Top
Image Alt

هل يعتبر اتفاق أكثر المجتهدين إجماعًا؟

  /  هل يعتبر اتفاق أكثر المجتهدين إجماعًا؟

هل يعتبر اتفاق أكثر المجتهدين إجماعًا؟

أورد ابن قدامة بعد ذلك: مسألة أخرى تتعلق بمبحث الإجماع، هذه المسألة هي: هل يعتبر اتفاق أكثر المجتهدين إجماعًا؟ ويعبر عنها عند الأصوليين بقول أكثر العلماء: هل يكون إجماعًا؟ يعني: لو أجمع الأكثر وخالف الأقل، فهل اتفاق الأكثر يكون إجماعًا -مع أن الأقل مخالف- أو لا يكون إجماعًا؟.

1. آراء العلماء في انعقاد الإجماع بقول الأكثر:

اختلف العلماء في الجواب على هذا السؤال على مذاهب كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ستة مذاهب، ذكر منها ابن قدامة -رحمه الله- في (روضة الناضر) مذهبين:

ولنتناول هذه المسألة بشيء من التفصيل، وصورتها: أن يتفق مثلًا تسعون من المجتهدين ويخالف خمسة أو اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك؛ فهل ينعقد الإجماع بالأكثر؟ ولا يلتفت إلى خلاف الأقل؟ أم لا بد من موافقة الجميع؟ اختلفوا في ذلك على مذاهب:

المذهب الأول: إليه ذهب الجمهور، وقالوا: إن الإجماع لا ينعقد مع مخالفة الأقل، فحتى يتحقق الإجماع لا بد من موافقة جميع المجتهدين، فلو خالف ولو واحد فقط، فالإجماع لا يتحقق، هذا هو المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور.

المذهب الثاني: إليه ذهب محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور (جامع البيان) وصاحب التاريخ المشهور: (تاريخ الطبري) ذهب محمد بن جرير الطبري -رحمه الله- وبعض المعتزلة، والإمام أحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه: إلى أن الإجماع ينعقد باتفاق الأكثر، ولا عبرة بمخالفة الأقل، هذا المذهب الثاني في المسألة.

المذهب الثالث: ذهب إليه أبو عبد الله الجرجاني من الحنفية، وحاصل هذا المذهب أنه: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتدًّا به، كخلاف ابن عباس في العول.

المذهب الرابع: ذهب إليه قوم، وقالوا: إن بلغ عدد الأقل حد التواتر، لم يعتد بالإجماع، وهذا المذهب حكاه الآمدي في (الإحكام).

المذهب الخامس: وإليه ذهب ابن الحاجب من المالكية إلى أنه: إن ندَر المخالف -أي: إن كان المخالف نادرًا- فالظاهر أنه حجة، وليس إجماعًا.

المذهب السادس: وعبر عنه الآمدي في (الإحكام)؛ بقوله: وذهب قوم إلى أن اتباع الأكثر أولى، يعني: متابعتنا للأكثر أولى من متابعة الأقل؛ إذن في المسألة ستة مذاهب، ذكر ابن قدامة منها مذهبين في (الروضة): مذهب الجمهور، ومذهب ابن جرير الطبري -رحمه الله.

2. أدلة الآراء، ومناقشتها:

أولًا: مذهب الجمهور، وأدلته:

فالجمهور يرى أن الإجماع لا ينعقد بالأكثر، وابن جرير الطبري يرى أن الإجماع ينعقد بالأكثر، وللجمهور عدة أدلة:

الدليل الأول: إنَّ الأدلة التي ذكرت في حجية الإجماع تُثبت العصمة لجميع الأمة، في مثل قول الله تعالى: {وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] وفي مثل قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) فهذه النصوص أثبتت العصمة لجميع الأمة، وليس لأكثر الأمة، إذن فالإجماع لا ينعقد بالأكثر، وإنَّما ينعقد بالجميع.

إذن حديث النبي: ((لا تجتمع أمتي)) يعني: جميع أمتي، والمراد بأمتي: يعني: المجتهدين من الأمة.

الدليل الثاني: إن الصحابة رضي الله  عنهم اختلفوا في بعض الأحكام، وربما كان المخالف واحدًا، ولم ينكروا عليه خلافه، يعني: الصحابة يتفقوا على رأي، ويخالف واحد من الصحابة، ومع مخالفة هذا الواحد الصحابة لم ينكروا عليه هذا الخلاف، ولو كان مذهب الأكثر إجماعًا -كما يقول ابن جرير ومن تبعه- بحيث لا تجوز مخالفته، لأحالت العادة عدم إنكار الصحابة على المخالف، حيث كانوا لا يخافون في الله لومة لائم؛ إنما سوغوا للواحد أن يخالف؛ لعلمهم أن اتفاق الأكثر ليس إجماعًا.

الدليل على خلاف الواحد، والاثنين في بعض المسائل الفقهية:

هناك أمثلة كثيرة، نذكر منها الآتي:

  • أنكر ابن عباس رضي الله  عنهما العول في الميراث، والعول: أن يكون مجموع سهام الورثة أزيد من مسألتهم.
  • خالف ابن عباس في المتعة -أي: في نكاح المتعة- وكان يرى في أول الأمر: حل نكاح المتعة، وإن كان قد رجع عنه في آخر حياته رضي الله  عنهما فهذه أمثلة، ونماذج، خالف الواحد، والاثنان من الصحابة باقي الصحابة.
  • خالف حذيفة بن اليمان الصحابة في وقت السحور، فهو يرى أن المراد بالفجر في قوله: {حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، هو: الفجر الأحمر، فهو مخالف الآن في وقت السحور.

