Top
Image Alt

وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بمطلع سورة “القلم”

  /  وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بمطلع سورة “القلم”

وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بمطلع سورة “القلم”

في قصص القرآن عبرة لأولي الألباب، وبين أيدينا من هذا اللون قصة أخرى وردت في سورة {ن وَالْقَلَمِ}، هي قصة أصحاب الجنة، والتي سندرسها على طريقة منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وما دامت آيات القصة في موضع واحد -أي: في سورة واحدة- فالأمر لا يحتاج إلى جمع آيات الموضوع من سور متعددة حتى تكتمل لنا صورته، فننظر فيها نظرة فاحصة متأملة؛ لنبرز الموضوع متسقًا متكاملًا.

أمّا في الموضوعات التي يذكر فيها الموضوع في سورة واحدة -كما في هذه القصة- فإن ذلك يكون من خلال ربط القصة بهدف السورة، وبيان ارتباطها بما سبقها من الآيات، وكيف أنها تفضي إلى ما بعدها من الآيات، مع عرض أحداث القصة ومشاهدها، وكيف أنها حققت أهدافها.

والهدف أو المحور الذي تقوم عليه سورة “القلم”, هو إيناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليته، وطمأنة قلبه وتثبيت فؤاده، ببيان منزلته، والرد على أعدائه، وأن العاقبة له، وأن الخسران والبوار والهلاك للمكذبين برسالته، ولكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه بحاجة إلى هذا الإيناس وذلك التثبيت، بعد أن كشّر الكفر عن أنيابه، وانبرى المشركون يكيدون للإسلام وأهله كيدًا يزلزل الجبال! فقد رأوا في هذا الدين خطرًا على ما هم فيه من عقائد فاسدة، وأحوال كاسدة، وعادات بالية، وأوضاع اجتماعية مزرية مكنت للسادة منهم أن يفرضوا سيادتهم على رقاب المستضعفين، وأن يمتصوا دماءهم، وأن يقودوهم إلى حيث يريدون؛ ولهذا عظُم هول المعركة.

ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الشرف والمكانة في قريش، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو خيار من خيار من خيار ومن أعلى قريش نسبًا وحسبًا، إلّا أنه لم يكن من أصحاب الأموال والتجارة، وهي مقاييس العظمة في كل بيئة تخلو من الدين الصحيح؛ ولهذا قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم} [الزخرف: 31].

وأخذ المشركون كل ما لديهم من مكر ودهاء وحِيَل للقضاء على دعوة الحق، فاتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون، وطاردوه وطاردوا دعوته والمؤمنين معه في كل مكان، ورموهم بكل نقيصة، وأنزلوا بالمستضعفين منهم كل ألوان العذاب، ولم يسلم من عنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه، وكان من أمر الله وحكمته أن منع المسلمين من ردّ هذه الإساءات ولو بكلمة، إنما أمرهم بالصبر على ما ينزل بهم إلى أن يأتي نصر الله. ومرت الأيام بل والسنوات، والمشركون يزدادون عنفًا، إلى أن أذن الله لرسوله والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة المنورة.

ومن أراد أن يعرف ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة من عَنَت وتَعَب ومشقة، فليقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه في هذه الفترة العصيبة، فكانت آيات القرآن تنزل تحيي موات القلوب، وتبعث على الرضا، وتثبت الأقدام على طريق الحق، ومن هذه الآيات ما نقرؤه في هذه السورة المباركة، سورة “القلم”، فلنتأمل في مطلعها والآيات التي وردت في بدايتها؛ لنرى وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بهذا المطلع وتلك الآيات.

بدأت السورة بقوله: {ن} [القلم: 1], وهي حرف من الحروف المقطعة التي وردت في افتتاح بعض سور القرآن, كقوله تعالى: {ص} [ص: 1]، {ق} [ق: 1], وكقوله: {حم} [غافر: 1], و {حم * عسق}  [الشورى: 1, 2] و {الم} [آل عمران: 1], و{المر} [الرعد: 1]، وما إلى ذلك، وقد وردت في بيانها أقوال كثيرة منسوبة لبعض الصحابة ولكثير من المفسرين، وأقرب ما قيل فيها: أنها حروف ساقها الله على سبيل التحدي؛ كأنه يقول لمن نزل القرآن بلغتهم: هذه هي الحروف التي تؤلّفون منها كلامكم، فاصنعوا منها كلمات وضموها لبعضها، وعارضوا بها هذا القرآن، وانظروا إلى كلامكم وما جاء به وحي الله؛ لتعلموا أن هذا أفق عالٍ لا سبيل إلى الوصول إليه، {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين} [البقرة: 24]، فثبت عجزهم وانقلبوا صاغرين، وكم في هذا من نصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نصر يتجدد كلما نزلت آيات من كتاب الله، وكم في ذلك من طمأنة وتثبيت.

