Top
Image Alt

وجوب الإيمان بالأسماء والصفات

  /  وجوب الإيمان بالأسماء والصفات

وجوب الإيمان بالأسماء والصفات

1. الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان بالأسماء والصفات:

ويشتمل هذا على النقاط التالية:

أ. بيان أن توحيد الأسماء والصفات من أقسام التوحيد الثلاثة.

ينقسم التوحيد إلى قسمين أيضًا وهو تقسيم صحيح:

  • قسم في المعرفة والإثبات، وهذا يجمع نوعي التوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
  • وقسم في الإرادة والطلب، وهذا يكون في توحيد الألوهية.

يقول ابن القيم -رحمه الله- : “وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان؛ فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعلوه فوق سماواته على عرشه، وتكليمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وقد أفصح القرآن الكريم عن هذا النوع كثيرًا من الإفصاح، كما جاء في أول سورة الحديد، وفي سورة طه، وأواخر سورة الحشر، وأوائل سورة الزمر”. وما إلى ذلك.

وقد ذكر ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله-  في كتابه العظيم (مدارج السالكين) هذا الكلام، يبين أن توحيد الأسماء والصفات هو أحد أقسام التوحيد، وبالتالي فهو مهم للغاية، وما ذكرته عن ابن القيم الآن بأن قوله بأن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه نوعان لا يختلف مع تقسيمنا السابق للتوحيد، أو قولنا بأن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام ربوبية وألوهية وأسماء وصفات؛ ذلك أننا نقول: إذا قلنا بأن التوحيد ينقسم إلى نوعين يكون النوع الأول -الذي هو في المعرفة والإثبات- يشتمل على القسم الأول، والثاني من الأقسام التي نقول بأن التوحيد فيها ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ويصبح توحيد الألوهية قائمًا، أو هو النوع الثاني المستقل بذاته توحيد المعرفة والإثبات يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

فتوحيد الأسماء والصفات إذًا من أقسام التوحيد المعتبرة، ومن هنا يظهر وجوب الإيمان بالأسماء والصفات، وأنه يجب الإيمان بها؛ لأنها أحد أقسام التوحيد.

ب. أهمية العلم بالأسماء والصفات:

العلم بالأسماء والصفات أصلٌ للعلم بكل ما سواه، العلم بأسماء الله عز وجل أصل لكل علم، ذلك أن المعلومات غير الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين؛ الأول: المخلوقات التي أنشأها الله سبحانه وتعالى وكونها وأوجدها.

والثاني: الأوامر التي أمره بها، وهي قسمان: الأمر الكوني الذي خلق به الخلق، والأمر الشرعي الديني، والله سبحانه وتعالى هو صاحب الخلق والأمر، قال عز وجل: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] ومصدر الخلق والأمر عن أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، وهما مرتبطان بالأسماء الحسنى ارتباط المقتضي بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسماء الله الحسنى.

وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكليمهم بما أمرهم به.

فالعلم إذًا بأسماء الله سبحانه وتعالى وإحصاء هذه الأسماء أصل لسائر العلوم، فمن أحصَى أسماء الله الحسنى وعرف صفات الله سبحانه وتعالى العلى يكون قد وقف على كل معلوم بأن المعلومات هي من مقتضاها، وهي أيضًا مرتبطة بها. وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العد أو يفعله إما أن يكون لجهل به، أو لعدم حكمته، وأما الرب تعالى فهو الحكيم العليم، فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض. وقد أشار بشيء من التفصيل إلى ذلك أيضًا الإمام ابن القيم -رحمه الله-.

2. تعظيم الله وتمجيده ودعاؤه بأسمائه وصفاته؛ ويشتمل على عدة نقاط:

أ. فقه العبد لأسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، يزيد من إيمانه:

فقه العبد بالأسماء والصفات يزيد من إيمان العبد بالله سبحانه وتعالى لأن الإيمان -كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة- يزيد بالعلم والعمل، فكلما علم العبد عن الله وآياته شيئًا ازداد إيمانه، وكذلك أيضًا إذا استجاب العبد لما أمره الله به ازداد إيمانًا، وينقص الإيمان بنقص العلم والعمل.

وقد نص على ذلك القرآن الكريم، وبيان ذلك مثلًا في قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُون}  [التوبة:124، 125]

وهذا نص من الله سبحانه وتعالى {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون} زادتهم إيمانًا، لماذا؟ لأنهم تعلموا وعملوا بهذا العلم واستجابوا له، بخلاف المستكبرين الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون.

ولذلك نقول: إن العلم بأسماء الله وصفاته والفقه لمعناها والعمل بمقتضاها وسؤال الله بها، يوجد في قلوب العابدين تعظيم الباري سبحانه، وتقديسه ومحبته ورجاءه، وخوفه والتوكل عليه، والإنابة إليه، بحيث يصبح الباري في قلوبهم المثل الأعلى الذي لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، وليس لأحد بإطلاق هذه المكانة التي في قلوب أهل الإيمان الذي آمنوا بالله وصدقوا برسول الهدى صلى الله عليه وسلم وبما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من أسماء لله حسنى، وصفات لله على.

ب. أسماء الله وصفاته تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى:

وهذا أيضًا تحت العنوان العام من وجوب الإيمان بالله عز وجل ووجوب الإيمان بأسماء الله وصفات الله العلى، وهنا في هذه النقطة نبين أن أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، تدل على عظمة الله عز وجل ولذلك كثرت أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته.

