Top
Image Alt

2.1 مفهوم حقوق الإنسان في اللغة.

  /  2.1 مفهوم حقوق الإنسان في اللغة.

2.1 مفهوم حقوق الإنسان في اللغة.

   مقدمة في بيان مفهوم حقوق الإنسان شرع الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا حقوق الإنسان، في شمول وعمق، وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها، وصاغ مجتمعه على أصولٍ ومبادئ تمكّن لهذه الحقوق وتدعمها، والإسلام هو ختام رسالات الله -تبارك وتعالى- والتي أوحى بها رب العالمين إلى رسله -عليهم الصلاة والسلام- ليبلغوها للناس هداية وتوجيهًا، إلى ما يكفل لهم حياة طيبة كريمة، يسودها الحق والخير والعدل والسلام والوئام. والإنسان في تصور الإسلام عالم متكامل مليء بالآيات والسنن، بل هو العالم الأكبر الذي انطوت فيه عجائب الله، وتضمّن إعجازه تعالى في صنعه، والنفس الإنسانية قسيمة للآفاق التي وعدنا الله أن يرينا فيها الآيات، قال -جلّ من قائل: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)) (فصلت: 53).

ولمّا كان للإنسان هذا الموقع في التصور الإسلامي، وجدنا الشريعة تسُنُّ للإنسان من الحقوق، ما نراه مبثوثًا في جلّ آي القرآن الكريم، بل إن أكثر آي الكتاب الكريم يشرع للإنسان، فهي إما حديث عنه، أو حديث إليه، واسترداد إنسانية الإنسان؛ لإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن رفع يد الطواغيت والظلمة، وتسلُّط الإنسان على الإنسان، وتحطيم فوارق الجنس واللون، وإرساء قيم الحق والعدل والإخاء، والارتفاع بالإنسان إلى المستوى الذي يليق به من التكريم، وحفظ حقوقه وصيانة حرماته، كل هذا كان من القضايا الإنسانية التي تلخّص هموم الإنسان، وهي المحور التي دارت حوله آي القرآن الكريم، والسنة المطهرة؛ سواء في الجوانب العقدية أو التشريعية.

والإنسان في شريعة الإسلام له هذه المنزلة، وتلك المكانة التي أخبر بها ربنا -تبارك وتعالى- على ما سيأتي بيانه تفصيلًا في كتاب ربنا، وسنة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم.

ونحن معشرَ المسلمين على اختلاف شعوبنا وأقطارنا، وانطلاقًا من عبوديتنا لله الواحد القهار، ومن إيماننا بأنه ولي الأمر كله في الدنيا والآخرة، وأن مردنا جميعًا إلى الله، وأنه وحده الذي يملك هداية الإنسان إلى ما فيه خيره وصلاحه، وأنه سبحانه هو الذي استخلفه في الأرض، وسخر له كل ما في الكون، ومن تصديقنا بوحدة الدين الحق، الذي جاءت به رسل ربنا، ومن تسليمنا بعجز العقل البشري عن وضع المنهاج الأقوم للحياة، ومن رؤيتنا في ضوء كتابنا العزيز، لوضع الإنسان في الكون، وللغاية من إيجاده، وللحكمة من خلقه، ومن استبصارنا بما أحاطه ربنا -جلّ وعلا- من نعم لا تُعدّ ولا تحصى- من كل ذلك نحن نعلم معشر المسلمين، معشر حملة لواء الدعوة إلى الله في مستهلِّ القرن الخامس عشر الهجري، نعلم هذا البيان الإسلامي عن حقوق الإنسان، ونحفظه بحفظ ناشئتنا لكتاب الله -عز وجل- ولسنة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه الحقوق حين ترتبط بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- تكون حقوقًا أبدية، لا تقبل حذفًا ولا تعديلًا، ولا تحتمل نسخًا ولا تعطيلًا؛ ذلك لأنها حقوق شرعها الخالق، فليس من حق بشر -كائنًا من كان- أن يعطّلها، أو يتعدى عليها، أو أن يسقط حصانتها، لا بإرادة الفرد إذا تنازل عنها، ولا بإرادة المجتمع، ممثلًا فيما يقيمه من مؤسسات، أيّا كانت طبيعتها، كيفما كانت السلطات التي تخولها.

