Top
Image Alt

وجوب قضاء جملة الصلاة، صفته، شروطه

  /  وجوب قضاء جملة الصلاة، صفته، شروطه

وجوب قضاء جملة الصلاة، صفته، شروطه

الباب الثاني من أبواب الجملة الرابعة من جُمل الصلاة: قضاء الصلاة:

الإنسان الذي فاتته فريضة من الفرائض بعذر أو بغير عذر، بعذر أي: سهوًا أو نومًا، أو بغير عذر: تكاسلًا أو تعمدًا. ما حُكمه؟

هل الصلاة تُقضى ويجب قضاؤها؟ أو لا تُقضى ولا يُقبل قضاؤها؟ هذا هو موضوعنا فيما تبقّى من الوقت.

يقول ابن رشد -رحمه الله: إن الكلام في هذا الباب: على مَن يجب القضاء؟ وفي صفة أنواع القضاء، وفي شروطه.

يقول -رحمه الله: أما على مَن يجب القضاء؟ فقد اتّفق المسلمون على أنه يجب على الناسي والنائم. مَن نسي صلاة أو نام عن صلاة حتى فات وقتُها، فعليه قضاؤها، وقد ورد الحديث صريحًا وصحيحًا في ذلك.

أمّا العامد الذي يتعمّد ترْك الصلاة والمُغمَى عليه فهما موضع اختلاف بين الفقهاء.

من ترك الصلاة ناسيًا أو نائمًا:

اتّفق المسلمون على وجوب القضاء على الناسي والنائم، لثبوت ذلك عن النبيصلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا:

فمِن القول: ((رُفع القلمُ عن ثلاثٍ…))، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصحّحه.

((عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ)).

وفي الحديث الآخر: ((رُفع عن أمّتي: الخطأ، والنِّسيان، وما استُكرهوا عليه))، فذَكر النبي صلى الله عليه وسلم النائم.

حديث آخَر: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا نام أحدُكم عن الصلاة أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرها))، رواه الشيخان. يعني: بمجرّد اليقظة من النوم، أو تذكّر ما نسي، فعليه أن يصلِّي الصلاة؛ والإثم مرفوع عنه.

وما روي أيضًا عند الشيخيْن وأبي داود من فعْله صلى الله عليه وسلم: ((أنه نام عن الصلاة حتى خرج وقتُها، فقضاها))؛ وذلك ((أنهم كانوا في غزوة من الغزوات فناموا في الصحراء حتى ضربتهم الشمس، وسأل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالًا: أي بلال؟! فقال: “أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وتوضئوا، وأُقيمت الصلاة، وغيّروا المكان، فصلّوا الصبح بعد شروق الشمس)).

هذا عن الناسي والنائم، باتّفاق المسلمين، وباتّفاق العلماء: أنّ عليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة نسيانًا أو نومًا.

من ترك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها:

أمّا تاركها عمدًا حتى يخرج الوقت، كما يفعل المنافقون الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ (4) الّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالسهو هنا: تضييع وقت الصلاة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: {وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ قَلِيلاً} [النساء: 142] انقسم العلماء فيه إلى قسميْن:

  • جمهور العلماء قالوا: إنه آثم؛ لأن أحبّ الأعمال إلى الله: الصلاة لوقتها، أو في أوّل وقتها؛ لكن مع أنه آثم ومرتكب كبيرة، يجب عليه القضاء.
  • أمّا أهل الظاهر أو بعضهم فذهبوا إلى: أنه آثم، ولا يقضي. ومن هؤلاء القائلين بذلك: أبو محمد ابن حزم إمام الظاهرية في المغرب والأندلس.

ماذا قال ابن قدامة في هذه القضية؟:

يقول -رحمه الله- كلامًا مُفصّلًا وجيِّدًا في هذه القضية؛ حيث يقول في كتابه (المغني)، يعقد بابًا كاملًا ويقول: باب الحُكم فيمن ترَك الصلاة.

ثم يورد المسألة التي ذكَرها الخرقي بقوله: “ومَن ترَك الصلاة وهو بالغ عاقل، جاحدًا لها أو غير جاحد -يعني: متعمّد لكنه مؤمن بأنها فريضة. الفرق بين الجاحد وغير الجاحد: أن الجاحد مُنكِر، وغير الجاحد مُعترف بفريضة الصلاة، ولكنّ كِلَيْهما لم يُصلِّ، ترك الصلاة عمدًا.

