Top
Image Alt

14.3 حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، والأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية

  /  14.3 حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، والأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية

14.3 حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، والأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية

– غير المسلمين كالمسلمين في مباشرة الأعمال والحرف المختلفة:

العمل مكفول لكل الناس، وقد أعطى الإسلام كل فرد، الحق في أن يزاول أي عمل مشروع يروق له، وقد حث الإسلام على العمل أيًّا كان نوعه، ما دام داخلًا في نطاق الأعمال المشروعة، قال جل من قائل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِه} (الملك: 15)، ولما كان فقراء الناس ودهماؤهم، لا يملكون إلا قواهم الجسمية والجسدية والعقلية، وليس لهم من رءوس الأموال، إلا ما يستطيعون بذله من مجهود، فقد أحاط الإسلام العمل والمجهود الإنساني بحماية خاصة، لا تقل في قوتها عن حمايته للملكية ورأس المال، وعلى أساس هذه النظرة الكريمة للعمل، يحترم الإسلام حق العامل في ملكية أجره، فهو يدعو إلى الوفاء به، وينذر من يجور عليه من أصحاب العمل، بحرب وخصومة من الله وبعدم النظر إليه يوم القيامة، روى الإسماعيلي في معجمه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال -صلى الله عليه وآله: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، حرٌّ باع حرًّا، وحرٌّ باع نفسه، ورجل أبطأ كراء أجير حتى جف رشحه))، وقد ورد: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)).

وغير المسلمين كالمسلمين في مباشرة الأعمال والحرف المختلفة، لهم حرية العمل والكسب بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، إما أن يعملوا على طريقة الأجير المشترك أو يعملوا على طريقة الأجير الخاص، وقد قرر فقهاؤنا أن غير المسلمين في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين، لم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا وغيره من المحرمات، وفيما عدا ذلك يتمتعون بتمام حريتهم في مباشرة التجارات والصناعات والحرف المختلفة، وهذا ما جرى عليه الأمر ونطق به تاريخ المسلمين في شتى الأزمان والأماكن، حتى إن بعض المهن كما قدمنا كانت شبه مقصورة عليهم، كالصيرفة والصيدلة وغير ذلك، وقد استمر هذا إلى وقت قريب في بلاد الإسلام، وقد جمع هؤلاء من غير المسلمين ثروات طائلة، أعفيت من الزكاة ومن كل ضريبة إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح، وهي في النهاية قدر زهيد، لذا قال بعض الكتاب الغربيين وهو -آدم متز-: “ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب العمل، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلًا يهودًا، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى، وكان رئيس النصارى في بغداد هو طبيب الخليفة، وقد تولى بعض هذه الوظائف رجال من أهل الذمة في دولة المسلمين، ولهذا رأينا لأهل الذمة حقًّا في تولي بعض هذه الوظائف كالمسلمين، إذا تحققت فيهم الشروط التي لا بد منها، من الكفاية والأمانة والإخلاص والبعد عن المظاهرة على المسلمين أو المناوأة لهم.

وقد كان لمعاوية بن أبي سفيان كاتب نصراني اسمه سيرجون، وآخر ما سجله التاريخ من ذلك، ما سارت عليه الدولة العثمانية في عهدها الأخير، بحيث أسندت شيئًا من وظائفها إلى رعاياها من غير المسلمين، ولقد رأينا العامل يأخذ حقه في الرعاية الاجتماعية، فقد عني الإسلام بوضع الأسس والمبادئ الكفيلة برعاية العامل في كل حالة من أحواله، في صحته وقدرته وفي حال مرضه وعجزه أو بطالته، وهذه العناية شملت أسرته بعد موته كذلك، وقد صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة على أمور منها، كفالة كل عامل ضعف عن العمل، لكبر أو مرض أو كارثة أو نحو ذلك، وفي ذلك قال خالد رضي الله عنه، وجعلت لهم أيما شيخ أي عامل، ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، هكذا نقل أبو يوسف عن خالد بن الوليد في كتابه المشهور (الخراج).

– لغير المسلمين حق التمليك:

ولهم أيضًا حق التمليك، قد أقر الإسلام الملكية الفردية، وذلل أمام الفرد سبيل التملك والحصول على المال، وأعطى كل مجتهد جزاء اجتهاده من ثمرة الحياة الدنيا، وحين قرر الإسلام لكل إنسان حق التملك في جو الحياة الحرة الكريمة، اندفع الناس إلى العمل ليكسبوا ما به قوام حياتهم ومعيشتهم، دون أن يوصد باب العمل دون واحد منهم، ولهذا كان لكل إنسان منهم بحسب طاقته وجهده وكفاءته أجره، قال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النجم: 39)، فإذا حاز شيئًا منها كانت هذه الحيازة، حقًّا لا ينازع فيه ولا يغلب عليه، وقد قال أبو عبيد: “إن السنة في أرض الصلح، ألا يزاد على وظيفتها التي صولحوا عليها، وإن قووا على أكثر من ذلك”.

وفي زمن عمر -رضي الله تعالى عنه- فتح المسلمون أراض كثيرة، وكان لا بد من تحديد وضع الأراضي المفتوحة، أتبقى في يد أهلها أم تقسم على الغانمين، أم توقف على المسلمين جميعًا، وقد اهتم عمر -رضي الله عنه- والمسلمون عامة بهذا الأمر، وأخذوا يتدارسونه من كل زواياه، فظهر لهم أنّ الأرض لو قسمت على الغانمين، وهم الذين لم يتعودوا الزراعة والعناية بالأرض، لا بد أن يضعف إنتاجها وأن تقل مواردها، وأن ينشغل المقاتلون بالزراعة والعناية بالأرض، ويتركوا الجهاد والدفاع عن البلاد، لذا رأى عمر -رضي الله عنه- ألا تقسم الأرض بين الغانمين.

وقد ذكر أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عمر بن الخطاب قد شاور المسلمين في قسمة الأراضي التي أفاءها الله على المسلمين، من أرض العراق والشام، وعرض للحجج التي قدمها عمر ومن وافقه من الصحابة، دعمًا لرأيهم في عدم قسمة هذه الأرضي على الغانمين، فكان مما ذكر في هذا الصدد، فكيف ممن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت، ما هذا برأي، فقال له عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه: “فما الرأي؟ قال: ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم، فقال عمر: “ما هو إلا كما تقول: ولست أرى ذلك، والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كلا على المسلمين، فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بعد هذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق، فأكثروا على عمر -رضي الله تعالى عنه- وقالوا: “أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء القوم ولأبناء أبنائهم ولم يحضروا”.

فكان عمر -رضي الله عنه- لا يزيد على أن يقول: “هذا رأي”، قالوا: “فاستشر”، قال: “فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فأما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فكان رأيه، أن تقسم لهم حقوقهم، ورأى عثمان وعلي وطلحة وابن عمر رضي الله عنهم رأي عمر، فأرسل إلى عشرة من الأنصار، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: “إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هو هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لإن كنت نطقت بأمر أريده، ما أريد به إلا الحق”، قالوا: قلنا: “اسمع يا أمير المؤمنين”، قال: “قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا، لإن كنت ظلمتهم شيئًا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لا يبقى أو لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله وأموالهم أرضهم وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وأنا في توجيهه وقد رأيت أن أحبس الأراضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين، المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج”، فقالوا جميعًا: “الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم”.

– حق الحماية لغير المسلمين:

فلم يكتف الإسلام بتقرير الملكية الفردية وتيسير سبل الحصول عليها، بل يحيطها كذلك بسياج قوي من الحماية، كما تدل على ذلك الحدود والعقوبات الدنيوية والأخروية، التي يقررها لمختلف أنواع الاعتداء على الملكية، كالسرقة وقطع الطريق والغصب ونقل حدود الأرض، وفي سبيل حماية الملكية الفردية، أجاز الإسلام للمالك أن يدفع عن ملكه، بكل وسائل الدفاع، حتى لو ألجأه ذلك إلى قتل المعتدي، وفي هذه الحالة لا قصاص عليه، بل إن الإسلام لا ينهى عن مجرد النظر بعين تهمة إلى ملكية الغير، وفي هذا قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (طه: 131)، ولقد أعطى الإسلام الحق في التمتع بمرافق الدولة الإسلامية وخدماتها العامة، كالمواصلات وحقوق التعليم ومشروعات الري والكهرباء ونحو ذلك، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ثَلَاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ)).

ويتمتع الذمي والمقيم في الدولة الإسلامية بكفالة الدولة له، عند الفقر والعجز والعوز، ومن ذلك أنّ عمر رضي الله تعالى عنه، عند مقدمه إلى الشام مر بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من بيت المال، وأن يجرى عليهم القوت.

– تمتع غير المسلمين بالحقوق العامة:

ومن ذلك أيضًا ما جاء في معاهدة خالد بن الوليد، من أنه وضع الجزية عن كل من ضعف عن العمل، وأمر أن يعال هو وعياله، وهكذا رأينا الإسلام يحرص على المحافظة على حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام ورعايتهم، وقد روي أن ابن تيمية رحمه الله خاطب أمير التتار، وكان قد أغار على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من اليهود والنصارى أعدادًا كبيرة، وقد سمح له بإطلاق الأسرى من المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق الأسرى من غير المسلمين، فقال له شيخ الإسلام: “لا بد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا تدع لديك أسيرًا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا وعليهم ما علينا”، فأطلقهم الأمير التتاري جميعًا، وقد تكرر ذلك من ابن تيمية  عندما كتب رسالته إلى ملك قبرص ليفتك أسرى المسلمين وأهل الذمة الذين كانوا في رعاية الدولة الإسلامية.