إنّ إقرار هذه الحقوق هو المدخل الصحيح لإقامة مجتمع إسلاميّ حقيقي، هذا المجتمع الناس جميعًا فيه سواء، هذا المجتمع المساواة فيه أساس التمتع بالحقوق، هذا المجتمع حرية الإنسان فيه مرادفة لمعنى حياته سواء، يولَد بها، ويحقق ذاته في ظلها، آمنًا من الكبت والقهر والإذلال والاستعباد، هذا المجتمع يرى في الأسرة نواة يجب أن تحمَى وأن تحاط وأن تكرم، وينبغي أن يهيئ لها كل أسباب الاستقرار والتقدم، مجتمع السلطة فيها أمانة توضع في عنق الحاكم؛ ليحقق ما رسمته الشريعة من غايات، وبالمنهج الذي وضعته لتحقيق هذه الغايات، مجتمع تقرّر فيه السياسات التي تنظم شئون الأمة، مجتمع تتوافر فيه الفرص المتكافئة؛ ليحمل كل فرد فيه من المسئولية بحسب قدرته وكفاءته، وتتم محاسبته عليها دنيويًّا أمام أمته، وأخرويًّا أمام خالقه، ((كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)).

هذا المجتمع، كل فرد هو ضمير مجتمعه، ومن حقه أن يقيم دعوى الحسبة ضد أي إنسان يرتكب جريمة في حق المجتمع، وله أن يطلب المساندة من غيره، وعلى الآخرين أن ينصروه وألّا يخذلوه في قضيته العادلة.

مجتمع مسلم يرفض كل ألوان الطغيان، ويضمن لكل فرد فيه الأمن والحرية والكرامة والعدالة، وبالتزام ما قررته شريعة الله للإنسان من حقوق، وبالعمل على تطبيقها، وبالسهر على حراستها، تلك هي حقوق الإنسان في الإسلام، التي أعلنها القرآن وأعلنتها السنة قبل ما يربو على أربعة عشر قرنًا من الزمان.

ولنلج إلى هذا الموضوع، لا بُدّ أن نتناول مفهوم حقوق الإنسان في اللغة، وفي القرآن والسنة.

مفهوم حقوق الإنسان في اللغة:

الحقوق في اللغة: جمع كلمة الحق، والحق نقيض الباطل وضده، قال تبارك وتعالى: ((وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)) (البقرة: 42)، ويقال: حقّ الأمر، أي صار حقًّا ثابتًا متيقنًا، كما قال تعالى: ((لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) (يس: 7)، وقال: ((لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)) (يس: 70)، وحق الشيء يحق بالكسر أي وجب، وأحققته أوجبته، واستحققته استوجبته، وتحقق عنده الخبر أي: ثبت وصح. وقد شرّف الله تعالى كلمة الحق؛ إذ جعل “الحق” اسمًا من أسمائه، فقال -جل وعلا: ((ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)) (الأنعام: 62)، وقال سبحانه: ((فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)) وقال سبحانه: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق)) (الحج: 6) فالحق علمٌ على الذات المقدسة -جلّ وعلا- والحق بجانب كونه اسمًا من أسماء الله تعالى، فهو وصف لدينه ولكتابه، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُم)) (النساء: 170) وقال: ((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَق)) (الأنعام: 66)، وقال سبحانه: ((الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)) (البقرة: 147). بيّن الله سبحانه أنه هو الذي يتولى أمر الحق هداية ونصرًا، قال سبحانه: ((قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ)) (يونس: 35) وقال: ((وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)) (الإسراء: 81)، وقال سبحانه: ((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)) (الأنبياء: 18). وربما أتى الحق بمعنى الحظ والنصيب، قال سبحانه: ((وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)) (الذّاريات: 19) أي: وفي أموالهم نصيب ثابت للمحتاجين السائلين منهم.

هذا عن معنى الحق في اللغة، فالحق هو الثابت بلا شك، والحق هو الأمر المقضي، والحق هو الواجب اللازم، والحق هو الصدق، ومعناه العام بكلّ حالٍ لا يخلو من معنى الثبوت والمطابقة للواقع.

وأمّا كلمة الإنسان في اللغة، فأصلها مادة أنِسَ، التي تشمل ألفاظ الناس والإنس والإنسان، ولو تأمّلنا لفظ الناس لوجدناه ورد في القرآن الكريم في مائتين وإحدى وأربعين موضعًا، ابتداءً من سورة “البقرة” في قول الله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر)) (البقرة: 8)، وانتهاء ذكر اللفظ خمس مرات في آخر سور القرآن الكريم، بحسب رسم المصحف وهي سورة “الناس” قال تعالى: ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)) (سورة الناس).