ماذا يفعل المسلمون مع تارك الصلاة عمدًا، جاحدًا أو عامِدًا أو متكاسلًا؟

يقول: دُعِيَ إليها في وقت كلِّ صلاة، مدّة ثلاثة أيام: “قم يا فلان للصلاة!”. فإن قام فبها ونعمت، وإلا قُتِل. والقول بالقتل هنا مسألة خلافية كما سيَرِد في تفاصيل هذا الشرح أو التحليل.

يقول ابن قدامة -رحمه الله: جملةُ ذلك: أن تارك الصلاة لا يخلو إما أن يكون جاحدًا لوجوبها -يعني: مُنكرًا للفرضيّة- أو غير جاحد، معترف لكنه متكاسل. فإن كان جاحدًا لوجوبها، نُظر فيه: فإن كان جاهلًا -سبب الجحود: الجهل بأنها فريضة- وهو ممّن يجهل ذلك؛ لأنه حديث الدخول في الإسلام، أو نشأ في البادية لم يُعرِّفْه أحد بوجوب الصلاة، عُرِّف وجوبها وعُلِّم ذلك، ولم يُحكَم بكفره؛ لأنه معذور. فإن لم يكن ممّن يَجهل ذلك، كالناشئ في المدينة أو القرية بين المسلمين في الأمصار والقرى، لم يُعذَر ولم يُقبل منه ادّعاء الجهل، وحُكم بكُفره؛ لأنّ أدلّة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسُّنّة، والمسلمون يفعلونها على الدوام -يعني: جميع العواصم الإسلامية والمدن والإذاعات، كلّ الناس يصلّون؛ فلا يُقبل منه أنه جاهل بفريضة الصلاة؛ فلا يخفى وجوبُها على من هذا حاله، ولا يجحدها إلَّا تكذيبًا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة. وهذا -يعني: هذا الشخص الذي يجحد فريضة الصلاة- يصير مرتدًا عن الإسلام، وحُكمه حكم سائر المرتدِّين في الاستتابة؛ وهذا معنى قول الخرقي: “دُعي إليها وقت كلِّ صلاة ثلاثة أيام، فإن صلّى قبلت توبته وإلَّا يُقتل”.

يقول ابن قدامة: ولا أعلم في هذا خلافًا. والحقيقة: أن هناك خلافًا في ذلك للحنفية، فإنهم يقولون: أنه يُحبس حتى يصلِّي، ولا يُقتل. وإنْ ترَكها لِمرض أو عجْز عن أركانها أو شروطها، قيل له: إنّ ذلك لا يُسقط الصلاة. صلِّ كيف تستطيع! صلِّ كيفما قَدَرتَ؛ لأن العجز عن بعض الأركان وعن بعض الشروط لا يُسقط الصلاة، وأنه يجب عليه أن يصلِّي حسب طاقته. وإن تركها تهاونًا أو تكاسلًا دُعي إلى فعْلها، وقيل له: “إنْ صلّيتَ وإلا قتلناك!”. يعني: “إن صلّيتَ قبلناك، وإلَّا قتلناك!”. فإن صلّى وإلَّا وجب قتْله. هذا الكلام طبعًا ليس من شأن الأفراد، ولكنه من شأن الإمام، من مسئولية وليّ الأمر، وليس مُباحًا للأفراد يَقتُل بعضُهم بعضًا، ويقول واحد: “فلان لا يصلِّي فأقتله لأنّ ذلك يُحدث فتنة بين المسلمين وبين الناس.

ويقول ابن قدامة أيضًا: ولا يُقتل حتى يُحبس ثلاثًا. -يعني: نعرض عليه التوبة ثلاثة أيام- ويُضيّق عليه فيها. ويُدعَى في وقت كلّ صلاة إلى فعْلها. ويُخوّف ويُهدّد بالقتل؛ فإن صلّى وإلَّا قُتل بالسيف. وبهذا قال مالك، وحماد، ووكيع، والشافعي. وقال الزهري: يُضرب ويُسجن؛ وبه قال أبو حنيفة -كما أشرنا من قبل. يعني: لا يُقتل. وإنما يُضرب، يُعزّر، ويُسجن حتى يصلّي؛ وبه قال أبو حنيفة قال: ولا يُقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَحِلّ دمُ امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: كفرٍ بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان -أي: زواج. أو قتْل نفْس بغير حق -أي: قصاص-))، متفق عليه.

