Top
Image Alt

وظائف الرسل ومهماتهم

  /  وظائف الرسل ومهماتهم

وظائف الرسل ومهماتهم

لما كانت حاجة البشر مُلحّة إلى إرسال الأنبياء والرسل من عند الله، فقد بيّن لنا القرآن الكريم عمل الرسل تجاه هؤلاء البشر.

فكان أول عمل يلزمهم: مهمة تبليغ رسالتهم, قال تعالى: {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] فكانت مهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الرسالة التي حملوا أمانتها في تبليغ العباد، ولم تكن مهمة التبليغ بالأمر الهين؛ بل كانت تحتاج إلى شجاعة وقوة في الحق، وإقدام في المواجهة وعدم خشية الناس؛ لأنهم يبلغون ما يخالف المعتقدات الفاسدة, قال تعالى: {الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ} [الأحزاب: 39].

والبلاغ يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها الله، من غير زيادة ولا نقصان؛ فإن كان الموحى به ليس نصًّا يُتلى، يكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم، وقد يكون البلاغ بتوضيح وتبيين النص الذي أنزله الله؛ وذلك لأن الرسول أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44].

الوظيفة الثانية من وظائف الرسل ومهماتهم: الدعوة إلى الله، فلا تقف مهمة الرسل عند بيان الوحي المنزل عليهم من عند الله، ولكن يجب عليهم دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ} [النحل: 36] وكل رسول قال لقومه: اتقوا الله وأطيعوني.

وقد ضربت الملائكة للرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا توضح فيه دوره وتبين فيه وظيفته، ففي الحديث: ((إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه؛ فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول الله، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها)) رواه البخاري والترمذي.

ومن وظائف الرسل ومهماتهم: أنهم مبشرون ومنذرون، فدعوة الرسل إلى الله تعالى أساسها توحيد الله وإقامة شرعه، وهي تقترن دائمًا بالتبشير والإنذار؛ قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الكهف: 56]. وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة؛ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً} [النحل: 97] ويعدونهم بالعز والأمن والتمكين, قال تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور: 55].

وكذلك يخوّفون العصاة بالشقاء الدنيوي، بقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} [طه: 124] ثم يبشرون الطائعين بالجنة في الآخرة ونعيمها, بقوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13], ويخوفون المجرمين والعصاة من عذاب الله في الآخرة بقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ} [النساء: 14].

ثم من مهمات الرسل ووظائفهم: إصلاح النفوس وتزكيتها، فالله تعالى رحيمٌ بعباده، يحيي نفوسهم بوحيه وينيرها بنوره، ويخرجهم من الظلمات إلى النور؛ من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق, قال تعالى: {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [البقرة: 257], ولا يتحقق هذا إلا بتعاليم رَبّهم، وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وما ينفعهم وما يضرهم, قال تعالى: {رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129].

وكذلك من وظائفهم ومهماتهم: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة؛ فقد كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة الصحيحة، يعبدون الله وحده ولا يشركون به، فلما تفرقوا واختلفوا أرسل الله إليهم الرسل؛ ليعيدوا الناس إلى الطريق المستقيم، وينتشلوهم من الضلال, قال تعالى: {كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]. فكل رسولٍ يقوِّم الانحراف الحادث في عصره؛ فنوح عليه السلام أنكر على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وغيرهما كثير.

فكل هذه الجرائم التي ارتكبتها الأمم خروجٌ عن الصراط المستقيم، فكانت مهمة الرسل أن يبينوا لهم الهدى الذي يدلهم على الصراط المستقيم، ويحاربوا الخروج عليه أيًّا كان.

ومن وظائف الرسل ومهماتهم: إقامة الحجة؛ قال تعالى: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ} [النساء: 165] فالله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ كي لا يبقى للناس حجة إن عذبهم يوم القيامة، فلو أهلكهم الله بعذابٍ جزاء كفرهم قبل أن يرسل إليهم رسولًا, لقالوا: ألا أرسلت إلينا رسولًا كي نعرف مرادك، ونتبع آياتك وشرعك، ونسير على النهج الذي تريد؟ يقول تعالى: {وَلَوْ أَنّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نّذِلّ وَنَخْزَىَ} [طه: 134].

ويوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين، يأتي الله بكل أمة وبرسولها؛ ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه وأقام عليها الحجة, يقول تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هَـَؤُلآءِ شَهِيداً}(41) {يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً} [النساء: 41، 42].

وآخر وظيفة من وظائف الرسل ومهماتهم: قيادة الأمة، فأتباع الرسول الذين يؤمنون بالرسل يكونون جماعات تحتاج إلى من يقودهم، ويدبر أمورهم، والرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم؛ قال تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 48]. وطاعتهم في كل أمر واجبة, قال تعالى: {مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80]؛ ولهذا فقد كان شعار المسلم دائمًا السمع والطاعة في قوله تعالى: {إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] وهذا هو حال المؤمن الصادق بين ربه, المطيع لرسوله صلى الله عليه وسلم, عليه وجوب الطاعة لما أمر الله ورسوله.

error: النص محمي !!