Top
Image Alt

هيئة الجلوس والجلسة الوسطى والأخيرة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى، والسجود والنهوض منه، والنهي عن الإقعاء

  /  هيئة الجلوس والجلسة الوسطى والأخيرة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى، والسجود والنهوض منه، والنهي عن الإقعاء

هيئة الجلوس والجلسة الوسطى والأخيرة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى، والسجود والنهوض منه، والنهي عن الإقعاء

المسألة الثالثة: هيئة الجلوس:المقصود بهيئة الجلوس:

الجلوس للتّشهّد الأوسط، أو الجلوس للتشهد الأخير. ويُلحق بهما الجلوس بين السجدتيْن.

يقول ابن رشد -رحمه الله-: إن الفقهاء اختلفوا في هذه القضيّة:

فقال مالك وأصحابه: يُفضي بإليتيْه إلى الأرض -أي: يثني قدَمَه اليسرى تحت قدمِه اليمنى المنتصبة، بحيث تُفضي إليتاه إلى الأرض، ويجلس عليهما. وجلوس المرأة عند مالك كجلوس الرجُل.

قال أبو حنيفة وأصحابه: يَنصب الرجْل اليمنى، ويقعد على اليسرى، فتكون إليتاه على قدمِه اليسرى، ولا تصلان إلى الأرض.

أمّا الشافعية، ففرّقوا بين التّشهد الأوسط والجلسة للتّشهّد الأخير، فقال في الوسطى: تكون على القدم اليسرى، يكون قاعدًا بإليتيْه على قدمِه اليسرى، وناصبًا قَدَمه اليمنى -أي: وافق أبا حنيفة في حالة التشهد الأوسط. أما في الأخير، فقد وافق الشافعي مالكًا في: أنه يفضي بإليتيْه إلى الأرض، وينصب رجْله اليمنى، ويَثني اليسرى.

ويقول ابن رشد في سبب اختلاف الفقهاء في هيئة الجلوس:

سبب اختلافهم في ذلك: تعارض الآثار -أي: أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن في ذلك ثلاثة آثار:

الحديث الأول: وهو ثابت باتفاق، خرّجه البخاري وأصحاب “السنن”، ولم يُخرجه مسلم: حديث أبي حميد الساعدي الوارد في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتيْن -أي: التشهد الأوسط- جلس على رجْله اليسرى ونصب اليمنى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة -التشهد الأخير- قدّم رجْله، ونصب رجْله اليمنى، وقعد على مقعدته». وتسمى هذه الصورة: التّورّك.

الحديث الثاني: حديث وائل بن حجر الذي رواه أبو داود والنسائي، وفيه: «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة، نصب اليمنى، وقعد على اليسرى».

الحديث الثالث: ما رواه مالك عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «إنّما سُنّة الصلاة: أن تنصب رجْلك اليمنى، وتثني اليسرى»، وهو يدخل في المسنَد؛ لقوله فيه: “إنما سُنّة الصلاة”.

يريد ابن رشد أن يقول: وهو يدخل في المسند، أي: المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي روايته عن القاسم بن محمد: أنه أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجْله اليمنى، وثنى اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه. ثم قال: أراني هذا: عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني: أن أباه كان يفعل ذلك.

إذًا، هي سُنة متّبَعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم يحكي ابن رشد اتّجاه الفقهاء إلى الترجيح أو إلى الجمع، فيقول:

ذهب مالك إلى: ترجيح حديث عبد الله بن عمر.

وذهب أبو حنيفة إلى: ترجيح حديث وائل بن حجر.

أمّا الشافعي، فذهب مذهب الجمْع بين الأحاديث الثلاثة على حديث أبي حميد.

وذهب الطبري مذهب التّخيير، وهذا مذهب آخَر. وقال الطبري: “هذه الهيئات كلّها جائزة وحسَن فعْلها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”. قال ابن رشد: وهو قول حسَن، فإن الأفعال المختلفة أوْلى أن تحمل على التّخيير منها على التعارض أو على الترجيح أو على النسخ؛ وإنما يتصور ذلك التعارض أكثر في الفعْل مع القول، أو في القول مع القول”.

المسألة الرابعة: الجلسة الوسطى، والأخيرة:

يقول ابن رشد: “اختلف العلماء في الجلسة الوسطى، والأخيرة:

فذهب الأكثر -وهذا يضمّ أقوال الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة- إلى: أنها سُنّة وليست بفرض.