وهذا لا يصدر منه أحد الثلاثة، فلا يحلّ دمه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: “لا إله إلَّا الله”؛ فإذا قالوها -فقط لا إله إلا الله- عصموا مني دماءَهم وأموالهم، إلَّا بحقِّها))، متفق عليه.

ولأنه -أي: الصلاة- فرع من فروع الدِّين، فلا يُقتل بترْكه كالحج أو الصيام. ولأنّ القتل لو شُرع لشُرع زجرًا عن ترْك الصلاة، ولا يجوز شرْع زاجر تحقّق المزجور عنه؛ والقتل يمنع فعْل الصلاة دائمًا، فكيف يكون زاجرًا؟ فلا يُشرع. ولأن الأصل تحريم الدم، فلا تثبت الإباحة إلَّا بنصٍّ أو معنَى نص؛ والأصل عدَمُه. هذا هو رأي أبي حنيفة وأدلّتُه كما رأينا. وهي كلّها أدلّة قوية ومتّفق عليها.

أمّا ابن قدامة ومَن معه من المالكية والشافعية والحنابلة فيقولون: لنا قول الله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] إلى قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ } [التوبة: 5] فأباح قتْلهم، وشرَط في تخْلية سبيلهم التّوبةَ وهي: الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فمتى ترَك الصلاة متعمِّدًا لم يأت بشرط تخليَته، فبقي على وجوب القتل. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن ترك الصلاة متعمِّدًا، فقد برِئتْ منه الذِّمّة))، فهذا يدل على إباحة قتْله. وقال عليه الصلاة والسلام: ((بين العبد وبين الكفر: ترْك الصلاة))، رواه مسلم. والكفْر مبيح للقتل.

قال صلى الله عليه وسلم: ((نُهيتُ عن قتْل المُصلِّين)). وعن أنس قال: قال أبو بكر: “إنَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شهدوا أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتَوا والزكاة))”، رواه الدرقطني. فمفهومه: أنّ غير المصلِّين يُباح قتْلُهم. ولأنها ركن من أركان الإسلام، لا تَدخُله النيابة بنفس ولا مال، فوجَب أن يُقتل تارِكُه، كالشهادة.

وهكذا يمضي ابن قدامة -رحمه الله- في بيان الأدلّة والأقوال التي يرجِّح بها قول أحمد بن حنبل في تكفيره ووجوب قتْله.

ويردّ أيضًا على أبي حنيفة وأصحابه في حبْسه وعدم وجوب قتْله. وعليكم أن تُراجعوا ذلك؛ لأنه لا يزال في هذه الجزئيّة كلام طيِّب وجيِّد لابن قدامة.

أمّا ابن رشد، فيذكر سبب اختلاف الفقهاء في وجوب القضاء أو عدم قبول هذا القضاء -يعني: بين رأي الجمهور وبين رأي الظاهرية- فيقول:

سبب اختلافهم في شيئيْن:

أحدهما: في جواز القياس في الشرع.

الثاني: في قياس العامد على الناسي إذا سُلِّم جواز القياس؛ لأن الظاهرية لا يقولون بالقياس في الأدلة، بينما يقول جمهور العلماء بالقياس في الأحكام. فإذا سلّمنا بالقياس، نقول: هل يُقاس العامد على النّاسي، أو لا يُقاس عليه؟ هذا هو سبب الاختلاف.

فمن رأى أنه إذا وجب القضاء على الناسي الذي عذَره الشرع في أشياء كثيرة، فالمتعمِّد أحرى؛ وبالتالي يجب عليه القضاء. ومن رأى أنّ الناسي والعامد ضدّان لا يجتمعان، ولا يجوز القياس، لم يُجز قياس العامد على الناسي.

المغمَى عليه: متردِّد بين النائم، فيجب عليه القضاء كما يجب على النائم؛ وبذلك قال جماعة من الفقهاء، وبين المجنون المعذور الذي رُفع عنه القلم، فلا يجب عليه القضاء.

صفة قضاء جملة الصلاة:

أمّا صفة القضاء، فقد قال ابن رشد:

إنّ القضاء نوعان: قضاء بجملة الصلاة، وقضاء لبعضها.

