Top
Image Alt

وقوع الترادف في القرآن، وسببه

  /  وقوع الترادف في القرآن، وسببه

وقوع الترادف في القرآن، وسببه

تعريف الترادف:

الترادف لغة: مشتق من مرادفة البهيمة، وَهِيَ حَمْلُهَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى ظَهْرِهَا وَرِدْفِهَا.

أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فهُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُفْرَدَةُ الدَّالَّةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ. وَاحْتُرِزَ بِالْمُفْرَدَةِ عَنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ وَالْحَدِّ، فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ، لِأَنَّ الْحَدَّ مُرَكَّبٌ. وَخَرَجَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ الْمُتَزَايِلانِ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ.

يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في كتابه (المحصول): الألفاظ المترادفة هي الألفاظ المفردة الدالة على معنًى واحد باعتبار واحد، واحترزنا بقولنا: “المفردة” عن الرسم والحد، وبقولنا: “باعتبار واحد” عن اللفظين إذا دلَّا على شيء واحد باعتبار صفتين؛ كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة وصفة الصفة؛ كالفصيح والناطق؛ فإنهما من المتباينة، أي: من الألفاظ المتباينة، ومعنى المتباينة: أي المتباعدة.

يقول الإمام الأصفهاني -رحمه الله-: قدم الإمام الرازي حد الألفاظ المترادفة، ثم تكلم بعد ذلك في أحكامها، فقال: الألفاظ المترادفة هي الألفاظ المفردة الدالة على معنًى واحد باعتبار واحد.

أما قوله: “الألفاظ”؛ فهو جنس للمترادفات والمتباينات من الألفاظ.

أما قوله: “المفردة”؛ فقد احترز به عن الحد والرسم، إذا كانا لشيء واحد؛ فإنهما يدلان على ذلك الشيء قطعًا، مع أنهما من الألفاظ المتباينة؛ فقولنا: “المفردة” أخرجه عن التعريف؛ فإن الحد مركب تركيبًا تقليديًّا؛ فهو إذًا فصل له.

أما قولنا: “الدالة على معنًى واحد” أخرج الألفاظ المتباينة؛ فإنها ألفاظ مفردة ليست دالة على معنى واحد؛ بل على معانٍ مختلفة متباينة.

وقوله: “باعتبارٍ واحد” أخرج الألفاظ الدالة على معنًى واحد، ولكن باعتبارين مختلفين؛ كالصارم والمهند؛ فإنهما صادقان على شيء واحد -وهو السيف- ولكن باعتبار صفتين مختلفتين؛ فإن الصارم معناه: القاطع، والمهند معناه: المنسوب إلى الهند؛ إما عملًا أو حديدًا؛ فالقاطع والمهند من الألفاظ المتباينة. أو باعتبار الصفة وصفة الصفة؛ كالناطق، والفصيح، وهما صادقان على شيء واحد -وهو اللسان- لكن باعتبارين مختلفين؛ لكون أحدهما صفة والآخر صفة الصفة؛ فهما إذًا من الألفاظ المتباينة. فالجنس الألفاظ وما بعده مميز له عن سائر الألفاظ غير المترادفة؛ فهو إذًا فصل.

يقول الإمام الأصفهاني: هذا شرح التعريف وفيه نظر. بيان هذا النظر: أن القيد الأول وهو قوله: “الدال على معنى واحد” كافٍ في الاحتراز عن الموضوع للصفة والموضوع للذات؛ وذلك لأنهما ما دلَّا على معنى واحد بل دلَّا على معنيين، ضرورة كون الذات معنًى، والصفة معنًى آخر.

وكذلك الكلام في الصفة وصفة الصفة؛ فلا حاجة إلى قوله: “باعتبار واحد” للاحتراز، نعم، لو قيل: يفيد زيادة الإيضاح كان حسنًا، لا يقال: لا حاجة باعتبار قيد الإفراد؛ فإن قولنا: “خمسة نصف العشرة، وعشرة إلا خمسة” ألفاظٌ مترادفة، مع أنها ليست مفردة بأسرها؛ لأنّا نمنع أنها مترادفة، وهذا اصطلاح أصولي وليس للغوي فيه نصٌّ يخالفه، ولو كان له فيه نص لا يوجب ذلك فساد هذا الاصطلاح؛ إذ لا مناقشة في الاصطلاحات، ولا مشاحة في الاصطلاحات.