وشذّ قوم وقالوا: إنها فرْض؛ وهذا رأي الإمام أحمد.

عكس هذا حدث في الجلسة الأخيرة؛ حيث:

ذهب الجمهور في الجلسة الأخيرة إلى: أنها فرْض.

وشذّ قوم فقالوا: إنها ليست بفرْض.

ويقول ابن رشد إن السبب في اختلافهم هو: تعارض مفهوم الأحاديث، وقياس إحدى الجلستيْن على الثانية -يعني: كيف نقول في الجلسة الأخيرة واجبة، ونقول في الوسطى سُنّة مع أنهما تَشهُّدان؟

ثم يقول عن أسباب مفهوم الأحاديث: أنّ في حديث أبي هريرة «اجلسْ حتى تطمئنّ جالسًا»، فوجب الجلوس على ظاهر هذا الحديث في الصلاة كلّها. فمَن أخذ بهذا، قال: إن الجلوس كلّه فرْض، ولِما جاء في حديث ابن بحينة وهو ثابت عند الجماعة: «أنه صلى الله عليه وسلم أسقط الجلسة الوسطى ولم يَجبرها، وسجد لها» -أي: سجود السهو- وثبت عنه: «أنه أسقط ركعتيْن، فجبَرهما»، كما روى ذلك الشيخان، وكذلك ركعة؛ فدلّ ذلك على: أنّ الأركان لا تُجبر بسجود السهو، أما ما عداها فيُجبر بسجود السهو، وذلك دليل على أنه ليس ركنًا ما دام قد جُبر بالسجود. فهم الفقهاء من هذا الفرْق بين حُكم الجلسة الوسطى والركعة، وكانت عندهم الركعة فرضًا بإجماع، فوجب ألا تكون الجلسة الوسطى فرضًا؛ فهذا هو الذي أوجب أن فرّق الفقهاء بين الجلستيْن.

ومَن رأى أنها فرْض، قال: السجود للجلسة الوسطى شيء يخصها دون سائر الفرائض، وليس في ذلك دليل على أنها ليست بفرض.

وأمّا مَن ذهب إلى أنّ كليهما سُنّة، فقاس الجلسة الأخيرة على الجلسة الوسطى بعد أن اعتقد في الوسطى بالدليل الذي اعتقد به الجمهور أنها سّنّة. وعلى كل حال، فالأوْلى: الأخذ بقول الجمهور: أنّ التشهد الأوسط سُنّة، وأنّ التشهد الأخير فرْض.

المسألة الخامسة: وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة:

وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة، كما يفعل أثناء قراءة (الفاتحة)، هل نضع اليديْن على بعضهما، أو لا نضعهما؟ وإذا وضعنا: هل نضع اليمنى على اليسرى، أو اليسرى فوق اليمنى؟ وإذا وضعنا، أين يكون موضع اليديْن؟ هل فوق السّرّة، أو تحت السّرّة؟

كل هذه الأوضاع محلّ اختلاف بين الفقهاء، كما يقول ابن رشد: اختلف العلماء في وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة؛ فكرِه ذلك مالك في الفرْض -يعني: الإمام مالك يريد أن نترك اليديْن إلى الجانبيْن، لا نضع إحداهما على الأخرى؛ فالإمام مالك يكره ذلك في الفرض- وأجازه في النفل. هذا رأي الإمام مالك.

ورأى قوم: أن هذا الفعل -أي: وضع اليديْن إحداهما على الأخرى في الصلاة- مِن سُنن الصلاة؛ وهم جمهور الفقهاء.

إذًا، نحن أمام قوليْن:

قول بالكراهية في الفرْض فقط، وهو قول الإمام مالك.

وقول بالسّنِّية، وهو قول الجمهور في الفرض والنفل.

ماذا عن موضع اليديٍْن؟

يقول المعلِّق: واختلفوا في موضع وضع اليديْن.

فقال أبو حنيفة، وأحمد على المشهور: يضعهما تحت السُّرّة.

وقال مالك والشافعي: تحت صدره وفوق سرّته.

إذًا، موضع وضع اليديْن أيضًا مختلف فيه. فابن قدامة والخرقي أيضًا لهما تعليق على هذه القضية في كتاب (المغني) لابن قدامة -رحمه الله- حيث يقول، تحت المسألة التي قال فيها الخرقي: “ثم يضع يده اليمنى على كوعه اليسرى”.