إذن هذا عدد من المخالفات للصحابة رضي الله  عنهم وقد جوزوها فيما بينهم.

اعتراضات أصحاب المذهب الثاني:

اعترض أصحاب المذهب الثاني -ابن جرير ومن معه- الذي يرى صحة انعقاد الإجماع بقول الأكثر على هذه الأدلة التي ساقها الجمهور، فقالوا:

  • لا نسلم أن الصحابة رضي الله  عنهم لم ينكروا على هؤلاء المخالفين، بل ثبت أنهم أنكروا عليهم، بل ورجع بعضهم عن رأيه، فقد ثبت أن ابن عباس رضي الله  عنهما رجع عن قوله في إباحة ربا الفضل، وفي إباحة نكاح المتعة، وقال: “اللهم إني تبت عن قولي في الصرف، وقولي في المتعة” كما ورد في (صحيح مسلم).
  • أن خلاف ابن عباس رضي الله  عنهما في العول لم يثبت، بل الحق أنه لم ينكر العول.
  • أنكرت السيدة عائشة رضي الله  عنها على زيد بن أرقم في مسألة العينة.
  • أنكر الصحابة رضي الله  عنهم على أبي بكر رضي الله  عنه قتالَه مانعي الزكاة.
  • أنكر الصحابة على أبي طلحة قوله في أكل البرد للصائم.
  • أنكر الصحابة على حذيفة خلافه في وقت السحور.

فلو لم يكن اتفاق الأكثر حجة لمَا أنكر الصحابة على المخالف، هذا اعتراض من قبل ابن جرير، ومن وافقه.

جواب الجمهور على ابن جرير، ومن وافقه:

أجاب الجمهور عن ذلك بما يلي:

أولًا: سلمنا أن الصحابة أنكروا في بعض الصور؛ لكن الدليل يثبت ولو بصورة واحدة، أو صورتين، فخلاف ابن مسعود رضي الله  عنه في الفرائض لم ينكره الصحابة، وخلاف ابن عباس في اشتراط ثلاثة من الإخوة لحجب الأم من الثلث إلى السدس كذلك لم ينكره الصحابة؛ وهذا يكفي في إثبات الدليل.

ثانيًا: ما أنكره الصحابة من هذه الصور لا يخرج عن واحد من أمرين:

الأمر الأول: إن إنكارهم لم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة.

الأمر الثاني: إن يكون اجتهاد الأقل قد عارضه نص.

وبيان ذلك أن الصحابة رضي الله  عنهم أنكروا على حذيفة؛ لأنه خالف النص في قوله تعالى: {حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} وكذلك أنكروا على أبي طلحة رضي الله  عنه لأنه خالف النص في قوله تعالى: {ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ} [البقرة: 187] والصيام هو: الإمساك، ولا يتحقق الإمساك مع أكل البرد، وكذلك أنكروا على ابن عباس قوله في ربا الفضل؛ لأنه مخالف للحديث المتفق عليه، وهو أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورِق إلا مثلاً بمثل)) إلى آخر الحديث الصحيح؛ ولذلك رجع إلى النص، لا إلى اتفاق الأكثر.

وبهذا يثبت رأي الجمهور في أن اتفاق الأكثر لا يكون إجماعًا، وأن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثر.

الدليل الثالث: قوله صلى الله عليه  وسلم: ((الشيطان مع الواحد، وهو عن الاثنين أبعد)).

ووجه الدلالة: أن الشيطان يكون مع الواحد، فلا يكون قوله معتبرًا، وكذلك مع الاثنين، بخلاف الجمع الكثير، فإن الشيطان لا يهم بهم، فكان قول الأكثر مع مخالفة الأقل واحد أو اثنين إجماعًا.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أنه ليس المراد كل واحد، وإلا لم يكن قوله صلى الله عليه  وسلم وحده حجة، فقد يكون قول الواحد حجة كما هو قول النبي صلى الله عليه  وسلم استدلوا كذلك بقوله صلى الله عليه  وسلم: ((عليكم بالجماعة))، و((يد الله مع الجماعة))، و((من شذ شذ في النار))، و((إياكم والشذوذ)) وقد سبق وذكرنا هذه الأحاديث عند الاستدلال على حجية الإجماع، ووجه الدلالة واضح؛ لأن الواحد والاثنين مع الخلق شذوذ، فلا يعتبر خلافهما، ويكتفى بإجماع الأكثر.