ثم يُقسم الله بالقلم وما يسطرون، على أنّ اتهام المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون اتهام باطل، وأنّ الله أعدَّ له أجرًا عظيمًا على قيامه بحقِّ الله عليه، وأنه صلى الله عليه وسلم متمكِّن من ذُرا الأخلاق العظيمة. وفي هذا القسم بالقلم وما يسطرون به, وفي بداية السورة بحرف من حروف الهجاء “ن” ما يدل على تعظيم الإسلام للقراءة والكتابة، فهما مفتاح التقدم، وباب الحضارة، وأساس التمدن، وهذه أول الآيات نزولًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمره بالقراءة باسم ربه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 1- 5].

فمع أول شعاع الوحي ترى الدعوة إلى العلم؛ ليكون نبراسًا يهتدي به الإنسان في دنياه وأخراه، وليكون أمضى الأسلحة في المعركة مع الكفر والكافرين، وأمةٌ بلا علم أمة ينخر الجهل في عظامها، ومصيرها إلى الفناء، والعلم الذي تسطِّره الأقلام ليس مقصورًا على علوم الدين وحدها، إنما يشمل علوم الدين والدنيا، والأقلام التي تسطِّر إنما تسطر ما وصل إليه الفكر والعقل من بحث وتجربة، وقد أثبت التاريخ أنه لا مكان لأمة جاهلة بين الأمم.

ومع أدوات العلم هناك الأخلاق، والتي تسلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذراها، وأمته مكلفة بالاقتداء به، فإذا اجتمع لها العلم والأخلاق المبنية على الإيمان بالحقّ سادت وسعدت، وهذا ما تحقق في الرعيل الأول الذي حمل لواء الحق والعدل والخير والحب والسلام، فرفرف به في كل مكان من أرض الله.

ولهذا جاء التهديد للمكذبين المعاندين {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُون} [القلم: 5، 6], أي: بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام وانقلابهم أذلة صاغرين، وما كان للإسلام أن يظهر على الكفر والمسلمون جهلة لا علم لهم بدين أو دنيا، وما كان لهم أن يسودوا وتعلو كلمتهم، ويلتف الناس حولهم وهم أصحاب أخلاق وبيئة وصفات ذميمة؛ ولهذا جاء قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [القلم: 7] شهادة للمؤمنين المهتدين، وتهديدًا للمعاندين الضالين.

ومن منطلق القوة في العقيدة والخلق, وحسن الصلة بالله، والتمكن من الحق، يأتي التوجيه القرآني لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تبع له: {فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِين * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} [القلم: 8، 9] أي: لا تُطعهم فيما يدعونك إليه من التنازل عن دعوتك، وفي مهادنتهم وتركهم في عبادتهم الباطلة، وهم مستعدون لذلك {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} [القلم: 9].

والآية حَدّ فاصل بين الكفر والإيمان، وأنه لا التقاء بينهما، وما كان لأصحاب الدعوة أن يُغمضوا أعينهم عن الباطل وأهله إيثارًا للسلامة، وبعدًا عن وعورة الطريق، إنما هناك الحق الواضح الذي لا يقبل التنازل، وتأكيدًا لهذا المعنى في عدم الانقياد والرضوخ للمكذبين يأتي النهي عن الانقياد لقادة الضلال منهم، أصحاب الأخلاق الرديئة، يقول ربنا: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِين * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} [القلم: 10- 13], وما أسوأها من صفات يتّصف بها أهل الكفر والضلال!

ثم يقول تعالى مهددًا ومتوعدًا, ومعجبًا من حال الواحد من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والبنين، فكفر بأنعم الله، وردَّ وحي الله، وقال في القرآن قولًا يدل على جهله وحمقه: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِين * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين} [القلم: 14، 15], {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم} [القلم: 16] أي: سنجعل له علامة في وجهه يعرف بها في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا يضرب بالسيف فيترك السيف علامة في أنفه يُعَرف بها، وفي الآخرة: {تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60].