وهذه الوثائق الإسلامية في معاملة غير المسلمين في بلاد الإسلام، تدل على أن غير المسلمين الذميين المستأمنين يتمتعون بحقوق عامة، مثلهم في ذلك مثل بقية المواطنين المسلمين، وأنهم في ضمانة كافية لممارسة حرياتهم وتطبيق شريعتهم، فهذه الأسس عادلة سمحة تحقق لهم الأمان التام والدائم، وتكفل لهم الحرية الشاملة في سائر حياتهم وأعمالهم العامة والخاصة، بل وتوفر لهم الاطمئنان على أرواحهم وأموالهم ومعتقداتهم، ليعيشوا مرتاحي النفس في دولة الإسلام، وإنما يتمتع به المستأمن في دار الإسلام في ظل الشريعة، هو أكثر بكثير من الحد الأدنى من الحقوق، التي تطالب به الدول في العصر الحديث، بمقتضى القانون الدولي العام؛ لأن هذه الحقوق العامة تعتبر مقومات الشخصية الإنسانية، ويترتب على تجريد الإنسان منها إهدار للإنسانية، فإذا رفضت الدول الاعتراف للأجانب بالحقوق العامة، اعتبرت مخالفة لقواعد القانون الدولي العام؛ لأنّ هذه الحقوق تعد حقوقًا دولية للإنسان، وأن النظم القانونية السائدة الآن في الدول التي تحكم بالقانون أو تحكم القانون في جميع شئونها، تجمع على أن المركز القانوني للأجنبي في الدولة، لابد وأن يكون أهون شأنا من مركز المواطن، فهو لا يمكن أن يتمتع بالحقوق السياسية أو بالحقوق العامة في الدولة التي يقيم فيها، أما في نطاق الحقوق الخاصة فإنّ الأمر يختلف باختلاف النظم السائدة في كل دولة، ويجمع الثقات من علماء القانون الدولي على أن ثمة قدرًا من الحقوق يجب أن يتمتع به الأجنبي في الدولة، وهذا القدر هو ما يطلق عليه اصطلاح القدر الأدنى من الحقوق، الذي يجب على كل دولة متحضرة، أن تلتزمه وأن تعترف به للأجانب المقيمين على إقليمها.

ومن ذلك كله يتبين لنا أنّ الشريعة الإسلامية، قد سبقت القانون الدولي الوضعي، بأكثر من أربعة عشر قرنًا في تنظيم مركز الأجانب المقيمين في دار الإسلام، تنظيمًا يكفل لهم المعاملة المثلى، إذ اعتبرت أنّ لغير المسلمين في بلاد الإسلام من الحقوق مثل ما للمسلمين وأنّ عليهم ما عليهم، ولم يصل أي قانون دولي في أي دولة غربية أو شرقية مما تدعي التحضر حتى الآن، إلى ما وصلت إليه الشريعة الإسلامية من السمو في هذا المجال، ويكفي دليلًا على ما نقول ما تم ذكره في هذا المبحث من تشريعات إسلامية، سواء كانت نظرية أو عملية، وما أخذ به قولًا وعملًا من أقوال الفقهاء وطبق في الحياة العملية، وفي ذلك رد على من يتهم الإسلام بالتعصب.

فهذا دليل واضح على إمكانية أن يعيش غير المسلمين مع المسلمين في بلاد الإسلام أو في جوارهم في أمن وسلام، يتبادلون المنافع ويتعاونون على الخير وعلى البر، كما أنه بإمكان أي فرد من أهل الأديان الأخرى، وبرغم كونه أجنبيًّا عن بلاد الإسلام بحكم وطنه أو دينه، أن يدخل دار الإسلام وأن يقيم فيها وأن يعمل فيها، وأن ينعم بالأمن والأمان فيها هو وأسرته، إقامةً دائمة أو إقامة محددة بوقت معلوم بحسب العهد الذي أعطيه، فإذا التزم غير المسلمين بهذا العهد المعطى إليهم، كان لهم الحق في مباشرة شعائر دينهم والتحاكم إلى شريعتهم في الأحوال الشخصية إن أرادوا ذلك.

كما لهم أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية إن رغبوا أيضًا في ذلك، هذا إضافة إلى حقهم في الحماية لأشخاصهم وأعراضهم وأموالهم، ورد كل أذى قد يصيبهم، فهم في ذمة المسلمين وعهدهم ما داموا مقيمين بينهم، حتى ولو أن أحدهم افتقر أو أقعده المرض أو كبر السن عن الكسب، فإن نفقته ونفقة عياله على بيت مال المسلمين، وقد مر عمر -رضي الله عنه- على يهودي أعمى يتسول فجعل رزقه في بيت المال وقال: “أكلنا شبيبته فإن تركناه وهو كبير ظلمناه، اجعلوا رزقه في بيت المال”، كما أنّ الحربي المشرك الذي استأمننا أي طلب الدخول في دار الإسلام لأي غرض صحيح كان، فإنه على المسلمين أن يؤمنوه وأن يحموه في دخوله وفي مقامه وفي خروجه، فلا يقتل ولا يؤسر ولا يجرح ولا يعتدى عليه، ولا يكره على الإسلام لقول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} (التوبة: 6).

ومن ذلك كله يتبين لنا أنّ الإسلام، هو أول من حفظ للأجنبي في دار الإسلام حياته وماله وعرضه ودينه، بعكس ما كان عليه الحال عند الإغريق والرومان، أو دول أوربا في القرون الوسطى أو اللاحقة لها أو الحديثة، من استباحة الأجنبي والحد من حريته، بل ومن انتهاك حرمته، فإذا نظرنا نظرة واقعية إلى بلاد المسلمين اليوم، فإننا نرى أن فكرة أهل الذمة قد ارتبطت منذ بداية الإسلام، بنظرية نشر الدعوة والقيام بواجب الجهاد، فعند قيام دولة الإسلام بفتح أحد أقاليم غير المسلمين، فإنها تترك لمواطني هذا الإقليم، حرية اختيار الدخول في الإسلام أو البقاء على الدين، فإذا اختاروا البقاء على دينهم، حينئذ يبرم عقد الذمة، وتمشيًا مع المفهوم الإسلامي فإنّ الدولة تتكون من عنصرين أساسيين فقط هما شعب وسيادة، ولم يعرف عنصر الإقليم، ولذا كان أميرها هو أمير المؤمنين، ولا ينسب لقبه إلى دولة بذاتها أو إلى إقليم بعينه، ومن ثم كانت البيعة بمثابة عقد بين المؤمنين وأميرهم، والتصور الاجتماعي للدولة على هذا النحو، يجعل من الصعب التفرقة بين إقليم الدولة الأم والأقاليم الأخرى، التي تخضع للوصاية الإسلامية؛ وذلك لأنّ التفرقة تقوم على تقسيم للجماعات، والتقسيم يبنى على أساس العقيدة، فهذه جماعة المسلمين وتلك جماعة المخالفين، وعليه فجماعة المسلمين تضم جميع المسلمين في أرجاء المعمورة، في ما يمكن أن يطلق عليه اسم دار الإسلام، كما أن دار المخالفين تضم المخالفين كلهم في أرجاء المعمورة.

ولكن الأمر اختلف اليوم، فقد توقف الجهاد المسلح ولم يعد هناك مجال لتطبيق فكرة الذمة المرتبطة بالمسالمة بين المسلمين والمخالفين، كما أصبحت دولة العصر دولة إقليمية، بمعنى أنّ الإقليم صار عنصرها الأساسي، الذي يرتكز عليه العنصران الآخران، أما الشعب والسيادة فهما عنصرا الدولة الإسلامية أي الخلافة، وقد سقطت خلافة المسلمين، وهكذا لم تعد رابطة الشعب بالدولة رابطة عقيدة، وإنما أصبحت رابطة ولاء سياسي، يدين فيها أفراد الشعب لسيادة الدولة بالطاعة المطلقة، والكل في هذا الولاء سواسية.

والدراسة المعاصرة تصف هذه الرابطة بمصطلح الجنسية والمواطنة ونحو ذلك، فكل مواطني الدولة يحملون جنسيتها وكلهم يدينون لها بالولاء والطاعة، وفي ظل هذا المفهوم أصبح من الصعب قبول نظام عقد الذمة، كوصف لعلاقة الدولة الإسلامية المعاصرة بفريق من رعاياها، ذلك أن خضوع هؤلاء للسيادة الإقليمية للدولة الإسلامية، يغني في تنظيم شئونهم عن عقد الذمة، ومع قيام الدولة الإقليمية فقد فقدت الجزية مبررها كمقابل لحماية الذمي؛ لأن أهل الذمة في داخل الدولة الإسلامية المعاصرة يخضعون لسيادتها كمواطنين، ثم إن أمن الدولة في الداخل وحمايتها من العدوان في الخارج، أصبح واجبا على المواطنين جميعا بلا تفريق، بل والجندية الإجبارية في بعض الدول كمصر، تشمل المواطنين كلهم المسلم وغير المسلم على حد سواء.

وعليه فإنّ عقد الذمة في المفهوم الشرعي عقد بين الدولة الإسلامية وكل من كان فيها من أفراد غير المسلمين، وبموجب هذا العقد يصير غير المسلم ذميًّا تحت ولاية الدولة الإسلامية، أما اليوم فقد حلت الجنسية محل ذلك العقد، فلم تعد علاقة المواطن بدولته علاقة عقدية اجتماعية، وإنما أصبحت علاقة تنظيمية إقليمية، ومن ثم فإنّ السيادة الشخصية قد استحالت إلى سيادة إقليمية.

2- أسباب غياب عقد الذمة في بلاد المسلمين في العصر الحالي:

ومن دراسة ما تقدم نجد أن عقد الذمة في بلاد المسلمين في العصر الحالي قد غاب واختفى، ويرجع ذلك للأسباب التالية:

– الأمر الأول: زوال دولة الخلافة الإسلامية:

حيث اقتضت وحدة الأمة الإسلامية أن يجمعها نظام واحد هو نظام الخلافة، وهذا النظام فضلا عن كونه يجسد وحدة الأمة، فإنه ينفرد عن باقي الأنظمة السياسية بأنه خلافة النبوة، لكي تظل هذه الأمة حاملة رسالتها ومبلغة للدعوة من جيل إلى جيل، ويبقى الحكم على امتداد العصور قائمًا على أساسها، لكن دولة الخلافة زالت وتشتت إلى دول مستقلة، أو إلى دول تقاسمتها دول الاستعمار، والدولة الإسلامية الموجودة الآن أو الدول الإسلامية وفق مصطلح العصر الحديث، في الحقيقة ليست وريثة لدولة الخلافة، كما أن الدولة العصرية هي دولة إقليمية، حيث صار الإقليم عنصرها الذي يرتكز عليه العنصران الآخران الشعب والقيادة.

– الأمر الثاني: توقف الجهاد الإسلامي المسلح:

فإنّ الجهاد الإسلامي الذي كان جهاد الطلب، وكان مدفوعًا بسياسة الإصلاح العالمي، على أساس من العقيدة الصحيحة، التي تكفل سلامة الاتجاه وسمو الغرض، ليهز كيانات الفساد والظلم والطغيان في الأرض، هذا الجهاد الذي كان يهدف إلى تحقيق حرية العقيدة للناس أجمعين، دون النظر إلى جنسيات أو معتقدات، هذا الجهاد قد توقف في العصر الحديث، إلا في بعض الأحوال أو الحالات القليلة أو النادرة، ولم تعد تقوم به هذه الدول، وإنما تقوم به طوائف تنتسب إلى هذه الأقاليم، من هنا لم يعد هناك مجال لتطبيق فكرة الذمة المرتبطة بالموادعة بين المسلمين والمخالفين، ذلك أنه عند توقف الجهاد المسلح، لم يعد هؤلاء الذميون مكلفين بالجهاد فيما لو طلب منهم، حتى يقال بأنهم امتنعوا عن الجهاد؛ لأنه جهاد إسلامي قد توقف.

