Top
Image Alt

هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟

  /  هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟

هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟

وقد اختلف الناس: هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب جماعة إلى المنع، لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه.

وكره مالك أن تُعاد سورة أو تُردَّد دون غيرها.

وقال ابن حبان: “قوله: ((أعظم سورة)): أراد به الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض”.

وذهب آخرون إلى التفضيل، لظواهر الأحاديث، وقال القرطبي: “إنه الحق، وهو كما قال”.

وقال الغزالي: “لعلك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله، فكيف يفارق بعضها بعضًا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم: أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة (الإخلاص) وسورة (تبت)، وترتاع على اعتقاد الفرق نفسُك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلّد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقال: ((يس): (قلب القرآن)، و(فاتحة الكتاب) أفضل سوَر القرآن، وآية الكرسي سيّدة آي القرآن، و{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن)). والأخبار الواردة في فضائل القرآن، وتخصيص بعض السوَر والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها، لا تحصى”. انتهى.

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: “كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} أفضل من {تَبّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ} [المَسَد: 1]”.

وقد اختلف القائلون بالتفضيل: فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عظم الأجر، ومضاعفة الثواب.

وقيل: بل يرجع لذات اللفظ؛ فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها.

وقال الحليمي: “معنى التفضيل يرجع إلى أشياء:

أحدها: أن يكون العمل بآية، أولى من العمل بأخرى، وأعوَد على الناس.

الثاني: أن يقال: الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى، وبيان صفاته، والدلالة على عظمته أفضل.

الثالث: أن يقال: سورة خير من سورة، أو آية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة، سوى الثواب الآجل، ويتأدّى منه بتلاوتها عبادة.

ويقال أيضًا في الجملة: “إن القرآن خير من التوراة، والإنجيل، والزبور، بمعنى: أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها، والثواب بحسب قراءته لا بقراءتها، أو أنه من حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث، وتلك الكتب لم تكن معجزة، ولا كانت حجج أولئك الأنبياء، بل كانت دعوتهم والحجج غيرها”.

قال ابن عبد البر: “السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم”. ثم أسند إلى إسحاق بن منصور: “قلت لأحمد بن حنبل: قوله صلى الله عليه وسلم: ({قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن))، ما وجهه؟ فلم يقل لي فيها على أمر. وقال لي إسحاق بن راهويه: معناه: أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام، جعل لبعضه أيضًا فضلًا في الثواب لمن قرأه، تحريضًا على تعليمه، لا أن من قرأ: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن جميعه؛ هذا لا يستقيم، ولو قرأها مائتي مرة”.

قال ابن عبد البر: “فهذان إمامان بالسُّنة، ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة”.

ومن أوجُه التفضيل التي سبق ذكْرها، وهو: ما يتعلق بالمعاني، ذكَر السيوطي نقولًا عن أهل العلم في تبيين ذلك:

فمما قيل في (الفاتحة): ما قاله الحسن البصري: “إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن (الفاتحة)؛ فمن علِم تفسيرها، كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة”.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: “المقصود من القرآن كله: تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدَر لله تعالى. فقوله: {الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]يدل على: الإلهيات. وقوله: {مَـَلِكِ يَوْمِ الدّينِ} [الفاتحة: 4] يدل على: المعاد. وقوله: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] يدل على: نفي الجبر، وعلى إثبات أن الكلّ بقضاء الله وقدَره. وقوله: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] إلى آخر السورة يدل على: إثبات قضاء الله وعلى النبوات. فلما كان المقصد الأعظم من القرآن: هذه المطالب الأربعة، وهذه السورة مشتملة عليها، سُمّيت: (أم القرآن)”.

مما قيل في تفضيل آية الكرسي:

قال ابن العربي: “إنما صارت آية الكرسي أعظم الآيات، لعظم مقتضاها؛ فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه وتعلقاته؛ وهي في آي القرآن كسورة (الإخلاص) في سوَره، إلا أن سورة (الإخلاص) تفضلها بوجهين:

أحدهما: أنها سورة، وهذه آية. والسورة أعظم، لأنه وقع التحدي بها؛ فهي أفضل من الآية التي لم يتحدّ بها.

والثاني: أن سورة (الإخلاص) اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفًا، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفًا؛ فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبّر عنه بخمسين حرفًا، ثم يعبر عنه بخمسة عشر؛ وذلك بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانية”.

وقال ابن المنير: “اشتملت آية الكرسي على ما لم تشمل عليه آية من أسماء الله تعالى؛ وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر موضعًا، فيها اسم الله تعالى ظاهرًا في بعضها، ومستكنًا في بعض؛ وهي: {اللّهُ}، {هُوَ}، {الْحَيّ الْقَيّومُ} [البقرة: 255]، ضمير: {لاَ تَأْخُذُهُ}، و{لّهُ}، و{عِنْدَهُ}، و{بِإِذْنِهِ}، و{يَعْلَمُ}، و{عِلْمِهِ}، و{شَآءَ}، و{كُرْسِيّهُ}، و{يَؤُودُهُ}، ضمير: {حِفْظُهُمَا} المستتر، الذي هو فاعل المصدر، {وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ}. وإن عدّدت الضمائر المتحملة في {الْحَيّ الْقَيّومُ}، {الْعَلِيّ الْعَظِيمُ}، والضمير المقدّر قبل {الْحَيّ} على أحد الأعاريب، صارت اثنين وعشرين”.

وفي جعل (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن:

قال الغزالي: “معارف القرآن المهمة ثلاثة: معرفة التوحيد، والصراط المستقيم، والآخِرة.”

وهي مشتملة على الأوّل؛ فكانت ثلثًا”.

وفي حديث: ((إن (الزلزلة) نصف القرآن)):

قيل: لأن أحكام القرآن تنقسم إلى: أحكام الدنيا، وأحكام الآخرة؛ وهذه السورة تشتمل على أحكام الآخرة كلها إجمالًا.

وقال الغزالي في سر كون سورة (الكافرين) ربعًا، وسورة (الإخلاص) ثلثًا، مع أن كلًا منهما يسمى: (الإخلاص): أن سورة (الإخلاص) اشتملت من صفات الله على ما لم تشتمل عليه (الكافرون). وأيضًا فالتوحيد: إثبات إلهية المعبود وتقديسه، ونفي إلهية ما سواه؛ وقد صرّحت (الإخلاص) بالإثبات والتقديس، ولوّحت إلى نفي عبادة غيره. و(الكافرون) صرّحت بالنفي، ولوّحت بالإثبات والتقديس، فكان بين الرتبتيْن من التصريحيْن والتلويحيْن ما بين الثلث والربع.

وقد ذكره السيوطي في النوع الرابع والسبعين، وهو باب جعله تحت مسمى: باب في مفردات القرآن.

error: النص محمي !!