يقول ابن قدامة في شرحه ذلك: أما وضْع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فمِن سُنّتها في قول كثير من أهل العلْم. -كما ذكر ابن رشد أنه قول الجمهور-. يروى ذلك عن: عليّ، وأبي هريرة، والنخعي، وسعيد بن جبير, والثوري, والشافعي، وأصحاب الرأي. وحكاه ابن المنذر عن مالك. يعني: جمهور العلماء على أن ذلك سُنّة.

ثم يقول: وظاهر مذهبه -مذهب الإمام مالك- الذي عليه أصحابه -وهو المعتمد أو المشهور-: إرسال اليديْن -أي: ترْكهما دون وضع إحداهما على الأخرى، ترْكهما إلى جانب الجانبيْن-. روي ذلك عن ابن الزبير، والحسن.

ويرجّح ابن قدامة: أنّ وضْع اليمنى على اليسرى في الصلاة سُنّة بقوله: ولنا: ما روى قبيصة عن أبيه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمُّنا فيأخذ شماله بيمينه»، أي: يضع اليمنى فوق اليسرى؛ رواه الترمذي وقال: “حديث حسَن، وعليه العمل عند أهل العلْم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَن بعدهم”.

وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كان الناس يؤمَرون: أن يضَع الرجُل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة»، قال أبو حازم: “لا أعلَمه إلاّ ينمي ذلك -أي: يرفعه- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه البخاري.

ويضيف ابن قدامة: ويستحبّ أن يضعها على كوعه، -والكوع هو: نهاية الكفّ وما يقاربه- لِما روى وائل بن حُجر: أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقال في وصفه: «ثم يضع يده على ظاهر كفِّه اليسرى والرسغ والساعد».

وهناك مسألة أخرى: قال الخرقي: “ويجعلهما تحت سُرّته”.

يقول ابن قدامة: اختلفت الرواية في موضع وضْعهما؛ فروي عن أحمد: أنه يضعهما تحت سرّته. وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، وأبي مجلز، والنخعي، والثوري، وإسحاق، لِما روي عن علي أنه قال: «مِن السُّنّة: وضع اليمين على الشمال تحت السّرّة»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود؛ وهذا ينصرف إلى سُنّة النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه قول مَن ذكرنا من الصحابة.

وعن أحمد: أنه يضعهما فوق السّرة -أي: الرواية الثانية- وهو: قول سعيد بن جبير والشافعي، لِما روى وائل بن حجر قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي، فوضع يديْه على صدره، إحداهما عل الأخرى».

وعنه أيضًا: أنه مخيّر في ذلك؛ لأن الجميع مرويّ، والأمر في ذلك واسع-والحمد لله-. هذا كلام ابن قدامة والخرقي.

ويقول ابن رشد -رحمه الله- في سبب اختلاف الفقهاء في ذلك: إنه قد جاءت آثار ثابتة نُقلت فيها صفة صلاته صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرنا من حديث أبي حميد، ووائل بن حجر، وابن عمر، ولم يُنقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى. هذه روايات. وثبت أيضًا عند البخاري: أن الناس كانوا يؤمَرون بذلك -وهو عند البخاري-. وورد ذلك أيضا من صفة صلاته صلى الله عليه وسلم في حديث أبي حُميد. إذًا، الأمر -كما قال ابن قدامة- في ذلك واسع -والحمد لله-.

رأى قوم: أنّ الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة عن الآثار التي لم تُنقل فيها هذه الزيادة، ودائمًا نحن نأخذ بالزيادة لأن الزيادة هي الأفضل، ولأنها متأخِّرة.

لذلك قال ابن رشد: “والزيادة يجب أن يُصار إليها”.

ورأى قوم: أن الواجب هو المصير إلى الآثار التي فيها هذه الزيادة، لأنها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل، ولم يُجزها في الفرْض.

ويوافق ابن رشد رأي الجمهور: بأنّ السُّنّة هي: وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى؛ لأنّ ذلك هيئة تقتضي الخشوع والخضوع، كما قال الله -تبارك وتعالى-: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 – 2]. فنضَع يدنا اليمنى على يدنا اليسرى أثناء قراءة (الفاتحة) في الفرائض وفي النوافل.