لفظ الناس يأتي في القرآن الكريم بدلالة واضحة على اسم الجنس لهذه السلالة الآدمية، أو هذا النوع من الكائنات في عمومه المطلق، وأما الإنس والإنسان فيجمع بينهما ملحظ مشترك، فإن مادة “أنس” تدل فيما تدل عليه على نقيض التوحُّش، ثم يختص كل من اللفظين في البيان القرآني واللغوي بملحظ متميز وراء ذلك الملحظ المشترك، فلفظ الإنس يأتي دائمًا مع الجن على وجه التقابل، يطرد ذلك ولا يتخلّف في كل الآيات التي ورد فيها ذكر الإنس، وعددها ثماني عشرة آية، وملحظ الإنسانية هنا بما يعني عدم التوحّش، هو المفهوم صراحة من مقابلتها بالجن، في دلالتها أصلًا على الخفاء، الذي هو قرين الوحشة أو التوحش، وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناس أخرى خفية، لا تنتمي إلينا ولا تَحْيَا حياتنا.

وأمّا لفظ الإنسان: فإنّ استقراء مواضع وروده في القرآن الكريم، يهدينا إلى أن مناط إنسانيته ليس مجرّد كونه منتميًا إلى فصيلة الإنس، كما أنه ليس مجرد بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وإنما لفظ الإنسانية فيه ارتقاء إلى الدرجة التي تؤهله للخلافة في الأرض، واحتمال تبعات التكليف؛ لأنه المختص بالعلم والبيان والعقل والتمييز، وقد ورد لفظ الإنسان في القرآن في خمس وستين موضعًا، تدبُّر سياقها جميعًا، يُطمئِن الإنسان إلى الدلالة المميزة لمصطلح الإنسانية.

رأينا أيضًا لفظ الإنسان في كتب السنة الستة، وفي سنن الدارميّ، وموطأ مالك، ومسند أحمد، بنحو أربعة عشر موضعًا، تحمل أيضًا الدلالة المميزة للإنسانية، وتدل نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على أنّ حقوق الإنسان بمعناها العام، تعني الأمور المفروضة الثابتة له، التي تضمن حريته وتحفظ كرامته وشخصيته، باعتباره إنسانًا له حق الحياة الكريمة.

بهذا نكون قد ألممنا إلمامًا بمعنى كلمة “الحقوق” وكلمة “الإنسان” في اللغة، لنتنقل بعد ذلك إلى دلالة كلمة الحقوق في اصطلاح العلماء، وكذا كلمة الإنسان في اصطلاح القرآن.

مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة: قد وردت في القرآن الكريم مادّة الحق، أو مادة “حقق” في مائتين وثلاثة وثمانين موضعًا، بدءًا من سورة البقرة في قول الله تعالى: ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِم)) (البقرة: 26)، وانتهاء بسورة “العصر” في قوله تعالى: ((وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)) (العصر: 3).

وقد ورد لفظ الحق في القرآن الكريم معرّفًا “بأل” في مائة وأربع وتسعين موضعًا، كما ورد لفظ حق بدون تعريف في ثلاثة وثلاثين موضعًا، وورد لفظ حقًّا في سبعة عشر موضعًا، ولفظ حقه في ثلاثة مواضع.

ووردت مادة “حقق” في كتب السنة الستة، وسنن الدارميّ، وموطأ مالك، ومسند أحمد، في نحو مائة وستين موضعًا، تحمل معاني الحق التي سبق ذكرها في اللغة من المعاني الثابتة المستقرة الواجبة واللازمة والصادقة والمتيقنة، ونحو ذلك على ما سبق ذكره في المعنى اللغوي.

من ذلك ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((إن الله قد أعطى لكلّ ذي حقٍّ حقه، فلا وصية لوارث)) فالحق هنا بمعنى الحظ والنصيب.

ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)) فالحق هنا بمعنى الثابت.

ومنه أيضًا ما أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم في صحيحيهما، بسنديهما عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إياكم والجلوس بالطرقات، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: فإذا أبيتم إلّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) فالحق هنا بمعنى الواجب.

مما سبق يتضح ويظهر أنّ مصطلح الحقوق في نصوص القرآن والسنة، يدل على الأمور الواجبة الثابتة، التي نصّ عليها القرآن وبينتها السنة، وقد حاول بعض العلماء أن يعرّف الحق بصورة مجملة، بالنظر إلى جوهره، أو إلى غايته، ومن ذلك قول الشيخ عيسوي أحمد عيسوي -رحمه الله: “الحق مصلحة ثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار، يقررها الشارع الحكيم”.

والدكتور محمد يوسف موسى يقول: “الحق مصلحة ثابتة للفرد أو للمجتمع، أو لهما معًا، يقررها الشارع الحكيم”.
والشيخ أحمد فهمي أبو سنة -رحمه الله- يقول: “الحق ما ثبت في الشرع للإنسان، أو لله تعالى على الغير”.

