Top
Image Alt

11.2 بعض شبهات الذين شبهوا على الإسلام, في مواقف من مواقف الأحكام.

  /  11.2 بعض شبهات الذين شبهوا على الإسلام, في مواقف من مواقف الأحكام.

11.2 بعض شبهات الذين شبهوا على الإسلام, في مواقف من مواقف الأحكام.

شبه الذين شبهوا على الإسلام في مواقف من مواقف الأحكام

لنتناول بعض شبه الذين شبهوا على الإسلام في مواقف من مواقف الأحكام؛ لنرد عليها ردًّا موجزًا بليغًا -إن شاء الله تعالى:

1- الشبهة الأولى التي يثيرها أعداء هذا الدين:

“شبهة القوامة”، حيث يرون أنَّ قوامة الرجل على المرأة إنما هو تسلط للرجل، وأن هذا يعارض مبدأ “حرية المرأة”, وأنه يعارض مبدأ مساواتها بالرجل، وأنّ هذا المبدأ ليس إلا بعض مخلفات عهد استعباد النساء، ويرون أن تفرد الرجل بالسلطة لم يعد مقبولًا في مثل هذا الزمان الذي استعادت فيه المرأة مكانتها الاجتماعية.

وحين نرد على هذا، علينا أولًا أن نبين معنى القوامة، وما عرفته العرب في لغتهم عنها؛ ليفهم من خلال ذلك الحكمة في اختيار هذا اللفظ، وفي جعله للرجل دون المرأة، فقد قال الله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)) [النساء: 34].

و”القوامة” حين ترد في كتاب الله وفي لغة العرب تعني: المحافظة والسياسة والنظام، ويشتق من القوامة؛ القيم بمعنى الذي يسوس الأمر ويختبر الطرق؛ ليعرف أصلحها وأنسبها، فالرجل قوام أهل بيته من النساء والذرية، يقيم شأنهم ويعدل بينهم ويقوم على حاجتهم.

وقد استخدم القرآن صيغة المبالغة في لفظ “القوامة”, فقال: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ)) لترسيخ حق الرعاية والقيام بالشئون، وذلك لأمرين: ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [النساء: 34] فهذه فضيلة أولى، ((وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)) [النساء: 34]. فللرجال فضيلة في زيادة العقل والتدبير؛ ولذا جُعل لهم حق القيام على النساء؛ لأن الخلقة التي خلق الله تعالى عليها الرجل، أعلى من الخلقة التي خلق الله تعالى عليها النساء.

فالرجال فيهم من قوة الطبع وشدة النفس, والقدرة على مغالبة الأمور الصعبة ومعالجة الأمور الشديدة، ما لا يكون عند النساء اللائي زوّدهن الله تعالى بالرقة والعطف وسرعة الانفعال والاستجابة؛ ليكنّ قادرات على القيام بمهمة الأمومة وتربية الأطفال ورعاية النشء، وهذه الخصائص التي زوّد الله تعالى بها الرجال, جعلتهم أقدر على القوامة وأفضل في مجالاتها.

وفي قوله تعالى: ((وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)) سبب آخر، فإن القانون العالمي يقول: “من ينفق يشرف”، وهذا ما نصت عليه الآية: ((وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)), فمعنى هذا: أن الزوج متى عجز عن نفقة الزوجة؛ لم يكن قائمًا ولا قوامًا عليها، وإذا لم يكن قوامًا عليها كان لها أن تفسخ العقد لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح.

ومن هنا ذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- إلى جواز أن يفسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، فقوامة الرجال على النساء مستحقة بتفضيل الله لهم, ثم بما فرض عليهم من واجب الإنفاق، وهو واجب مرجعه إلى واجب الأفضل وليس مرجعه إلى مجرد إنفاق المال، وإلا لانتفى الفضل إذا ملكت المرأة مالًا يغنيها عن نفقة الرجل أو يمكنها من الإنفاق عليه, ولذا رأينا الإسلام يحرِّم على غير المسلم أن يتزوج مسلمة؛ لأنه لا تتحقق قوامة غير المسلم على المسلمة، فالقوامة الأفضل ترجع إلى الدين، فإذا كانت المرأة أفضل دينًا فإنه لا يجوز للمفضول إذا كان زوجًا لها أن يكون قائمًا ولا قوامًا عليها، كما قال الله: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: 141]. ثم إن القوامة تكليف ومسئولية، وقد قال الله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)).

