Top
Image Alt

ولادة عيسى عليه السلام ورسالته

  /  ولادة عيسى عليه السلام ورسالته

ولادة عيسى عليه السلام ورسالته

أولًا: ولادة عيسى عليه السلام:

ترعرعت مريم أم المسيح عيسى في بيت الله، ونشأت عابدة متبتلة، واصطفاها الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وفضلها على نساء العالمين، وعاشت رضي الله عنها حصيفة حصينة رزان حصان، معتزلةً الرجال عاشت لله عز وجل فجعلها الله -تعالى- مثلًا للمؤمنات القانتات، التائبات العابدات الصادقات، وذكر الله -تعالى- قصتها، وأعلى ذكرها، ورفع قدرها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ (42) يَمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ} [آل عمران: 42، 43].

ثم ذكرها في آية أخرى فقال: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الّتِيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا وَصَدّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12].

حملت الملائكة بشرى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بأنها ستلد غلامًا، وأن هذا الغلام لا أبَ له، وأنه منسوب إليها، وأنه معظم في الدنيا وفي الآخرة وأنه عند الله عز وجل من المقربين، وهو في الدنيا من الصالحين، ومن الصادقين، وهو ممن يتكلم في المهد بعد مولده، وهذه بشرى عجبت لها مريم -عليها السلام- فكيف يكون لها الولد من غير أن تكون ذاتَ زوجٍ، ومن غير أن تكون في نكاح، ومن غير أن يقع منها والعياذ بالله -تعالى- سفاح؟! قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {قَالَتْ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىَ أَمْراً فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47].

وبينا هي في حيرتها ودهشتها؛ إذ جاءها الملَك فقال لها: أنا رسول ربك جئت لأهب لك غلامًا طاهرًا نقيًّا، ووقع منها التساؤل، ووقع منها العجب وذكرت ذلك؛ فأجابها الرسول بأن ذلك قضاء الله -تعالى- وقدره، وأن الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أراد أن يجعل هذا آية للناس، وفي ذلك الرحمة منه -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قص الله -تعالى- الخبر، فقال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمَـَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً (18) قَالَ إِنّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً (19) قَالَتْ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً (20) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لّلْنّاسِ وَرَحْمَةً مّنّا وَكَانَ أَمْراً مّقْضِيّاً} [مريم: 18 – 21].

لما قضى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أن يقع الحمل فحملت مريم، وانتبذت بذلك الحمل الذي كان في أثناء هذا الحوار بين الروح الأمين ومريم، انتبذت به مكانًا قصيًّا، قال المفسرون: إن جبريل نفخ في جيب درعها؛ فدخلت النفخة في جوفها فحملت به، وتنحت إلى مكانٍ بعيدٍ؛ قال الله: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً (22) فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىَ جِذْعِ النّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِي مِتّ قَبْلَ هَـَذَا وَكُنتُ نَسْياً مّنسِيّاً} [مريم: 22، 23].

وقد جاءها المخاض وهي جالسة عند جذع نخلة؛ فتمنت أن تكون قد ماتت قبل هذا اليوم، وفي هذا يقص القرآن الكريم علينا هذه القصة: {فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىَ جِذْعِ النّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِي مِتّ قَبْلَ هَـَذَا وَكُنتُ نَسْياً مّنسِيّاً (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم: 23، 24].

ما لبثت أن سمعت صوتًا يأتي من أسفلها: لا تحزني قد وهب الله لك رجلًا عظيمًا وسيدًا مطاعًا في الناس، ثم هذا الصوت أردف يأمرها بأن تهز النخلة؛ لتسقط عليها الرطب لتأكل منها وتعيش، وأمَرَهَا كذلك ألا تكلم أحدًا من الناس، وأن تنذر في يومها الصوم فلا تتكلم صومًا عن الكلام لله رب العالمين.