الدليل الرابع من الإجماع: قد ثبتت خلافة أبي بكر بالإجماع، بالرغم من مخالفة سعد بن عبادة، والإمام علي رضي الله  عنهما حيث لم يبايعا؛ فدل ذلك على أن الإجماع يثبت مع مخالفة الأقل.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن الإمامة-الإمامة العظمى، خلافة الدولة- لا يشترط فيها الإجماع؛ فقد ثبتت إمامة الصديق بالبيعة من الأكثر، وهذا يكفي، ثم ثبت بعد ذلك بالإجماع، فإن كل من تأخر عن مبايعة أبي بكر إنما تأخر لعذر، وطُرُوِّ أمر، مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك، ثم أهل التحقيق يقولون: إن عليًّا رضي الله  عنه بايع بيعتين: أولهما بعد ثلاثة أيام بقبول الخلافة، وثانيتهما بعد ستة أشهر، لما زعم الناس التباغض بينهما وهما رضي الله  عنهما برآء من هذا التباغض.

الدليل الخامس: إننا لو لم نعتبر الأكثر فقط، واعتبرنا مخالفة الواحد والاثنين لما انعقد إجماع مطلقًا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن أن يخالفه واحد أو اثنان، إما سرًّا، وإما علانية.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أننا نحتج بالإجماع حيث علمنا الاتفاق من الكل، إما بصريح العبارة، أو بالقرينة، وهذا واقع كما سبق، أما إذا لم يعلم فلا يحتج بذلك، وهذا الكلام سبق عند تعريفنا للإجماع، وبيان أنواعه، وأنه إجماع صريح، وإجماع سكوتي.

ثالثًا: دليل أصحاب المذهب الثالث:

استدلوا بأن الصحابة رضي الله  عنهم أنكروا على ابن عباس خلافه في إباحة ربا الفضل، وإباحة المتعة، في حين أنهم لم ينكروا عليه قوله في توريث الأم ثلث المال مع الزوج والأب، أو مع الزوجة والأب، فدل ذلك على أنهم إن سوغوا له الخلاف كان خلافه معتبرًا، وهذا كان حاصل المذهب الثالث إن سوغوا للمخالف الخلاف فخلافه معتبر، وإن لم يسوغوا له الخلاف لم يكن كذلك؛ لأن ابن عباس رجع إلى قولهم فيما أنكروا عليه، كما سبق وأشرنا، وبقي خلافه معتبرًا في غيره.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن إنكار الصحابة على ابن عباس رضي الله  عنهما لم يكن بناءً على إجماعهم، بل بناء على مخالفته الأخبار التي تفيد تحريم ربا الفضل، ونسْخ إباحة نكاح المتعة، فكان رجوع ابن عباس إلى النصوص، لا إلى اتفاق الأكثر، وهذا قد وضحناه -والحمد لله.

رابًعا: دليل أصحاب المذهب الرابع:

وهو أن خبر الجماعة إذا بلغ التواتر يفيد العلم، بخلاف خبر الواحد لا يفيد العلم، فيقاس عليه في باب الاجتهاد والإجماع.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن صدق الأكثر في التواتر فيما يخبرون به عن أمر محسوس يفيد العلم، إلا أنه لا يلزم مثله في الإجماع الصادر عن اجتهاد، فالإجماع إنَّما صار حجة بالنصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ، والأكثر -كما قلنا- ليس كل الأمة، وذلك غير معتبر في التواتر؛ فافترقا.

خامسًا: أدلة أصحاب المذهب الخامس مذهب ابن الحاجب:

الدليل الأول: أنَّه عند مخالفة القليل للكثير فإن أحد القولين لا بد وأن يكون حقًّا، ويبعد أن يكون قول الأقل أرجح، بل الغالب أن يكون متمسك الواحد المخالف للجمع الكثير مرجوحًا.

وقد أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لا يبعد أن يكون الحق مع الأقل، ليس بلازم أن يكون الحق مع الأكثر، والواقع يشهد بذلك، فقد ظهر أن الحق كان مع أبي بكر في خلافه لبقية الصحابة في قتال مانعي الزكاة.

الدليل الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وقال: هذا الحديث يدل على رجحان قول الأكثر، وإذا كان قول الأكثر راجحًا وجب العمل به، وإلا يلزم العمل بالمرجوح وترك الراجح، وهو باطل. وأجاب الجمهور عن ذلك: بما سبق من أن المراد بالسواد الأعظم كل الأمة وليس الأكثر.

سادسًا: دليل أصحاب المذهب السادس:

أما أصحاب المذهب السادس والأخير، فدليلهم أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في الاجتهاد، يعني: كلما اتفق العدد الكثير من المجتهدين فتكون هذه الكثرة أمارة على رجحان رأيه.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن هذا القياس مع الفارق؛ لأن الرواية المطلوب فيها الظن فقط دون اليقين، والإجماع يقيني، يفيد القطع واليقين؛ ولذلك قلنا: إنَّ دلالة الإجماع مقدمة على دلالة نصوص القرآن والسنة؛ فالرواية المطلوب فيها الظن فقط، يعني: الظن في الرواية كافٍ؛ أما الإجماع فلا يكفي فيه إلا القطع واليقين، وأيضًا فالحق قد يكون مع القليل.

الترجيح بين المذاهب:

إذا أردنا أن نرجح مذهبًا بعد عرض هذه المذاهب الستة، فلنا أن نرجح الرأي الأول -أعني: رأي الجمهور- وهو أن اتفاق الأكثر ليس إجماعًا، وليس حجة تحرم مخالفتها، ويؤكد ذلك ما سبق في تعريفنا للإجماع من أنَّه: اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم بعد وفاته على أمر من الأمور، أو على حكم شرعي، هذا هو الراجح في المسألة -والله تعالى أعلم.