– الأمر الثالث: انتهاء طرفي عقد الذمة:

نتيجة زوال دولة الخلافة الإسلامية وتوقف الجهاد الإسلامي، وهما السببان الذي أشير إليهما فيما سبق، فقد انتفى وجود طرفي العقد، أما السبب الذي عقدت من أجله الذمة وهو مطالبتهم بالجزية، فقد انتهى هو الآخر، وذلك لعدم إلزامهم بالدفاع عن بلاد الإسلام، حيث أصبح التجنيد إجباريًّا على كل مواطن في كثير من هذه البلدان، وإذا أصبح هؤلاء الذميون جنودا وضباطا في الجيش يدافعون عن أوطانهم، وقد أدى ذلك إلى أن أصبح الواقع الحالي في أكثر البلدان الإسلامية، هو السعي نحو تحقيق المساواة بين سائر أفراد الشعب، دون نظر إلى دين أو عقيدة، وأصبحت رابطة الشعب بالدولة هي رابطة الجنسية وفق مصطلح العصر الحديث، كما أن انتخاب رئيس الدولة أصبح من حق الرعايا مسلمين وغير مسلمين، طالما أن رئاسة الدولة ليست لها الصبغة الدينية، وذلك لزوال دولة الخلافة.

هذا هو واقع الذميين الحالي في بلاد المسلمين، ولذا فإن إحياء الخلافة الإسلامية يعد مطلبًا ضروريًّا وملحًّا، لتجميع القوى المتفرقة للمسلمين، ولكي يجابهوا التحديات المعاصرة والتي تحيط بهم من أقصى الدنيا إلى أقصاها، ولينتشر الأمن والأمان والسلم والسلام والوفاق الوئام بين جميع شعوب الأرض في كل البقاع وفي كل زمان ومكان، إن هذه الخلافة وإعادة إيجادها مسئولية، تقع على كل مسلم قادر على القيام بدوره وواجبه في هذا المضمار، ولقد رأينا من النوازل الكبيرة والمسائل العظيمة، التي ترتبت على زوال دولة المسلمين وعلى ذهاب خلافتهم، كما رأينا النوازل العظام والبلايا الجسام، عند تنحية شرع رب العالمين عن الحكم بين الناس أجمعين، فنشأت عن ذلك ألوان شتى من الانحرافات وأسباب شتى من المخالفات، كل هذا بسبب سقوط دولة الخلافة الإسلامية، والتي سقطت وأعلن عن سقوطها بشكل رسمي عام أربع وعشرين وتسعمائة وألف من الميلاد.

إذا يعنينا في هذا أن نقرر أن حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية، كانت حقوقا موفورة وأن حرماتهم كانت حرمات مصونة، لم يعتد عليهم أحد ولم ينتقص حقوقهم إنسان، إلا ما شذ وندر ولم يكن هذا بقاعدة في بلاد المسلمين، إلى أن سقطت الخلافة واضمحلت الدولة الإسلامية العامة، التي كانت تحكم جميع الأقطار والأشخاص في مختلف البلدان والأماكن.

وختاما نقول: إنّ دار الإسلام هي تلك البلاد التي تخضع لسلطان المسلمين، وتظهر فيها أحكام الإسلام وتبقى دار إسلام حكما ولو استولى عليها غيرهم، وأن عقد الذمة هو عقد مؤبد مشروع مع غير المسلمين، يتولى زمام العقد إمام المسلمين نيابة عن الأمة المسلمة، أو يقوم به نائبه نيابة عنه، وبموجب هذا العقد أي عقد الذمة يصير غير المسلم ذميًّا تحت ولاية الدولة المسلمة، والأمان عقد مشروع ويجوز من كل مسلم بالغ ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا، ولكل أن يؤمن آحادا، أما العدد الكثير والجمع غير المنحصر فلا يؤمنهم إلا الإمام أو نائبه، ويجوز لإمام المسلمين أن يضع رقابة على تأمين الأفراد عند اقتضاء المصلحة، وعقد الأمان من العقود الحيوية، التي اهتم بها الإسلام لأغراض متعددة، كمبعوث برسالة أو للتجارة أو للاستجارة أو لسماع كلام الله، أو لطلب حاجة من زيارة أو سياحة، أو نحو ذلك من الأغراض التي قد تخدم الدعوة الإسلامية، ولقد وفر الإسلام الحماية للمستأمنين في أنفسهم وأموالهم ومنحهم الرعاية لأشخاصهم، وأباح لهم التمتع بمرافق الدولة العامة أسوة بغيرهم من المسلمين، ولا يجوز أن يتضمن عقد الذمة أو الأمان ما يخالف نصا شرعيًّا، أو أن يتضمن شرطا من غير ضرورة ملجئة، يحمل الأمة المسلمة تبعات مالية أو عسكرية او يضيع جزءا من بلاد المسلمين، أو شرطا يدخل المذلة والصغار على المسلمين، أو يلحق الاستهانة بدينهم وشعائرهم ومشاعرهم وأخلاقهم، أو يناقض أحكام الإسلام العامة، وإن كان يجوز ذلك أو بعضه للضرورة الشرعية، فالضرورات عندئذ تقدر بقدرها، شعب الدولة الإسلامية يكون من المسلمين والذميين وبموجب تبعيتهم لهذه البلاد، يتمتع الجميع بالحماية الإسلامية في نطاق الدولة الإسلامية.

ولقد رأينا أنّ الشريعة الإسلامية سبقت ما سواها من النظم القانونية الوضعية، بأكثر من أربعة عشر قرنا في تنظيم مركز الأجانب المقيمين في دولة الإسلام، تنظيما يكفل لهم المعاملة المثلى، وهذا ما لم تكفله تلك القوانين الوضعية، غير المسلمين في دولة الإسلام يتمتعون بالحقوق العامة التي ورد ذكرها في المحاضرتين السابقتين، فهم أصحاب حق في حماية أنفسهم وحياتهم وأموالهم وأعراضهم، ويتمتعون بحق أن يمارسوا عبادتهم واعتقادهم دون إكراه، وفي حق تنظيم زواجهم وطلاقهم وأحوالهم الشخصية في حدود الأحكام الشرعية العامة، والمحافظة على غير المسلمين ورعايتهم، ليس ذلك في داخل الدولة الإسلامية نفسها فحسب، وإنما يمتد أيضا إلى حمايتهم من أي اعتداء خارجي قد يتعرضون له، ولا يجوز التعرض لرعايا العدو المستأمنين في بلاد الإسلام إذا نشبت الحرب مع قومهم، إلا إذا ظهرت خيانة منهم ففي هذه الحالة ينبغي إبعادهم وإيصالهم إلى مأمنهم دون قتلهم أو تعذيبهم أو التعرض لهم بسوء.

ثم إنّ المسلمين مقيدون في صلتهم بالمعاهدين أي بغير المسلمين القاطنين في البلاد الإسلامية بأحكام الإسلام، فلا مجال للتعسف والهوى، وقد تبرأ ذمة المسلمين من عهدهم للمعاهدين متى خانوا العهد، وقد دل واقع الذميين اليوم في معظم البلدان الإسلامية على تحقيق مساواة تامة بين سائر أفراد الشعب، دون نظر إلى عقيدة أو دين في كافة الحقوق، حيث إن هذه البلدان في الدولة الحديثة قد فصلت الجنسية عن الدين، وأقامتها على أسس أخرى مثل التبعية الجغرافية أو علاقة الدم أو التاريخ أو الزواج أو التجنس، وأصبحت الرياسة حاليا في كثير من البلاد الإسلامية ليست لها الصبغة الدينية، حيث نحيت الشريعة الإسلامية ولم يعد معمولا بها ولا مطبقًا لها في كثير من بلاد المسلمين، واتسمت الدولة المعاصرة بالإقليمية، ومع قيام الدولة الإقليمية فقدت الجزية مبررها كمقابل لحماية الذمي، وأصبحت رابطة الشعب بالدولة لم تعد رابطة عقيدة، وإنما أصبحت رابطة ولاء سياسي كما قدمنا أي رابطة جنسية، يدين فيها أفراد الشعب كلهم لسيادة الدولة بالطاعة المطلقة.

ويدل واقع الذميين اليوم أنّ الجنسية حلت محل عقد الذمة، فلم تعد علاقة المواطن بدولته علاقة عقدية اجتماعية، وإنما أصبحت علاقة تنظيمية إقليمية، وقد نجم عن ذلك اختفاء عقد الذمة في البلدان الإسلامية في العصر الحاضر، ويرجع ذلك إلى أنه بزوال دولة الخلافة الإسلامية توقف الجهاد، وهو الأمر الذي انتفى فيه وجود طرفي عقد الذمة، ولا شك أن هذا من النوازل التي جدت وحدثت في بلاد المسلمين، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يحكم في المسلمين شريعتهم وأن يرد إليهم سالف مجدهم وسابق عهدهم، لينعم الجميع بظلال الشريعة وليتفيأ الجميع ما في هذه الشريعة من الخيرات والبركات، ولتعود تلك الأمثلة العظيمة الجليلة التي سطرها المسلمون في إنصاف غيرهم وفي الإحسان إليهم.

إننا ما زلنا نذكر وثيقة فريدة جامعة من أحد سلاطين المسلمين لولاته، بشأن معاملة اليهود في أقاليمهم معاملة حسنة، إذ كتب السلطان محمد بن عبد الله سلطان المغرب في اليوم السادس والعشرين من شعبان سنة ألف ومائتين وثمانين من الهجرة الذي يوافق الخامس من شهر فبراير سنة ألف وثمانمائة وأربع ستين للميلاد، قال: “نأمر من يقف على كتابنا هذا من سائر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أعمالنا، أن يعاملوا اليهود الذين بسائر بما أوجبه الله تعالى، من نصب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام، حتى لا يلحق أحدًا منهم مثقال ذرة من الظلم، ولا يضام ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام، وألا يعتدوا هم ولا غيرهم على أحد منهم في أنفسهم ولا في أموالهم، وألا يستعملوا أهل الحرف منهم إلا عن طيب أنفسهم، وعلى شرط توفيتهم بما يستحقونه على عملهم؛ لأنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة، ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم ولا نرضاه؛ لأنّ الناس كلهم عندنا في الحق سواء، ومن ظلم أحدًا منهم أو تعدى عليه، فإنا نعاقبه بحول الله، وهذا الأمر الذي قررناه وأوضحناه وبيناه، كان مقررًا ومعروفًا ومحررًا، لكن زدنا هذا المسطور تقريرًا وتأكيدًا ووعيدًا في حق من يريد ظلمهم وتشديدًا، ليزيد اليهود أمنا إلى أمنهم، ومن يريد التعدي عليهم خوفًا إلى خوفهم، انتهى خطابه وكلامه.