وليس في هذه القوامة تسلط ولا تجبر, ولا مغنم بلا مغرم، بل إن الآية ذاتها تدل على أن القوامة لا استبداد فيها ولا تعسف، حتى رأينا الله -تبارك وتعالى- في قوله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) يذكر كيف يكون التأديب، وكيف تكون المعالجة، قال تعالى: ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)).

والقوامة عبء على الرجل تلزمه بأن يسعى في الأرض، وأن يكدّ وأن يجدّ؛ حتى يأتي بما به كفاية هذه الأسرة وتوفير الأمن والأمان لها، ثم إن علاقة الرجل بالمرأة ليست علاقة تنافسية، وإنما هي علاقة تكاملية، فليس بين المرأة وزوجها عداء، بل بينها وبينه من المحبة والوداد وما بينهما من السكن والارتباط ما به قوام هذه الحياة، ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم: 21].

ثم إن دعوة المرأة الغربية لإلغاء قوامة الرجل عليها لها ما يبرِّرها، يترجم عن ذلك واقعها البئيس، الذي إذا تركت المرأة العمل فيه صارت جائعة عارية شريدة، فهي إذا لم تعمل لم تطعم، وإذا لم تعمل وتجد وتكدح لم تجد مأوى يؤويها، وقد عرضت بعض النساء ابنها الوحيد في بريطانيا للبيع بمبلغ ألف جنيه إسترليني؛ لأنها لا تستطيع الإنفاق عليه وليس لديها دخل لإعاشته.

ثم إنَّ قضية القوامة في الإسلام ليست قضية أو مسألة عرف أو عادة أو قانون، وإنما هي تشريع من رب الأرض والسموات، رُوعي فيه خصائص الخلق والتكوين، ورُوعيت فيه مصلحة الأسرة والمجتمع، فوجب على كل مسلم ومسلمة أن يدخل في طاعة الله، ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ, وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)) [النور: 51, 52].

2- الشبهة الثانية:

ويثيرها البعض استغرابًا وتعجبًا، حين يجدون في كتاب الله -تبارك وتعالى- قول الله تعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا))، ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))، هذا وصف المرأة الدينة الصينة, الحافظة لنفسها وبيتها ومال زوجها, ثم القسم الثاني ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن))، والنشوز: هو الخروج عن طاعة الزوج، كيف يكون علاجها؟ ((فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)).

فسر بعض العلماء خوف النشوز بتوقعه، أي: إذا خفتم وتوقعتم نشوزًا من المرأة بشكل قولي أو فعلي, فإن لكم أن تلجئوا إلى هذه الأسباب.

ومن العلماء من قال: بل إذا تيقنتم من النشوز جاز لكم ذلك، ثم إنا رأينا علاج نشوز المرأة مرتبًا ليس فيه تخيير، يبدأ بالوعظ أولًا، ثم الهجر ثانيا، ثم الضرب ثالثا، قلا يقدم الأخير على الأول، وإنما يأتي هذا على الترتيب المذكور في هذه الآية، فالعظة أولًا، والهجر في المضاجع ثانيًا، فإن لم تفلح العظة ولم ينفع الهجر سواء كان هجر مضجع كما دلت الآية ((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ))، أو هجر بيت كما دل على هذا ما ورد في (صحيح) البخاري، في باب هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- لنسائه في غير بيوتهن، سواء كان هذا أو ذاك، فإن الهجر في المضجع أو في البيت هو العلاج الثاني، وهو علاج قوي، فإن لم يفلح الأول ولا الثاني فالمصير إلى الثالث.