المسألة السادسة: النّهوض من السجود:

واختار قوم: إذا كان الرجل في الوتر من صلاته -يعني: الركعة الثالثة أو صلاة المغرب- ألاّ ينهض حتى يستوي قاعدًا، -أي: لا يقوم بعد الركعة الأولى أو الركعة الثالثة مباشرة إلى القيام، وإنما يقعد، ثم يقوم من هذا القعود إلى القيام-.

واختار آخرون: أن يقوم من سجوده نفسه، -يعني: يقوم من السجود إلى القيام دفعة واحدة، أو مرّة واحدة-.

الرأي الأول الذي يفضّل القعود قبل القيام: هو قول الإمام الشافعي وجماعة. أما القول الثاني الذي يدعو إلى النهوض من السجود إلى القيام مباشرة: هو قول الإمام مالك، وجماعة، منهم أبو حنيفة، وأحمد؛ حيث يقول الإمامان مالك وأحمد: “ينهض معتمدًا على يديْه”.

وقال أبو حنيفة: لا يعتمد بيديْه على الأرض.

سبب الاختلاف عند ابن رشد: أن في ذلك حديثيْن مختلفيْن:

الحديث الأول: حديث مالك بن الحويرث، الثابت عند البخاري وأصحاب “السنن”: أنه «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي، فإذا كان في وتر في صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدًا».

الحديث الثاني: حديث أبي حُميد الذي أخرجه أبو داود في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه لمّا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى، قام ولمْ يتورّك»، أي: لم يجلس جلسة استراحة.

فأخذ بالحديث الأوّل: الشافعي. وأخذ بالحديث الثاني: مالك، وأبو حنيفة، و أحمد.

في هذه المسألة أيضًا، يضيف ابن رشد مسألة في اختلاف آخَر، وهي: عند الهويّ إلى السجود، هل يسجد على يديْه قبل ركبتيْه، أم ينزل بركبتيْه قبل يديْه؟ وكذلك عند القيام من السجود، هل يبدأ بيديْه، أو يبدأ بركبتيْه؟

يقول ابن رشد: وكذلك اختلفوا إذا سجد هل يضع يديْه قبل ركبتيْه؟ -وهذا هو قول مالك- أو ركبتيْه قبل يديْه؟ -وهذا رأي الجمهور-.

ومذهب مالك: وضْع اليديْن قبل الركبتيْن. إذًا، عن مالك روايتان.

ما السبب في هذا الاختلاف؟

يقول ابن رشد: أنّ في حديث وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع يديْه قبل ركبتيْه، وإذا نهض رفَع يديْه قبل ركبتيْه»، رواه أصحاب “السنن”.

وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سجد أحدُكم، فلا يبرك كما يبرك البعير»، البعير يبرك على يديْه، «ولْيضَعْ يديْه قبْل ركبتيْه». وكان عبد الله ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيْه.

وقال بعض أهل الحديث: “حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة”. وحديث وائل: «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد، وضع يديْه قبل ركبتيْه، وإذا نهض رفَع يديْه قبل ركبتيْه». وعلى كلّ حال، كِلا الهيئتيْن صحيح، ولا حرَج في أيّ منهما.

المسألة السابعة: كيفية السّجود:

يقول ابن رشد: اتفق العلماء على: أنّ السجود يكون على سبعة أعضاء؛ الوجه، واليديْن، والركبتيْن، وأطراف القدميْن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أسجدَ على سبعة أعضاء».

يقول ابن قدامة تحت مسألة الخرقي: “ثم يكبّر للسجود، ولا يرفع يديْه”.

يقول ابن قدامة: أما السجود فواجب بالنص والإجماع، لِما ذكرنا. والطمأنينة أيضًا فيه ركن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته: «ثم اسجُدْ حتى تطمئنّ ساجدًا». فابن رشد لم يذكر حُكم السجود، لكن ابن قدامة يبيّن حُكم السجود أنه واجب بالنص والإجماع، شأنه في ذلك شأن الركوع. والطمأنينة أيضًا ركن في السجود، كما هي ركن في الركوع.

الدليل على ذلك: حديث المسيء صلاته، قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلِّمه: «ثم اسجدْ حتّى تطمئنّ ساجدًا». والخلاف فيه كالخلاف في طمأنينة الركوع.

وينحطّ إلى السجود مكبِّرًا -أي: يهوي من القيام إلى السجود مكبِّرًا: “الله أكبر”. ولأنّ الهويّ من القيام إلى السجود ركن، فلا يخلو مِن ذِكْر، فيكون الذكْر من الهوي من أعلى إلى أسفل، ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه -أي: نزوله- ويكون انتهاؤه مع انتهائه. والكلام في التكبير سبق بيانه.