وقد شهد عدد من المنصفين الغربيين بحسن معاملة المسلمين لهم، ومن ذلك قال رينو: “إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أنّ النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين، فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير، إلى آخر كلامه”.

ونوجه إخواننا إلى مزيد من الدراسة في العلاقات الدولية حول الحرب والسلم، ومن دراسة حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ومقارنتها بحقوق المسلمين في المجتمعات الغربية؛ لأننا وجدنا كثيرًا من المسلمين يعانون معاناة شديدة حينما يصبحون أقلية في بلاد غير المسلمين، سواء في ذلك البلاد الإفريقية أم الأسيوية أم الأوربية، وقد رأينا صورًا من مشكلات وإشكالات كثيرة وقعت للمسلمين المعاصرين، وفي الدولة الحديثة الغربية وفي غيرها من الدول المعاصرة في سائر البلدان، إن هذه المشكلات تبدأ من مشكلات عقدية في ممارسة المسلمين لعقائدهم، وتمر بعد ذلك بمشكلات لغوية وثقافية، في منع المسلمين من التحدث والتعامل بلغتهم وطمس هويتهم الثقافية، والتأثير على حياتهم الاجتماعية، كل ذلك رغبة في أن ينصهر المسلمون في ثقافة ذلك المجتمع غير المسلم الذي يعيشون فيه، وقد وصل الحال بكثير من المسلمين إلى السحق والإبادة والقتل وما يسمى بالحروب العرقية، والتطهير العرقي إلى غير ذلك من المصطلحات، التي عرفناها قديمًا في محاكم التفتيش وفي غيرها من المواقع والمواطن عبر التاريخ، والتي ذاق فيها المسلمون الويلات، ووقع بسببها لهم من الحروب والشدائد والنكبات ما يعجز اللسان عن وصفه، ونشأت مشكلات كثيرة نتيجة لهذا الاضطهاد، فأدى هذا إلى إفقار المسلمين وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية في تلك الدول المتحضرة أو الحديثة، ونشأ لأطفال المسلمين والأجيال التي عاشت في تلك البلاد الأجيال الثانية والثالثة مشكلات أكبر، خشية التذويب وفقدان الهوية والشخصية الإسلامية، ولو أنّ المسلمين عوملوا في تلك البلاد بما يعامل به اليهود، لكان في ذلك نوع من المساواة، الذي يحقق شيئًا من العدالة التي يتوخاها المسلم حين يعيش في بلاد غير المسلمين.

ولا شك أنه ليس هنا ليس حكم عام، يحكم به على حال المسلمين في كل بلد وفي كل قطر، لكن الأمثلة تبدو صارخة، إذا ما نظرنا إلى حال المسلمين وهم أقلية في أرضهم وديارهم، في فلسطين حين حكمتهم شرذمة قليلة من يهود، وغلبتهم على أمرهم، فالمسلمون أقلية لا باعتبار العدد وإنما باعتبار استضعافهم، واستقواء أعدائهم عليهم، فالمسلمون في أرض الأقصى يحكمون بغير الإسلام، ويلزمون بأن يحكم بينهم بغير الإسلام، في دولة دينية عاش أربابها وأصحابها قبل ذلك مفرقين مبعثرين في بلاد المسلمين وفي غيرها، حتى اجتمع شتاتهم والتأم أمرهم على أرض المسجد الأقصى وعلى أرض المسلمين المباركة، فرأيناهم لا يعاملون المسلمين بذلك الإنصاف الذي عوملوا به في البلاد العربية، حين كانوا شراذم في مصر والمغرب واليمن وغير ذلك من بلاد المسلمين، التي كان اليهود يعيشون فيها، نعم إنّ هذه المشكلات لا يمكن مقارنتها أبدًا ولا بحال من الأحوال، بشيء مما قد يثار أو يقال أو يفتعل من مشكلات للأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين، ولا شك أن قضية الأقليات قضية فيها كثير من التفاصيل الدقيقة والمسائل الشائكة، التي تحتاج إلى بحث مدقق وإلى شيء من النظر المحقق، كيما تزول هذه الشبه وترتفع هذه الإشكالات وفق منهج سديد يحتكم إلى الإسلام، ويعتمد على أسس العدالة والمساواة التي ينشدها الجميع، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق إلى توفية هذا الأمر حقه من البحث، وتقرير ما ذكرناه إجمالا بالإحصائيات المدققة والمقارنات المحققة، التي تعيد الحق إلى نصابه وتنصف الأقليات المسلمة التي تعيش في بلاد غير المسلمين، رهينة كثير من الإشكالات وتواجه كثيرًا من العقبات والتحديات، على ما سيأتي ذكره تفصيلًا، والتي تتناول حقوق المسلمين كأقليات في الدول غير الإسلامية.

– “الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية”:

الأسباب الأساسية لوجود الأقليات المسلمة في بلاد، وديار غير المسلمين:

الحديث عن الأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة حديث طويل شائك ذو شجون، والمسلمون الذين يعيشون خارج ديار الإسلام، وبعيدًا عن المجتمعات الإسلامية، وعن العالم الإسلامي أنواع فمن هؤلاء: من هم من أهل البلاد الأصليين الذين أسلموا من قديم، ولكنهم يعتبرون أقلية بالنسبة لمواطنيهم الآخرين من غير المسلمين قد تكون هذه الأقلية كبيرة مثل الأقلية المسلمة الهندية، فإنها تبلغ نحو مائة، وستين مليونًا، وقد تكون أقل من ذلك، وأكثر حتى إنّ بعض الأقليات لا تبلغ أكثر من عدة ألوف، ومن هؤلاء عدة ملايين في أمريكا الشمالية معظمهم من المسلمين الذين جيء به في أفريقيا، واقتيدوا قصرًا على أنهم رقيق، وهم أحرار، وأبناء أحرار، ومنهم عدة ملايين في أوربا الشرقية كما بلغاريا، وغيرها.

والنوع الآخر من أنواع الأقليات: هم، أولئك المهاجرون الذين قدموا من البلاد الإسلامية، والعربية، وذلك طلبًا للسعة في هذه البلاد الغربية بهجرةٍ، وبدراسة، ولغير ذلك من الأسباب المشروعة، وقد حصلوا على إقامة قانونية بهذه البلاد، ومنهم من حصل على جنسيته، وأصبح له حق المواطنة، والانتخاب، وله غير ذلك مما تقرره دساتير تلك الأقطار.

وإذا أردنا أن نبحث أولًا في نشأة الأقليات المسلمة، وتاريخها، فإننا نبحث أولًا في أسباب نشوء الأقلية العددية من المسلمين في العالم، ويظهر لنا أنَّ هنا أربعة أسباب أساسية لوجود الأقليات المسلمة في بلاد، وديار غير المسلمين.

أسباب نشوء الأقلية العددية من المسلمين في العالم:

1- اعتناق الإسلام: فإن الأقلية قد تتشكل في أي بقعة من بقاع الأرض إذا اعتنق بعض أهلها الإسلام كحال النبي -صلى الله عليه وسلم، والمسلمين الذين أسلموا في بداية الدعوة الإٍسلامية في وسط مجتمع مكة المشرك، ومن هؤلاء الأقلية المسلمة في الهند مثلًا، وفي أوربا الشرقية.

2- هجرة بعض المسلمين إلى أرض غير مسلمة، وهذه الهجرة قد تكون لأسباب سياسية، واقتصادية، واجتماعية كما هو حال الأقليات المسلمة في أوربا، وأمريكا.

3- احتلال أرض المسلمين، فقد يحدث أن تحتل أرض إسلامية من قبل دولة غير مسلمة، فتحاول الدولة المحتلة بطرق مختلفة طرد سكان الأرض الأصليين، وأن يندمج هؤلاء المسلمون مع سكان البلد المحتل كما هو الحاصل في إقليم كشمير، وكما حدث أيضًا في شرق أوربا.

4- ويمكن أن تتكون الأقلية المسلمة من أكثر من طريق، واحد كأن تتكون عن طريق الهجرة، واعتناق الإسلام مثلًا، وتجدر ملاحظة أن مفهوم الأقليات ارتبط غالبًا بالاستضعاف، وإن كان هذا لا يمنع من أن تتحول الأقلية المسلمة في بلدٍ ما إلى أكثرية عددية قوية ببركة الدعوة إلى الإسلام، وتتحول البلاد التي تقوم فيها الأقلية بالدعوة إلى بلاد إسلامية، وقد وقع هذا في ماليزيا، وأندونيسيا، ولا يخفى أن بعض البلاد يوجد فيها المسلمون بعددٍ أكبر من غيرهم فهم في الواقع العددي، والإحصائي إلى أن مقاليد الأمور بيد غيرهم، وذلك واقع في مثل كوسوفا، وألبانيا، وتنزانيا، ولبنان، وأثيوبيا.

كما تجدر ملاحظة أخرى، وهي أنَّ الأقليات المسلمة الممكنة لا ينبغي أن ينظر إليها على أنّها أقلية إذا كانت مسيطرة سياسيًّا، واجتماعيًّا بل، وتباشر الحكم أيضًا كما هو الحال حين كانت شبه القارة الهندية تحت حكم الأقليات المسلمة لقرابة سبعمائة عام، وذلك قبل الاحتلال البريطاني للهند، واليوم ينظر للمسلمين في الهند على أنهم أقلية مستضعفة، وإن كان عددهم يصل إلى مائة وخمسين مليون مسلم أو يزيد.

وهناك أسباب اجتمعت لتؤدي إلى ما نحن بصدد بحثه من حال الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يأتي:

ضعف الخلافة العثمانية أولًا، وضمور الدور الدعوي، والحضاري الرائد للمسلمين مما أدى إلى تفشي الجهل، والضعف العام، والتخلف، وأظهر عجزًا فاضحًا في الموازين التجارية، والاقتصادية، فارتبكت الحياة العامة، واندفع عدد من الناس إلى الهجرة إلى بعض تلك الدول الأوربية فلما انهارت الخلافة العثمانية أخيرًا، وتمزق جسد العالم الإسلامية خاصة بعد الحرب العالمية زادت فرص الهجرة، وبالتالي الاستيطان، ونشوء هذه الجاليات، وقد اشتد الهجوم على الشرق المسلم عبر محاور فكرية، وتبشيرية، وتشكيكية، واستعمارية جعلت الحال يزداد ضعفًا، وتفككًا، ولما وقع الاحتلال العسكري الأوربي الغربي والسوفيتي لأكثر أجزاء العالم الإسلامي، واحتلت فلسطين أيضًا من قبل الصهيونية العالمية، وترتب على ذلك من هجرة العديد من أبناء البلاد، وتنقلهم بين قارات الدنيا، واستمرار الحرب الأهلية في بقاعٍ كثيرة، ووقوع الصراع على الحدود بين الدول العربية، والإٍسلامية المختلفة هذا بدوره أفرز ما يعرف باسم اللاجئين المسلمين الذين بلغت نسبتهم عام ثلاثٍ وثمانين وتسعمائة وألف نحو سبعٍ وثمانين بالمائة من مجموع اللاجئين في العالم، وربما كانت الرغبة بتحسين الوضع المعيشي، والاقتصادي عبر الهجرة إلى بلدان أكثر استقرارًا، وازدهارًا مع ما يستتبع ذلك من وجود ضمانات حياتية مختلفة جعل هذا مما يفرز لنا هذه الظاهرة ظاهرة الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين.