3. هل يُشترط في صحة الإجماع انقراض العصر؟

أ. تصور المسألة:                                    

يُعبر بعض أهل العلم عن المسألة بالتعبير الآتي: اشتراط انقراض العصر لحجية الإجماع، فهل يشترط انقراض المجمعين لتحقق الإجماع واعتباره حجه؟:

المراد بانقراض العصر:

المراد بانقراض العصر يعني: انقراض عصر المجمعين، أي: موتهم جميعًا.  مثال: عشرة من المجتهدين اتفقوا على حكم حادثة، هل بمجرد اتفاقهم يكون هذا إجماعًا وحجة ودليلًا، أم أن الحجية تبقى معلقة إلى وفاة هؤلاء العشرة؟ هذا هو تصوير المسألة: فهل يشترط في صحة الإجماع انقراض العصر؟:

ب. المذاهب في المسألة:

اختلف العلماء في هذا الأمر على مذاهب:

المذهب الأول: أن موت المجمعين ليس شرطًا في صحة انعقاد الإجماع ولا في حجيته مطلقًا، وأنت تفهم من هذا المذهب أن موت المجمعين ليس شرطًا في صحة انعقاد الإجماع وحجيته، بل متى اتفقوا وأجمعوا فحجية الإجماع مستمدة ومستمرة وباقية، مات المجمعون أم لا.

فمجرد الاتفاق من أهل الحل والعقد يصير الإجماع حجة، وتحرم مخالفته، وهذا هو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية.

المذهب الثاني: أن انقراض المجمعين شرط في صحة إجماعهم، يعني الإجماع لا يكون حجة، ولا يجب العمل بمقتضاه إلا بعد انقراض العصر، يعني موت المجمعين على حكم الحادثة.

وبناءً على هذا المذهب يجوز لكل واحد من المجتهدين الرجوع عن رأيه ما دام حيًّا متى ظهر له خلاف ما أجمعوا عليه، فإذا ماتوا جميعًا ولم توجد مخالفة، وجد الإجماع وصار حجة على من بعدهم.

وهذا مذهب لجمع من العلماء من مختلف المذاهب، واشتهر بأنه مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في إحدى الروايتين عنه، إلى أنه يشترط انقراض العصر حتى يكون الإجماع حجة ودليلًا.

المذهب الثالث: إن كان الإجماع قولًا من الجميع أو فعلًا منهم، لم يكن انقراض العصر شرطًا في انعقاد الإجماع وصحته، بل ينعقد الإجماع بمجرد الفعل أو القول من الجميع، وليس لواحد منهم الرجوع والمخالفة.

وهذا المذهب هو المختار للشيخ سيف الدين الآمدي وتبعه جماعة من أهل العلم.

المذهب الرابع: إن انقراض العصر شرط في إجماع الصحابة دون غيرهم، وهذا مذهب ابن جرير الطبري -رحمه الله.

المذهب الخامس: أنه يُشترط الانقراض، وقد نُسب هذا القول إلى إمام الحرمين الجويني -رحمه الله.

ج. أدلة كل مذهب:

أولًا: أدلة الجمهور على أنه لا يشترط لصحة الإجماع انقراض العصر:

الدليل الأول: إن الأدلة التي سبقت لإثبات حجية الإجماع من القرآن والسنة، تدل على حجية الإجماع من غير تفصيل، بين ما إذا انقرض المجمعون أو لم ينقرضوا.

ولك أن تستحضر أدلة الجمهور على حجيته الإجماع، استدلوا هناك بآيات من القرآن: {وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَىَ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّىَ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115] وقلنا: إن {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني إجماعهم، ولك أن تستحضر قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] ولك أن تستحضر حديث النبي صلى الله عليه  وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)).

الدليل الثاني: إنه لو كان انقراض المجمعين شرطًا -كما يقول أصحاب المذهب الثاني- لما تحقق إجماع أبدًا، وهو دليل عقلي.

الدليل الثالث: إنَّ الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص، فكما أنَّ الحكم الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت، فكذلك الحكم الثابت بالإجماع.

– فإن اعتُرِض بأن: هذا قياس مع الفارق؛ لأن النص وحي، والوحي لا خطأ فيه، بخلاف اتفاق العلماء فالخطأ فيه ممكن.

– لنا أن نجيب بأن: اتفاق العلماء محكوم عليه بالصواب من قبل الوحي؛ للأدلة المتقدمة التي سقناها لكم، والتي أثبتت عصمة الأمة؛ فالأحكام الثابتة بالإجماع أحكام صحيحة -إن شاء الله- كالأحكام الثابتة بالنصوص؛ لأن النصوص نفسها هي التي أثبتت عصمة الأمة من الخطأ.

الدليل الرابع: أن التابعين في زمن بقاء أواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة، ولم يعترض عليهم أحد من الصحابة أو التابعين، بأن يقول له: كيف تستدل بالإجماع بالرغم من أن عصر الصحابة لم ينقرض، أو لماذا لم تنتظر موت آخر الصحابة المجتهدين؟!.

