Top
Image Alt

هل أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم تشريع؟

  /  هل أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم تشريع؟

هل أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم تشريع؟

والمقصود هل ما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم شرعٌ يجب اتباعه، أو ليس شرعًا فلا يجب إتباعه؟

إنما القاضي الجديد في كل عصر، وفي كل وقت له أن يجتهد كما اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم، فمثلًا لو فرضنا أن قاضيًا في عصرنا الآن، وعُرضت عليه قضية ولها شبيه وهذا الشبيه بينه وبين ما قضى النبي صلى الله عليه وسلم تماثل تمامًا، فهل باستطاعة هذا القاضي أن يخالف ما قضى به الرسول؟ الواجب عليه أن يقضي بما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم إذا افترضنا وجود هذا التشابه.

الواقع أن جمهور العلماء والغالبية العظمى منهم، يرون أن أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم شرعٌ يجب اتباعه، لماذا؟ لأن هذه الأقضية نوعان:

النوع الأول: قضاءٌ بنص كتاب أو سنة.

النوع الثاني: اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم فما كان صادرًا عن نص من كتاب أو سنة، فهو تشريع بلا شك، لا يسع أحدًا خلافه، وأما إذا كان من النوع الثاني، وهو الذي صدر عن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أيضًا يجب اتباعه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم:3 – 4].

لكن النوع الثاني، هذا المبني على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ليس موضع تسليم من كل العلماء، بل خالف بعضهم في هذا، فرأوا أن الذي هو شرعٌ إنما هي أقضيته صلى الله عليه وسلم المبنية على نصوص الكتاب والسنة، أما ما كان فيه اجتهاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد يُخطئ، إذا تبعه القاضي الجديد تبعه في هذا الخطأ.

لكن الواقع أن هذا الرأي ضعيف، قبل أن نذكر أسباب ضعف هذا الرأي، ينبغي أن نذكر دليل هذا الرأي، وهل النبي صلى الله عليه وسلم يُخطئ في القضاء، أي معرض قضاؤه للخطأ، قبل أن نذكر هذا وهذا، ينبغي أن نذكر بعض الأمثلة من قضايا النبي صلى الله عليه وسلم من النوع الأول، ومن النوع الثاني أيضًا، حتى تتضح الأمور بالأمثلة المطروحة.

فمثلًا قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يد السارق: هذا الحكم مُنطلقه هو نص الكتاب، صحيح أن نص الكتاب فيه نوع من الإجمال، لكن السنة بيّنت هذا الإجمال، كيف ذلك؟ ربنا سبحانه وتعالى قال: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فالقطع هو حكم الله سبحانه وتعالى وليس  اجتهادًا من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن السنة بيّنت أن أي اليدين تقطع، ومن أي مكان تقطع، فورد أنه قال: ((فاقطعوا أيمانهما)) وورد أن القطع إنما يكون من الرسغ، وبيّن أن القطع في أول مرة يكون باليد اليمنى،  ثم القدم اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى. وهكذا… يعني السنة بينت كيفية القطع، وكيفية معالجة هذا القطع.

أيضًا ربنا سبحانه وتعالى بيَّن للنبي صلى الله عليه وسلم وأوحى إليه بعقوبة الزاني المحصن والزاني غير المحصن، فعندما أقر بين يديه ماعز بالزنا أمر برجمه، وهذا مأخوذٌ من النص، صحيح آية الرجم غير موجودة في كتاب الله، لكنها كانت موجودة ونُسخت،  لكن وجدت، وإذًا هذا حكم مبني على النص، وغير ذلك كثير من الأحكام.