والمقصود بجملة الصلاة: أداء الصلاة من أوّلها إلى آخِرها، من تكبيرة الإحرام إلى التسليم.

والمقصود بقضاء البعض: مَن فاتته ركعة، أو فاتتْه سجدة، أو فاته ركعتان أو نحو ذلك، فإنه يقضي ما فاته بعد تسليم الإمام، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيتُم الصلاة فعليكم بالسّكينة؛ فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا)).

تحت هذا العنوان” صفة القضاء”، يقسّم ابن رشد القضاء نوعيْن، ويبدأ بقضاء جملة الصلاة، ويؤجّل قضاء البعض إلى مسألة تالية. يقول -رحمه الله: أمّا قضاء الجملة، أي: الصلاة كاملة، فالنظر فيه صفة القضاء، وشروطه، ووقته.

إذًا: نحن إمام ثلاثة فروع لم يذكر ابن رشد مسائل لها، ولكنه ذكَرها جمعيها تحت هذه المسألة: قضاء جملة الصلاة.

أما عن صفة القضاء فيقول فيها: “هي بعيْنها صفة الأداء”. -يعني: كما تعلّمنا الصلاة، وشروطها، وأركانها سواء كانت أقوالًا أو أفعالًا، وسُننَها، فإن القضاء هو نفسه كالأداء، يعني: يتطلّب جميع ما هو مطلوب في أداء الصلاة، إذا كانت الصلاتان في صفة واحدة من الفرضية -يعني: الصلاة الحالية صاحبة الوقت والصلاة الفائتة التي سيقضيها.

وأمّا إذا كانت الصلاتان -الحاضرة والمقضيّة- في أحوال مختلفة -وهي الأحوال الخاصة بالمصلِّي نفسه- مثْل: أن يَذكر المصلِّي صلاة حضرية وهو في السفر، هل يصلّيها مثل صلاة السفر مع أنها فاتَتْه وهو حاضر؟ أم يصلّيها صلاة حضريّة تامة وكاملة؟ هنا اختلاف بين الصلاتيْن. أو يتذكّر صلاة سفريّة -فاتتْه وهو مسافر- وهو في الحضر؛ هل يقضيها تامة؛ لأنه في حضَر؟ أو يقضيها مقصورة؛ لأنها فاتته في السفر؟

بعد أن يطرح ابن رشد -رحمه الله- هذه القضية يذْكر:

اختلاف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: وهو قول الإمام مالك وأصحابه: أنّ المصلِّي يقضي مثْلَ الذي عليه -يعني: ما دامت الصلاة فاتته في الحضر، فإنه يقضيها تامة. وإذا فاتته في السفر، فإنه يقضيها مقصورة. ولم يُراعوا الوقت الحاضر -يعني: لم يُفرِّقوا بين حال الرّجُل الذي سيصلّي إن كان مسافرًا أو مقيمًا. وإنما راعَوْا موعد أو وقت فوات الصلاة التي ستُقضَى: فإن كانت سفريّة صلاها مقصورة مثل ما عليه، وإن كانت حضريّة صلاها تامة؛ لأن ذلك هو الذي عليه.

القول الثاني: وهو مذهب الشافعي وغيره، وفيه قالوا: إنما يقضي أبدًا أربعًا -يعني: سواء كانت الظهر الذي فاتته، أو العصر، أو العشاء، أية صلاة رباعية، سواء كانت قد فاتتْه وهو مسافر، كان المفروض أن يصلّيها اثنتيْن، أو فاتته وهو في الحضر فهي رباعية، في كِلتا الحالتيْن عليه أن يصليها أو يقضيها أربعًا.

على رأي هؤلاء -أي: الشافعي ومَن وافقه: إن ذكَر الرجل أو المصلي بالسّفر صلاةً حضريّة، صلاها حضريّة على الرغم من أنه مسافر حين تذكّرها. وإن ذكَر في الحضر صلاة سفريّة، صلاها حضريّة أيضًا، مع أنه حاضر الآن وكانت الصلاة التي عليه صلاةً سفرية ينبغي قصْرها. المذهب -كما ذكرنا هو مذهب الشافعي، وأحمد، وغيرهما.