1- أقسام الأقليات المسلمة:

فإذا انتقلنا إلى نقطة أخرى، وهي تقسيم الأقليات المسلمة، فإننا نلحظ أنَّ الأقليات المسلمة على أقسام ثلاثة:

1- أقليات مستضعفة.

2- وأقليات كائنة.

3- وأقليات مكافحة.

فالمستضعفة: هي التي تخضع لسياسات، وأيديوليجيات معادية للإسلام، ومعوقة لنمو هذه الأقليات بشكل طبيعي، وربما تنالها يد التصفية الجسدية، والتشويه الفكري، ومن قريب كان الاتحاد السوفيتي يعيش فيه ما يربو على خمسين مليون مسلم كانوا يلقون أنواعًا من الإبادة، والتغريب، والتشويه الفكري كما هو معلوم، ولا يزال عدد من المسلمين إلى يوم الناس هذا يعيشون مقهورين كمسلمي بلاد الصين الشرقية تحت الاحتلال الصيني، وهو ما يعرف بتركستان الشرقية، وكذا المسلمون في كامبوديا، وفي فلبين، ومع أنّ عدد المسلمين في الصين يتجاوز خمسين مليونًا من نحو سبعين سنة فإنّ إحصاءات الصين الرسمية تقدر المسلمين باثني عشر مليون مسلم فقط، وهذا أمر منافٍ للواقع، والحقائق بالجملة فإنّ هذه الأقليات المسلمة تعاني اضطهادًا يبلغ إلى درجة السحق، والإبادة، وقد وقعت مجازر، ونصبت محارق لمثل هذه الأقليات في كل يوم، وفي كل سنة نشهد مثل هذه المجازر، وهذه المذابح للمسلمين التي تبدأ من طمس كل هوية إسلامية لهذه الأقليات بدءًا من منع ممارسة شعائر التعبد، والنسك، وانتهاءً بتغيير الأسماء، والقضاء على اللغة العربية التي هي لغة القرآن هذه أقليات مستضعفة، وهذا حالها وهناك أقليات مكافحة، وهذه الأقليات المكافحة يعود سبب بقائها إلى كفاحها الشديد، وإن كان هذا الكفاح في ظل ظروف غير مواتية، وذلك كحال الأقلية المسلمة في الهند.

وهناك في أمريكا الشمالية، وكندا سبعة ملايين مسلم يسعون إلى تحسين أوضاعهم، وأوضاع أبناء، وإظهار دينهم، ويمثلون نسبة ليست بالقليلة، وكذا الأمر بالنسبة لمسلمي بورما الذي يبلغ تعدادهم أكثر من مليون مسلم، ويمثلون نسبة تسعة عشرة بالمائة من تعداد السكان، وكذا مسلمي سريلانكا الذي يبلغ تعدادهم مليون مسلم، ويمثلون ثمانية بالمائة من تعداد السكان، وهناك أقليات ممكنة، وهذه الأقليات التي تكون في دول غير إسلامية متعددة الثقافات، والأجناس، والأديان أحيانًا ما تسيطر، وتستطيع أن تفرض هيمنة، وأن تبسط نفوذًا سياسيًّا، واقتصاديًّا.

ومن الأمثلة الناجحة، والمتميزة في هذا الصدد المسلمون في ماليزيا الذي يبلغ تعدادهم ما يربو على ستة ملايين، ويمثلون نحو تسعًا وأربعين بالمائة من تعداد السكان، ويتمتع المسلمون بكامل الحرية في ممارسة دينهم، وتحذوا الأقلية المسلمة في سنغافورة، ومرشيوس حذو الأقلية المسلمة في ماليزيا.

2- خصائص الأقليات المسلمة:

إنّ الأقليات المسلمة هي جزء من الأمة الإسلامية فهي تشمل كل مسلم في أنحاء العالم أيًّا كان جنسه أو لونه، أو لسانه، أو وطنه، أو طبقته، ومن ناحية أخرى جزء من مجتمعهم الذي يعيشون فيه، وينتمون إليه فلابد من مراعاة هاذين الجانبين بحيث لا يطغى أحدهم على الآخر، ولا يتضخم أحدهم على حساب الآخر.

وقد تناولنا قبل ذلك نشوء الأقليات، ووجودها في تلك البلاد، ومن خلال هذا العرض التاريخي يمكن أن نستخلص شيئًا من الخصائص التي تميز هذه الأقليات المسلمة التي تعيش خارج ديار الإسلام، فمن ذلك أن نشأة الأقليات المسلمة كانت نتيجة عدة عوامل كما ذكرنا منها الهجرة الاختيارية بهدف العمل، أو الإقامة، أو بناءً على ظروف شخصية من تلك العوامل: الهجرة الإجبارية، وهي تلك التي تنشأ عن أعمال عسكرية، وسياسية عدوانية، وهذه التي تعرف اليوم باسم ظاهرة اللاجئين، وذكرنا أن نسبة اللاجئين المسلمين في العالم عام ثلاث، وثمانين، وتسعمائة، وألف قد بلغت سبعة وثمانين بالمائة من مجموع اللاجئين، وقد قدرت النسبة بنحو من تسعة ملايين، وثلاثمائة، وثلاثين ألف لاجئ مسلم من أصل عشرة ملايين، وسبعمائة ألف لاجئ في العالم، وفي المقابل لوحظ أن نسبة إسهام الدول الإسلامية في حصيلة التبرعات لعام ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف لم تتجاوز اثنين، وثلاثة بالعشرة من المائة، وهو أمر لافت للنظر حقًّا غير أنه لا بد من القول: إنّ بعض البلدان الإسلامية تقوم بالإغاثة، أو الدعم بصورة مباشرة خاصة لأولئك الذين يقيمون على أراضيها كباكستان مثلًا تدفع خمسين بالمائة من جملة نفقات اللاجئين عندها.

ومن الخصائص التي نلحظها أنّ الأقليات الإسلامية سواء كانت قادرة قوية أم ضعيفة مقهورة تتأثر بشكل، أو بآخر بما يجري في العالم الإسلامي من أحداث، وتتفاعل بصورة مباشرة، أو غير مباشرة مع قضاياه، وسواء أكانت تلك الأحداث سلبية أم إيجابية، وكثيرًا ما تتأثر هذه الأقليات بالخلافات التي تنشأ في دول العالم الإسلامي سواءً أكانت الخلافات سياسية أم مذهبية على سبيل المثال: عندما وهنت الإمبراطورية العثمانية اضطرت أن تسلم للروس مناطق إسلامية فضمت إلى الإمبراطورية الروسية خاصة في مؤتمر برلين سنة ثمان وسبعين وثمانمائة وألف للميلاد مع أنّ المسلمين هناك كانوا يرفضون استقلالهم عن السلطنة، ثم على مر الزمن أخضعهم الروس فهجروا أبنائهم، وحملوهم على سيبيريا، وما سواها من الأقاليم البعيدة.

ومن الخصائص أيضًا أنّ استقرار واقع الأقليات المسلمة الذين يتجاوز عددهم اليوم ثلاثمائة مليون مسلم يؤكد على أمر لافت للنظر، وهي أن هذه الأقليات أقليات محتاجة بشتى أنواع الاحتياج فهي تحتاج للدعم التربوي، والعلمي، والاجتماعي، والديني، والسياسي بل وحتى الدعم اللغوي الذي يمكن من التواصل مع لغة القرآن، ومع الإقرار بالحاجة لهذه الأقليات على كل مستوياتها إلا أنها تتفاوت، وتتباين باختلاف المجتمعات التي تعيش فيها الأقلية المسلمة فلا شك أنَّ فرقًا بين المجتمعات الغربية التي تمثلها الدول الأوربية، والأمريكية، وبين المجتمعات الماركسية الملحدة التي تمثلها روسيا، والصين، وبعض البلاد في أوربا الشرقية، وهذان يختلفان بدورهما عن مجتمعات العالم الثالث، والتي يقع معظمها في قارتي آسيا بدرجة بسيطة، وإفريقيا بدرجة أكبر، وأوضح، وهذا لا يعني أنّ أمريكا الجنوبية، أو أستراليا ليست فيها أقليات بل فيها أقليات، ولكن بعددٍ قليل.

فإذا أردنا أن ندخل إلى مشكلات الأقليات المسلمة فإنه تجدر الإشارة إلى أنّ التحديات المرفوعة في وجه الأقليات المسلمة تختلف من مجتمع لآخر، وتبعًا لظروف كل دولة فقد تكون الأقليات، والجاليات في البلدان الأكثر ديموقراطية تتمتع بنصيب من الحرية، وتتاح لهم فرص لتحسين أوضاعهم فبإمكانهم فيما لو انتظمت أحوالهم، وتجمعاتهم، ووجد لهم حد من الدعم، والتأييد المناسب، وأن تتوفر لهم طاقات علمية، وتنظيمية، واقتصادية، ودعوية بإمكانهم عندئذٍ أن يتجاوزوا معظم التحديات، وأن يطوعوها لمصالح الأقلية المسلمة أما الأقليات التي تعيش في بلدان الحكم الاستبدادي كبعض البلدان الإفريقية أو بلدان الأنظمة الفكرية الموجهة  كالاتحاد السوفيتي السابق، أو روسيا الحالية، وبلدان أوربا الشرقية، والصين، وما يشبه تلك البلاد فلا شك أنّ أحوال المسلمين الذين يعيشون كأقليات في هذه البلاد دون أحوال نظرائهم الذين يعيشون في البلدان الغربية، وعلى كل حال إن ثمة مشكلات ذات طبيعة دينية، أو طبيعة اجتماعية، أو طبيعة سياسية، أو اقتصادية يمكن أن تلحظ، وأن ترى في هذه السياقات التي تعيشها الأقليات المسلمة.

