Top
Image Alt

وقت خروج السفهاء من الحجر

  /  وقت خروج السفهاء من الحجر

وقت خروج السفهاء من الحجر

السفيه لا يخرج من الحجر إلا إذا أُونس منه الرشد، فهو داخل في المعنى السابق في الآية الكريمة: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، لكننا تكلمنا عن إيناس الرشد في عدة مواضع، إذًا: نقف هنا لنقول: ما هو الرشد إذًا؛ لأننا قلنا: الصبي يخرج من الحجر بإيناس الرشد منه، والمجنون يخرج من الحجر في حال الإفاقة، وتكون تصرفاته في حال الإفاقة كاملة كالعقلاء هذا في حالة رشد؟

الرشد في اللغة: هو الرشاد, بمعنى: الصلاح والاهتداء إلى صواب الأعمال، والصفة منه راشد، نقول: هذا راشد أو رشيد, بمعنى: أنه في حالة رشد، والرشد عكس الغَيّ والضلال، كمال قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}  [البقرة: 256], فالرشيد ليس في حالة غي، ولا في حالة ضلال. هذا من ناحية اللغة.

أما الرشد في الاصطلاح فهو عند الجمهور -أي: الحنفية، والمالكية، والحنابلة- يعني صلاح المال فقط, ولو كان الشخص فاسقًا، بمعنى: أن يكون الشخص ذا خبرة وبصيرة في الشئون المالية، ولو كان فاسقًا من الناحية الدينية، أي: لا يهمنا أن يكون من الناحية الدينية سليمًا، لا يفعل محرمات، أو لا يرتكب شيئًا من المعاصي، بل يهمنا أن نحكم عليه بأنه رشيد عند الجمهور إذا كان يحسن التصرف المالي، ولو كان فاسقًا من الناحية الدينية، فيكون عنده خبرة في استثمار المال، وإدارته، وحفظه، وحسن التصرف فيه بالتمييز بين الضار والنافع، ولا يكون مبذرًا، ولا ينفق ماله إلا في المصلحة النافعة. قال ابن عباس: قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا} يعني: صلاحًا في أموالهم، فمن كان مصلحًا في ماله بالمعاني السابقة التي قلناها؛ فقد وجد منه الرشد.

ويقول الشافعية: إن الرشد عندنا هو صلاح الأمرين؛ الصلاح في الدين والمال، وقالوا: أما من ناحية الدين فإصلاحه بألّا يرتكب من المعاصي ما يسقط عدالته، وإصلاح المال بالمعنى السابق الذي قلناه، أي: لا يبذر، ولا يفعل محرمًا من إنفاق المال في المحرمات، وتغلب طاعاته على معاصيه، فلا يغبن في المعاملات، ولا يرمي المال في غير موضعه أو ينفقه في محرم؛ كل هذه المعاني تعتبر إصلاحًا للمال.

فالرشد عندهم هو صلاح الدين والمال, فإذا بلغ الصغير غير رشيد لاختلال الصلاح في دينه أو ماله؛ استمر الحجر عليه، فيتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه، وهو الولي ونحوه كالوصي أو القاضي.

الشافعية يقولون: صرف المال في أوجه الخير؛ في الصدقة، وكذلك في المطاعم، والملابس التي حتى ولو كانت لا تليق بحاله لا تعد تبذيرًا، وإنما هذا لا يحجر عليه فيه.

والوسيلة التي يعرف بها رشد الشخص تكون باختباره، أي: يختبره الولي فيقوم باختبار من تحت ولايته؛ لأن الله أشار إلى هذا، وقال: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى}, أي: اختبروهم, فيعتبر الرشد باختباره مثلًا ومشاهدة حاله في العبادات كما يقول الشافعية، وبأن يجتنب المحظورات ويتوقى الشبهات، ولا يختلط إلا بأهل الخير، واختباره في المال يكون بحسب أمثاله، فإذا كان ولدًا تاجرًا فيختبر بمهارته في البيع والشراء، وإن كان ولدًا زارعًا فيختبر فيما يتصل بالزراعة من النفقة فيها وعليها، ويختبر أيضًا صاحب الحرفة بما يتعلق بحرفة أبيه، أو مهنة أهله وأقاربه، والمرأة كذلك تختبر بما يتعلق بهذه الأمور، وبما هو من خصوصياتها. 

هل يشترط الاختبار؟ قالوا: يشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر قبل البلوغ، وقيل: بعد البلوغ أيضًا. فالوسيلة التي يعرف بها الرشد تكون باختباره؛ لقول الله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى}على الوجه الذي ذكرناه.

error: النص محمي !!