسألة عارَض فيها اللفظ المعنى، فاختلف الناس فيها لذلك.

الموضع الرابع: الموضع الذي يبدأ المسافر منه القصْر:

ما المقصود بالموضع؟ المقصود هنا: أنَّ المسافر حينما يخرج من بيته إلى السفر، من أين يبدأ قصر الصلاة؟ هل يبدأها من بيته؟ إذًا أذَّن الظهر مثلًا، أو العصر، أو العشاء؟ أم يبدؤها حينما يؤذَّن للصلاة بعد خروجه من بيته؟ أم يبدأ من المطار؟ أم يبدأ من الميناء؟ أم يبدأ من مركز تجمّع الحافلات؟ أم غير ذلك؟ من أين يبدأ قصر الصلاة؟

أ. ما قاله ابن رشد:

ذكر ابن رشد -رحمه الله- أن هذه المسألة موضع اختلاف بين الفقهاء.

 فإنَّ مالكًا قال في (الموطأ): “لا يقصر الصَّلاة الذي يريد السفر، حتى يخرج من بيوت القرية”. يعني: حدود البلد التي يقيم فيها الإنسان المسافر، يخرج من حدودها؛ كأن يصل إلى المطار، أو إلى الميناء، أو إلى مركز الحافلات، ونحو ذلك. ولا يُتمُّ الصلاة التي يقصرها حتى يدخل أوَّل بيوتها. يعني: في طريق العودة إلى محلّ إقامته الأصيل، يتوقف القصر، ويبدأ إتمام الصلاة حين يدخل أوّل بيوت القرية. هذا رأي الإمام مالك.

وقد روي عنه أيضًا رواية أخرى: أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة، حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال. المقصود بالقرية الجامعة: يعني مدينة كبرى إلى حدٍّ ما عن القرى المعتادة، أو عاصمة من العواصم، حتى يكون منه على نحو ثلاثة أميال. وذلك عند الإمام مالك أقصى ما تجب فيه الجمعة على مَن كان خارج المصر، في إحدى الروايتيْن عنه.

وبالقول الأوّل يعني: الرواية الأولى عن الإمام مالك: أن المسافر لا يقصر الصلاة حتى يخرج من بيوت قريته وحدودها قال جمهور العلماء.

أمّا الأقوال الأخرى، أو الروايات الأخرى عن الإمام مالك، فهي أقوال ضعيفة. هكذا أجمل ابن رشد هذه القضية بهذا الشكل الذي رأيناه، ولم يذكر لنا أقوال الأئمة الآخَرين غير الإمام مالك.

ب. ما قاله ابن قدامة:

أما ابن قدامة -رحمه الله- فقد فصَّل هذا الأمر، وبيّن فيه أقوال الفقهاء القائلين بمواضع القصر، على النحو التالي:

قال ابن قدامة في كتابه (المغني) تحت المسألة التي قال فيها الخرقي: “إذا جاوز بيوت قريته”. وجملته، أنه ليس لِمن نوى السَّفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته، ويجعلها وراء ظهره. وبهذا قال مالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكي ذلك عن جماعة من التابعين. وحكي عن عطاء، وسليمان بن موسى، أنهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر. هذا رأي آخَر.

وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا، فصلَّى بهم في منزله ركعتيْن. يعني: بدأ القصر قبل أن يخرج من بيته. والآخَر قال: يقصر وهو ما يزال في البلد ما دام ناويًا السفر. وكان في المصلِّين وراء الحارث بن أبي ربيعة، الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله. وروى عبيد بن جبير قال: “كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط يعني: من مصر في شهر رمضان، فدفع يعني: سارت السفينة ثم قرِّب غذاؤه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة يعني: أفطر من الصيام؛ لأن الرخصة للمسافر الفطر. ثم قال: اقترب! قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأكل”، رواه أبو داود.

ابن قدامة -رحمه الله- يردُّ على هذه الأقوال، ولا يبيح القصر، إلَّا كما قال الجمهور عند الخروج من البيت، أو بعد الخروج، خروج المسافر من بيته. يردُّ ابن قدامة على تلك الآراء، بقوله: ولنا قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} [النساء: 101]، ولا يكون الإنسان ضاربًا في الأرض حتى يخرج.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة كما سبق أن ذكَرنا في الحليفة قال أنس: ((صلّيتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتيْن))، متفق عليه.

فأما أبو بصرة، فإنه لم يأكل حتى دفع. وقوله: لم يجاوز البيوت: معناه والله أعلم لم يبعد منها، بدليل قول عبيد له: ألست ترى البيوت؟ إذا ثبت هذا، فإنه يجوز له القصر وإن كان قريبًا من البيوت، كما نفعل في “الترانزيت” في المطار، أو ميناء السفر.