وقيل: إن الذي ناداها في هذه الحالة هو عيسى عليه السلام عقب مولده، وفي هذا شيء من التسرية عنها: {وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25]: كُلِي من هذا الرطب لتعود إليك بعض قوتك التي فقدتيها في هذا الحمل، واشربي وقري عينًا، واطمئني قلبًا لما ترينَّ من قدرة الله -تعالى.

وعاش عيسى عليه السلام وعاشت أمه في معجزات خارقة منذ اللحظة الأولى؛ ليردوا كذب الكاذبين، وافتراءات المفترين.

وفي هذا يقول القرآن الكريم: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (27) {يَأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمّكِ بَغِيّاً (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 27 – 29].

نطق بالعبودية أول ما نطق: {قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيّاً (32) وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدْتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 30 – 33].

ولا شك أن عيسى عليه السلام قد نشأ كما ينشأ أقرانه وأترابه إلا أن بوادر نبوته وملامح فضله قد بدت سريعًا ومبكرًا ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وهو؛ إذ يذهب إلى معلم القرية ويجلس إليه لا ينهج منهج غيره، ولا يسلك سبيل أنداده وأصحابه، بل هو يسمع حديثه في جدٍّ واهتمامٍ، ويصغي إلى درس في شوقه ولهفة ثم هو لا يعلمه شيئًا إلا بدره إليه وساءله عنه، فلا تغيب عنه شاردة، ولا تنبو عن ذهنه مسألة.

ثم يرحل عيسى عليه السلام إلى بيت المقدس مع أمه، ولم تعدُ سنه الثانية عشرة من عمره؛ فلا يبهره ما يرى من جماعات مختلفة، وألوان من الناس متباينة، ولا يفتنه ما يقع عليه بصره من زخرف هذه الحياة، وتلك المدنية التي لهت عن دين الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يغضي عن كل ذلك، ويلقي بنفسه في ميدان العلم، يستقي من مورده، ويرتوي من منهله، يلزم حلقة الدرس، ويصغي لمن اتخذوا لأنفسهم سمت العلماء، وهم يزخرفون للناس أحاديثهم.

ولما أراد الله عز وجل بعثة عيسى عليه السلام ونزل عليه الناموس الذي ينزل على أنبياء الله -تعالى- ورسله؛ طفق ينكر عليهم ما كانوا عليه من الضلال حيث حرفوا شريعة موسى، وجعلوا همهم جمع المال؛ فصاروا يحرضون الفقراء والمحتاجين على أن يقدموا للهيكل ما استطاعوا من نذور، ويؤثروه بما ملكت أيمانهم من هبات؛ ليسيل الذهب إلى جيوبهم، يتدفق في خزائنهم وإن كان من يحرضونهم في أمس الحاجة إلى المال.

ثانيًا: رسالة عيسى عليه السلام:

أُرسل عيسى عليه السلام كما أخبرنا نبي الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؛ فقال: ((أُنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لستٍّ مضت من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأُنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)).

جاء عيسى عليه السلام بدعوته، وكانت دعوته خاصة لبني إسرائيل، يقول الله -تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُم مّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ} [الصف: 6] ولم تتحول دعوته إلى دعوة عالمية إلا في عصور متأخرة على يد قسطنطين وبولس، وبهما تغيرت ملامح دعوة عيسى عليه السلام.

وكانت دعوته خالصة في التوحيد، تدعو إلى منابذة الشرك والشركاء وتنهى عن الشرك والإشراك بالله عز وجل وهو يشهد بهذا بين يدي الله عز وجل قال -جَلَّ مِنْ قَائِل- وهو يجيب على سؤال الله، قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- له: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَأُمّيَ إِلَـَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} [المائدة: 116]. فماذا يكون منه؟ ينزه الله عز وجل أن يقع منه شيء من هذا: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117].

ثم إن المسيح عيسى ابن مريم دعا إلى التصديق بالكتب التي سبقته كما قال تعالى: {وَقَفّيْنَا عَلَىَ آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ} [المائدة: 46]. وأخيرًا فإن عيسى عليه السلام بشر برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي يأتي من بعده كما قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

error: النص محمي !!