ولا يستحب رفْع يديْه في المشهور من المذهب، -أي: عند التكبير إلى السجود، لا يستحب رفْع اليديْن-.

والصحيح: عدم الرفع؛ لأن ابن عمر قال: “ولا يفعل ذلك في السجود” في حديثه الصحيح، ولِما وصف أبو حميد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر رفع اليديْن في السجود. والأحاديث العامة مفسّرة بالأحاديث المفصّلة التي رويناها، ولا يبقى فيها اختلاف.

أّمّا وضْع الركبتيْن أوّلًا أو وضْع اليديْن أوّلًا، فهذا ذكَره الخرقي تحت مسألة بقوله: “ويكون أوّل ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه”.

وفي تفصيل هذا الكلام الذي ذكَره الخرقي، يقول ابن قدامة: هذا المستحب في مشهور المذهب،؛ وقد روي ذلك عن عمر . يعني: أوّل ما يقع منه على الأرض: الركبتان، ثم اليدان، ثم الجبهة والأنف؛ وبه قال: مسلم بن يسار، والنخعي، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي.

ويستدلّ ابن قدامة بما رُوي عن وائل بن حجر، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضَع ركبتيْه قبل يديْه»، كما قال الخرقي، «وإذا نهض رفع يديْه قبل ركبتيْه»، أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي. قال الخطابي: هذا أصح من حديث أبي هريرة.

وروي عن أبي سعيد قال: «كنّا نضع اليديْن قبل الركبتيْن، فأُمِرْنا بوضْع الركبتيْن قبل اليديْن»، وهذا يدل على نسْخ ما تقدّم.

وقد روى الأثرم حديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدُكم فلْيبدأْ بركبتيْه قبل يديْه، ولا يبركْ بروك الفحْل».

ويضيف ابن قدامة، قائلًا: “والسجود على جميع هذه الأعضاء واجب، إلاّ الأنف، فإن فيه خلافًا؛ وبهذا قال طاوس، والشافعي في أحد قولَيْه، وإسحاق.

وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: لا يجب، والسجود على الجبهة، -أي: لا يجب الأنف-؛ لقول النبيصلى الله عليه وسلم: «سجَد وجْهي»، وهذا يدل على أن السجود على الوجه، ولأنّ الساجد على الوجه يُسمَّى ساجدًا، ووضع غيره على الأرض لا يسمّى به ساجدًا.

والأمر بالسجود ينصرف إلى ما يسمَّى به ساجدًا دون غيره، ولأنه لو انصرف الأمْر بالسجود إلى هذه الأعضاء لوجب كشْفها كالجبهة. وذكر الآمدي هذا، رواية عن أحمد. قال القاضي في (الجامع): هو ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قد نص في المريض: يرفع شيئًا يسجد عليه -يعني: المريض الذي لا يستطيع أن يضع رأسه على الأرض، يضع أمامه منصّة أو غيرها يسجد عليها، يقرّبها إلى رأسه لتساعده في السجود؛ وهذا يُجزئه. ومعلوم: أنه قد أخلّ بالسجود على يديه، لكن لأنه صاحب عذر غفر له ذلك.

وروي عن ابن عمر رفعه: «إنّ اليديْن يسجدان كما يسجد الوجه؛ فإذا وضع أحدُكم وجهه، فليضعْ يديْه، وإذا رفعه فلْيرفعْهما»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي.

وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود؛ فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية. وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي الأصل، وهي مكشوفة عادة بخلاف الأنف أو غيره.

فإن أخلّ في السجود بعُضو من هذه الأعضاء -طبعًا من غير عذر- لم تصح صلاته عند من أوجبه. وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء، سجد على بقيّتها. إذًا، صاحب العذر معفوّ عنه، ويصلِّي بأيّ كيفيّة، ويسجد على أيّ أعضاء يستطيعها.

وقرْب العضو المريض من الأرض غاية ما يُمكنه. -أي: أن المريض يقرّب العضو المريض من الأرض على قدر استطاعة. { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[التغابن:16] ولم يجب عليه -أي: على المريض- أن يرفع إليه شيئًا، لأن السجود هو: الهبوط، ولا يحصل ذلك برفع المسجود عليه. يعني: ليس واجبًا أن يرفع شيئًا يضع رأسه عليه، وإنما مجرّد هبوط الرأس يسمَّى: سجودًا.