القول الثالث: إنما يقضي أبدًا فرضَ الحال التي هو فيها، يعني: إن كان مسافرًا فيقضي ما عليه على هيئة صلاة السفر، أي: قصرًا. وإن كان حاضرًا يقضي ما عليه تمامًا ما دام حاضرًا، وإن كانت الصلاة سفريّة.

يعلّل ابن رشد -رحمه الله- هذه الأقوال الثلاثة بهذا التعليل: أنّ هناك من العلماء مَن شَبّه قضاء الصلاة بأدائها. فمَن شبّه القضاء بالأداء راعى الحال الحاضرة، وجعل الحُكم لها، قياسًا على المريض يتذكّر صلاة نسيَها في الصحة، هو لا يقدر أن يصليها قائمًا كما كان في الصحة؛ لأنه الآن مريض، فيصلّيها على قَدْر طاقته؛ فكذلك المسافر إذا تذكّر صلاة حضرية وهو في السفر، فإنه يصلّيها مقصورة؛ لأن ذلك هو حاله. أو الصحيح يتذكّر صلاة نسيَها في المرض، هو حينما نسي الصلاة وهو مريض كان سيصليها بأي كيفية، ولكنه الآن تذكّرها وهو صحيح فهل يصلّيها وهو قاعد أو مضطجع كما هو الإذن للمريض؟ أم ما دام صحيحًا يصلّيها بالقيام والركوع والسجود وبكلّ الأركان تامّة كاملة؟

يقول ابن رشد: إنّ فرْضه هو فرض الصلاة في الحال الحاضرة. تلك وجهة نظر الفريق الثالث الذي قال: إنما يقضي أبدًا فرْض الحال التي هو فيها، سواء كان مسافرًا وأقام، أو مقيمًا وسافر، أو مريضًا وصحّ، أو صحيحًا ومرِض.

أمّا من شبّه القضاء بالدّيون كما فعَل الإمام مالك، فإنه يوجب للصلاة المقضيّة صفةَ المنسيّة: ما دام قد نسيَها في الحضر يُصلّيها حضرية حتى وإن كان مسافرًا. وأمّا أصحاب القول الثالث: من أوجب أن يقضي أبدًا أربعًا أو حضرية -وهو رأي الإمام الشافعي وأحمد. فقد راعى الصفة في إحداهما والحال في الأخرى، أي: الحال للحاضر أو المسافر، أعني: أنه إذا ذكَر الحضرية في السفر راعى صفة المقضيّة أي: التمام. وإذا ذكَر السفرية في الحضر راعى الحال وهو الحضور والإقامة. ففي كلتا الحالتيْن يصلي المقضيّة أو المنسية أربعًا، كما قال الشافعي وأحمد.

بقول ابن رشد، تعليقًا على قول الشافعي وأحمد: وذلك اضطراب جارٍ على غير قياس، إلَّا أن يذهب مذهب الاحتياط، يعني: إلا أن يكون القائلون بذلك قد رغبوا في الاحتياط، وذلك يُتصوّر فيمن يرى القصر رخصة. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل في صلاة السفر، وعرفنا أن ذلك رأي الإمام الشافعي وأحمد.

ماذا يقول ابن قدامة -رحمه الله- في هذه القضية؟

إنه يفصِّل أكثر ممّا قال ابن رشد. يقول -رحمه الله- في كتابه (المغني)، تحت عنوان: مسألة قال فيها الخرقي: “وإذا نسيَ صلاة حضر فذكَرها في السفر، أو صلاة سفر فذكرها في الحضر، صلى في الحالتيْن صلاة حضَر”.

يقول ابن قدامة -رحمه الله: نصّ أحمد -رحمه الله- على هاتيْن المسألتيْن في رواية أبي داود والأثرم.

