Top
Image Alt

وقوع “أن” المصدرية الناصبة للمضارع بعد “إلا”، وإعراب الزمخشري وأبي حيان والعكبري للمصدر المؤول، والتفريغ من الصفات

  /  وقوع “أن” المصدرية الناصبة للمضارع بعد “إلا”، وإعراب الزمخشري وأبي حيان والعكبري للمصدر المؤول، والتفريغ من الصفات

وقوع “أن” المصدرية الناصبة للمضارع بعد “إلا”، وإعراب الزمخشري وأبي حيان والعكبري للمصدر المؤول، والتفريغ من الصفات

1. وقوع “أنْ” المصدرية الناصبة للمضارع بعد “إلا”:

جاءت “أنْ” الناصبة للمضارع بعد “إلا” في آيات كثيرة، بعضها لا خفاء ولا اختلاف في إعراب المصدر المؤول فيها؛ فالمصدر المؤول مفعول به في قوله تعالى: {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32]، فـ {أَن يُتِمَّ نُورَهُ} مصدر مؤول مفعول به لـ”يأبى”، يعني: يأبى الله إلا إتمام نوره.

{إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ} [القصص: 19]، المصدر المؤول “أن تكون” في محل نصب مفعول به للفعل تريد.

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]، {أَن يَأْتِيَهُمُ} مصدر مؤول مفعول به لـ”ينظرون”، ومثلها: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ} [الأنعام: 158]، هذا نمط من الآيات التي يكون فيها المصدر المؤول مفعولًا به، وهو واضح لا خلاف بين العلماء في إعرابه.

كذلك جاء المصدر المؤول خبر المبتدأ في قوله تعالى: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ} [يوسف: 25] أي: إلا السجن، وجاء المصدر المؤول فاعلًا في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} [الكهف: 55]، أي: إلا إتيانهم سنة الأولين، أو إلا إتيان سنة الأولين لهم.

2. إعراب الزمخشري للمصدر المؤول:

ولأبي حيان موقف يشوبه الاضطراب، فهو يرد على الزمخشري إعرابه للمصدر المؤول ظرف زمان في قوله تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الإنسان: 30]، قال في (البحر): وقال الزمخشري: فإن قلت: ما محل “أن شاء الله” قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله، وكذلك قرأ ابن مسعود: “إلا ما يشاء الله”؛ لأن “ما” مع الفعل كـ”أن” معه، ونصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف إلا المصدر المصرح به، كقولك: “أجيئك صياح الديك”، ولا يجيزون: “أجيئك أن يصيح الديك”، ولا “ما يصيح الديك”، فعلى هذا لا يجوز ما قاله الزمخشري.

وفي قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92] يرى الزمخشري أن “أن يصدقوا” في موطن الحال، أو في موطن النصب على الظرفية الزمانية.

قال أبو حيان: وكلا التخريجين خطأ، أما جعل “أن” وما بعدها ظرفًا فلا يجوز، نص على ذلك النحويون، وأنه مما انفردت به “ما” المصدرية أن تكون منصوبة على الظرفية بعد “إلا”.

وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضًا على أن ذلك لا يجوز، فعلى الذي قررناه يكون كونه استثناءً منقطعًا وهو الصواب.

الملاحظ على أبي حيان أنه في هذا التعليق الثاني على هذه الآية أتى بالبديل، وهو أن {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} استنثاء منقطع، بينما هو في الآية الأولى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الإنسان: 30] اكتفى بالنقد ولم يذكر البديل.

ويلاحظ عليه كذلك أنه في نقده الأول للزمخشري في إعرابه: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الإنسان: 30]، ادعى أن “ما” مع الفعل كـ”أن” معه، وهنا في هذا النص يقول: إن “ما” مع الفعل انفردت بأن تكون في محل نصب على الظرفية الزمانية بعد “إلا”.

وفي قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] أعرب الزمخشري المصدر المؤول ظرفَ زمان أيضًا.

3. إعراب أبي حيان للمصدر المؤول:

خرّج أبو حيان المصدر المؤول على حذف باء الجر التي للسببية أو للحال، أي: اعتبر أن المصدر المؤول في قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] في محل نصب على حذف باء الجر التي للسببية، أو أنه في محل نصب على الحال، في الوقت الذي نجده يقول في الآية الأولى، وهي: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92] -عندما قال الزمخشري: {أَن يَصَّدَّقُواْ} في محل نصب على الظرفية الزمانية أو حال: وكلا التخريجين خطأ، وهنا يخرج {أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} فيقول: إن المصدر المؤول في محل نصب على الحال.

هكذا نجد أبا حيان يذكر إعراب المصدر المؤول ظرف زمان، ويقول: إن ذلك رأي ابن جني. فعلى ما أجازه ابن جني يجوز أن تخرّج الآية، وهو قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] أي: إلا وقت أن يحاط بكم، فالمصدر المؤول في محل نصب على الظرفية الزمانية كما ذهب إليه ابن جني، واستسلم الشيخ أبو حيان لرأي ابن جني في الوقت الذي يعترض فيه على الزمخشري، عندما يعرب المصدر المؤول ظرف زمان.