ومن النوع الثاني المبني على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم: أنه عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم قضية، هي عبارة عن أن ولدًا مميز بلغ سن التمييز، ووالده طلق والدته، فلمن يكون؟ هل يكون للأب أو يكون للأم؟ الأب له حججه، والأمم لها حججها، الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في هذه القضية بتخيير الغلام؛ يعني قال له: يا غلام تختار من؟ فهذا التخيير هو اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في تقدير الدية في القتل الخطأ؛ إذا كان شبيهًا بالعمد؛ فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدية هنا مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها اجتهادًا منه صلى لله عليه وسلم. وقضى -صلوات الله وسلامه عليه- ألا يقتل الوالد بالولد؛ يعني لو الأب قتل ابنه لا يُقتص منه؛ وذلك أنه -صلوات الله وسلامه عليه- حكم في قضايا كثيرة بناءً على اجتهاده، لكن هنا سيرد سؤال:

هل النبي صلى الله عليه وسلم ممكن أن يخطئ؟ وإذا أخطأ هل يتركه الوحي أو يسدده؟ وهل يكون تنبيه الوحي له قبل تنفيذ ما حكم به أو بعده؟

هناك حديث صحيح، النبي صلى الله عليه وسلم كما روي عن بعض أهل العلم، رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع في خطأ فيه، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قضى في قوم من عُرينة نزلوا المدينة، وأظهروا الإسلام، فمرضت أبدانهم، واصفرّت ألوانهم، فبعث بهم صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة خارج المدينة؛ ليشفوا مما بهم، ولما استردوا صحتهم قتلوا رعاة الرسول، وساقوا الإبل -سرقوا الإبل- فبعث في أثرهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم وتركوا حتى ماتوا، فنزل قوله تعالى: {إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ} [المائدة: 33]، فكانت هذه الآية بيانًا لما يجب أن يكون عليه الحكم  في أمر قطاع الطريق، ففهم من ذلك بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جانبه الصواب.

لكن ما دام قضى فيهم، فانتهت القضية، لكن بعد ذلك الحكم يختلف، فقطاع الطرق هذا حكمهم، لا تثمل أعينهم، ولا يحرقون بالنار، ولا يفعل بهم مثل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعض العلماء رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تنزل الآية تصويبًا له، بل كان حكمه هو الصائب، وهؤلاء لم يكونوا مجرد قطاع طرق، إنما كانوا قطاع طرق ولصوص، وقابلوا الإحسان إليهم بغاية الإساءة، وأن الآية الكريمة ليس فيها تصويب لفعل النبي، ففعل النبي كان صوابًا منذ البداية، وأن الآية تخير الإمام بين هذه العقوبات المتعددة.

على أي حال، حكى الإمام النووي موقف الأصوليين من اجتهاد الرسول، هل الرسول يجوز أن يقع في خطأ؟ الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالأكثرون على أنه جائز، بحيث الجواز العقلي ممكن، يقع هذا، لكن يُسدده الوحي، أي الوحي ينزل عليه ويبين له ولا يقره على إمضاء ما حكم به، ويكون هذا قبل التنفيذ ولا بعد التنفيذ؟ فيه خلاف.

على أي حال، هناك  رأي آخر يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئ مطلقًا في حكم قضائي أبدًا، ودليلهم في هذا أن الأنبياء معصومون من الخطأ، وأن الذين جوّزوه لا يقر على إمضائه، بل الوحي يسدده.

على أي حال، هي وجهة نظر، أنا أميل إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع في خطأ في القضاء؛ لأن وقوع الخطأ منه في القضاء يترتب عليه وقوع ظلم، والأنبياء منزهون عن هذا.

لكنه صلى الله عليه وسلم بوجهٍ عام قد يحكم باجتهاده بخلاف الأولى، وينزلُ الوحي فيقول له: من الأولى كذا وكذا، كما هو مشهور في قضية أسرى بدر، وفي قضية النبي صلى الله عليه وسلم استئذان بعض المنافقين، فأذن له فنزل قوله تعالى: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43].

