Top
Image Alt

هل يتتبع الحاكم فيما حكم به على الأحاديث في الأعصر المتأخرة أم لا

  /  هل يتتبع الحاكم فيما حكم به على الأحاديث في الأعصر المتأخرة أم لا

هل يتتبع الحاكم فيما حكم به على الأحاديث في الأعصر المتأخرة أم لا

الحاكم كان يحكم على كل حديث بما يليق به، وليس هذا من باب مسألة التصحيح والتضعيف في الأعصر المتأخرة.

وذهب ابن الصلاح إلى أن الأولى أن يتوسط في أمر الحاكم؛ فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن؛ يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه، وعبارة النووي في (التقريب) وهي تلخيص لما قاله الحاكم: “فما صححه ولم نجد لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا حكمنا بأنه حسن إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه”، وقد تعقب على ابن الصلاح بعض من اختصر كلامه وهو بدر الدين بن جماعة.

والقضية: هل ما قاله الحاكم له ارتباط بمسألة التصحيح في الأعصر المتأخرة أو عدم التصحيح؟

قال القاضي بدر الدين بن جماعة في (المنهل الروي): إنه يُتتبع ويُحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة أو الحسن أو الضعف، قال: وهذا هو الصواب، إلا أن ابن الصلاح رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، واكتفى بأن يقول: إنه حسن، وكذا قال الزركشي في (نكته).

قال السيوطي: وقد نبهت على هذا البناء من زياداتي، وأقول الذي عندي:

أولًا: أنه لا يصح هذا البناء، يعني: لا يصح أن يبنى على مسألة عدم تصحيح ابن الصلاح- مسألة عدم تصحيح أو تضعيف ما عند الحاكم، والفرق بين المسألتين واضح، بل ينبغي أن يقال: بالتتبع والكشف، والحكم بما يليق، وإن منعنا التصحيح في هذه الأعصار، ووافقنا ابن الصلاح في ذلك فإنه لا ينبغي أن نبني هذه المسألة على هذه المسألة، وذلك لأن الحكم بالتصحيح فيما يوجد في الأجزاء ونحوها حكم استقلالي من غير تقدم سلف فيه، وهذا الذي منعه ابن الصلاح، فلهذا قيل: بمنعه لقصور أهل هذه الأزمان، وضعف نظرهم، وبعد المسافة مع اعتضاض ذلك بأنه لو صح لما أهمل المتقدمون التنبيه عليه، وأما النظر فيما صححه الحاكم، وتصحيح ذلك فليس استقلاليًّا، بل تقريرٌ لما تقدم تصحيحه من إمام وهو الحاكم، وبين المقامين تفاوت كبير، فلا ينبغي أن يقطع بجواز هذا، وإن منع ذلك كما رأى ابن الصلاح، وهذا هو رأي السيوطي.

ثانيًا: أن ابن الصلاح لم يقصد ما فهموه عنه حتى ردوا عليه، قصد: أنه وإن عرف بالتساهل فلا ينحط كتابه عن درجة الاحتجاج والعمل بما فيه مما لم يظهر فيه علة قادحة.

والحاصل: أنه أراد إزالة ما عسى أن يقع في الأوهام لما ذكر من تساهله من التوقف عن كل فرد من أحاديثه حتى يُنظر في حاله من خارج، فبيّن أن الأصل فيه الاعتماد وعدم التساهل، فيعمل بكل فرد من أحاديثه ما لم يظهر فيه المحظور، وهو العلة، أو الشذوذ، والعلة القادحة، وبين أنه إن لم يرقَ إلى درجة الصحة فرضًا فأقل مراتبه الحسن، والأمثلة التي سبقت ترشح هذا الكلام، فكم من حديث قيل: إنه ضعيف، فبـروايات الشواهد والمتابعات يخرج من نطاق الضعف، بل يخرج من نطاق أن يرمى بالوضع إلى نطاق الحسن، وهذا نظير ما حكم به ابن الصلاح على ما أخرجه أبو داود وسكت عليه من أنه حسن، لقوله: صالح، إلا أنه جزم هناك بالحسن، لأن أبا داود لم يشترط الصحيح، فلم يرتقِ إلى الدرجة العليا إلا بيقين احتياطًا، ورد هنا ولم يجزم من أول وهلة؛ لأن الحاكم شرط الصحيح، وانظر إلى قوله: “لأن ما لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن” تجده تصريحًا فيما أشرنا إليه فتأمل.

error: النص محمي !!