جمهور أهل العلم على أنه لا يشترط لصحة الإجماع، ووجوب العمل بمقتضاه، انقراض العصر؛ بل متى اتفقت كلمتهم انعقد الإجماع ولزم العمل به؛ لأن حقيقة الإجماع وتعريفه لا يفهم منه اشتراط انقراض العصر.

ثانيًا: أدلة أصحاب المذهب الثاني، ورد الجمهور عليهم:

الدليل الأول: إن الله تعالى يقول في وصف هذه الأمة كما في سورة البقرة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} [البقرة: 143].

ووجه الاستدلال: أنَّ الآية جعلت الأمة شهداء على الناس ولم تجعلهم شهداء على أنفسهم، فمنطوق الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} فالآية جعلت الأمة الآن شهداء على الناس، ولم تجعلهم شهداء على أنفسهم. قالوا: ومن جعل إجماعهم مانعًا لهم من الرجوع، فقد جعلهم شهداء على أنفسهم، ومن جعل إجماعهم، يعني: إجماع الأمة المحمدية، مانعًا لهم من الرجوع، فقد جعلهم شهداء على أنفسهم. ومنطوق الآية أنهم شهداء على الناس.

وأجاب الجمهور عن ذلك: إنَّ الشهادتين -أي: شهادة الأمة على الناس، وشهادة الأمة على أنفسها- لا تتنافيان؛ فإنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس ألا يكونوا شهداء على أنفسهم.

قال الجمهور: ويكون فائدة تخصيص {عَلَى النّاسِ} في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ} بالذكر، التنبيه بالأدنى على الأعلى.

الدليل الثاني: إنَّه لو كان اتفاق المجمعين حجة قبل انقراض العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه قد خالف أبا بكر في زمانه، وناظره في ذلك، حتى قال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه طوعًا كمن دخل في الإسلام كرهًا؟! هذه مناظرة ومحاورة جرت بين أبي بكر وبين عمر، فقال أبو بكر رضي الله  عنه: إنما عملوا لله، فأجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، وهم في الحاجة إلى ذلك سواء. ولم يُروَ أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وحينئذ: فلا يكون الإجماع بدونه، وهو من المجتهدين لا يكون الإجماع منعقدًا، فلما آل الأمر إليه عمل برأيه في حال إمامته؛ لأنه كان مصرًّا على المخالفة؛ فالمسألة ليست محل اتفاق إذن.

الدليل الثالث: إن المجمعين ربما توصلوا إلى الحكم عن اجتهاد وظن، وإذا كان الأمر كذلك؛ جاز للمجتهد أن يرجع عن اجتهاده إذا ظهر له موجبه، كأن وجد حديثًا لم يكن قد اطلع عليه، والعادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ اتّبَعَكَ إِلاّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرّأْيِ} [هود: 27] فقد جعلوا: {بَادِيَ الرّأْيِ} ذمًّا وطعنًا، وإذا جاز الرجوع دل على أن الإجماع لم يتم، بخلاف ما إذا انقرض العصر فلا رجوع بعد الانقراض، فكان الانقراض شرطًا، هذا حاصل الدليل الثالث، لأصحاب المذهب الثاني الذين اشترطوا انقراض العصر.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أنه يجب أن نفرق بين رجوع المجتهد عن اجتهاد انفرادي، قد يخطئ فيه وقد يصيب، فهذا جائز، يعني لو كانت المسألة مسألة الاجتهاد فيها اجتهاد فردي، فيجوز لكل مجتهد أن يرجع في المسألة، بل ويجب عليه ذلك إذا تبين له الخطأ، أما رجوع المجتهد عن اجتهاد وافق فيه اجتهاد جميع العلماء، فهذا لا يجوز.

الدليل الرابع: إنه لو لم تجز المخالفة لهم من بعضهم في عصرهم لبطل مذهب المخالف لهم في عصرهم بموته؛ وذلك لأن الباقي بعد موته هم كل الأمة، وهذا مخالف للإجماع، وقد سبق أن الأقوال والمذاهب لا تموت بموت أهلها، فكأنهم أحياء يدافعون عن مذاهبهم.

الدليل الخامس: هو قياس الإجماع على قول الرسول صلى الله عليه  وسلم فإن قول الرسول صلى الله عليه  وسلم لا يستقر كونه حجة في حياته صلى الله عليه  وسلم ولعل ملحظهم في ذلك: أن أقوال الرسول في حياة الرسول قابلة للنسخ، فقد ينسخ المشرع هذه الأقوال، فيقولون: الإجماع كأقوال الرسول، فأقوال الرسول لا تستقر حجيتها إلا بعد وفاة الرسول، فكذلك الإجماع لا تستقر حجيته إلا بعد وفاة المجمعين، هذا حاصل الدليل الخامس لهم.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن دعواكم بأن أقوال الرسول صلى الله عليه  وسلم لا يستقر كونها حجة في حياته ممنوع، هذا كلام غير مسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه  وسلم تجب طاعته في حياته؛ لقول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ} [التغابن: 12] ولم يقل في الآية: وأطيعوا الرسول بعد موته.