وإن سقط السجود على الجبهة، لعارض من مرض أو غيره، سقط عنه السجود على غيره؛ لأنه الأصل. -أي: أنه ما دام المريض لا يستطيع أن يضع جبهته على الأرض، فهو ليس بحاجة إلى وضع شيء آخَر قريب من جبهته ليسجد عليه، وإذا سقط الأصل سقط التبع؛ ولهذا قال أحمد في المريض يرفع إلى جبهته شيئًا يسجد عليه: أنّ ذلك يُجزئه.

ثم قال: وفي الأنف روايتان: رواية يجب السجود عليه. و الرواية الثانية: لا يجب السجود عليه.

قال ابن رشد في بيان أسباب اختلاف الفقهاء في هذه الأعضاء أو في بعضها: اختلفوا فيمن سجد على وجهه، ونقصه السجود على عضو من تلك الأعضاء، هل تبطل صلاته أم لا؟

فقال قوم -وهو: رأي أبي حنيفة ومالك-: لا تبطل صلاته؛ لأن اسم السجود إنما يتناول الوجه فقط.

وقال قوم -وهذا رأي الشافعي وأحمد-: تبطل إن لم يسجد على السبعة الأعضاء، للحديث الثابت: «أمِرْت أن أسجد على سبعة أعضاء»، وفي رواية عند الشيخيْن: «على سبعة أعظم»، على: الجبهة، واليديْن، والركبتيْن، وأطراف القدميْن.

ثم يضيف ابن رشد: أنهم لم يختلفوا في أنّ مَن سجَد على جبهته وأنفه، فقد سجد على وجهه -أي: غاية الكمال- واختلفوا فيمن سجَد على أحدِهما:

فقال مالك والشافعي على المعتمد، وأحمد على المشهور: إنْ سجَد على جبهته دون أنفه جاز، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يَجُز. إذًا الأصل في السجود هو الجبهة، وكأنها معبر عن الوجه كلِّه، أو لأنها أشرف مكان في الإنسان أو في الوجه، فناسب أن تخرّ بين يدي الله تعالى.

وقال أبو حنيفة: “بل يجوز ذلك”، أي: أن السجود على الجبهة جائز، والسجود على الأنف جائز.

وقال الشافعي: لا يجوز إلاّ أن يسجد عليهما جميعًا.

ما سبب اختلاف العلماء على هذا النحو؟

هل الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم، أم الواجب كلّه؟ كما سبق أنْ قلنا في الركوع، وذلك أنّ في حديث النبيصلى الله عليه وسلم الثابت عن ابن عباس: «أُمِرْت أن أسجد على سبعة أعضاء»، فذكر منها الوجه. فهل لا بدّ من العضو كاملًا؟ أو يتحقق المطلوب بأي جزء من هذا العضو؟

من العلماء من يرى: أنه لا يتحقق المطلوب إلاّ بالكلّ، كما قال الشافعي.

وبعض العلماء: أنه يتحقق بالجزء؛ وهذا رأي مالك وأبي حنيفة.

يقول في التعليق على ذلك:

فمَن رأى أنّ الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم، قال: إن سجد على الجبهة جائز، أو الأنف جائز، أو كليهما جائز.

ومَن رأى أنّ اسم السجود يتناول مَن سجد على الجبهة، ولا يتناول من سجد على الأنف، -إذًا مَن يسجد على الجبهة يكون سجوده صحيحًا من غير الأنف، ومن يسجد على الأنف يكون سجوده غير صحيح-.

وهذا كأنه تحديد البعض الذي امتثاله هو الواجب، ممّا ينطلق عليه الاسم، وكان هذا على مذهب من يفرّق بين أبعاض الشيء، فيرى أنّ بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب، وبعضها لا يقوم مقام الوجوب. فتأمَّلْ هذا، فإنه أصل في هذا الباب، وإلاّ لجاز لقائل أن يقول: إنه إن مسّ من أنفه الأرض مثقالُ خردلة، تمّ سجوده.

أمّا مَن رأى أنّ الواجب هو امتثال كلّ ما ينطلق عليه الاسم، فالواجب عنده: أن يسجد على الجبهة والأنف، وهو: الإمام الشافعي. ويقول الشافعي في هذا الاحتمال الذي من قِبَل اللفظ: قد أزاله فعْله صلى الله عليه وسلم وبيّنه، فإنه كان يسجد على الأنف والجهة معًا، لِما جاء عند الجماعة إلاّ الترمذي مِن “أنه صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثَر الطِّين والماء”، فوجب أن يكون ذلك مفسّرًا للحديث المُجمَل.