وقد قيل: العظيم من كثرت صفات كماله، العظيم الذي تكثر صفات الكمال بالنسبة له، وإذا كانت صفات الله وأسماؤه تدل العباد على عظمة الباري عز وجل وكماله وسؤدده، فإن أعظم سبيل يستطيع العباد سلوكه لتعظيم الله عز وجل وتقديسه وتمجيده ودعائه، هو معرفة أسماء الله الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى العلى، وقد أمرنا الحق عز وجل بدعائه بأسمائه الحسنى.

كما جاء في بعض آيات القرآن الكريم، وذلك كقول الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} [الأعراف:180] وقال عز وجل: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء:110].

والدعاء في اللغة والحقيقة: هو الطلب. يعني: اطلبوا منه بأسمائه الحسنى، اطلبوا من الله عز وجل بأسماء الله الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى العلى.

ج. نماذج من تمجيد الله ودعائه بأسمائه وصفاته:

ننطلق بعد ذلك لنبين نماذج من تمجيد الله سبحانه وتعالى ودعاء الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والغرض من ذلك أن نذكر بعض النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي نبين بها أن تمجيد الله سبحانه وتعالى وتعظيم الله عز وجل يكون بالإيمان بأسماء الله الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى العلى والثناء على الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء وبهذه الصفات.

لذلك نقول: بأن القرآن الكريم مليء والسنة النبوية المطهرة بالنصوص الكثيرة التي فيها تمجيد وثناء على الله عز وجل وتعظيم له سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما فيها دعاء وسؤال الله عز وجل من هذه النصوص مثلًا في القرآن الكريم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}  [الأنعام:1]. كذلك أيضًا:{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر:1]، أيضًا قول الله سبحانه وتعالى{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُون} [الروم:17، 18].

هذه الآيات نماذج فقط نذكرها من تمجيد الله سبحانه وتعالى ودعائه بأسمائه الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى العلى، وإلا فالقرآن الكريم مليء بذلك، والمتأمل والمتدبر لآيات القرآن الكريم يرى ذلك، ومنها قول الله عز وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [المُلك:1- 3] كل هذا تمجيد وثناء على الله عز وجل بذكر أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، ودعاء الله بأسمائه وصفاته، وما إلى ذلك من خلال القرآن الكريم.

كذلك أيضًا السنة النبوية المطهرة مليئة بدعاء الله سبحانه وتعالى وتمجيده والثناء عليه، والطلب منه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ومن ذلك ما جاء في دعاء النبيصلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))، وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي.

ومنه أيضًا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في تهجده لربه في الليل، عندما كان يقوم ويقف بين يدي رب العزة والجلال، كان يتوسل إلى الله، ويتقرب إليه بذكر شيء من أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، مثنيًا بها على الله سبحانه، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن؛ ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن؛ أنت الحق ووعدك الحق))، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم)).

3. أثر الانحراف في توحيد الأسماء والصفات على التوحيد:

الانحراف في توحيد الأسماء والصفات، كان له أثر كبير جدًّا على التوحيد، وبيان ذلك كالتالي نقول: لا شك أن معرفة الله سبحانه وتعالى ومن ذلك معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، تعين على القيام بواجب التوحيد لله عز وجل وعبادته وحده، ونبذه الشرك، فحينما تؤمن بأن الله هو الرب، وتعتقد ذلك، تعتقد أن الله عز وجل هو الخالق وتؤمن به، وتسمي الله سبحانه وتعالى بذلك وتصف الله عز وجل بصفة الخلق، هذا يجعلك تعتقد أن الله رب كل شيء ومليكه، وينطلق من هذا الإيمان بربوبية الله سبحانه وتعالى إلى عبادة الله وحده دون سواه، وأن ننبذ الشرك بجميع ألوانه وأنواعه.

كذلك حينما نعتقد وندين بأن الله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم إذا أذنبت ذنبًا، لجأت إليه ولا تلجأ إلى سواه، إذا وقعت في أمر تلجأ إلى الغفور وتطلب من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى وهكذا إن أردت عزة، إن أردت قوة، إن أردت نصرًا، لجأت إلى صاحب العزة والقوة والجبروت سبحانه وتعالى فإيمانك بالأسماء والصفات يعينك على أن تقوم بدين الله عز وجل أن تقوم بواجب التوحيد لله، وأن تعبد الله وحده دون سواه، وأن تنبذ الشرك بجميع أنواعه وألوانه.

ولذلك لعله من المهم هنا أن نبين ونذكر أن غالب الانحرافات التي وقعت في الأمة ونشأت فيها، إنما جاءت من سوء فهم الأسماء والصفات، فأكثر ما وقع من انحراف في الأمة وضلال نشأ في المعتقدات بين الناس، كان بسبب عدم فهمهم لأسماء الله الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى العلى؛ ذلك أن قومًا  مثلًا ظنوا أن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع، وجعلوا هذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وهذا خطأ؛ لأن ما جاء به الرسل هؤلاء هو توحيد الألوهية وليس هو توحيد الربوبية، فحينما لا نفهم أسماء الله الحسنى وصفات الله سبحانه وتعالى وصفات الألوهية بأن الله عز وجل هو الإله، وأنه يتصف بأنه إله الأولين والآخرين، وأنه لا إله إلا هو، حينما نؤمن بذلك لا يمكن أن نقع في الشرك، ولا يمكن أن نفسر التوحيد -توحيد العبادة- بأنه القدرة على الاختراع.

الشاهد: أن الانحراف في توحيد الأسماء والصفات وعدم فهم أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى واختراع أوصاف ليست من عند الله عز وجل أوقعت بعضَ الناس في الخلط، والوقوع في الشرك. 

error: النص محمي !!