وهذا يجعل أنّ الحق في النهاية إنما يتقرّر بنسبته إلى من ثبت الحق له، عن طريق الشرع، ولهذا قال الشيخ علي الخفيف -رحمه الله: “الحق ما ثبت بإقرار الشارع، وأضفى عليه حمايته”.

وهذه الحقوق لها أقسام، سوف نتعرض لها- إن شاء الله تعالى.

وأمّا تعريف الإنسان فإنه معروف، وقد قدّمنا بيان معناه في اللغة، والإنسان في الحقيقة والواقع هو أحد أفراد الجنس البشري، أو هو كل آدمي، أو هو آدم وبنوه، مهما اختلفت الصفات والأوصاف والاعتبارات، فالإنسان هو آدم وحواء، ومن جاء من ذريتهما، فهو الرجل والمرأة، مهما كانت صفتهما، حتى المجنون والعبد والجنين.

الإنسان هو ذلك الأب الحنون، والأم الرءوم، والابن الغالي، والبنت الوديعة، والحفيد الصغير، والجد المحبوب، والزوج العزيز، والزوجة الحانية، وهو الوليد الرضيع، والطفل النابه، وهو الشاب الناشئ، وهو الرجل البالغ، وهو العاقل القوي.

والإنسان هو ذلك الطالب والمعلم، والجندي والقائد، والموظف والعامل.

الإنسان هو النبي المرسل، وهو المؤمن التقي، وهو الكافر الشقي، وهو العابد الزاهد، وهو المنافق المقاتل، والمربي المخلص، وهو الأخ العطوف، وهو الصديق الحميم، وهو الجار الودود، هو الحاكم الطاغية، وهو المجرم السفاك، وهو التاجر الغني، وهو المتعلم الذكي، وهو الجاهل الغبي، وهو ذلك الأميّ، وهو كل من يمشي على رجلين.

فالإنسان معروف والحديث عنه واضح، وقد قدمنا ذكره في كتاب ربنا، وشيء من سنة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم.

وبالجملة مرة أخرى: فإنّ نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية، تدل على حقوق الإنسان بمعناها العام، من أن تلك الأمور واجبة له، ومفروضة وثابتة له، وهي التي تضمن حريته، وتحفظ كرامته، وتقيم شخصيته، باعتباره إنسانًا له حق في الحياة الكريمة، باعتباره خلقًا من خلق الله تبارك وتعالى، وهو خلق كرمه الله -عز وجل- ورفع قدره، وأعلى من شأنه.

ويتساوى الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق الأساسية للإنسان، فالأصل العام في تقرير وضع المرأة في الإسلام مقارنًا بوضع الرجل، هو التسوية بينهما، إلّا ما بينت النصوص الشرعية اختصاصه بأحدهما، مراعاة لطبيعة كلّ من الجنسين، ومراعاة لأعبائه في الحياة، وما يصلح له.

كما يتساوى في التمتع بالحقوق الأساسية للإنسان جميع أفراد المجتمع الذين يعيشون في الدولة الإسلامية، من مسلمين وغير مسلمين، فالأصل العام في تقرير وضع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، مقارنًا بوضع المسلمين، هو أن لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما على المسلمين من واجبات، إلّا ما دلت النصوص الشرعية على الاختلاف فيه بينهما، وذلك في أمور محددة مستثناة، مثل الأحكام الدينية والدنيوية ذات الصبغة الدينية، أو بالأصح: ذات الصلة المباشرة بأحكام الدين، مثل: أحكام الزواج والطلاق والميراث، وما إلى ذلك.

فنظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان تتسع لتشمل الجنس الإنساني كله، دون تفرقة بين الناس بسبب عنصر أو جنس أو دين أو لون، وتنطلق هذه النظرة من المفهوم الإسلامي للكرامة الإنسانية، والتي صرِّح بها في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) (الإسراء: 70).

فهذا التكريم كما تدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ليس خاصًّا بعنصر دون عنصر، ولا بجنس دون جنس، بل الجميع سواء في هذا التكريم.

لقد جاءت نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية؛ لتنظم أمور الإنسان، ولتبين علاقته بربه ونفسه وبني جنسه، ولتقرر المبادئ الخاصة بحقوقه العامة، ولتقرر حقه في حرمة حياته الخاصة، وحقوقه الاقتصادية والأسرية والاجتماعية والصحية، وحقوقه بعد مفارقة الحياة.

لم يقتصر الأمر على وضع مبادئ وقواعد، بل إن التاريخ الإسلامي ليخبرنا أنّ هذه القواعد كانت مطبقة أتمّ تطبيق في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما سيتضح ذلك جليًّا من خلال هذه الدروس، كما كانت مطبقة أيضًا في عهد الخلفاء الراشدين -رضوان الله تعالى عليهم- وفي كثير من العهود الإسلامية الزاهرة.