ويلزم هذا القائل إذا لم يعتبر في الحد قيد الإفراد كون الحد والرسم من الألفاظ المترادفة، ويمكنه الانفصال بالتفصيل في الأول والإجمال في الثاني.

يقول الإمام الرازي -رحمه الله-: “واعلم أن الفرق بين المترادف والمؤكِّد أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلًا، وأما المؤكِّد؛ فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكد؛ بل يفيد تقويته، والفرق بينه وبين التابع؛ كقولنا: “شيْطان ليْطان”: أن التابع وحده لا يفيد؛ بل شرط كونه مفيد تقدم الأول عليه”.

يقول الإمام الأصفهاني في شرح هذه الفقرة: واعلم أن الفرق بين المترادف والمؤكِّد أن أحد المترادفين يفيد عين فائدة الآخر من غير تفاوت أصلًا، وأما المؤكد؛ فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكد؛ بل يفيد تقويته، والفرق بينه وبين التابع؛ كقولنا: “شيْطان ليْطان”: أن التابع وحده لا يفيد؛ بل شرط كونه مفيدًا تقدم الأول عليه.

فلو قال قائل ابتداءً: “ليْطان” مثلًا أو “نائع” لمَا أفاد معنًى لعدم الوضع مفيدًا استقلالًا، ومن الناس من غلط في نحو: عطشان نطشان، في الحد مع الرسم، وتوهم أنها من الألفاظ المترادفة؛ وهذا باطل؛ لأن “نطشان” لا يستقل بالإفادة.

وأما الحد والمحدود؛ فهو قول من قال: إنه لا معنى للحد إلا تبديل لفظٍ بلفظٍ آخر، وهذا فاسدٌ لما قُرر في علم المنطق من قاعدة الحدود والرسوم، وأن الحد التام مركب من الجنس والفصل، والرسم التام من الجنس والخاصة؛ فهما يدلان على شيئين، وأما الاسم؛ فلا دلالة له إلا على شيء واحد.

نعم، ما ذكره في البسائط واضح، فحد الشيء البسيط ورسمه من الألفاظ المترادفة، ولا معنى للحدود والرسوم في البسائط إلا تبديل لفظٍ بلفظ آخر أوضح منه في الدلالة، وذلك بالنسبة والإضافة.

وقد يكون لفظٌ مشهورٌ متداولٌ في إقليم من الأقاليم، أو في أمة من الأمم، ومرادفه أخفى في غير تلك الأقاليم والأمم؛ فيصير الأجلى شرحًا للأخفى، وقد ينعكس ذلك باختلاف البقائع والأمم.

خذ مثلًا كلمة: “حِنطة” وكلمة “بُر” وكلمة “قمح”؛ فالقمح أجلى مثلًا عند المصريين من الحنطة والبر؛ فيصير الحنطة يوضحها القمح؛ فلو قلت لك: ما الحنطة؟ تقول: هي القمح. أو ما البر؟ تقول: القمح؛ فهذا هو معنى قوله: “إنه قد يكون مرادفه أخفى في غير تلك الأمم وفي غير تلك الأقاليم”.

وقوع الترادف:

وفي مسألة وقوع المترادف مذاهب:

أحد هذه المذاهب: أنه واقع مطلقًا، وهو الصحيح من لغة واحدة، ومن لغتين، وبحسب الشرع أيضًا؛ كالفرض والواجب عند غير الحنفية؛ فإن الفرض والواجب عند غير الحنفية مترادفان، وقد يكون بحسب العرف أيضًا.

المذهب الثاني: منع وقوع الترادف مطلقًا؛ لأن وضع اللفظين بمعنى واحد عيٌّ يجل الواضع عنه، كل ما ادُّعي فيه الترادف؛ فإن بين معنييهما تواصلًا؛ لأنهم يعتبرون الاشتقاق الأكبر، واختاره أبو الحسين بن فارس في كتابه (فقه اللغة) وحكاه عن شيخه ثعلب، وقال ابن سيده في (المخصص) كان محمد بن السري -يعني: ابن السراج- يحكي عن أحمد بن يحيى ثعلب منعه، ولا يخلو إما أن يكون منعه سماعًا أو قياسًا، لا يجوز أن يكون سماعًا؛ فإن كتب العلماء باللغة ونقلها طافحة به في تصنيفه كتاب (الألفاظ).