إذن: حجية أقوال الرسول صلى الله عليه  وسلم ثابتة في حياته، وأيضًا فيمكن أن نقول: هذا القياس مع الفارق، فإنَّ قول الرسول صلى الله عليه  وسلم مكن أن يَرد عليه النسخ، بخلاف الإجماع، فالإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم إذن: الإجماع لا يصح نسخه؛ لأنَّه لا نسخ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه  وسلم إذن: قياسكم الإجماع على قول الرسول صلى الله عليه  وسلم في أن قول الرسول لا يستقر كونه حجة في حياته، قياس مع الفارق؛ فإنَّ أقوال الرسول تقبل النسخ بخلاف الإجماع؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم.

ثالثًا: أدلة أصحاب المذهب الثالث، ورد الجمهور عليهم:

الدليل: إنَّ القول من بعض أهل الحل والعقد والسكوت من الباقي -الإجماع السكوتي- ليس اتفاقًا منهم قطعًا؛ لجواز أن يكون سكوت الساكت لعدم تكوين رأي له في المسألة، فإذا تكلم بعد ذلك فيها وجب سماع قوله؛ لكونه أحد المجتهدين الذين يعتد برأيهم، ولا تحرم منه المخالفة؛ لأنه عمل بمقتضى اجتهاده، وبذلك يكون انقراضهم شرطًا في مثل هذا الإجماع. أما إذا كان الإجماع قولًا أو فعلًا من الجميع، فقد أبدى كل واحد رأيه بعد الفحص، والبحث، وتقليب المسألة على جميع وجوهها، فكان قولهم أو فعلهم حجة بمجرد الاتفاق، وحرم على كل منهم الرجوع والمخالفة، فلا يكون موتهم شرطًا في مثل هذا الإجماع.

الترجيح:

والذي يترجح لنا بعد عرض هذه المذاهب هو المذهب الأول -مذهب الجمهور- لقوة أدلته.

د. فائدة الخلاف في المسألة:

الفائدة من هذا الخلاف هي: عدم جواز الرجوع بعد الاتفاق، وتلك الفائدة مخرجة ومرتبة على مذهب الجمهور الذي يرى: أنَّه لا يشترط انقراض العصر في صحة الإجماع.

4. هل يختص الإجماع بعصر الصحابة؟:

أ. تحرير محل النزاع في المسألة:

الجواب:

اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:

لا خلاف بين العلماء في: أنَّ إجماع الصحابة حجة، العلماء اتفقوا على أنَّ إجماع الصحابة حجة، ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس حجة، وذهب الخوارج إلى أن إجماع الصحابة حجة قبل الفرقة، أما بعد الفرقة؛ فالحجة في إجماع طائفتهم فقط، وهذا القول لا يُلتفت إليه، ولا يُعول عليه؛ ولذلك حكينا الإجماع والاتفاق على أن إجماع الصحابة حجة.

كلامنا سيكون في إجماع غير الصحابة، فإجماع الصحابة حجة باتفاق، إلا طائفة من المبتدعة، وطائفة الخوارج.

المذهب الأول: الجمهور من أهل العلم إلى أن إجماع غير الصحابة حجة أيضًا.

المذهب الثاني: ذهب بعض الظاهرية وابن حبان وابن عربي إلى أنه لا إجماع بعد عصر الصحابة، بل الحجة في إجماع الصحابة فقط.

ونسب هذا القول إلى الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.

ب. عرض أدلة كل مذهب:

أولًا: أدلة أصحاب المذهب الأول الجمهور:

أما الجمهور -ومنهم الإمام أحمد على ما حققنا الآن- يرون: أن إجماع غير الصحابة حجة كإجماع الصحابة، وبعض الظاهرية ومن وافقهم قالوا: لا إجماع بعد عصر الصحابة، بل الحجة في إجماع الصحابة فقط.

الدليل الأول: أنَّ الأدلة التي سبق ذكرها في حجية الإجماع لم تفرّق بين عصر وعصر آخر، بل تتناول كل عصر كتناولها لعصر الصحابة؛ فتخصيص الحجية بعصر الصحابة فقط تخصيص بلا مخصص؛ فلا يُقبل، وهو دليل في غاية الوضوح، وفي غاية الجودة، وفي غاية القوة.

اعتراض: اعترض على الجمهور في استدلالهم ببعض الآيات، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} [آل عمران: 110] والآية تشمل الصحابة ومن يأتي بعدهم، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] اعترض المعترض والخصم، وقال: هذه الآيات هي خطاب مع الموجودين في زمن الرسول صلى الله عليه  وسلم وهم الصحابة رضي الله  عنهم فتدل على أن إجماع الصحابة فقط هو الحجة، وأما إجماع غيرهم فليس بحجة.

الجواب: أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف وواهٍ؛ كيف تُقصَر هذه الآيات على الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم فقط؛ ولذلك أجاب الجمهور عن هذا الاعتراض بجوابين:

الجواب الأول: أنه يترتب على ذلك ألا ينعقد إجماع مطلقًا، لا في زمن الصحابة ولا في غيره، وهذا باطل؛ فما أدى إليه فيكون باطلًا، أما كون الإجماع لن ينعقد في عصر الصحابة -على تفسيرهم- فلأن بعض المخاطبين الموجودين عند نزول هذه الآيات ماتوا قبل وفاة الرسول صلى الله عليه  وسلم فقد ماتت سيدتنا خديجة رضي الله  عنها ومات كثير من الصحابة؛ فالباقي من الصحابة يكون بعض المؤمنين وليسوا كل المؤمنين على تفسيركم.