قال في رواية الأثرم: أمّا المقيم إذا ذكَرها في السفر، فذاك بالإجماع يُصلِّي أربعًا؛ لأنها فاتتْه وهو مقيم. وإذا نسيَها في السفر فذكَرها في الحضَر، صلى أربعًا للاحتياط. -وهذا الذي أشار إليه ابن رشد: “إلا أن يذهب مذهب الاحتياط”- فإنما وجبت عليه الساعة. فذهب أبو عبد الله -أي: أحمد بن حنبل- إلى ظاهر الحديث: ((فلْيُصلِّها إذا ذكَرها)). وهو قد ذكَرها في الحضر مع أنها سفرية، إلا أنه ذكَرها في الحضَر فيصلّيها أربعًا. أمّا إذا نسي صلاة الحضر فذكَرها في السفر، فعليه الإتمام إجماعًا؛ لأنها إنما كانت في الحضر حين فاتتْه رباعية؛ ذكره الإمام أحمد وابن المنذر؛ لأنّ الصلاة تعيّن عليه فعْلها أربعًا، فلم يجُز له النقصان مِن عددِها كما لو سافر، ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربع. وأمّا إن نسي صلاة السفر فذكَرها في الحضَر، فقال أحمد: “عليه الإتمام احتياطًا”؛ وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليْه. وقال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي: يصلّيها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته ولم يَفُتْه إلَّا ركعتان؛ وهذا هو القول الأوّل كما أشار ابن رشد.

ولكن ابن قدامة يردّ على هؤلاء القائلين بذلك بقوله: إن القصْر رخصة من رُخص السفر، فيَبطل بزواله -يعني: ما دام السفر قد زال، فلماذا يقصر وهو حاضر؟- فيبطل بزواله كالمسح ثلاثًا. ولأنها وجبت عليه في الحضر بدليل قولهصلى الله عليه وسلم:((فلْيُصلِّها إذا ذكَرها))، وهو لم يذكُرها إلَّا في الحضر، ولأنها عبادة تختلف في الحضر والسفر، فإذا وُجد أحدُ طرفيْها في الحضَر غُلِّب فيها حكمه.

كما يردّ عليهم أيضًا بقوله: وقياسهم يَنتقض بالجمعة إذا فاتت، فإنّ المرء يصلّيها ظهرًا أربع ركعات، ولا يصلِّيها ركعتيْن. وكذلك ينتقض بالمتيمّم إذا فاتته الصلاة فقضاها عند وجود الماء.

ثم يقول: وإن نسيَها في سفر وذكَرها فيه، قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه، أشبه ما لو صلَّاها في وقتها. وإن ذكَرها في سفر آخَر فكذلك، لِما ذكَرْنا، وسواء ذكَرها في الحضر أو لم يذْكُرها. ويحتمل أنه إن ذكَرها في الحضر لَزِمَتْه تامة؛ لأنه وجب فعْلها تامة بذكْره إياها، فبقيت في ذمّته، والأوّل أوْلى. يعني: ما دام في سفر وقد كانت فاتتْه في السفر أن يصلّيها كذلك؛ لأن وجوبها وفعْلها في السفر، فكانت صلاة سفر، كما لم يذكُرها في الحضَر.

وذكَر بعض أصحابنا: أنّ من شرط القصر: كون الصلاة مؤداة؛ لأنها صلاة مقصورة فاشتُرط لها الوقت كالجمعة؛ وهذا فاسد، فإن هذا اشتراط بالرأي والتحكّم لم يَرِد الشّرع به. والقياس على الجمعة غير صحيح؛ فإنّ الجمعة لا تُقضَى، ويُشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان، فجاز اشتراط الوقت لها، بخلاف صلاة السفر. 

شروط القضاء:

الجزئية الثانية من جزئيات المسألة الأولى: صفة القضاء، والتي يتناول فيها ابن رشد -رحمه الله: “شروط القضاء ووقته”.

يقول -رحمه الله: 

إنّ من شروط القضاء الذي اختلفوا فيه:

الترتيب: -يقصد: الترتيب بين الصلوات المنسية بعضها مع بعض؛ فيقدّم الصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء.

وأيضًا الترتيب بين صاحبة الوقت والصلاة المنسيّة التي ذكَرها. بماذا يبدأ؟ يبدأ بصاحبة الوقت؛ لأنها صاحبة الوقت؟ أم يبدأ بالصلاة المنسيّة؛ لأنّ هذا وقتها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلْيصلِّها إذا ذكَرها))؟ يبدأ بالمنسيّة ثم يصلّي الحاضرة صاحبة الوقت.

تلك الجزئية موضع اختلاف بين الفقهاء: اختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيّات -أعني -يقول ابن رشد: في وجوب ترتيب المنسيات مع الصلاة الحاضرة صاحبة الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من صلاة واحدة.