وكذلك أبو حيان أجاز أن يكون المصدر المؤول منصوبًا على الظرفية في قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19].

قال في (البحر): هذا استثناء متصل، ولا حاجة إلى دعوى الانقطاع كما ذهب إليه بعضهم، وهو استثناء من ظرف زمان عام، أو من علة، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات، إلا وقت أن يأتين، أو لعلة من العلل إلا أن يأتين.

4. إعراب العكبري للمصدر المؤول:

أعرب العُكبريّ المصدر المؤول في قوله تعالى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا} [الأنعام: 80] ظرف زمان، وهو إعراب الزمخشري {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [المدَّثر: 56]، وأعرب المصدر المؤول في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} [البقرة: 229] حالا؛ فـ”أن يخافا” مصدر مؤول في محل نصب على الحال عنده.

أما {أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] في قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، فيعرب العكبري “أن تتقوا” هنا مفعولًا لأجله، وكذلك {أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} في قوله تعالى: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: 20] وهو إعراب الزمخشري أيضًا.

وفي قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74] يعرب العكبري {أَنْ أَغْنَاهُمُ} مفعولًا به أو مفعولًا لأجله، أي: وما كرهوا الإيمان إلا ليغنوا، وجعل العكبري المصدر المؤول استثناء منقطعًا في قوله تعالى: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 6].

وجوّز العكبري في قوله تعالى: {أَن يُحَاطَ بِكُمْ} من قوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] الانقطاع والحالية، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] جوّز العكبري في {أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الانقطاع، أو النصب على الظرفية الزمانية.

هذا هو موقف العكبري من المصدر المؤول من “أن” والفعل بعد “إلا” في الشاهد القرآني، وأنه إما أن يكون منصوبًا على الظرفية الزمانية، وإما أن يكون منصوبًا على الحالية، وإما أن يكون استثناء منقطعًا، وهو موقف بقية العلماء كأبي حيان، فهو لم يخرج عمّا ذهب إليه النحاة تقريبًا في إعراب المصدر المؤول، الذي لم تتضح فيه الفاعلية أو المفعولية أو الخبرية.

5. التفريغ من الصفات:

أولًا: استشكل الرضي التفريغ في الصفات، وفي الأحوال، وفي الأخبار، فقال في (شرح الكافية): والوصف نحو: ما جاءني أحد إلا ظريف، وفي خبر المبتدأ نحو: ما زيد إلا قائم، وفي الحال نحو: ما جاءني زيد إلا راكبًا.

في هذه الجمل إشكال، أي: لو قلت: ما جاءني أحد إلا ظريف، بتفريغ الصفة، أي: ما جاءني أحد موصوف بصفة إلا أن يكون ظريفًا مثلًا، وتفريغ الخبر: ما زيد إلا قائم، أو الحال في نحو: ما جاءني زيد إلا راكبًا، أي: ما جاءني في حال من الأحوال إلا حال ركوبه.

هذا التفريغ فيه إشكال كما ذهب إلى ذلك الرضي، يتضح هذا الإشكال عندما نعرف أن معنى قولنا: ما جاء أحد إلا ظريف: ما جاءني أحد متصف بصفة إلا بصفة الظرافة، وما زيد متصف بصفة إلا بصفة القيام، وما جاءني أحدٌ على حال من الأحوال إلا على حال الركوب، وهذا محال.

ووجه الإحالة، أنه لا بد للمتصف بصفة الظرافة من الاتصاف بغيرها، ولكنْ في الحقيقة ما ذكره الرضي من أنه محال، من الممكن أن يوجه توجيهًا آخر يجعله جائزًا، ذلك أنك عندما تقول: ما جاءني أحد إلا ظريف، لا تقصد بالحصر إلا المبالغة في إثبات الوصف المذكور، حتى كأن ما دونه في حكم العدم، وأما أن يقال: إن هذا التعبير لا يوصف إلا بالظرافة، فهذا في الحقيقة غير مقصود، وإنما المتكلم أراد أن يجعل صفة الظرافة من أبرز ما في القادم، كأنه مجردٌ من غيرها.

وهناك توجيهٌ آخر؛ أنه نفيٌ لما يمكن انتفاؤه من الوصف المضاد للوصف المثبت؛ لأنه معلوم أن جميع الصفات يستحيل انتفاؤها، أي: عندما أقول: ما جاءني أحد إلا ظريف، فإني أريد أن أنفي الوصف المضاد للظرافة، أمَا وأنْ يقال: إن هذا التعبير لا يتصف إلا بالظرافة، فهذا تحكم.

وننتهي إلى أنه يجوز التفريغ في الصفات، وفي الأحوال، وفي الأخبار؛ لقصد المبالغة.

error: النص محمي !!