الجواب الثاني: إنا لا نسلم أنَّ هذه الأدلة خاصة بالصحابة دون غيرهم، كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [البقرة: 43] نزلت على الرسول، والأمر فيها لمن كان موجودًا على عهد الرسول -على تفسيركم- إذن: من بعد الصحابة رضي الله  عنهم ليس لهم أن يصلوا، وليس لهم أن يزكوا؛ لأنكم تقولون: الآيات واردة ونازلة في الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم ولا شك أن هذا الكلام لم يقل به أحد من أهل العلم.

فالخطاب الوارد للأمة في عصر النبي صلى الله عليه  وسلم يشمل الصحابة، ويشمل من يأتي بعدهم إلى أن تقوم الساعة، وهذا يتفق مع عالمية الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة جاءت لكل الخلق.

الدليل الثاني: أن الصحابي لا يفضل التابعي إلا بفضيلة الصحبة، ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين؛ لأنهم أفضل، وسقط قول المهاجرين بقول العشرة المبشرين بالجنة؛ لأن العشرة المبشرين أفضل من باقي المهاجرين، وسقط قول العشرة بقول الخلفاء الأربعة؛ لأن الخلفاء الأربعة أفضل العشرة، وسقط قول الأربعة بقول الصديق والفاروق رضي الله  عنهما لكن ذلك لم يحدث، ولم يقل به أحد من العلماء قط.

لهذه الأدلة ذهب الجمهور إلى صحة انعقاد الإجماع في أيّ عصر كان: عصر الصحابة، عصر التابعين، عصر أتباع التابعين، عصر الأئمة المجتهدين، إلى أن تقوم الساعة، هذا؛ وإن أدلة حجية الإجماع لا تفرق بين عصر وعصر.

ثانيًا: أدلة أصحاب المذهب الثاني، والرد عليهم:

وأما أصحاب المذهب الثاني -وهم بعض الظاهرية- فقد استدلوا على أن الإجماع المعول عليه والمعتبر هو إجماع الصحابة فقط؛ فلا إجماع إلا إجماع الصحابة، استدلوا بأدلة كثيرة مردود عليها:

الدليل الأول: قول الله تعالى: {مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح: 29] وقول الله تعالى: {وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي الله  عنهم وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] ووجه الدلالة: ففي الآيتين الكريمتين ما يدل على أنَّ الإجماع يختص بعصر الصحابة فقط دون غيرهم، قالوا: فإنَّ الله تعالى قد أثنى على الصحابة في القرآن الكريم، والثناء يدل على أن أقوالهم معتبرة؛ لصدقها يقينًا؛ فدل ذلك على أن إجماعهم حجة، وهو المطلوب.

الدليل الثاني: إنَّ الأدلة التي سبقت في حجية الإجماع خاصة بالصحابة الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم لأنهم كل الأمة، وكل المؤمنين؛ لأن من لم يوجد بعد لا يكون موصوفًا بالإيمان؛ فلا يكون من الأمة، وقد بيَّنَّا أن هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل.

الدليل الثالث: إن الصحابة رضي الله  عنهم كانوا عددًا محصورًا يمكن أن تعرف أقوالهم، بخلاف من بعدهم؛ فمن بعدهم انتشروا في أقطار الأرض؛ فيصعب ويتعذر معرفة آراء من بعد الصحابة رضي الله  عنهم وعليه: فيكون الإجماع في قول الصحابة وليس في قول غيرهم.

الجواب:

أن هذا كان عندما كان الرسول صلى الله عليه  وسلم بينهم في أول زمن الدعوة؛ كانوا محصورين في أول زمن الدعوة في حياة النبي، وقد قررنا أن الإجماع لا ينعقد في حياة النبي صلى الله عليه  وسلم بل الإجماع ينعقد بعد وفاة النبي.

الدليل الرابع: الأصل ألا يرجع إلا إلى قول المعصوم صلى الله عليه  وسلم ومن استثناه الشارع الحكيم، يعني: الأصل في معرفة أحكام الشريعة هو المعصوم: النبي صلى الله عليه  وسلم ومن استثناه الشارع الحكيم، والشارع الحكيم لم يستثنِ -على رأيهم- إلا الصحابة في مثل قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما.

وكذلك قوله صلى الله عليه  وسلم: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) قالوا: وقد ذم الشارع أهل العصور المتأخرة بقوله: ((ثم يفشوا الكذب، وإن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا…)) إلى آخر الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره، وقالوا: إن الرسول صلى الله عليه  وسلم قال: ((إن الله اختارني، واختار لي أصحابي، فجعل لي منهم وزراء وأنصارًا)) وقال القرآن: {مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] الآية؛ فيكون قول الصحابة هو الحجة، وهو المعتبر، فاتفاقهم يكون حجة، واتفاق غيرهم لا يكون حجة.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن الثناء على قوم مخصوصين لا يقتضي منع غيرهم من مشاركتهم في أمر آخر اشتركوا معهم فيه؛ أثنى الشارع الحكيم على الصحابة رضي الله  عنهم ووردت نصوص كثيرة في فضل الصحابة وفي الثناء عليهم، لكن هل اختصاص الصحابة بالثناء يمنع مشاركة غير الصحابة للصحابة في شيء الشارع الحكيم أمر به أمرًا عامًّا؟ هذا غير مسلم، فالثناء على قوم مخصوصين لا يقتضي منع غيرهم من مشاركتهم في أمر آخر اشتركوا معهم في مقتضيه، والأدلة تقتضي عصمة الأمة، قال صلى الله عليه  وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) فالأمة جميعًا معصومة بنصوص الشارع، الصحابة وغير الصحابة؛ ولذلك فالأدلة تقتضي عصمة الأمة، وذلك غير مختص بعصر دون عصر، وهذا يقتضي حجية إجماع كل عصر، سواء أكان عصر الصحابة أو عصر غيرهم.