فالثالث إذن موضع ضرورة، وهذا بعد استنفاد وسيلتي الوعظ والهجر في المضجع، ثم إنه إذا وقع، فإنما هو يقع استثناءً، وإذا وقع فإنه يقع على خلاف الأولى؛ لأن الأولى التأسي به -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي ما ضرب شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمة إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى, ولأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى أن يضرب الرجل امرأته ضربًا شديدًا مبرحًا، ثم يقوم يجامعها بعد ذلك، فقال: ((لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد, ثم هو يجامعها في آخر النهار))، أو كما قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ثم إنه ذكر أن الذين يضربون النساء, ليسوا بخيارنا)) فلنتأمل إذن.

بل قد ورد النهي عن الضرب إلا في هذه المواضع المحددة؛ ولذا جاء ((لا تضربوا إماء الله))، فلما قال ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- نهيًا عن ضرب النساء, جاء عمر إلى رسول الله فقال: زئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام: ((لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكين أزواجهن, ليس أولئك بخياركم)).

ثم إنَّ الشريعة قيدت الضرب إذا حصل, بألا يوالي الضرب في مكان واحد، وأن يتقي الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، وألا يضرب بسوط ولا عصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب والتأنيب، وألا يكون الضرب مبرحًا، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام: ((فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح))، فالمبرح هو الشاق الشديد، والمعنى: “لا تضربوهن ضربًا شديدًا, ولا شاقًّا”.

فإنْ اعتدى رجل على زوجه, فضربها ضربًا كسر لها عظمًا, أو جرح لها بدنًا أو أسقط لها سنًّا، كان بذلك مؤاخذًا بالقصاص على نحو ما ثبت في كتاب الله تعالى، فإن وقعت الطاعة من النساء فلا يجوز عندئذ التعدي، قال الله: ((فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)).

بهذا نعلم أن الضرب إنما يقصد به التهديد لا الإيقاع، وأن الضرب إذا وقع لا يقصد به الإيلام، وإنما يقصد به التنبيه على الخطأ، وأن الزوجة الصالحة لا تتعرض إلى هذا، وأن الإسلام قيد الضرب بالشروط الدقيقة، وأنه جعل آلة الضرب السواك وما هو في مقامه, وإن تحرير الإسلام للمرأة من الزوج الذي يضربها, يزداد تأكدًا حين نطلع على المجتمعات التي يغيب الإسلام عنها وعن أفرادها، فنرى كما كبيرا من الرجال يضربون زوجاتهم، ففي دراسة أجريت في أمريكا في عام 1987م، أشارت إلى أن 79% من الرجال يقومون بضرب النساء، خاصة إذا كانوا متزوجين منهم، وكانت هذه العينة من طلاب الجامعة، فإذا كان هذا بين طلبة الجامعة فلا شك أنه أعلى نسبة بين من هم دونهم تعليمًا.

بل ورد في دراسة أعدها المكتب الوطني الأمريكي للصحة النفسية, أن 17% من النساء اللواتي يدخلن غرف الإسعاف هن ضحايا ضرب الأزواج أو الأصدقاء، وأن 83% دخلن المستشفيات سابقا. وفي دراسة ألمانية يوجد ما لا يقل عن مائة ألف امرأة, تتعرض سنويًّا لأعمال العنف النفسي أو الجسدي التي يمارسها الأزواج. وفي فرنسا تتعرض حوالي مليوني امرأة للضرب. وهكذا نجد أنه كلما ابتعد الناس عن هدي الإسلام؛ كانوا عن التصرف الحضاري والسلوك الاجتماعي السوي أشد بعدًا وأشد عتوًّا.

وبهذا نصل إلى حقيقة أنّ الإسلام حين شرع للمرأة حقوقها، رفع قدرها وأعلى منزلتها وحفظ عليها طبيعتها وفطرتها، واستبقى عليها حياءها وأنوثتها، وكرمها وفضلها وجعل منها لبنة صالحة في بناء المجتمع، فإن هي خرجت عن شريعة الإسلام والتحقت بهدي غير المسلمين في قولها وفعلها، في زيها وهيئتها وسمتها، وخرجت عن أحكام هذا الدين الغراء؛ فإنها لن تحصد إلا الندم ولن تتجرع إلا المرارة، ولن يحصل لها من هذا الفعل خير، كما حصل لها الخير -كل الخير- في دينها وفي عقيدتها, وفي شريعة ربها.

error: النص محمي !!