Top
Image Alt

هَديُ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته

  /  هَديُ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته

هَديُ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته

إن من المعالم الدالة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالي بصفة عامة أمور:

أولًا: كان صلى الله عليه وسلم يلقي الموعظة بأناة وتُؤَدَةٍ، لا يسرع ولا يتعجل، وإنما يتمهل ويتأنى؛ حتى يتمكن السامع من أن يلاحق كلامه استيعابًا وفهمًا.

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا الحديث، لو عده العادُّ لأحصاه)) ليس في كلامه فضول ولا تقصير، كما كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلمة الهامة ثلاثًا؛ لتسمع منه وتأخذ عنه، وكان مع ذلك يؤثر الإيجاز، ويحب جوامع الكلم حتى لا تتوزع الأفهام وراء الإطالة المملة، أو تغرق الأذهان في طوفانٍ من العبارات لا تستطيع أن تلاحقها أو تتابعها؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعهد أصحابه بالموعظة بين الحين والحين؛ حتى لا تملَّ قلوبهم أو يتطرق إليها السآمة، تمامًا كما يبذل الماء للعطشان، الذي يحتاج إليه.

وفي (صحيح مسلم): ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة؛ مخافة السآمة علينا)) لكن تعال إلى محافلنا العامة في هذه الأيام، وانظر ما يلقى من علم، وما يكتب فيها من كلمات متتابعة يتبارى فيه الخطباء، تدرِك بسرعة أن ذلك ليس طريقًا لبناء الحياة الدينية على معالم واضحة من الإيمان واليقين، وإنما هو نوعٌ من التسلي بالعلم وتضييع الوقت، وهو نوعٌ من الاشتغال بالكلام دون غاية سديدة؛ لأن الحشود المستمعة تنصرف، ولا همَّ لها إلا التعليق على الحاضرين والموازنة بين أنصبتهم من الفصاحة والبيان فقط.

أما تحويل العلم إلى عمل مجيد، وخلق قويم تزدان به الحياة، فهذا قلما يخطر على بال كثير من الناس، وفي مثل هذا الجو يضيع الإخلاص ويرخص النصح، وتبتذل نفائس النصائح والآثار؛ ولذلك فإن موعظة واحدة تستغرق وقتًا محدودًا بين أمة جادة، تعرف قيمة الوقت لتوزعه على نشاطاتها المختلفة من كدح، وإنتاج وعبادة خير ألف مرة من برنامج طويل للمحاضرات المتعددة التي ينتهي أثرها بانتهاء مجالسها، وانفضاض مجامعها، لكن أمام الباطل الذي ذاع وشاع وملأ الديار والقفار، وكاد يقلب القيم والمعايير، أو قُلْ قلبها بالفعل أمام هذا الإصرار المميت؛ لجندِ الشيطان.

ومن أجل تبصير الناشئة الجديدة، فإن على دعاة الحق أن ينتشروا هنا وهناك، ويحسنوا من عرض الإسلام على الأسماع والأفهام ويطيل في عرضه ويكرره، ويكثر من شرحه أخذًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان يكرر الكلمة المهمة مرتين وثلاث مرات، ولا أهمَّ من الإسلام لدنيا الناس في هذه الأيام.

ثانيًا: كان صلى الله عليه وسلم يسبق أصحابه إلى العمل إلى ما يدعوهم إليه، ويأمرهم به، فإذا دعاهم مثلًا إلى التقشف ورؤي المسلمين وقد شدوا على بطونهم حجرًا يكشف عن بطن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قد شد حجرين، فكان صلى الله عليه وسلم مثلًا حيًّا متحركًا للمبادئ التي يدعوا الناس إليها، وللقرآن الذي يؤمن به؛ ولذلك انجذبت إليه الأفئدة، واجتمعت عليه القلوب؛ لأن طبيعة البشر أنهم لا يثقون في شخصٍ إلا إذا وجدوا في حالته وسيرته مثالًا لما ينصحهم به، ويدعوهم إليه؛ ولذلك فإن آفة الأمم في القديم والحديث يكمن في فقد الأسوة والقدوة في العلماء والحكام، وذلك الفاصل الضخم بين قول كلٍّ منهما وعمله، حتى ضجَّ الناس بالشكاوى، ممن يحسنون التمثيل والكلام، ويسيئون الفعل والالتزام.