ذهب مالك إلى: أن الترتيب واجب بين الصلوات في الخمس صلوات فما دونها. يعني: إذا كانت الفوائت أكثر من خمس، يصلّي كما يستطع أو قَدْر طاقته. أما إن كانت خمسًا وما دونها، فيجب عليه مراعاة الترتيب بينها -هذا من جهة- من جهة أخرى، بينها وبين صاحبة الوقت، فيبدأ بالمنسيّة حتى وإن فات وقت الحاضرة؛ وهذه مبالغة. حتى أنه قال: إن ذكَر المنسيّة وهو في الحاضرة، فسدتِ الحاضرة عليه. وهذا كما قلنا مبالغة.

ويوافق الإمام أحمد الإمام مالك في هذه القضية. كما يوافق أيضًا على ذلك الإمام أبو حنيفة، إلَّا أنه قال: إن ذكَر المنسيّة وهو في الحاضرة، فسدت الحاضرة عليه. وبمثل ذلك قال أبو حنيفة والثوري، إلا أنهم رأوا الترتيب واجبًا مع اتّساع وقت الحاضرة.

يعني هناك جزئية في الاختلاف بين أبي حنيفة وأحمد مع الإمام مالك، يعني: إن كان الترتيب سيؤدي إلى ضياع صاحبة الوقت، يبدأ بصاحبة الوقت. أمّا إن كان هناك اتّساع في وقت الصلاة الحاضرة، فإنه يبدأ بقضاء الصلاة المنسية.

واتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان. وقال الشافعي: لا يجب الترتيب، وإن فعل ذلك وراعاه مع اتّساع الوقت فحَسن، يعني: في وقت الحاضرة.

ما قاله ابن قدامة:

تعالوا معي نتعرّف على ما قاله أيضًا ابن قدامة حول هذه الجزئية، جزئية: الترتيب بين الصلوات الفائتة وبين صاحبة الوقت الصلاة الحاضرة. يقول الخرقي في الجزء الأوّل من كتاب (المغني): “ومن ذكَر أنّ عليه صلاةً وهو في أخرى، أتمّها وقضى المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت باقيًا”.

تصوّروا هذه المسألة: أن إنسانًا عليه صلاة منسية، وهو الآن يصلّي الصلاة الحاضرة صاحبة الوقت. تذكّر الصلاة المنسية وهو في الصلاة صاحبة الوقت. يقول الخرقي: “يتمّ هذه الصلاة، ثم يقضي الصلاة التي تذكّرها. ثم يعيد الصلاة التي كان يُصلِّيها من قبْل وتذكّر فيها الصلاة المنسية”.

يقول ابن قدامة في التعليق على ذلك: جملة ذلك: أنّ الترتيب واجب في قضاء الفوائت، نصّ عليه في مواضع. قال في رواية أبي داود في من ترَك صلاة سَنَة: يصلّيها، ويُعيد كلّ صلاة صلَّاها وهو ذاكر. وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ما يدلّ على وجوب الترتيب، ونحوه عن النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والليث، وأبي حنيفة، وإسحاق. يعني: جمهور العلماء قالوا بضرورة الترتيب حتى ولو كان المتروك سَنة.

وقال الشافعي: لا يجب.

يردّ ابن قدامة على كلام الشافعي فيقول: لنا ما رُوي: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فاته يوم الخندق أربعُ صلوات، فقضاهنّ مرتّبة، وقال: صلّوا كما رأيتموني أصلِّي)). وروى الإمام أحمد بإسناده، عن أبي زمعة حبيب بن سباع، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلّى المغرب، فلما فرغ قال: هل علِم أحدٌ منكم أنّي صلّيتُ العصر، فقالوا: يا رسول الله، ما صلّيْتَها. فأمَر المؤذِّن فأقام الصلاة، فصلّى العصر. ثم أعاد المغرب))؛ وهذا يدلّ على وجوب الترتيب.

وروى أبو حفص بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن نسي صلاة فلم يذكُرْها إلَّا وهو مع الإمام، فلْيصلِّ مع الإمام. فإذا فرغ من الصلاة، فلْيُعِد الصلاة التي نَسي. ثم لِيُعد الصلاة التي صلَّاها مع الإمام)).