فإذا أردنا أن نتحدث عن تلك المشكلات الدينية فلا شك أنه تقفز إلى أذهاننا صور شتى عبر التاريخ فمحاكم التفتيش التي أقامها المسيحيون بعد سقوط الأندلس المسلمة، وما وقع فيها من الاضطهاد الذي لم يعرف الخلق له مثيلًا، ولم تر البشرية له نظيرًا هو شيء، والعياذ بالله كان شيئًا شديد الوقع، والوطأة على سمع التاريخ، ومثل هذا يتكرر بوجوهٍ مختلفة من الصور، والأشكال، والألوان ففي دولة سبق أن تعاون فيها الصليبيون المستعمرون مع الصليبين الوطنيين مثل الفلبين تسلم المسيحيون المواطنون الحكم بعد رحيل المستعمرين تسلموا كذلك المهام التي، وكلت إليهم للقضاء على الإسلام، وتحجيم، وجود المسلمين، وتعرض المسلمون لأساليب قمعية مارسها أولئك المسيحيون ضد المواطنين المسلمين كما جاء هذا في عريضة منظمة تحرير شعب مورو، والمرفوعة إلى لجنة حقوق الإنسان بمنظمة المؤتمر الإسلامي فقد شنت هجمات إبادة جماعية على المسلمين الفلبينيين بقتل، وجرح ما لا يقل عن مائة ألف مسلم، وتشريد نصف مليون مسلم، واغتصاب مليون من أرض المسلمين، وإحراق البيوت، والمساجد، والمدارس هذه مشكلات، وتحديات دينية جاء في الكتاب الأبيض الذي قدمه المسلمون إلى حكومة الفلبين سنة ألف وثلاثمائة وخمسة، وسبعين من الهجرة أن عدد المذابح، والحوادث الدامية التي ارتكبت ضد المسلمين في جنوب الفلبين بلغ أكثر من أربع مائة حادثة في ثلاث سنوات فقط. فالمواطنون المسلمون محاربون في مسقط رأسهم من قبل بني جنسهم الأمر الذي جعلهم في موقف الدفاع دائمًا عن الأرواح، والعقيدة.

ولا يفوت أيضًا أن يشار إلى ألوان من أساليب التنصير بين الأقليات المسلمة في تلك البلاد فمن ذلك استمالت الطلبة المسلمين عن طريق جمعيات تنصيرية مسيحية باسم الزمالة مثلًا ففي بريطانيا هنا منظمة اسمها الزمالة بين الجامعات وهي منظمة تنصيرية تعمل بين الطلاب مركزها في لستر ببريطانيا، وتطبع سنويًّا نشرتين، وتقترح هذه الجمعية أسلوب الاستمالة من خلال النقاش، والحوار، وعقد اجتماعات على خلفيات، وطنية، وتنظيم رحلات في عطلة نهاية الأسبوع، وهذا ما ينتهي في النهاية بعرض المسيحية على الطلاب يصحب ذلك تقديم خدمات متنوعة له، ومن ذلك أسلوب قساوسة اتحاد جرنر، وتشرح الكراسة التمهيدية أهداف هؤلاء القساوسة من هذا الاتحاد، وهو يحمل اسم، وليم جرنر ، وهو المبشر الإنجليكاني المولود بإسكتلندا قد عمل بالقاهرة لحساب جمعية تبشير الكنيسة من عام ثمانية وتسعين وثمانمائة وألف كل هذا يقع بمرأى، ومسمع من تلك الدول المتحضرة، وليست أمريكا بمنأى عن هذه السياسات، والممارسات ففي عام ألف وتسعمائة وعشرين ميلادية أصدرت لجنة التبشير الأمريكية والتي تهتم بالاستفادة من الحروب في أعمال التبشير كتابًا جاء في مقدمته: “من أبرز الأمور المتعلقة بدخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى أن الآراء، والمبادئ التي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية قد بينتها الأمة الأمريكية الآن ثم أعلنت أنها في أهدافها الأخلاقية، وغايتها من خوض تلك الحرب، وأن هذه المبادئ التبشيرية قد سميت الآن أسماء سياسية فقط”.

والمسلمون الذين عاشوا تحت حكم الوثنيين كانوا أسوأ حظًّا، وحالًا، وأشد مواجهةٍ للمشكلات الدينية فالدول التي بها أقليات مسلمة يحكمها الوثنيون مثل الهند، وسيلان، وبورما، وتايلاند، والنبال، وسنغافورة، واليابان، وكمبوديا، وكوريا الجنوبية، وغيرها نلحظ أنها، وإن كانت دول مستقلة متحضرة إلا أنها كانت أشد عتوًّا، وبلاء، وإفسادًا لحياة المسلمين الدينية فالأقليات المسلمة عانت تصفية جسدية، وصلت كثيرًا إلى درجة الإبادة ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين ميلادية أباد الهندوس المسلمين ثلاثة أيام متتالية قتل فيها أكثر من ألف شهر، وجرح فيها أكثر من ألف وخمسمائة مسلم مما دفع رابطة العالم الإسلامي إلى تقديم الاحتجاج، ووقعت أحداث آسان عام ألف وتسعمائة وواحدٍ وثمانين حيث لقي أكثر من خمسمائة مسلم مصرعهم، وفي بورما تعاون البوذيون مع الشيوعيين في بعض الأحيان لارتكاب المذابح ضد المسلمين، ولا تزال أحداث قتل المسلمين في المساجد في السنوات الأخيرة بالهند كحادث المسجد البابلي قائمة، وماثلة أمام العيان علاوة على ما تتخذه الحكومة الهندية من سياسة تهجير المسلمين من مناطقهم، وتحويل الهندوس إليها لتغيير الكثافة السكانية في تلك الأماكن.

وأما الأقليات المسلمة تحت الحكم الشيوعي فقد عانت من هؤلاء أشد المعاناة فقد فرض الشيوعيون على جميع المواطنين الولاء للمذهب المركسي اللينيني ففي الاتحاد السوفيتي السابق نصت بعض مواد الدستور: “أنه على كل مواطن في الاتحاد السوفيتي أن يأخذ بيد جميع المواطنين طوعًا، أو كرهًا ليبلغوا درجة الإيمان بالمذهب المركسي اللينيني”، وكل مواطن في الاتحاد السوفيتي يلتزم بأن يراعي الدستور، وأن يطبق أحكامه، وأن يحافظ على نظام العمل، ويؤدي أمانة واجبه الاجتماعي، ويحترم الأسس التي يقوم عليها المجتمع الاشتراكي، وقد عانت الأقليات المسلمة في تلك الدول من إغلاق مدارسها الإسلامية، ومن هدم مساجدها، ومن تحويلها إلى أماكن سياحية بل، وإلى مقالب للزبالة، والعياذ بالله صادروا الكتب الإسلامية، وأحرقوها منعوا الصلاة، والصيام، والحج، وذبح الأضاحي بحجة الإضرار باقتصاد البلاد، وتناولوا الدين الإسلامي في وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، وفي كتب التعليم، ومناهج الدراسة، وأضافوا إلى ذلك القبض على زعماء المسلمين، وعلى علمائهم فقتلوا الكثير منهم بحجة عدم الولاء للنظام، وأبادوا المسنين من المسلمين في المزارع الجماعية لاستغناء الدولة عنهم كل ذلك وقع في ذلك الزمان الذي عاشت فيه دولة الإلحاد المركسية الحمراء التي سميت بالاتحاد السوفيتي.

وللأقليات المسلمة نوع آخر من المشكلات، وهي مشكلات اجتماعية تتعلق بالأحوال الشخصية غالبًا من هذه المشكلات: حجاب المرأة الذي هو عنوان عفتها، وطهارتها، وهو جزء من دينها، وحيائها فرضه الله عز وجل على كل مسلمة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ، وبَنَاتِكَ ونِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} (الأحزاب: 59)، وعليه فليست المرأة المسلمة مخيرة في أن تلبس حجابها الشرعي، أو أن لا تلبسه، والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: 36)، ومن أغرب المشكلات التي ظهرت في بلاد الحرية المزعومة كفرنسا منع الطالبات من ارتداء غطاء الرأس في مقاعد الدراسة حيث قامت إحدى المدارس بطرد ثلاث طالبات من المدرسة؛ لأن هذا الزي يخالف مبدأ العلمانية الذي يعمل به في فرنسا، وليس هذا التضييق خاصًّا بمسلمي فرنسا فحسب بل في بريطانيا قامت مديرة إحدى المدارس الثانوية بالقرب من منشستر بطرد طالبتين مسلمتين لارتدائهما الحجاب، وهذه نماذج من دول ديمقراطية متحضرة، فكيف ستكون النماذج الأخرى للبلاد التي رزحت تحن نيل الاستعمار الروسي الملحد، أو الوثني الذي لا دين له، وعليه فلم يكن مستغربًا أن يقوم البوذيون في تايلاند بطرد اثنتي عشرة طالبة من كلية للبنات بتهمة ارتدائهن للحجاب ثم إن المسلمات في تلك الديار يواجهن مشكلة الاختلاط الاختلاط بين الرجال، والنساء الذي يقع بشكلٍ مستهتر، ولغير ضرورة، أو حاجة، وقد أدى هذا الاختلاط إلى تذويب الهوية المسلمة شيئًا فشيئًا من كثرة المخالطة، والاعتياد، وليس سرًّا أنه فشت المنكرات الأخلاقية في تلك البلاد التي لا تدين بدين الإسلام، وانتشر هذا أيضًا في بعض الأوساط المسلمة جراء هذه المخالطة التي وقعت، وما ينضاف إليها من جهل بتعاليم الدين، وبعدٍ عن قيمه السمحة.

ومما يعانيه المسلمون في تلك الديار ما يتعلق بطمس هويتهم الإسلامية يبدأ هذا بتغيير الأسماء الإسلامية، وذلك قطعًا للصلة بين مجتمع الأقلية، وبين الإسلام، وقد كان هذا يقع بالترهيب، والتعذيب، والحرمان من الحقوق الأساسية للمواطن كما فعل الاتحاد السوفيتي بمسلمي الجمهوريات، وكذا فعلت الدول الشيوعية ذات الأقلية المسلمة حيث أرغمت السلطات في بلغاريا مثلًا عام واحد وستين على تغيير المسلمين لأسمائهم المسلمة، وتحويلها إلى أسماء ليست بمسلمة، وكذا الحال في الهند الهندوسية يفرضون تغيير أسماء الأطفال إلى أسماء هندية غير إسلامية، ويعتبرون ذلك شرطًا لتسجيلهم في الدوائر الرسمية، وقد وقع شيء من هذا بكيدٍ منظم حتى لا يظهر المسلمون بصورة متخلفة، أو رجعية، أو متميزةٍ عن المجتمع بشكل منفر فتغيرت الأسماء الإسلامية إلى أسماء غير إسلامية، وفي الزي، واللباس رأينا الشريعة تضع شروطها التي تضبط بها الزي، واللباس ثم تدع كل إنسان لبيئته، وثقافته لكن رأينا الاستعمار حين دخل بلاد المسلمين يحاول أن يلزم المسلمين بلبس ما يلبسه الفرنجة، أو ما يلبسه المستعمر، وهذا في محاولة مرة أخرى للقضاء على هوية هذه الشخصية المسلمة، وفي بعض البلاد كالصين الشيوعية منع المسلمون من ارتداء ثيابهم القومية فلبسوها ثم جعلوا فوقها شيئًا مما ألزموا به.