إن النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يمنح نفسه امتيازًا خاصًّا لنفسه أو لأهل بيته، ولم يجامل أولًاده صلى الله عليه وسلم أو أزواجه على حساب الشعب، عكس ما يحدث اليوم، ولما طلب أزواجه صلى الله عليه وسلم التوسعة عليهن من متاع الدنيا الحلال، أبى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت آيات التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28، 29] وتورمت يدُ ابنته فاطمة رضي الله عنها وهي تطحن على الرحى، واشتكى صدر زوجها رضي الله عنه من كثرة حمل قربة الماء، فلما سمعا بقدوم سبيٍ إلى المدينة؛ ذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبان منه خادمًا يعينهما على الحياة فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيهما، وقال: ((والله لا أعطيكما وأدع أهل الصُّفة تطوي بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم ألا أخبركما بخير من ذلك تسبحان الله وتحمدانه دبر كل صلاة)).

ولذلك انعقدت القلوب على محبته، وتفانت النفوس في الاقتداء به صلى الله عليه وسلم فأين ذلك مما تراه اليوم من فروق في هذه الحياة، وامتيازات لا حصر لها تمنح للمتربعين على القمة في المجتمع؛ ولذلك فإن على الخطيب أن يعلم أن طريق نجاحه في رسالته وتوفيقه في مهمته أن يهدي الناس إلى الحق بعمله، قبل أن يهديهم إليه بقوله. فما أقبح أن نقول ولا نعمل، أو نرغب في الخير، ونحن أبعد الناس عنه، إن الموعظة حينئذ تكون كالماء الذي ينزلق على حجر لا تحدث أثرًا ولا تنتج ثمرًا.

وقد عاب القرآن الكريم بصورة فيها تقريع وتعجب على حال الذي يدعو إلى الإصلاح وينسي نفسه، فيقول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [البقرة: 44] كما قاله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون} [الصف: 2، 3]، ثم إن على الخطيب كذلك أن يعلم أن عين الجمهور فاحصة آخذه، وأن نظراتهم إليه دقيقة واعية؛ فليحذر التزوير والتمثيل؛ فإنه لا يلبس أن ينكشف أمره ويُفْتَضَح، سنة الله في الذين يظهرون بغير ما يعلمون من أنفسهم.

ثالثًا: كان صلى الله عليه وسلم إذا علم عن أحد انحرافًا أو مخالفة؛ عمم في النصح، وصرف الإنكار إلى غير معين حتى لا يكون في ذلك إحراج للمذنب، وقد يؤدي إلى نتيجة عكسية، كأن يقول صلى الله عليه وسلم: “ما بال رجال يفعلون كذا”، “أو ما بال رجال يقولون كذا” كما حدث في الثلاثة الذين كانوا يريدون الرهبنة.

والرسول صلى الله عليه وسلم بهذا يسبق آراء رجال التربية الحديثة في تربية الناشئة، وتوجيه الطلاب؛ لأننا نقرأ أن علماء التربية الحديثة الآن ينصحون بعدم مواجهة التلميذ المذنب بذنبه؛ حتى لا تتعقد نفسيته، أو تضطرب موازين شخصيته؛ فتأخذه العزة بالآثم، ويشب على الجريمة التي عرف واشتهر بها، وهكذا نجد في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا متكاملًا في الدعوة إلى الحق، وفي توجيه الناس إلى الرشد منهجًا غنيًّا عن التطلع إلى رواد الغرب في نظرياتهم.