وروي موقوفًا عن ابن عمر: “ولأنهما صلاتان مؤقّتتان، فوجب الترتيب فيهما كالمجموعتيْن”. مؤقّتتان أي: هذا وقت كلٍّ منهما: الحاضرة هذا وقتُها، والمنسيّة هذا وقتُ تذكُّرها فهو وقتُها؛ فوجب الترتيب فيهما كالمجموعتيْن؛ لأننا في الجمع نُقدّم الظهر على العصر حتى وإن كان في جمع التأخير، أي: في وقت العصر.

إذا ثبت هذا، فإنه يجب الترتيب فيها وإن كثرت -كما سبق أن قلنا: مَن ترَك صلاة سَنَة- وقد نص عليه أحمد.

وقال مالك وأبو حنيفة: “لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة”، أي: خمْس فما دونها، كما أشار ابن رشد. ولأنّ اعتباره فيما زاد على ذلك يشقّ، ويُفضِي إلى الدخول في التكرار، فسقط كالترتيب في قضاء صيام رمضان.

والحقيقة: أن هذا أوْلى وأفضل، مع أنّ ابن قدامة يردّ ويقول: لنا أنها صلوات واجبات تُفعل في وقت يتّسع لها، فوجب فيها الترتيب الخمس. وإفضاؤه إلى التكرار لا يمنع وجوب الترتيب كترتيب الركوع على السجود، وهذا الترتيب شرْط في الصلاة؛ فلو أخلّ به لم تصحّ صلاته بدليل ما ذكرناه من حديث أبي زمعة وحديث ابن عمر. ولأنه ترتيب واجب في الصلاة، فكان شرطًا لصحّتها كترتيب المجموعتيْن.

ثم يضيف: إذا ثبت هذا -عُدنا إلى مسألة الكتاب، أي: مسألة الخرقي، وهي: إذا أحرم بالحاضرة، ثم ذكَر في أثنائها أنّ عليه فائتة والوقت متّسع -أي: يتّسع لأداء المنسيّة أوّلًا. فإنه يُتمّها -أي: يتمّ الصلاة التي نواها ويقضي الفائتة. ثم يُعيد الصلاة التي كان فيها من أجْل الترتيب، سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا. هذا ظاهر كلام الخرقي، وأبي بكر. وهو قول ابن عمر، ومالك، والليث، وإسحاق في المأموم. وهو الذي نقله الجماعة عن أحمد أيضًا في المأموم. ونقل عنه جماعة في المنفرد: أنه يقطع الصلاة ويقضي الفائتة، ثم يعود لصاحبة الوقت؛ وهو قول النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري في المنفرد.

يقول ابن قدامة: ولنا على وجوب الإعادة: حديث ابن عمر وحديث أبي زمعة، ولأنه ترتيب واجب، فوجب اشتراطه لصحة الصلاة كترتيب المجموعتيْن.

ثم يقول أيضًا: ومَن ذكَر صلاة وهو في أخرى، يدلّ على أنه متى صلّى ناسيًا للفائتة أنّ صلاته صحيحة؛ وقد نصّ أحمد على هذا في رواية الجماعة، قال: “متى ذكَر الفائتة وقد سلّم، أجزأته، ويقضي الفائتة”. وقال مالك: “يجب الترتيب مع النسيان”. ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بحديث أبي زمعة وبالقياس على المجموعتيْن.

ولنا -أي: في الردّ على مالك بأنه يعيد الصلاة: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((عُفِيَ لأمّتي عن الخطأ والنسيان))، ولأن المنسيّة ليست عليها أمارة، فجاز أن يؤثِّر فيها النسيان كالصّيام.

وأما حديث أبي زمعة؛ فإنه من رواية ابن لهيعة وفيه ضعف، ويحتمل أن النبيصلى الله عليه وسلم ذكَرها وهو في الصلاة، ولذلك أعاد المغرب. وأما المجموعتان قائمًا لم يعذر بالنسيان لأن عليهما أمارة وهو اجتماع الجماعة، بخلاف مسألتنا. ولا فرق بين أن يكون قد سبق منه ذكْر الفائتة أو لم يسبق منه لها ذكر.

هذا ما قاله كلّ من ابن رشد وابن قدامة -رحمهما الله تعالى- عن اشتراط الترتيب، سواء بين الصلوات المنسيّة التي تذكّرها وسيبدأ في قضائها، أو بين الصلاة صاحبة الوقت وهي الصلاة الحاضرة.

error: النص محمي !!