قال أبو عمر ابن عبد البَر: “وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس، فذكروا فيه الأنف والجبهة”.

قال القاضي أبو الوليد -أي: ابن رشد-: وذكر بعضهم الجبهة فقط، وكلاَ الروايتيْن في “كتاب مسلم”، وذلك حجة لمالك.

واختلفوا أيضًا: هل مِن شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة ظاهرة، وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه؟ أم ليس ذلك من شرط السجود؟

فقال مالك: ذلك من شرط السجود، أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود. إذًا، يد الساجد إذا كانت مغطاة بالعباءة مثلًا، هل يجب أن تبرز وتشارك الجبهة في السجود على الأرض، أو الجزء الذي يوضع عليه الوجه؟ أو ليس ذلك مِن شرْطه؟

فقال مالك: إنّ بروز اليديْن من شرط السجود، أو تمام السجود.

وقال جماعة: ليس ذلك من شرط السجود.

المسألة الثامنة: النّهي عن الإقعاء:

“الإقعاء” هو: جلسة الكلب -والعياذ بالله-.

يقول ابن قدامة في تَعريف “الإقعاء”: هو يفرش قَدميْه ويجلس على عَقبيْه، أي: إليتيْه.

وقال ابن رشد تحت هذه المسالة -وقد عنون لها بقوله: النهي عن الإقعاء- ووضعها تحت الأفعال التي تتّصل بأركان الصلاة، لا على أنّ الإقعاء ركن من أركان الصلاة، ولكن لأنه فعْل من الأفعال التي تتعلّق بالأركان، لأنه إن كان التشهد ركنًا، أو الجلوس بين السجدتيْن ركنًا من أركان الصلاة، فقد يَخطر على بال أحد من المصلِّين أن يَجلس بالكَيفية التي يَشاؤها.

وقد بين العلماء كَيفية الجلوس وهيئة الجلوس، أخذًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القَولية والفِعلية، وتعليمه أيضًا لبعض الناس أركان الصلاة، ولم يَرد في ذلك كلّه: الإقعاء.

يقول ابن رشد -رحمه الله-: اتفق العلماء على كَراهية الإقعاء في الصلاة، لِما جاء في الحديث الذي رواه أحمد، والترمذي، وسنده صحيح: من النهي أن يُقْعِي الرجُل في صلاته كما يُقْعِي الكلب.

إلاّ أنهم، بعد الاتفاق على كراهية الإقعاء، اختلفوا فيما يدل عليه الاسم، يعني: بأيّ قدْر أو بأيّ كيفية يكون الإقعاء؟.

بعضهم رأى: أن الإقعاء المنهي عنه هو: جلوس الرجُل على إليتيْه في الصلاة، ناصبًا فخذيْه، مثل إقعاء الكلْب أو السّبُع.

ولا خلاف بينهم: أنّ هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة.

فريق آخر من العلماء: رأوْا أن معنى الإقعاء الذي نُهي عنه في الصلاة هو: أن يجعل إليتيْه على عقبيْه بين السجدتيْن، وأن يجلس على صدور قدميه؛ وهو مذهب الإمام مالك، لِما روي عن ابن عمر أنه ذكر: أنه إنما كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميْه.

وأمّا ابن عباس رضي الله عنهما فكان يقول: “الإقعاء على القدميْن في السجود على هذه الصفة هو سُنّة نبيّكم” خرجه مسلم.

إذًا، الحديثان متعارضان.

يقول ابن قدامة في هذه القضية: يُكره الإقعاء؛ والإقعاء هو: أن يفرش قدميْه ويجلس على عقبيْه. وبهذا وصفه الإمام أحمد، قال أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث.

أما الإقعاء عند العرب فهو: جلوس الرجل على إليتيْه، ناصبًا فخذيْه، مثل إقعاء الكلب والسّبُع.

ولا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة.

يقول ابن قدامة: أمّا الأول وهو: فرش الإليتيْن على القدميْن، والجلوس على العقِبيْن. كرِهه علي، وأبو هريرة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ وعليه العمل عند أكثر أهل العلْم. وفعله ابن عمر وقال: “لا تقتدوا بي؛ فإني قد كبرت”.