ومما عانت منه المجتمعات المسلمة ما يسمى بالتهجير الإجباري للسكان، والتطهير العرقي، ولا ينسى المسلمون في الجمهوريات الإسلامية خطاب القادة البلاشفة الذي، وجه إليهم في عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر ميلادية، والذي وقعه لينين، واستالين، والذي جاء فيه: “أيها المسلمون في روسيا أيها التتر على شواطئ الفولجار في القرن أيها القرغيز، والساريتون في سيبيريا وتركستان أيها التتر والأتراك في القوقاز أيها الشيشانيون أيها الجبليون في أنحاء القوقاز أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم، واعتدي على عقائدكم، وعاداتكم، وداس القياصرة، والطغاة الروس على مقدساتكم ستكون حرية عقائدكم مكفولة، ومنظماتكم الثقافية مكفولة منذ اليوم لا يطغى عليه طاغٍ، ولا يعتدي عليها معتدٍ هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم فأنتم أحرار لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل، إنّ ذلك من حقكم إنْ كنتم فاعلين، واعلموا أنّ حقوقكم شأنها شأن حقوق سائر أفراد الشعب الروسي تحميها الثورة بكل ما، أوتيت من عزم وقوة، وبكل ما يتوفر لها من وسائل، وجنود أشداء، وإذن فشدوا أزر هذه الثورة، وخذوا بساعد حكومتها الشرعية ….. إلى آخر ما قالهوه”.

فلما صار المسلمون في حكم هؤلاء البلاشفة أصدروا أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية دون سابق إنذار، وجعلت الطائرات تقصف، والدبابات تحصد، وتبيد البلاد، والعباد، ولم يكن بيد المسلمين، وقت ذاك من الأسلحة ما يعين على التصدي للغزو الروسي، وكانت الخطوة التالية بعد احتلال الأرض فرض الهجرة الإجبارية على المسلمين إلى مجاهل سيبيريا، ونقل الروس إلى أراضيهم حتى يقلل نسبة المسلمين في مناطقهم، ولاسيما إذا كانت مناطقهم غنية، وذات أهمية سياسية، أو إستراتيجية، وفي بلغاريا قامت عمليات تهجير إجباري  جنبًا إلى جنب مع التطهير العرقي، والتصفية الجسدية، وهو أمر يذكر بإجرام الأسبان في حق المسلمين، والأثيوبيين، وما فعلوه بالمسلمين في أريتريا، وما حصل في أوجادين، وفي شعب بورما في أراكان، وما فعله مجرمو الحرب في البوسنة، وبلاد البلقان، وما يفعله الصهاينة المعتدون على أرض فلسطين، ومما يتعرض له المسلمون كأقليات في تلك البلاد، القضاء على قياداتهم في مجتمع الأقليات فقد طرد زعماء الأقليات المسلمة، ومثقفيهم، ونفوا خارج بلادهم، وحبسوا، ووضع أناس في منصب الزعامة من الذين باعوا أنفسهم لأعداء هذه الأقلية بدراهم معدودة، وهذا يسهل اندماج الأقلية المسلمة في الأكثرية؛ لأن الأقلية عندما تصبح بغير مثقفين، وبغير علماء، وبغير زعماء تكون مجموعة مشتتة عديمة النفوذ يسهل على الأكثرية امتصاصها، وتذويبها، والقضاء عليها إذا لم تساند من طريق الأمة الإسلامية.

ولقد رأينا محاولة في بعض البلاد هي من أكبر أبواب الفساد الاجتماعي حيث تعطي القوانين وأعراف تلك البلاد غير المسلمة للزوجة حقوقًا تستغني بها عن زوجها، وأولادها وأسرتها حتى تميل إلى مغادرة الحياة الزوجية وقت شاءت، يملكون أن يغادروا الأسرة، وأن ينشئوا بعيدًا عنها بل وأن يجلب الابن الشرطة لأبيه؛ لأنه ضربه على ذنب اقترفه، أو ربما هدده فقط بالضرب، ومجرد أن يطالب الابن بحقه فإنّ الشرطة تتدخل لتستدعي الأب المذنب، وربما أودعته السجن لقيامه بواجب تأديب ولده، ومن جهة أخرى فإنّ المرأة تتمتع بحرية كبيرة تجعل الزوج مكبل اليدين أيضًا إزاء تصرفات زوجته مما يضطره إلى أحد احتمالين طلب الطلاق مع ما  يستتبع ذلك من أمور، وآثار، أو السكوت عن تصرفات زوجته، أو انحرافاتها تلك التي لا يعتبرها القانون انحرافًا وإنّما يعتبرها حرية شخصية.

ويواجه المسلمون، وهم أقليات في تلك الديار مسائل تتعلق بالأحوال الشخصية فمنها أحكام الزواج من غير المسلمات سواء كن كتابيات، أو ملحدات، أو وثنيات، وما يترتب على هذا الزواج من إشكالات، وآثار، وخيمة على الأسرة المسلمة، وكذا إسقاط المانع الديني من زواج المسلمة من غير المسلم، وجعلوا إجراءات الزواج ذات طابع مدني، وليس ديني، وإسقاط اعتبار الزواج الشرعي عند تسجيله في الأوراق الرسمية، وما يستتبع ذلك من إشكالات قدرة الزوجة على تطليق نفسها من زوجها بدون إرادته، وعدم قدرة الزوج على ذلك إلا من خلال المحكمة مع ما يستتبع من آثار في مال الزوجين، والمشاركة، والمقاسمة عند الطلاق، وعدم التقيد بعدد الطلقات، والأصول المعروفة في ذلك شرعًا تقرير منع تعدد الزوجات، ولو مع الحاجة، أو الضرورة الشرعية مع إباحة الخليلات، والتعدد في ظل هذه القوانين أمر محرم ممنوع، ومن ذلك أيضًا عدم الاعتراف بموانع الزواج إلا وفقًا للقانون المدني، وهو مختلف في بعض جوانبه مع الأحكام الشرعية، وما يحصل أيضًا من أحكام الزواج الصوري الذي يلجأ إليه راغبو الإقامة في تلك البلاد بغرض الحصول على التصريح بالإقامة، أو الجنسية، مما يترتب على إسلام الزوجة، وبقاء زوجها على ديانته إلى أمور أخرى تتعلق أيضًا بالإرث، وهل يقع توزيعه، وفقًا للقانون المدني الذي يخالف الشريعة الإسلامية، وأحكام الفرائض المقررة لحكم الأنصبة بين الورثة.

وأخيرًا: فإننا نجد أنّ هذه الأقليات تواجه مشكلات ذات ألوان وأنماطٍ متباينة ومتنوعة ومتعددة، من أخطرها خطر الاندماج والذوبان في الأغلبية التي تعيش بينها، وعليه فإنّ من أكبر التحديات وبقاء الأقلية المسلمة متميزة بعقيدتها وشريعتها وأخلاقها وفي نفس الوقت نفسه تسعى لتقوية شوكتها العلمية، والاقتصادية، والسياسية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تفاعل إيجابي حذر مع هذه المجتمعات التي يكثر في نطاقها الانحراف، ويتنوع الفساد، والجهر بالمنكرات.

– من المشكلات التي تلقتاها الأقليات المسلمة المشكلات اللغوية، والتعليمية، والثقافية:

لا شك أنَّ العربية هي عنوان شخصية المسلم بقدر ما تتعمق العربية في عقول المسلمين، وألسنتهم يرتبطون بالإسلام إذ إن العربية مدخل لفهم القرآن كما أنّها مدخل لإبراز معالم أساسية في شخصية المسلم العربية لغة القرآن فهي اللغة الإسلامية الأم التي ينبغي على المسلمين عربًا، وعجمًا أن يتعلموها حتى يؤدوا العبادة على أكمل وجه فاللغة العربية تعد الآن رابع لغة قومية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها كما قرر أحد الباحثين إذ يتحدث بها نحو مائة وخمسين مليون بعد اللغة الصينية، والإنجليزية، والأسبانية غير أنّ الإنجليزية مثلًا تعد لغة ثانية في كثير من البلاد مما يزيد عدد المتحدثين بها إلى نحوٍ من ثمانمائة مليون متكلم، وبغض النظر عن أن أعدادًا ضخمة من المسلمين غير العرب في العالم الإسلامي لا يحسنون العربية كما أنّ مدارسهم لا تعلمهم العربية حتى كلغة ثانية بعد اللغة القومية الأولى فإنّ الأقليات يشعرون بإرباك كبير في هذا الصدد، فالأقليات تعيش حالة أشبه بعزلة تحديات متنوعة تحاصرها متنوعة من كل جانب، وهي تجالد في مقاومة مستمرة حفاظًا على الوجود، ومنعًا من ذوبان الشخصية في عالم الأثري.

وبعض الأقليات تفتقد العالم، أو الشيخ ليلقنها مبادئ دينها فكيف بمبادئ لغتها العربية على افتراض وجود بعض المسلمين العارفين بالعربية فإن إلزام الأطفال بتلقنها أمر في غاية الصعوبة، وفي بعض الأقليات كالأقلية المسلمة في الاتحاد السوفيتي الروسي كانت تحاصر في لغاتها القومية في محاولة لطمسها تمهيدًا لطمس الشخصية المتميزة عن القومية الروسية، وبعض الأقليات تعيش أساسًا في جهل، أو تجهيل ضمن سياسة الدولة، وظروف حياتها الزراعية، والريفية لا تسمح لها بأن تخرج إلى حيز الاهتمام باللغة العربية، وهذا هو حال أكثر مسلمي الصين فهم غير ملمين بلغاتهم القومية فكيف بالعربية؟ وبعض الأقليات كالجاليات الجديدة في استراليا، وأوربا، وأمريكا، وبعض الدول الإفريقية غير ممنوعين من استعمال العربية، وتعلمها إلا أن الظروف الحياتية الضاغطة، وانعدام التوجيه، والتخطيط الجيد بشأن الجاليات، والأقليات في العالم تجعل من العربية لسانًا ثقيلًا على الناشئة، وهذا الحال موجود، وقائم بالفعل في الدول الغربية كأستراليا، وإنجلترا حتى إنَّ بعض أبناء الجالية المسلمة الذين هاجروا من قديم يكون الرجل، وتكون المرأة ممن يتكلم العربية إلا أنَّ أبناءهم الذين ولدوا في تلك الديار هم أجانب على هذه اللغة، وعلى هذا اللسان العربي؛ لأنهم يعيشون وسط هذا المجتمع، وهم أكثر التصاقًا به من التصاقهم بهويتهم الأولى العربية.