وإذا علمنا أنّ هذه الآيات من أوائل ما نزل في مكة، أدركنا ما تحمله من بشرى النصر للمؤمنين، وأنهم سيلقون المشركين -ومنهم أصحاب المال والأولاد- في معركة من معارك الحق؛ ليكون للمؤمنين نصر الله، وقد حدث هذا في بدر، وهذا كقوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} [القمر: 45]. ولما نزلت تعجب عمر رضي الله عنه فقال: أي جمع يهزم؟! أي جمع يغلب؟! قال عمر: “فلما كان يوم بدر, رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} ، فعرفت تأويلها يومئذ”.

وبيانًا لحال المشركين أصحاب الأموال والأبناء, والذين لم يشكروا الله على ما أنعم به عليهم، فكان لهم عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، يسوق الله قصة أصحاب الجنة فيقول: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِين * وَلاَ يَسْتَثْنُون} [القلم: 17، 18], إلى أن يقول: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} [القلم: 33], فكيف عرض القرآن هذه القصة؟

إنها قصة ليست من وحي الخيال، جاء بها القرآن فاختلق شخصياتها، ورتب أحداثها، وأجرى الحوار بين المشاركين فيها إبرازًا لمعنًى من المعاني، وضربًا لمثل من الأمثال، دون أن يكون لذلك وجود واقعي في الحياة، إنما يعبِّر القرآن عن واقع حيٍّ ملموس، ويذكر تاريخًا لأناس حدث منهم ذلك، وهو لم يذكر من حدث لهم هذا الأمر، على طريقته في عرض موضع الحكمة مما يسوق من قصة أو حدث، فلا يعنيه أن يذكر الأسماء، فذكرها لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، مع أن الروايات قد وردت ببيانهم؛ فذكر بعض السلف أنّ هؤلاء كانوا من أهل اليمن؛ قال سعيد بن جبير: “كانوا من قرية يقال لها: “ضروان”، على ستة أميال من صنعاء”, وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فيدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفّر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عُوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.

والقرآن حين يعرض هذه القصة يعرضها بأسلوبه المعجز، مكتملة البناء القصصي من التشويق والحبكة القصصية، مع أنها قصة تساق من خلال آيات بينات، تتوالى هذه الآيات في عذوبتها ورقتها وروعتها، فما أعظمها من آيات!

وتبدأ القصة مرتبطة بما ورد في صدر السورة, من بيانٍ لحال المشركين في عتوّهم ورفضهم لدعوة الحق، مع نصاعتها وقوتها في ذاتها، ووضوح من حملها إليهم، هذا النبي الكريم صاحب الخلق العظيم، الملقب فيما بينهم بالصادق الأمين، فحالهم في رفضهم لدعوة الإسلام وكفرهم بالله ورسوله حال أصحاب الجنة، الذين لم يؤدوا حق الله فيما أعطاهم، والقرآن يعبِّر عن هذا وذاك بأنه ابتلاء، فيقول: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17], والابتلاء ليس مجرد امتحان واختبار، إنما هو امتحان ببلاء يحدث للإنسان، وقد يكون هذا في الخير أو الشر، وكما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].

يقول الراغب الأصفهاني: “والقيام بحقوق الصبر أيسر من حقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: “بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر”، ولهذا قال أمير المؤمنين -يقصد عليًّا كرم الله وجهه-: “من وسّع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مُكِر به، فهو مخدوع في عقله””.

وإذا كان هذا الابتلاء بالنعمة من الله، وكان التعبير عن ذاته -جل وعلا- بقوله: “نا”، {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] علمنا أن هذا ابتلاء شديد؛ لأن الله بعظمته وما له من صفات الكمال والجلال هو الذي يفعل ذلك بعباده، فكم من نعمة أنعمها على المشركين، كان عليهم أن يشكروه على نعمه الكثيرة بالإيمان به والتصديق برسوله والانقياد لأمره، لكنهم كفروا بالله وحاربوا رسوله، وصدوا عن دينه، فلم يجتازوا هذا الاختبار، ومَثَلهم كمثل أصحاب الجنة، ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم ببستان فيه ما فيه من ألوان الفاكهة.

والتعبير بالصحبة في قوله: {أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] دليل على ملكيتهم لجنتهم، وكثرة ترددهم عليها، وأنها كانت موضع بهجتهم وسعادتهم، يغدون عليها ويروحون، وقد نجح أبوهم ورسبوا، فالقصة ترغيب وترهيب، والقصة بهذه البداية تجعلك تشرئبّ وتتطلع لمعرفة ما كان من أمر هؤلاء، فيأتيك بيانه في قوله: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِين * وَلاَ يَسْتَثْنُون} [القلم: 17، 18].