فإن قال: في كل لفظة معنى ليس في الأخرى؛ كما في قوله: مضى، وذهب، قيل: نحن نوجد له ما لا تجِد بدًّا من أن تقول: إنه لا زيادة معنى في واحدة منها دون الأخرى، وذلك نحو: الكتابات؛ ألا ترى أن قولك: ضربك وما ضرب إلا إياك. وجئتني وما جاءني إلا أنت… ونحوه، يُفهم من كل لفظة ما يفهم من الأخرى؛ من الغيبة، والخطابة، والإضمار، والموضع من الإعراب، لا زيادة في ذلك؛ فإذا جاز في شيءٍ وشيئين وثلاثة؛ جاز فيما زاد على ذلك.

وقد صنف الزجَّاج كتابًا منع فيه الترادف، وكتابًا ذكر فيه اشتقاق الأسماء، وصنف أبو هلال العسكري مصنفًا آخر منع فيه الترادف، وسماه (الفروق) قال: وإليه ذهب المحققون من العلماء، وإليه أشار المبرد في كتابه عند قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، قال: فعطف “منهاج” على {شِرْعَةً}؛ لأن الشرعة لأول الشيء، والمنهاج لعظيمه ومتسعه، واستشهد بقولهم: شرع فلان في كذا: إذا ابتدأ فيه، وأنهج البلاء في الثوب: إذا اتسع فيه.

قال أبو هلال: وقال بعض النحويين: لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على المعنيين المختلفين؛ حتى تضامه علامة لكل واحدة منهما، وإلا أشكل؛ فالتبس على المخاطب؛ فكما لا يجوز أن يدل اللفظ على معنيين مختلفين؛ لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد؛ لأن فيه تكثيرًا للغة بما لا فائدة فيه.

وقال المحققون من أهل العربية: لا يجوز أن تختلف الحركات في الكلمتين ومعناهما واحد، قالوا: فإذا كان الرجل عنده الشيء، قيل فيه: “مفعل”؛ كمرحم، ومحرب، وإن كان قويًّا على الفعل قيل: “فعول”؛ كصبور، وشكور، فإذا تكرر منه الفعل قيل: “فعال”؛ كعلام، وجبار، وإذا كان عادة له قيل: “مِفعال”؛ كمعوان، ومعطاف، ومَن لا يحقق المعاني يظن أن هذه الألفاظ مترادفة.

ولهذا قال المحققون: إن حروف الجر لا تتعاقب؛ حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة وإفساد الحكم فيها؛ لأنها إذا تعاقبت خرجت عن حقائقها ووقع كل واحد منها بمعنى الآخر؛ فأوجب أن يكون لفظان مختلفان بمعنى واحد، والمحققون يأبونه.

وممن اختار ذلك من المتأخرين -أي: اختار المنع- الإمام الجويني في (الينابيع) وقال: أكثر ما يظن أنه من المترادف ليس كذلك؛ بل اللفظان موضوعان لمعنيين مختلفيْن؛ ولكن وجه الخلاف خفي.

المذهب الثالث: أن الترادف يقع في اللغة، ولكن لا يقع في الأسماء الشرعية، وإليه ذهب الإمام الرازي في (المحصول)؛ فقال في آخر مسألة الحقيقة الشرعية بعدما ذكر وقوع الأسماء المشتركة: وأما المترادف؛ فالأظهر أنه لم يوجد لأنه يثبت على خلاف الأصل فيقدر بقدر الحاجة. هذا هو الإمام نفسه ممن يقول: بأن الفرض والواجب مترادفان، والسنة والتطوع أيضًا مترادفان، ثم الخلاف في اللغة الواحدة أما اللغتان؛ فلا ينكرهما أحد.

يقول الإمام الزركشي: وقد نص عليه العسكري، وهو مما ينكر أصل الترادف؛ فقال: لا يجوز أن يكون “فعَل” و”أفعَل” بمعنى واحد كما لا يكونان على بناء واحد إلا أن يجيء ذلك في لغتين، وأما في لغة واحدة؛ فمحال فقولك: سقيت الرجل. يفيد أنك أعطيته ما يشربه، أو صببته في حلقه، وأسقيته يفيد: أنك جعلت له سقيًا أو حظًّا من الماء، وقولك: شرقت الشمس، يفيد خلاف: غربت، وأشرقت، يفيد: أنها صارت ذات إشراق، انتهى كلام العسكري.

