Top
Image Alt

وجوب التمسك بالقرآن والسنة

  /  وجوب التمسك بالقرآن والسنة

وجوب التمسك بالقرآن والسنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

إن القرآن الكريم دعا إلى التمسك بالكتاب والسنة، ونهى عن التفرق والاختلاف، ومن أشنع فرق الضلالة في هذا الزمان بل وفي كل زمان، فرق الباطنية والخوارج.

إن الدين الحق هو الإسلام كما قال الملك العلام: {إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] وهو الاستسلام بالتوحيد الخالص لله تعالى، والاتباع الكامل لرسوله صلى الله عليه وسلم مع البراءة من الشرك وأهله.

الإسلام الدين العام لجميع الأنبياء والمرسلين، والرسالة الخاتمة المرضية التي ختمت بها الرسالات، على يد إمام الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله عز وجل قوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3] فلا يسع أحد أن يتدين بغير الإسلام، الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: {يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار)).

فالإسلام هو دين الفطرة كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وهو دين الهدى والرحمة كما قال تعالى: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وهو دين اليسر ونفي الحرج كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ} [الحج: 78].

الإسلام الذي هو دين العلم ودين العقل كما قال تعالى {يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ} [ص: 29]، فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله أن جعلنا من المسلمين، والمسلمون هم خير أمة أخرجت للناس لقول رب الناس -جل وعلا-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، فالمسلمون هم الأمة الوسط بلا إفراط ولا تفريط ولا تعصب ولا تسيب، هم الشهداء العدول على جميع الأمم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].

لكن مع كامل الأسف أن المسلمين تفرقوا شيعًا وأحزابًا، قد استطاع أن ينال منهم أعداؤهم، حين لم يستطيعوا أن ينالوا منهم في ميادين الحروب، نالوا منهم في الجانب الفكري، حين فرقوا كلمتهم، ومزقوا وحدتهم بسياسة فرق تسد، فوجدت السبئية أصل فرق الباطنية والشيعة الرافضة، ووجدت الخوارج بغلوها وضلالها ومروقها عن الدين، كما وجدت القدرية والجبرية ووجدت المشبه والمعطلة، وهكذا بدأ التفرّق في الأمة.

لكن الذي ينبغي أن نعرفه بادي ذي بدء أن خير المسلمين هم أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة هم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان في كل زمان ومكان، إنهم السلف الصالح أهل الاتباع والأثر وأهل الحديث والخبر، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، هذه أسماؤهم الكريمة ونسبتهم الشريفة، أهل السنة والجماعة: كل من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، ملتزمًا بالإسلام جملة، محكمًا شريعته استسلامًا وانقيادًا، وقد برئ من كل مذهب بدعي ليكون من أهل السنة والجماعة.

وهذا يشمل جمهور الأمة الذين لم يخالفوا السنة في أمر كلي، ولم ينطووا تحت راية بدعية، ولم يكفروا سواد فرقة غير مرضية، إنهم وسط بين فرق الأمة جميعًا، لا يختص بهم مكان ولا يخلوا عنهم زمان، ولا يخرجون في عقيدتهم عما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام، فهم أهل العناية بالقرآن، وأهل الرعاية لسنة خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، إنهم يجتمعون على الاتباع وينبذون الفرقة والابتداع، ويوالون بالحق ويعادون بالحق، وبه يحكمون، لا تنفكّ سيرهم حسنة، كما أن عقيدتهم قويمة وشريعتهم مستقيمة، أخلاقهم ربانية ومسالكهم وسطية، وتربيتهم إيمانية.

لا يخالفون في التربية والسلوك هدي المعصوم صلى الله عليه وسلم فبأدبه يتأدبون، وعلى أثره يعملون، وعن سنته لا يحيدون، يُعلمون ويربون ويأمرون وينهون، وإلى الله تعالى يدعون وعليه يَدلون، وفي سبيله يجاهدون، لا تزال طائفتهم مجاهدة بالحجة والبيان واليد والسنان، ظاهرة منصورة لا يضرها من خذلها أو خالفها حتى تقوم الساعة، أعيانهم قدوة للسائرين وأئمتهم منار للحائرين، وهم حجة الله على الخلق أجمعين، وإن كانوا في الفضل متفاوتون، وعلى كثرة فضائلهم، فليس بينهم معصوم إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وهم بميزان الشريعة يحكمون، وبإقامة الدين يتواصون، فينهون عن ترخص جافٍ وتنطع غالٍ، وتهور واندفاع أو عجز وانقطاع.