الدليل الخامس: أن الصحابة أجمعوا على أن كل مسألة لا تكون مجمعًا عليها وليس فيها نص قطعي يجوز الاجتهاد فيها.

وأجاب الجمهور عن ذلك بـ: أن الصحابة أجمعوا على أن تسويغ الاجتهاد مشروط بعدم الإجماع أو النص القاطع، يعني: سلمنا لكم أن كل مسألة فيها إجماع وفيها نص قاطع لا يسوغ الاجتهاد فيها؛ فلا تناقض في المسألة؛ لأن المسألة قد لا تكون حدثت أصلًا في عصر الصحابة رضي الله  عنهم فالمسألة التي يتفق عليها التابعون فيما بعد -أي: بعد عصر الصحابة- قد تكون غير معروضة أصلًا على الصحابة، ولم يتطرقوا إليها، وقد تكون من النوازل، وقد تكون من المستحدثات، ومن القضايا التي لم يتكلم فيها أيضًا؛ وبالتالي فلا يمكن أن يكون الصحابة قد أجمعوا عليها.

قال الجمهور: وأيضًا فإن ما قلتموه لازم للصحابة أيضًا قبل تحقق إجماعهم؛ لأنَّ المسألة ليس فيها إجماع ولا نص، وهذا باطل؛ فوجب أن يكون الاجتهاد مشروطًا بعدم سبق إجماع.

ثالثًا: أدلة الخوارج والرد عليهم:

أما الخوارج الذين قالوا: إن الإجماع يكون حجة في عصر الصحابة قبل الفرقة، وأما بعد الفرقة فالحجة ما أجمعت عليه طائفتهم، فقد استدلوا على ذلك على النحو التالي:

الدليل الأول: استدلوا على الشق الأول من دعواهم بما استدل به من ادَّعى أن الحجية في إجماع الصحابة فقط، وهم بعض أهل الظاهر.

الدليل الثاني: استدلوا على الشق الثاني من دعواهم -وهو: عدم دلالة إجماع الصحابة بعد الفرقة- بأن جماعتهم فقط هي التي ثبتت على الحق، وغيرهم قد انحاز للباطل، والإجماع لا يكون إلا من أهل الحق؛ فلا يكون إلا من فرقتهم، هذا حاصل دليل الخوارج الذين قالوا: إجماع الصحابة قبل الفرقة حجة، وبعد الفرقة ليس بحجة.

أجاب الجمهور على دليل الخوارج بالآتي:

أولًا: إنَّ تقسيمكم لعصر الصحابة إلى ما قبل الفرقة وما بعدها تقسيم لا دليل عليه؛ فهو قول بهواكم، وإنَّما دلت حجية الإجماع على عصمة الأمة فيما اجتمعت عليه مطلقًا، سواء كان قبل حادثة التحكيم أو بعدها، وسواء في عصر الصحابة أو عصر من بعدهم.

ثانيًا: إنَّ هؤلاء الخوارج كفَّروا من عداهم، فارتكبوا بذلك حماقة خرجوا بها عن إجماع الأمة؛ لأن الحكم على أحد بالكفر أمر غير جائز شرعًا، ولا يحكم على الناس بهذا الحكم إلا المعصوم الذي يوحى إليه صلى الله عليه  وسلم إذ لا اطلاع لأحد على ما يوجب الكفر.

ثالثًا: دعواكم انحصار الحق في طائفتكم دعوى ليس عليها دليل يصح، بل أنتم قد نسبتم إلى الكفر والضلال قومًا ممن شهد لهم الرسول صلى الله عليه  وسلم بأنَّهم من أهل الجنة كعلي رضي الله  عنه وابنيه الحسن والحسين، ولا شك أن هذا الكلام كلام واهٍ، وكلام ضعيف لا يلتفت إليه، أعني: كلام الخوارج.

الترجيح:

بعد عرض هذه المذاهب يتضح لنا بجلاء أن مذهب جمهور العلماء، وهو: أنَّ الإجماع لا يختص بعصر الصحابة، بل يشمل عصر الصحابة ومن يأتي بعدهم إلى قيام الساعة، هذا المذهب هو المذهب الراجح

ج. فائدة الخلاف:

أنَّه على مذهب الجمهور يصير الإجماع حجة قاطعة تبنى عليه الأحكام الشرعية في عصر الصحابة ومن بعدهم، بخلاف من يرى: أن الإجماع لا يكون إلا حجة في عصر الصحابة رضي الله  عنهم.

error: النص محمي !!