هل وقع في القرآن ترادف؟

نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني المنع، يقول الإمام الزركشي: كذا رأيته في أول (شرح الإرشاد) لأبي إسحاق ابن دقاق الشهير بابن المرآة؛ فقال: ذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى منع ترادف اسمين في كتاب الله تعالى على مسمًّى واحد؛ فقال في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} [الحشر: 24]: إنه بمعنى المعدِّل من قول الشاعر:

ولأنتَ تَفْري ما خلقتَ وبَعْضُ

*القوم يَخْلُقُ ثمّ لا يَفْري

فمعناه: يمضي ويقطع ما قدرت من غير توقف، وصفه بحصافة العقل وجودة الرأي، وهذا هو كلام المبرد وغيره ممن أبدى لكلٍّ معنى، والصحيح: الوقوع؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ} [النحل: 36]، وفي موضع آخر: {أَرْسَلْنَا} [الأنعام: 42]، وهو كثير.

يقول الإمام الرازي -رحمه الله- في كتابه (المحصول): في إثباته -أي: المسألة الأولى: في إثبات الترادف-: من الناس من أنكر وزعم أن الذي يظن أنه من المترادفات؛ فهو من المتباينات التي تكون لتباين الصفات، أو لتباين الموصوف مع الصفات، والكلام معهم إما في الجواز، وهو معلوم بالضرورة، أو في الوقوع، وهو إما في لغتين، وهو أيضًا معلوم بالضرورة، أو في لغة واحدة، وهو مثل: الأسد والليث، والحنطة والقمح، والتأسفات التي يذكرها الاشتقاقيون في دفع ذلك مما لا يشهد بصحتها عقل ولا نقل؛ فوجب تركها عليهم.

سبب الترادف:

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: مسألة: في سبب الترادف:

وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاضِعَيْنِ وَهُوَ السَّبَبُ الْأَكْثَرُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَيَلْتَبِسُ، وَإِمَّا مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَلَهُ فَوَائِدُ: التَّوْسِعَةُ، لِتَكْثِيرِ الطُّرُقِ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ؛ وَلِهَذَا يَجْتَنِبُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ اللَّفْظَةَ الَّتِي فِيهَا الرَّاءُ لِلُثْغَتِهِ حَتَّى كَانَتْ الرَّاءَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَمِنْهَا: تَيْسِيرُ النَّظْمِ لِلرَّوِيِّ، وَالنَّثْرِ لِلزِّنَةِ، وَالتَّجْنِيسِ وَالْمُطَابِقَةِ.

والتَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ فَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَرَادِفًا أَوْ مُتَبَايِنًا فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُتَبَايِنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِفْهَامُ؛ فَمَتَى حَصَلَ بِالْوَاحِدِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْأَكْثَرِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ فِي حِفْظِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ.

والإمام الرازي في (المحصول) يقول في المسألة الثانية في الداعي إلى الترادف: إن الأسماء المترادفة إما أن تحصل من واضع أو من واضعين؛ أما الأول؛ فيشبه أن يكون هو السبب الأقلِّي، وفيه سببان:

– الأول: التسهيل والإقدار على الفصاحة

لأنه قد يتمنع وزن البيت وقافيته مع بعض أسماء الشيء ويصح مع الاسم الآخر، وربما حصل رعاية السجع، والمقلوب، والمجنَّس، وسائر ألفاظ وأصناف البديع، مع بعض أسماء الشيء دون البعض الآخر.

– الثاني: التمكين من تأدية المقصود بإحدى العبارتين عند نسيان الأخرى

وأما الثاني؛ فيشبه أن يكون هو السبب الأكثري، وهو اصطلاح إحدى القبيلتين على اسم لشيء غير الذي اصطلحت عليه القبيلة الأخرى، ثم اشتهار الوضعين بعد ذلك.

ومن الناس من قال: الأصل عدم الترادف؛ لوجهين:

الأول: أنه يخل بالفهم؛ لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه الآخر؛ فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر؛ فيحتاج كل واحد منهما إلى حفظ تلك الألفاظ حذرًا عند هذا المحذور؛ فتزداد المشقة.

الثاني: أنه يتضمن تعريف المعرَّف، وهو خلاف الأصل.