رابعًا: كان صلى الله عليه وسلم يكثر من ضرب الأمثال والتشبيهات، التي توضح المعاني، وتفسر الحقائق وتقربها إلى الأذهان، فكانت أشبه شيء بوسائل الإيضاح التي يستعان بها في العصر الحديث، واقرأ مثلًا هذه الأحاديث النبوية الشريفة، قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثة)) وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن مثل النخلة ما أخذت منها من شيء إلا نفعك)).

وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن مثل النملة، تجمع في صيفها لشتاها)) وكانت تشبيهاته صلى الله عليه وسلم ترتبط بالواقع، وتعتمد على البساطة في التوضيح والقوة في الإقناع، جاء إليه أعرابيًّا يومًا وهو مشغول بموضوع يمس العرض والشرف ذلك أنه رزق بغلام أسود بخلافه في اللون؛ فشك في نسبة الطفل إليه وقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فانظر إلى إجابة النبي صلى الله عليه وسلم وما تنطق به من حكمة وذكاء، إنه يرده إلى بيئته، وإلى موقع عمله، فيقول له صلى الله عليه وسلم: ((هل لك من إبل؟ قال الرجل: نعم، قال: ما ألوانها، قال: حُمْرٌ، قال: فهل فيها من أورق؟ -أي رمادي- قال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: فأنَّى ذلك؟ -أي: من أين جاء هذا اللون؟- فقال الرجل: لعل نَزَعَهُ عرق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فلعل ابنك هذا نَزَعَهُ عرق)) انظر إلى هذا الحوار الهادئ وما أعقبه من اقتناع عميق، جعل الرجل يعود إلى بيته وهو مستريح النفس، مطمئن الخاطر هادئ الضمير.

خامسًا: كانت له صلى الله عليه وسلم أساليب واضحة في تنشيط الأذهان، واسترعاء الانتباه، وذلك عن طريق الاستفهام، أو الحوار أو تجسيد المعاني بالحركة أو الصوت. ومن ذلك ما يأتي:

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هي النخلة)).

ثانيًا: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمس مرات، أيبقي ذلك من درنه شيئًا، قالوا: لا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا)).

وفي موقف ثالث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون من المفلس؟ فيقولون: المفلس من لا درهم ولا متاع، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: كلَّا، المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وزكاة، وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه؛ أخذ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه، ثم طرح في النار)) وهكذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الأساليب ما ينشط به الأذهان، ويسترعي به الانتباه.

ولا شك أن ذلك يؤدي إلى تنبيه الغافل وتنشيط الذهن المال، ومن هنا يكون لذلك كله أثره في قبول المستمع لدعوة الحق، الصادرة من الداعية، هذا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته عامة.

 هَدْيُ النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه خاصة:

 ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذرُ جيش، يقول: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ)) ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين، ويَقْرِنُ صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه السبابة والوسطي)) ويقول: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتابُ الله وخير الهدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليّ)) وفي لفظ: ((كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته…)) فذكره.

وفي لفظ النسائي: ((وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: ((أما بعد)) وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة، ويطيل الصلاة، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه)) كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر صلى الله عليه وسلم الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين، ونهي المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس.

وكان صلى الله عليه وسلم يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد من أصحابه فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فأخذهما ثم رقي بهما المنبر؛ فأتم خطبته، وكان ربما دعا الرجل في خطبته تعالَى يا فلان، اجلس يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضي الحال في خطبته؛ فإذا رأي منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها.

وكان يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه، وكان إذا صعد المنبر استقبل الناس بوجه وسلم عليهم، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بركعتين ولا بغيرهما، ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا، قبل أن يتخذ المنبر، وكان منبره ثلاثة درجات، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جزعٍ مستندٍ إليه، فلما تحول إلى المنبر حنَّ الجزع حنينًا سمعه أهل المسجد؛ فنزل إليه صلى الله عليه وسلم قال أنس: حنَّ لمَّا فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقده التصاق النبي صلى الله عليه وسلم.

ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وضع في جانبه الغربي، قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاه، وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسةً خفيفة، ثم يقوم فيخطب الثانية، فإذا فرع منها أخذ بلال في الإقامة، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ويأمرهم بالإنصات، ويخبرهم أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغى، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من لغى فلا جمعة له))، وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذان إلا واحدًا. وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد، لا سنة لها قبلها. وهذا أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنة.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته فإذا رقي المنبر؛ أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان، قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنة قبلها، هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي.

وكذلك كان خطبته صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله تعالي وملائكته، وكتبه ورسله، وذكر الجنة والنار، وأما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وأما أعد الله تعالي لأعدائه، وأهل معصيته فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله تعالى وأيامه،لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله، ولا تواجدًا له، ولا معرفة خاصةً به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته، والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم.

أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنه لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ نزل بقباء على بني عمرو بن عوف يوم الإثنين، فأقام بِقِبَاء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدًا، فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.

وقال فيها: بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: ((أما بعد: أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمنَّ والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعنَّ غنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولن له ربه، وليس له ترجمان ولا حاجبٌ يحجبه دونه، ألم يأتك رسولي فبلغك، وأتيتك مالًا، وأفضلتُ عليك، فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار، ولو بشقٍّ من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) هذه كانت أول خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعدها أول جمعة في المدينة المنورة. وبعد فالحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه لَيَجُرُّنَا إلى الحديث عن أركان الخطبة وسننها.

أركان الخطبة وسننها:

 أما أركان الخطبة فالركن الأول: أن تفتتح بالتحميد وأقله الحمد الله، ويروى ابن تيمية أنه تتبع خُطَب النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أوائل أكثرها هو: ((الحمد الله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) وقد اختلفت المذاهب في هذا الركن.

فالشافعية والحنابلة يرون أن الخطبة لا تصح بدون التحميد وأنه واجب فيها، ويرى الحنابلة أنه ليس من الضروري ذكر لفظ الحمد لله، بل إن الثناء والشكر يقوم مقام الحمد من أدائه للمعنى المقصود.

أما الركن الثاني: فهو الصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم وأما الركن الثالث: فهو الوصية بتقوى الله تعالى.

وأما الركن الرابع: فهو قراءة شيءٍ من القرآن الكريم ولو آية واحدة.

هذا عن أركان الخطبة. أما سننها:

فقد ذكر الفقهاء سننًا كثيرة للخطبة نوجز منها ما يلي:

أولًا: أن تكون الخطبة على المنبر.

ثانيًا: استقبال القوم بوجهه لما روى بن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قام على المنبر استقبل الناس بوجه)).

ثالثًا: أن يسلم على الناس إذا صعد المنبر؛ اتباعًا للسنة لما روى ابن ماجه عن جابر، قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سَلَّم)).

رابعًا: الجلوس على المنبر بعد السلام.

خامسًا: أن يرفع الخطيب صوته ليسمع الحاضرين.

سادسًا: أن يخطب قائمًا ما دام يقدر على القيام.

سابعًا: أن يجلس الخطيب بين الخطبتين للفصل بينهما.

ثامنًا: تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى.

تاسعًا: أن تشتمل الخطبة على الدعاء للمسلمين عامة، والحاضرين منهم خاصة؛ تذكيرًا بالأخوة الإسلامية، هذا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته عامة، وهديه صلى الله عليه وسلم في خطبه خاصة.

وليعلم الخطباء أنهم لن يبلغوا الكمال إلا بقدر قربهم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، فليلاحظ الخطباء هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا بد أن يعرفوه معرفة دقيقةً؛ ليقتربوا منه، وليتخذوه منهجًا في خطبهم، وفي أحاديثهم حتى يقتربوا من الكمال، وحتى يؤثروا في جمهورهم.

error: النص محمي !!