فالصواب هو أنه صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في حكمه القضائي، وإن جاز الخطأ في الحكم الاجتهادي على أي قاضٍ آخر من البشر، فإنه لا يجوز بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لأن الله لا يجعله يرتب حكمًا على بينة باطلة أو فاسدة يضيع بسببها حق صاحبها، خصوصا وأن  قضايا الرسول تشريع يجب الالتزام بها.

ومن ثم، فإن القول الصحيح هو أن الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما أنا بشر، وأنتم تحتكمون إلي، ولعلي أحكم لأحدكم، لأنه أفصح من الآخر، وأبين بحجته من الآخر، فمن حكمت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار))  يفهم من ظاهر هذا الحديث أنه قد يحكم بخلاف الحق، هذا في الظاهر، وغرض النبي صلى الله عليه وسلم التخويف، حتى يُنقل هذا عنه، وتتوارثه الأجيال، ونعلم أن القاضي بشر قد يُخطئ بعد النبي صلى الله عليه وسلم قضاة غير النبي، قد يخطئ في حكمه، فمن حكم له القاضي بشيء يعلم أنه ليس من حقه فيجب عليه ألا يأخذه، فإن أخذه فإنما هو يأخذ قطعة من النار.

والدليل على أن قضايا النبي صلى الله عليه وسلم تشريعٌ دائم، لا تجوز مخالفته، إذا تشابهت القضية الجديدة مع القضية التي حكمَ فيها النبي صلى الله عليه وسلم: أن الخلفاء الراشدين وأن الصحابة رضي الله عنهم بوجه عام، كانوا يحكمون بقضاياه، التي حكم فيها إذا تشابهت لما يُعرض عليهم من قضايا؛ مثلا: إذا بدأنا بسيدنا أبي بكر الصديق، نجد أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا وَرد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجدَ فيه ما يقضي قضى به، ولم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، يقول: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ وحادثة حكم سيدنا أبي بكر في توريث الجدة مشهور معروف، لكن بعد التثبت؛ ولذلك لما قام أحدهم وقال: أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها -أعطى الجدة- يعني السدس قال: هل يشهد معه أحد؟ فقام صحابي آخر، وشهد معه للتوثيق، حتى يحكم بنفس حكم النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان عمر رضي الله عنه كذلك، يبحث في كتاب الله، فإن أعياه أن يجد في القرآن نظر في السنة، فإن لم يجد نظر في فعل أبي بكر وقضاء أبي بكر، فإن وجد له قضاء قضى فيه، وإلا دعا رءوس الناس من العلماء وأهل الرأي والشورى، فإذا اجتمعوا على أمر قضى به، فإن اختلفوا اختار من آرائهم.

لكن يعترض أو قال: يعترض على هذا الرأي، بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا كانوا يرفضون قضاء النبي صلى الله عليه وسلم فمثلا سيدنا عمر صح عنه أنه رفض الأخذ بقضية “قضية السيدة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها” فاطمة بنت قيس حكمت أو روت أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لها، وكانت مطلقة طلاقًا بائنًا بأن لا نفقة لها، ولا سكنى، لكن كان سيدنا عمر يحكم بأن المطلقة لها نفقة، ولها سكنى طوال مدة العدة، فلما روت له السيدة فاطمة بنت قيس هذا قال: “لا نترك كتاب ربنا، وسنة نبينا من أجل رواية امرأة لعلها نسيت”.

فالواقع، أن سيدنا عمر لم يرفض قضاء النبي، لكن تشكك في مدى حفظ هذه السيدة الفاضلة فاطمة بنت قيس.

والواقع أن حكم عمر هو الأقرب إلى الصواب، وأن السيدة فاطمة بنت قيس إنما يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض لها لا نفقة، ولا سكنى؛ لأنها كانت تتطاول بلسانها على أهل زوجها.

وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يستوثقون من الرواية عن النبي، فإذا وثقوا لا يسعهم خلاف ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم.

وإجمال هذا، أن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم تشريعٌ يجب اتباعه.

error: النص محمي !!