قال ابن المنذر: “أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلْم: أنّ للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها”. وروي عن مجاهد أنه قال: “إذا خرجت مسافرًا، فلا تقصر الصلاة يومك ذلك إلى الليل، وإذا رجعت ليلًا فلا تقصر ليلتك حتى تصبح”. ويردّ أيضًا على ما قاله مجاهد، فيقول: ولنا قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} [النساء: 101] وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتيْن حتى يرجع إليها. وحديث أبي بصرة.

وقال عبد الرحمن الهمذاني: “خرجنا مع عليٍّ رضي الله عنه مخرجه إلى صفِّين، فرأيته صلى ركعتيْن بين الجسر وقنطرة الكوفة”. وقال البخاري: “خرج عليٌّ فقصر، وهو يرى البيوت. فلما رجع، قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها”. ولأنه مسافر، فأبيح له القصر، كما لو بعُد.

يضيف ابن قدامة أيضًا كثيرًا من التوضيح إلى ما قال، وإلى ما سبق، فيقول: وإن خرج من البلد، وصار بين حيطان بساتينه أي: الحدائق فله القصر؛ لأنه قد ترك البيوت وراء ظهره. وإن كان حول البلد خراب قد تهدَّم وصار فضاء، أبيح له القصر، وإن كانت حيطانه قائمة، أيضًا أبيح له القصر؛ لأنه خراب، ليس فيه من أهل القرية أحد، قاله الآمدي. وقال القاضي: لا يباح؛ وهو مذهب الشافعي لأنَّ السكنى فيه ممكنة، فأشبه العامر.

يردُّ أيضًا ابن قدامة على ما قاله القاضي والشافعي: ولنا أنها غير معدَّة للسكنى، أشبهت حيطان البساتين. وإن كان في وسط البلد نهر، فاجتازه، كنهر النيل، أو الفرات، أو دجلة، فليس له القصر؛ لأنه لم يخرج من البلد، ولم يفارق البنيان، فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد.

وإن كان للبلد محالّ، كل محلّة منفردة عن الأخرى يعني: أحياء، كبغداد فمتى خرج من محلّته، أبيح له القصر إذا فارق محلته. وإن كان بعضها متصلًا ببعض، لم يقصر حتى يفارق جميعها. ولو كانت قريتان متدانيتيْن أي متقاربتيْن فاتصل بناء إحداهما بالأخرى، فهما كالقرية الواحدة. وإن لم يتصل البناء، فلكلّ قرية حُكم نفسها.

ثم ذكر فصلًا آخَر عن البدوي، فقال: وإذا كان البدوي في حلّة، لم يقصر حتى يفارق حلّته. أي: المكان الذي حلَّ فيه. وإن كانت حللًا، فلكلِّ حلة حُكم نفسها، كالقرى.

وإن كان بيته مفردًا، فحتى يفارق منزله يعني: ليس له جيران حتى يفارق منزله، ورحله، ويجعله وراء ظهره، كالحضريّ. هذا ما فصَّله ابن قدامة -رحمه الله- في الموضع الذي يبدأ منه قصر الصَّلاة.

ج. سبب اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد -رحمه الله: إنَّ السَّبب في هذا الاختلاف: معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل. الاسم الذي هو: السفر. لفعل الصحابة والتابعين. وذلك أنه إذا شرع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر. فمن راعى مفهوم الاسم، قال: إذا خرج من بيوت القرية، قصر. ومن راعى دليل الفعل؛ أي: فعْله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقصر إلَّا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال، كما فعَل النَّبي صلى الله عليه وسلم في خروجه من المدينة، لم يقصر إلَّا في ذي الحليفة؛ لِما صح من حديث أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة شكَّ في الأميال والفراسخ- كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي ركعتين))، رواه مسلم، وأبو داود. والميل كما سبق أن ذكرنا: ألف وسبعمائة متر، والفرسخ: ثلاثة أميال. 

الموضع الخامس: مذاهب الفقهاء في مدّة القصْر:

ما المقصود بمدة القصر؟

يعني: أنا الآن مسافر من مكان إلى مكان آخَر، وتوفَّرت فيَّ شروط السفر، من حيث المسافة، والخروج من القرية، وغير ذلك… ثم في وسط الطريق أقمتُ في مكان ما أطلب حاجة، أو أبحث عن غرض من الأغراض، أو وصلتُ إلى المحلّ الذي أريده من السفر، وسأقيم فيه بضعة أيام إلى أن أعود إلى محلّ إقامتي الأصلي، إلى أيّ مدىً يجوز لي قصر الصلاة في ذلك المحلّ الجديد؟ هذا هو موضع مدّة القصر كما ذكر ابن رشد، والذي اختلف فيه الفقهاء.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول -رحمه الله: وأمّا اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر المدة: الزمان، فاختلاف كثير، حكى فيه أبو عمر يعني: ابن عبد البر نحوًا من أحد عشر قولًا؛ إلَّا أنَّ ابن رشد -رحمه الله- لا يذكر من أقوال أبي عمر بن عبد البر الأحد عشر إلَّا المشهور من ذلك؛ حيث يقول: إلَّا أنَّ الأشهر منها، هو: ما عليه فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: مذهب مالك، والشافعي: أنه إذا أزمع المسافرُ -يعني: عزم، أو نوى- على إقامة أربعة أيام، أتمَّ الصلاة.