وقد نقل مهنا عن أحمد، أنه قال: “لا أفعله، ولا أعيب مَن فعَله”. وقال أيضًا: “العبادلة كانوا يفعلونه”، وعن ابن عباس أنه قال: “مِن السُّنّة أن تمسك إليتيْك قدميْك”.

وقال طاوس: “قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود، فقال: هي السُّنّة، قال: قلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل. فقال: هي سنّة نبيّك”، رواه مسلم وأبو داود.

إذًا، هناك من يقول بجواز الإقعاء، بل يتطرّف ويقول: إنه السُّنّة، كما روي عن ابن عباس. ولا يعقل أن يكون جمهور الأئمة الأربعة على كراهية الإقعاء، ويكون ذلك الإقعاء سُنّة.

ولذلك ردّ ابن قدامة على تلك الروايات بأن الإقعاء سُنّة، بقوله: ولنا: ما روى الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُقعِ بين السجدتيْن»، أي: لا تفعل الإقعاء الذي هو على هيئة الكلب أو السّبُع.

وعن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رفعْتَ رأسك من السجود، فلا تُقعِ كما يُقعِي الكلب»، رواهما ابن ماجه.

وفي صفة جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي حميد: «ثم ثنى رجْله اليسرى، وقعد عليها».

إذًا، القعود على رجْل واحدة وهي اليسرى، وليس على الاثنتيْن.

وفي حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفترش رجْله اليسرى، وينصب اليمنى، وينهى عن عقبة الشيطان». كأن الإقعاء فيه تشبّه بالكلب، وأيضًا بالشيطان. وهذه الأحاديث التي رُويت في الكراهية أو في النهي، أكثر وأصحّ؛ فتكون أوْلى -كما يقول ابن قدامة -رحمه الله-.

وأمّا ابن عمر، فيُلتمس له العذر في ذلك -كما صرّح- فإنه كان يفعل ذلك لِكِبره وعجزه أو مرضه، ويقول: “لا تقتدوا بي”.

بعض الأمور المتعلِّقة بالجلسة بيْن السجدتيْن:

ماذا يقول المصلي في هذه الجلسة؟

قال الخرقي: “ويقول: “ربِّ اغفرْ لي. رب اغفرْ لي”، -كرّرها مرتيْن-“. ثم علّق ابن قدامة على ذلك بقوله: المستحبّ عند أبي عبد الله -أحمد بن حنبل-: أن يقول بين السجدتيْن: “رب اغفر لي. رب اغفر لي”، يكرر ذلك مرارًا.

والجلوس بين السجدتيْن هو ركن من أركان الصلاة، ولذلك يجب أن يكون فيه ذكْر، ولا يجوز أن يخلو من الذِّكْر. فإذا كنا نقول في السجود: “سبحان ربّي الأعلى”، وندعو بالخير وبالرحمة والمغفرة، فأيضًا في الجلوس بين السجدتيْن ندعو الله -تبارك وتعالى- ونتوجّه له بالدعاء؛ وخير الدعاء هو: الدعاء بالمغفرة: “رب اغفر لي. رب اغفر لي”. ونكرّر لأن الإلحاح في الدعاء مطلوب، لأنه مزيد من التذلل والخضوع، وإظهار الخشوع لله رب العالمين.

يقول ابن قدامة: والواجب منه مرّة، وأدنى الكمال كرّره ثلاث مرات، والكمال منه مثل الكمال في تسبيح الركوع والسجود. يعني: للإمام سبعة، وللمأموم خمسة، حتى يلحق به، وهكذا… على ما مضى من اختلاف الروايتيْن، واختلاف أهل العلْم مثْل ما ذكرنا في تسبيح الركوع والسجود.

والأصل في هذا كلّه -“رب اغفر لي رب اغفر لي”-: ما روى حذيفة: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتيْن: «ربِّ اغفرْ لي. ربِّ اغفرْ لي». واحتج أحمد بهذا الحديث على وجوب هذا الدعاء. رواه النسائي وابن ماجه.

وروي عن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتيْن: «اللهمّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافاني، وارزقني»، رواه أبو داود وابن ماجه، إلاّ أنه قال في صلاة الليل، وإن قال: “ربّ اغفرْ لنا”، أو: “اللهم اغفرْ لنا”، مكان: “ربِّ اغفرْ لي”، جاز.

error: النص محمي !!