أهم ما هم فيه وجوب التمسك بالقرآن والسنة، والرجوع إليهما عند الاختلاف، فهذا منهجهم وذلك مبدؤهم، إنه التلقي عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم واعتصامهم بالكتاب والسنة.

إن أهل السنة والجماعة يتلقون عقيدتهم عن صحائح المنقول، والإجماع المتلقى بالقبول، وصرائح المعقول والفطرة القويمة، ويعتقدون أن الحجة القاطعة والمرجع الأعلى كتاب الله تعالى، والسنة النبوية الصحيحة، ولو كانت آحادًا، ولا يقدمون على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كلام أحد كائنًا من كان، ويعتقدون السنة حجة بنفسها في مسائل العقيدة والأحكام، ويتلقون نصوص الكتاب والسنة بالتعظيم والاستسلام، ويعتقدون اشتمالها على جميع مسائل الدين ولا سيما الإيمان، ويأخذونها مأخذ التعويل عليها والاعتماد، ويعتنون بجمع النصوص في كل باب، ويفهمونها بفهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الثقات والأئمة الأثبات.

يفسرون الكتاب والسنة بهما، ثم بأقوال الصحابة رضي الله عنهم ومن سار على منهاجهم، فإلم يتيسر فبما صح من لغة العرب ولهجاتهم، ويفهمونها على ظاهرها المقبول، ويدرءون باطل التأويل، ويدفعون ما ظاهره التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، ويعتقدون أن النصوص لا تأتي بمحالات القبول، وقد تأتي بما تحار فيه العقول، فإن وقع ما ظاهره التعارض فمرده إلى الوهم في صحة العقل، أو الثبوت والدلالة في النقل.

ويكفون عما سكت عنه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمسك عنه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، فهم مجمعون على توحيد مصدر التلقي، وتجريده عن كل شوب كلامي مردود، أو فلسفي مذموم، أو مسلكي مبتدع، ويعتمدون ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، ويُعبرون بها عن المعاني الشرعية وفق لغة القرآن وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا لإجماع الأمة إذا انعقد، وليس لآحادها عصمة، ويعتقدون أن الإجماع في الأحكام حجة قاطعة، وأن الخلاف السائغ موطنًا للسعة، وما اختلف فيه وجب ردّه إلى الكتاب والسنة، مع الاعتذار عن المخطئ من الأئمة، فلا يُعَصِّمون ولا يُؤثمون، أي: لا عصمة لأحد من الأئمة ولا إثم على المجتهد إذا أخطأ.

ودليل ذلك واضح في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاءت الآيات، وتضافرت النصوص على وجوب اتباع الكتاب والسنة، فكم نقرأ أمرًا من الله عز وجل بطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال -جل وعلا-: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ} [النساء: 59]، وقال -جل وعلا-: {مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80]، وقال سبحانه: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، وقال -جل وعلا: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65].

فلا إيمان يصح إلا بهذا الانقياد وهذا الاتباع بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(1) {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوَاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 1، 2].

وهكذا تتوالى الآيات تترى في وجوب التمسّك بالقرآن والسنة، والرجوع إليهما عند الاختلاف، إن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول، أي: إلى القرآن والسنة، هذا هو المرجع الأساسي والأمر الرئيسي، الذي ينبغي أن نلتقي عليه، وهو أهم ما يميز أهل الإسلام أو أهل السنة والجماعة.

قلت: والمخطئ من الأئمة نعتذر له لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) حتى مع خطئه له أجر، أجر اجتهاده، أما مع صوابه فله أجران؛ أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، فهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، والذي ينبغي أن يسير عليه كل من رضي بالله تعالى ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

error: النص محمي !!