ولم يذكر الله ما كان يحدث من أبيهم من إكرام للفقراء وبرٍّ بالمساكين، وما ترتَّب على ذلك من بركة في رزقه، ووفرة في إنتاج حديقته؛ لأن المثل يُضرَب لمن كفر بأنعم الله، وهذا هو موطن العظة.

والقرآن يتخطّى الأحداث التي سبقت قَسَمهم هذا؛ ليترك لنا مساحة نُعمِلُ فيها فكرنا، فنقول ونتخيل هؤلاء الأبناء في حياة أبيهم, يرونه يجود بجزء من ثمار حديقته للفقراء، ويرون ما تجود به جنتهم من وفرة في هذه الثمار، وقد كبروا وصار لهم أبناء، وهم ينظرون إلى فعل أبيهم فيظنون أن ما يفعله إسراف لا يليق، وأنه لو حَرَم المساكين ومنعهم من أخذ شيء من ثمارها لكان ذلك أولى؛ لأنهم سوف يكون لهم ما تنتجه جنتهم كاملًا.

ولذلك ما إن صارت الحديقة لهم بعد وفاة أبيهم, حتى عقدوا هذا الاجتماع وتداولوا فيما بينهم، فاتفقوا على الخطة التي سيسلكونها لمنع الفقراء والمساكين من الحصول على شيء من ثمار هذه الحديقة، ويتخطّى القرآن كل هذه الصور ليعرض صورة لأبناء الرجل الصالح، وقد سيطر عليهم الغضب، وتملكتهم ثورة عارمة وحنق على ما أضاع أبوهم خلال سنوات قلائل، حيث قالوا: لقد كان أبونا أحمق، وإن فعلنا ما كان يفعل ضاق علينا الأمر ونحن أصحاب عيال.

وتوثيقًا وتأكيدًا لما اتفقوا عليه, أقسموا أن يقطعوا ثمارها في الصباح الباكر، قبل أن يعلم الفقراء والمساكين بخروجهم وقطعهم لثمار حديقتهم، وتعبير القصة عن منعهم الفقراء له دلالته، فقد بدأ ذلك بالقسم؛ تأكيدًا لما عزموا عليه، ولم يذكر ما أقسموا به ليجعلنا نتخيل كل عظيم لديهم يمكن أن يقسموا به، وإن كانت الآيات قد دلّت على أنهم كانوا يؤمنون بالله، مما يرجِّح أنهم كانوا من أهل الكتاب، فقد ذكرت في نهاية القصة قولهم: {عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُون} [القلم: 32], فيفهم من ذلك أنهم أقسموا بالله، وما أقسموا عليه يجمع بين أمرين: الفعل والزمن؛ أما الفعل فهو في قوله: {لَيَصْرِمُنَّهَا} [القلم: 17], وأما الزمن فهو في قوله: {مُصْبِحِين} [القلم: 21].

فالفعل من صرم الشيء: قطعه، وهذا ليس مجرد قطع لشيء من شيء، إنما قطع لا يُبقي شيئًا. يقول الراغب: “الصارم: الماضي، وناقة مصرومة: كأنها قطع ثديها فلا يخرج لبنها حتى يقوى، وتصرمت السنة وانصرم الشيء: انقطع، وأصرم: ساءت حاله”.

أما الزمن ففي قوله: {مُصْبِحِين} أي: داخلين في وقت الصباح الباكر، وأضاف إلى ما عزموا وأقسموا عليه قوله {وَلاَ يَسْتَثْنُون} [القلم: 18]، وهذا معناه: أنهم لم يقولوا: إن شاء الله، أو أنهم لم يستثنوا أحدًا من الفقراء يجدون أنه مسكين يستحق الصدقة، إنما أصروا على منع كل فقير ومسكين، وكلا المعنيين جائز. فكم من أناس يدبرون أمرهم, ويُحكمون خطتهم لفعل شيء ما، ويوقنون أنهم لا بُدَّ واصلون لتحقيق غايتهم، وما علموا أن مدبِّر الأمر هو الله، فإليه يرجع الأمر كله، ومع اتخاذ الأسباب يفوّض العبد الأمر لله فيقول: إن شاء الله، وقد قال الله لرسوله -كما رأينا في قصة أصحاب الكهف-: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف: 23، 24], وهذا بعض ما يفهم من قول الله تعالى في ختام سورة هود: {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} [هود: 123].

error: النص محمي !!