Top
Image Alt

ولاية المظالم في عصر الخلفاء الراشدين

  /  ولاية المظالم في عصر الخلفاء الراشدين

ولاية المظالم في عصر الخلفاء الراشدين

الخلفاء الراشدون أيضًا اهتموا بولاية المظالم، وهذا واضح جدًّا في خطبة سيدنا أبي بكر الصديق, التي ألقاها في أول عهده عندما قال: “الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه”.

أمَّا سيدنا عمر بن الخطاب فقد كان له النصيب الأوفر في هذا المجال، فهو من أبرز الخلفاء الراشدين في تتبُّع المظالم الواقعة من الولاة أو الجند أو الرعية، فهو مثلًا بدأ عهده بعزل سيدنا خالد بن الوليد رغم الانتصارات التي حققها, وقال معللًا ذلك: “إن في سيفه لرهقًا” أي: في سيف خالد زيادة بعض الشيء، فعزله من أجل هذا؛ رغبة في تحقيق العدل المطلق كما يراه عمر بن الخطاب.

وكان عمر يجمع عماله بمكة في موسم الحج, من كل عام يسألهم عن أعمالهم، ويسأل الناس أيضًا عن عمَّالهم، وإذا رأى مظلمة قضاها وفصل فيها، وردَّ الحق إلى صاحبه.

وقد خطب عمر رضي الله عنه في موسم من مواسم الحج, فقال:

أيها الناس، إني لم أبعث عمَّالي عليكم لكي يصيبوا من أبشاركم -أي: لكي يجلدوكم- ولا من أموالكم -أي: ولا ليأخذوا شيئًا من أموالكم- إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم -أي: ليحكموا بينكم- وليقسموا فيئكم بينكم -أي: يقسموا الأموال التي يحصل عليها المسلمون بدون حرب- فمن فُعِلَ به غير ذلك فليقم. فما قام أحد إلا رجل واحد، قام فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ عاملك فلانًا ضربني مائة سوط! فقال: فيم ضربته؟ قم فاقتصَّ منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: ألا أقيد -أي: ألا أقتص من الظالم- وقد رأينا أو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد من نفسه -أي: يقتص من نفسه-؟ قال عمرو بن العاص: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه. فقاموا إلى هذا الرجل الذي ظُلِمَ وتصالحوا معه، على أن يأخذ مقابل كل سوط دينارين، فأعطوه مائتي دينار، وعفا عن العامل الذي ضربه.

وكان سيدنا عمر يشتد في رفع المظالم, إلى درجة أنه كان يحمي الناس من ألسنة الولاة، فلو أن واليًا سبَّ أحدًا من الرعية لحماه عمر من ذلك، ولأخذ حق المسبوب من السابّ، فقد شكا إليه رجل أنَّ عمرو بن العاص قال له في جمع من الناس بالمسجد: يا منافق، ويقول هذا الرجل للفاروق: والله ما نافقت منذ آمنت بالله! فيأمر عمر الرجل بأن يضرب عمرًا أسواطًا في الجمع الذي شَهِدَ هذه الواقعة، أو يعفو الرجل، وقد نفَّذ الرجل العفو بعد أن طأطأ عمرو بن العاص رأسه لتنفيذ العقوبة.

بل إنَّ عمر قد بلغ من حرصه على إقرار العدل في الرعية ومنع الظلم، أنه كان في آخر عهده بالخلافة ينظر في أمور الناس بنفسه، وكان يتمنَّى لو امتدَّ به العمر فقسَّم وقته بين أمصار المسلمين؛ ينتقل إلى هذا المصر مدة من الزمن، وإلى هذا المصر مدة أخرى، حتى ينقضي العام كله، ويقول: “لنعم الحول هذا”, لكن المنية عاجلته فلم ينفذ ذلك، لكن له أجر ما تمنى -إن شاء الله تعالى.

error: النص محمي !!