ويشعر على كل حال المسلم مهما ضعفت ثقافته أنّ عليه واجبًا أمام أطفال الجيل الجديد كما يشعر الآباء الأشد قدمًا من الآخرين بعبء الأمانة الملقاة على كواهلهم، وهو يرون أبناءهم، وقد تفلتت العربية من لسانهم، ومع المحاولات الجادة، والجاهدة من قبل الأكثرية غير المسلمة في تذويب اللغة العربية، وطمسها من قاموس الأقلية تبدو هذه المشكلة مشكلة متفاقمة، وقد وجدنا روسيا تمنع مسلمي جمهورية الشيشان، وأنجوشيا المتحدة مع روسيا من كتابة لغتهم بالأحرف العربية مع أنّ أربعة وسبعين بالمائة من مواطني الجمهورية مسلمون، وتفرض روسيا الكتابة بالأحرف الروسية على سائر القوميات كما وجدنا الصين تمنع أبناء القومية الإيجور التركستان، وهم ثمانية ملايين نسمة من كتابة لغتهم بالأحرف العربية، وألزمت المسلمين باللغة الصينية، وحتى في الهند يطلب من المسلمين كتابة اللغة العربية، وهي لغة المسلمين الأولى بالأحرف اللاتينية، ويمنع تدريسها في معظم المدارس لتعتبر اللغة الهندوكية هي اللغة الوظيفية الرسمية الأولى، ومثل هذا في تايلاند، وفي فطاني حيث تنشر اللغة السيامية بدلًا من الماوية لغة أهل فطان، وهكذا مضى الحال في هذه الأقليات، وهي تعاني أشد المعاناة الثقافية، والتعليمية، وتجدر الإشارة إلى أنّ أقليات المسلمين التي تعيش في تلك الدول بدأت تتفطن إلى أهمية الخروج عن دائرة أوطانها إلى دائرة العالم العربي المسلم ليتعلم الأبناء اللغة العربية لغة القرآن حيث عمدت الجاليات المسلمة إلى إرسال أبنائها، وبناتها ليدرسوا اللغة العربية في بلادها، وبين الناطقين بها، وفي مصر نشطت مراكز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها حيث افتتح في السنوات العشر الأخيرة نحو من عشرين مركزًا أهليًّا ليسد حاجة طلاب العربية من غير أهلها، والذين يفدون من دول الجمهورية الإسلامية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي سابقًا، ومن أفريقيا، وجنوب شرق آسيا إضافة إلى دول أوربا بأسرها، وأمريكا، وكذا الحال في سورية، والأردن، والسودان.

وأما في المملكة العربية السعودية فقد تأسس عدد من الجمعيات الخيرية التي جابت العالم بأسره تدعم الأقليات، وترعى قضاياها، وذلك كالندوة العالمية للشباب، ومؤسسة الوقف الإسلامي، وغيرها من المؤسسات التي عنيت بإمداد الطلبة في بلاد البلقان، وأوربا الشرقية، والدول، والجمهوريات المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي السابق منحًا دراسية بمعاهد اللغة العربية في بلاد العرب ثم تعين بعد ذلك على مواصلة الدراسة الجامعية في الكليات الشرعية، واللغوية بالجامعة الأزهرية، وغيرها من الجامعات الشرعية، واللغوية بالمملكة العربية السعودية، وآخر ما نتناوله في هذا العرض لمشكلات الأقليات المسلمة في البلاد الغربية ما انتهى إليه تقرير صدر سنة سبع وتسعين وتسعمائة وألف نشر حول ما يعرف بعنوان (إسلام فوبيا ملامحها وأخطارها)، وهي دراسة صدرت عن مؤسسة بحثية غربية أرجع التقرير مظاهر الذعر من الإسلام، أو الخوف من الإسلام، أو ما عرف بالإسلام فوبيا إلى ملامح سبعة جعلت الغربيين يعاملون المسلمين بإقصائية بالغة هذه المعالم السبعة ألقت بظلالٍ، وبآثارٍ كثيرة حول الحياة للمسلمين في المجتمعات الغربية هذه الملامح السبعة هي:

– الثقافة الإسلامية هي وحدة متراصة لا تقبل التعددية.

– والثقافة الإسلامية تباين الثقافات الأخرى تمامًا.

– الإسلام يحمل سمات التهديد إلى حد العناد.

– المسلمون يستغلون الإسلام للأغراض السياسية أو العسكرية.

– نقد الإسلام للحضارة الغربية مرفوض تمامًا.

– خلط الأمر بين الخوف من الإسلام، ومعاداة المهاجرين بناء على تفرقة عنصرية.

– الزعم بأنّ إسلام فوبيا شيء طبيعي لا يفيد أي مشكلة.

وقد دعا التقرير السياسيين، والإعلاميين إلى التخفيف من حدة هذه الملامح، وإلى اتخاذ موقف معتدل محترم تجاه القضايا الإسلامية نتناول فيما يلي تلك الآثار التي يواجهها المسلمون في بلاد الغرب عمومًا، وفي بريطانيا، وأمريكا على وجه الخصوص جراء هذه الظاهرة المعروفة بالإسلام فوبيا، والتي تنامت إلى حد بعيد، وشديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة ألفين وواحد ميلاديًّا فإذا تناولنا أثر ذلك على الوظائف فقد وقع طرد لكثير من المسلمين الذين كانوا يعملون في عددٍ من الوظائف لأسبابٍ كثيرة، فقد سئل أحد الطيارين المسلمين عن مذهبه في مقابلة مع شركة طيران أوربية، وعادة لا يوجه مثل هذا السؤال إلى طالب الوظيفة في بريطانيا، ويرى الطيار أنّ رفضهم التحاقهم للوظيفة إنما كان بناءً على التعصب المذهبي، فلما علم أنه مسلم منعوا من الالتحاق، وفي حدث مماثل لهذا يفضل أصحاب الشركة تسمية هذا الشخص باسم مقتضب، وهو m o  بدل اسمه الكامل، وهو محمد، ووقعت وقائع طرد من العمل لأجل اللحية، وكذا طردت المرأة لأجل حجابها بحجة أنه يشكل خطرًا من ناحية الصحة، أو الأمن، واشتكت امرأة مسلمة أنّ إحدى القنصليات البريطانية في الخارج رفضت تجديد جوازها؛ لأنّ صورتها بالحجاب الشرعي كانت غير مقبولة لديهم.

وأما المسائل التي تتعلق بالنساء لقد رأينا من ذلك، وأشرنا إلى شيء من هذا، ومما استجد مما له صلة بهذا الأمر حملة وقعت في بلاد الغرب على ختان البنت التي تتناوله الآن كثير من الصحف بالنقد اللاذع، وقد رأينا دورًا ملحوظًا لوسائل الإعلام في إثارة الإسلامو فوبيا لدى بعض الناس، ولولا وسائل الإعلام السريعة التي نقلت، وقائع الحادي عشر من سبتمبر إلى العالم فكما يقولون: جعلت من الحبة قبة، وزاد الطين بلة، ولا أحد يجهل دور اللوبي العالمي المعاند للإسلام، والمساند لليهودية، والذي لا ينفك ينسب الإسلام إلى جميع صور الإرهاب، والفساد وإذا تحدث المسلمون دفاعًا عن قضاياهم فإنهم يرمون بمعادات السامية، وهي فرية انطلت على الغربيين، أو أنّهم قبلوها طوعًا حبًّا للصهيونية، وشدًّا في عضدها، ونال الإعلام الغربي أيضًا من الشريعة الإسلامية مع علمهم أنَّ الشريعة غير مطبقة في أكثر بلاد المسلمين.

ويعاني المسلمون عمومًا في الغرب، وفي بريطانيا، وأمريكا على، وجه الخصوص من عدم وجود قانون يعتبر المساس بطائفة معينة عرقية جريمة خاضعة للمرافعة بغرامات، أو بالسجن لمدة معينة، وهذا يشمل اليهود، والسيخ، ولكن لا يشمل المسلمين؛ لأنّهم ليسوا طائفة واحدة، ولا عرقًا واحدًا، وقد حاولت حكومة العمال الحالية في بريطانيا تعديل هذا القانون بحيث يشمل الديانة أيضًا غير أنه باء بالفشل عندما طرح للتصويت في البرلمان، وقيل: إنَّ عدم وجود هذا القانون في صالح المسلمين أنفسهم؛ لأنّه لو صار المساس بأي دين سواء الكلام أو بالهمز، أو باللمز جريمة لأصبح المسلمون أول من يقعون ضحية له، حيث لا يحق لهم آنذاك أن يستدلوا بالأحاديث والآيات التي تتناول اليهود والنصارى بالنقد، لتصحيح عقائدهم، وإرجاعهم إلى جادة الحق.

ولما وقعت قضية ما كتبه سلمان رشدي في كتاب الآيات الشيطانية أو لما وقعت قضية الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسعف المسلمين هناك ذلك القانون، ولم تشفع لهم تلك الديموقراطية التي تحمي الأكثرية، وتهمل الأقلية، وها هي الحكومية البريطانية التي أعلنت مؤخرًا عن تخطيطها لإدخال دراسة الأقدار البريطانية ضمن مناهج مدرسية حتى يتعلم الأولاد الأجانب معنى الديموقراطية، والحرية الفكرية، والاحترام المتبادل بين مختلف الطوائف، وأخيرًا فقد كان هذا عرضًا مقتضبًا جدًّا لمشكلات كثيرة يعانيها المسلمون، وهم أقليات في الدول التي لا تدين بالإٍسلام، وهذه المشكلات لا يمكن بحال أن يقال: إنّها ناشئة عن الإسلام وأهله، وإنما هي ناشئة عن هذه الأكثرية التي تتصلت على دين الأقلية، وعلى هويتها الثقافية، والفكرية، أو التي تحاول إخضاعها لأنماط فكرية، وثقافية، وسلوكية، ومجتمعية بعيدة عن دين وثقافة هذه الأقلية؛ لذا فإنَّ الأقلية المسلمة بحاجة أن تنشأ جهود في تقويتها من خلال الأمة المسلمة، ومن خلال مؤسسات العالم الإسلامي كرابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وسائر المنظمات العلمية، والفقهية التي تأسست، وتجدر الإشارة إلى وجود عددٍ من المؤسسات العلمية التي تعنى بقضية الفتيا، والبحوث العلمية التي تتعلق بنوازل الأقليات المسلمة التي تعيش خارج الديار الإسلامية، وفي هذا الصدد تبدأ هذه الجهود، وتبدو في محاولة منها للحفاظ على دين الأقلية، وهويتها الإسلامية.

error: النص محمي !!