القول الثاني: مذهب أبي حنيفة، وسفيان الثوري: أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يومًا، أتمَّ.

القول الثالث: مذهب أحمد، وداود: أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام، أتمَّ.

ب. ما قاله ابن قدامة:

لكن ابن قدامة -رحمه الله- يفصِّل ذلك، ويُبيِّنه أكثر ممّا ذكَره ابن رشد -رحمه الله- حيث يقول في كتابه (المغني) في المسألة التي قال فيها الخرقي: “إذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتمَّ”.

نحن نعلم أنَّ اليوم والليلة فيهما خمس صلوات، الواحدة وعشرون صلاة، كم يومًا؟ أربعة أيام وقطعة. وهذا ما قاله ابن رشد، ونسَبه إلى الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال: إنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام، أربعة في خمس، بعشرين.

وهنا الخرقي يقول: “إذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة، أتم”.

يفصِّل ابن قدامة ذلك الكلام، فيقول: المشهور عن أحمد -رحمه الله: أنَّ المدَّة التي تلزم المسافر الإتمام بنيّة الإقامة فيها، هي: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة؛ رواه الأثرم، والمروزي، وغيرهما… وعنه: أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور؛ لأن الثلاث حدّ القِلّة، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يُقيم المهاجر بعد قضاء مَنسكه، أو نُسكه ثلاثًا)).

ولمّا أخلى عمر رضي الله عنه أهل الذِّمّة، ضرب لمن قدِمَ منهم تاجرًا، ثلاثًا؛ فدلَّ على أنّ الثلاث في حُكم السفر، وما زاد في حُكم الإقامة. ويروَى هذا القول أيضًا عن عثمان رضي الله عنه.

الرأي الآخَر: قال الثوري، وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه، أتمّ. وإن نوى دون ذلك، قصر. وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد لِما روي عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما قالا: “إذا قدمتَ وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة، فأكمل الصلاة”.

ولا يُعرف لهم مخالف. وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول. وروى عنه قتادة قال: “إذا أقمتَ أربعًا، فصلِّ أربعًا”. وروي عن علي رضي الله عنه قال: “يتمّ الصلاة الذي يقيم عشرًا، ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غدًا، شهرًا”. وهذا قول محمد بن علي، وابنه الحسن بن صالح. وعن ابن عباس قال: “إذا قدمتَ بلدةً، فلم تدْر متى تخرج منها، فأتمّ الصلاة. وإن قلتَ: أخرج اليوم، أخرج غدًا، فأقمتَ عشرًا، فأتمّ الصلاة”. يعني بعد العشر. وعنه أنه قال: ((إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يومًا، أو تسع عشرة ليلة، يصلِّي ركعتيْن))؛ قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة، نصلِّي ركعتيْن، وإذا زدْنا على ذلك أتممنا”، رواه البخاري.

وقال الحسن: “صلِّ ركعتيْن ركعتيْن، إلى أن تقدم مصرًا أي: بلدًا كبيرًا فأتمّ الصلاة، وصُم”. وقالت عائشة: “إذا وضعتَ الزّاد والمزاد، فأتم الصلاة”. وكان طاوس إذا قدم مكة، صلّى أربعًا.

إذًا، نحن أمام عدة آراء، وأقوال في المدة، تتراوح بين ثلاثة، وأربعة، وعشرة، وخمسة عشر، وتسعة عشر، ونحو ذلك. يردُّ على هؤلاء جميعًا ابن قدامة، لينصر الرأي القائل بأربعة أيام أو ثلاثة، فيقول: ولنا ما روى أنس قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فصلّى ركعتيْن حتى رجع. وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة))، متَّفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلّى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها)).

قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر. وإذا أجمع يعني: نوى على أكثر من ذلك، أتمّ. قال الأثرم: وسمعتُ أبا عبد الله يعني: أحمد بن حنبل يذكُر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهُه كلّ أحد. وقوله: “أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرًا يَقصُر الصلاة” فقال: “قدِم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة، وخامسة، وسادسة، وسابعة”، ثم قال: “وثامنة يوم التروية، وتاسعة، وعاشرة”، يعني: يوم عرفة، ويوم النحر. فإنما وجْه حديث أنس، أنه حسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومنىً، وإلا فلا وجْه له عندي غير هذا؛ فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة، يقصر.