يقول الإمام الأصفهاني في شرح هذا الكلام: اعلم -وفقك الله- أن المقصود في هذه المسألة بيان الداعي الحامل على وضع الألفاظ المترادفة؛ فنقول: الألفاظ المترادفة إما أن تحصل بوضع واضع واحد أو بوضع واضعين:

أما الأول؛ فالأشبه أنه السبب الأقل، وفيه مصلحتان:

إحداهما: تسهيل سلوك طريق الفصاحة، والاقتدار على أساليب البلاغة في النظم والنثر، ووجه ذلك: أن اللفظة الواحدة قد تكون فصيحة عذبة ومرادفها يخالفها في الفصاحة والعذوبة، وقد يكون اللفظ الواحد يتأتَّى استعماله بالسمع دون مرادفه.

وكذا الكلام في سائر أنواع البديع؛ فقد يتأتى بأخف اللفظين المترادفين دون اللفظ الآخر.

وأما النظم؛ فاعلم أن الناظم يحتاج إلى ما يحتاج إليه صاحب النثر: من ملابسة الألفاظ، وعذوبتها، ولطفها، وفصاحتها، وتزداد حاجته عن صاحب النثر؛ لوجوب مراعاة الوزن والقافية في الشعر دون غيره؛ فقد يتأتى ذلك باستعمال أحد اللفظين المترادفين دون الآخر؛ فقد تبين وجه حاجة صاحب النظام والنثر والخطب إلى الألفاظ المترادفة؛ فهذا هو السبب الواحد الداعي إلى ضرورة وضع الألفاظ المترادفة.

السبب الثاني: التمكن من التعبير عن المعنى الواحد بعبارتين مترادفتين، وهذه أيضًا مصلحة حسية؛ فإنه مهما كانت طرق التعبير عن المعنى الواحد أكثر كان تمكن الإنسان من التعبير أكثر، هذا هو الأول، الأقلي.

وأما الثاني -وهو السبب الأكثري-: وذلك بأن تصطلح إحدى القبيلتين على وضع لفظ بإزاء معنى من المعاني وتصطلح الأخرى على وضع لفظٍ آخر بإزاء ذلك المعنى بعينه؛ كالليث والأسد، ثم يشيع الوضعان ويشتهر كل واحد منهما من الألفاظ المترادفة.

تنبيه:

اعلم أنه ذكر من فوائد الألفاظ المترادفة: أنه يتأتى باستعمالها مراعاة صناعة البديع، وذكرهم جملة في أنواع البديع: المقلوب، والمجنس، والسجع، أما السجع فظاهر، وأما المقلوب والمجنس؛ فلا بد من بيانهما على سبيل الإيجاز:

فالمقلوب على أنواع منها:

مقلوب بعض، ومقلوب كل، ومقلوب مشتق.

مقلوب بعض: مثال: الدنيا حية، لين مسُّها، قاتل سمها؛ فهنا المس قلبت إلى “سم”؛ الميم والسين والهاء قلبت؛ ولكن الألف بقيت مكانها وهي في الآخر، وقولهم: انتقلنا من الأكوان إلى الأكوار.

مقلوب كل: مثل: الحتف؛ فلو قلبنا: الحتف، تنقلب إلى الفتح، وكذلك البرْد تنقلب إلى الدرْب.

مقلوب مشتق: مثال: ساكن وكاسن، ومنه:

آسي أمرًا إذا عرا

*وارعَ إذا المرء أسا

أما التجنيس؛ فمنه التام كقول الشاعر:

لشئون عيني في البكاء شئون

فـ”شئون” الأولى غير “شئون” الثانية.

ومنه: التجنيس الناقص؛ كقولهم: جبة البرد وجنة البرد، وقولهم: الزندقة شَرَك الشِّرْك، وكذلك لفظ: البديع، اسم لمحاسن الكلام؛ كالترصيع والتجنيس.. وغيرهما، وضع هذا اللفظ بإزاء ما ذكرنا.

ثم اعلم أن من الناس من قال: الترادف على خلاف الأصل، والدليل عليه وجهان، سبق أن نقلناهما عن الإمام الرازي -رحمه الله- واعلم أن كل واحد من هذين الوجهين إنما ينفي الترادف الحاصل بوضع واضعٍ واحد فقط ولا ينفي الترادف الحاصل بوضع واضعيْن، وهذا هو الظاهر.

error: النص محمي !!