فهذا يدلّ على: أنّ من أقام إحدى وعشرين صلاة، يقصر. وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف مَن حدّه بأربعة أيام.

أمّا قول أصحاب الرأي: “لم نعرف لهم مخالفًا في الصحابة”، فغير صحيح؛ فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه، رواه سعيد في “سننه”، ولم أجد ما حكوه عنه فيه.

وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة، وجْهُه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُجمع الإقامة أي: لم يَنْو، كان متوقع الانتقال من يوم إلى آخَر. قال أحمد: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حُنيْنًا غزوة حنين والطائف، ولم يكن تمّ إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس والله أعلم.

ومَن قصَد بلدًا بعيْنه، فوصَله غير عازم على الإقامة به مدّة ينقطع فيها حُكم سفره، فله القصر. قال أحمد فيمن دخل مكة لم يُجمع على إقامة تزيد على إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بها، وهو أن يَقدم رابع ذي الحجة، فله القصر. وذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يقصر حتى يرجع. وحين قدِم مكة، وأقام بها ما أقام، كان يقصر فيها. وهذا خلاف قول عائشة، والحسن.

ولا فرْق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده، كما فعَل النبي صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع، على ما في حديث أنس، وبين أن يريد بلدًا آخَر، كما فعَل صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، على ما في حديث ابن عباس.

وإن مرَّ في طريقه على بلد، له فيه أهل أو مال، فقال أحمد في موضع: يتمّ. وقال في موضع: يتمّ، إلَّا أن يكون مارًّا يعني: لم ينو الإقامة. وهذا قول ابن عباس. وقال الزهري: إذا مرَّ بمزرعة له، أتمّ. وقال مالك: إذا مرَّ بقرية فيها أهله أو ماله، أتمّ، إذا أراد أن يقيم بها يومًا وليلة. وقال الشافعي، وابن المنذر: يقصر، ما لم يجمع على إقامة أربع؛ لأنه مسافر لم يُجمع على أربع.

ولنا: ما روي عن عثمان: أنه صلّى بمنىً أربع ركعات، فأنكر الناس عليه، فقال: “يا أيها الناس، إني تأهّلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من تأهَّل في بلد، فلْيصلِّ صلاة المقيم))، رواه الإمام أحمد في “المسند”.

وقال ابن عباس: “إذا قدمتَ على أهلٍ لك أو مالٍ، فصلّ صلاة المقيم”. ولأنه مقيم ببلد فيه أهله، فأشبه البلد الذي سافر منه. وقال أحمد: من كان مقيمًا بمكة، ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة، فلا يقيم بها حتى ينصرف؛ فهذا يصلي بعرفة ركعتين؛ لأنه حين خرج من مكة أنشأ السفر، فهو في سفر من حين خرج من مكة. ولو أنّ رجلًا كان مقيمًا ببغداد، فأراد الخروج إلى الكوفة، فعرضت له حاجة بالنهروان، ثم رجع، فمرَّ ببغداد ذاهبًا إلى الكوفة، صلّى ركعتيْن، إذا كان يمر ببغداد مجتازًا لا يريد الإقامة بها. وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيّته الإقامة بمكة إذا رجع، فإنه لا يقصر بعرفة؛ ولذلك أهل مكَّة لا يقصرون. وإن صلَّى رجل مكِّي يقصر الصلاة بعرفة ركعتيْن، ثم أقام بعد صلاة الإمام فأضاف إليها ركعتيْن أخرييْن، أي: يتم صلاته؛ لأنه مقيم؛ لأن المكِّيَّ يقصر بتأويل، فصحّت صلاة من يأتمّ به. وإذا خرج المسافر، فذكر حاجة فرجع إليها، فله القصر في رجوعه، إلَّا أن يكون نوى أن يقيم إذا رجع مدة تقطع القصر، أو يكون أهله أو ماله في البلد الذي رجع إليه، لِما ذكرْنا. هكذا حكي عن أحمد.

وقوله في الرواية الأخرى: “أتمّ إلَّا أن يكون مارًّا” يقتضي أنه إذا قصد أخْذ حاجته والرجوع من غير إقامة، أنه يقصر. والشافعي يرى له القصر ما لم ينو في رجوعه الإقامة في البلد أربعًا، قال: ولو كان أتم، أحبُّ إليَّ. وقال مالك: يتم حتى يخرج، فاصلًا للثانية. ونحوه قال الثوري. ولنا: أنه قد ثبت له حُكم السفر بخروجه، ولم توجد إقامة تقطع حُكمَه، فأشبه ما لو أتى قرية غير مَخرجه.

error: النص محمي !!