ومما ينبغي أن يعرّف قبل أن ننتقل إلى معنى الواجب، ذلك أن الحقوق قد تقابلها واجبات، وذلك أنّ الحقوق قد يعبَّر عنها بالواجبات أحيانًا، فالواجب في اللغة هو الثابت واللازم، يقال: وجب الشيء يجب وجوبًا، أي ثبت ولزم، وأوجبه هو، وأوجبه الله واستوجبه، أي: استحقه، وقد رأينا أن الحق جاء في اللغة بمعنى الثابت وبمعنى الواجب، وبذا يمكن أن ندرك ما بين الحق والواجب في اللغة من علاقة، فكلّ منهما يمكن أن يؤدي معنى الآخر في بعض المواضع والأحيان.

وفي الاصطلاح: رأينا الأصوليين يعرّفون الواجب بأنه: ما طلب على وجه اللزوم بحيث يأثم تاركه، فهو مرادف للفرض عندهم، وهذا الواجب لا يختص فقط بما يجب على الإنسان تجاه ربه، ولكن كل ما فرضه الله على الإنسان من فرائض هي واجبات عليه، فهناك واجبات على الإنسان تجاه ربه، وهي حقوق الله عليه؛ كحقه سبحانه في العبادة دون شريك، وأن يأتمر العبد بأوامره، وأن ينتهي بنواهيه.

وواجبات عليه تجاه نفسه، وهي حقوق نفسه عليه؛ كحق الحفاظ على حياته وصحته البدنية والنفسية، وواجبات تجاه الآخرين، وهي حقوق الغير والمجتمع؛ كحق الوالدين والأبناء والزوجة والجار واليتيم.

كل هذه واجبات وحقوق في الوقت نفسه، فهي بمنزلة الفرائض؛ يثاب العبد إذا فعلها، ويعاقب إذا تركها، وعلى هذا يمكن القول بأن الحقوق واجبات، والواجبات حقوق، والفرق بينهما إنما هو بالنسبة للإنسان أو عليه.

وقد رأينا كيف جاء الحق بمعنى الواجب في القرآن الكريم ولغة العرب، وأن الواجب عند الجمهور مرادف للفرض، وهذا الارتقاء الحضاري بالحقوق إلى منزلة الفرائض والواجبات، التي يثاب شرعًا فاعلها ويعاقب تاركها، ولا يملك فرد أو جماعة أن يتنازل عنها أو عن بعضها، لم تصل إليه أية مواثيق وضعية أو دولية أو إقليمية في مجال حقوق الإنسان، بل إن الإسلام يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين ينزّل هذه الحقوق منزلة الضرورات أو المقاصد، التي جاءت الشريعة للحفاظ عليها.

اتفقت كلمة العلماء على أنّ مقصود الشارع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم، وهذه هي الضرورات الخمس، التي عرّفها الشاطبيّ بأنها ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.

زاد بعضهم على هذه الضرورات الخمسة حفظ العرض، وهو مقصد مهم يجب اعتباره، خاصة وأن الشريعة حرمت القذف وشرّعت له حدًّا، كما حرمت الغيبة والتجسس، وكل ما يفضي إلى المساس بقدسية العرض وواجب صيانته لدى الإنسان.

وبالنظر إلى هذه الضرورات يتضح أنها حوت في الحقيقة جميع القيم الحقوقية الرئيسة للإنسان، حتى يمكن القول: إن حقوق الإنسان الأساسية، التي تحقق إنسانيته كإنسان، هي هذه الضرورات؛ لأنه لا يمكن أن يتحقق المعنى الحقيقي لحياته بدونها، ولذا سميت ضرورات، بل إن الإسلام ليبلغ في تقديس هذه الضرورات الإنسانية الواجبة، كما يقول بعض الباحثين، إلى الحد الذي يجعلها الأساس الذي يستحيل قيام الدِّين بدون توافرها للإنسان؛ لأن صلاح الدين موقوف على صلاح أمر الدنيا، أي: إلّا إذا تمتع هذا الإنسان بالضرورات التي أوجبها الإسلام، عبّر عن هذا الغزالي بقوله: “إن نظام الدين لا يحصل إلّا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، ولا يتوصّل إليهما إلّا بصحة البدن وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلّا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقًا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة، فإذًا بان أن نظام الدنيا -أعني: مقادير الحاجة- شرط لنظام الدّين” انتهى كلام أبي حامد الغزالي -رحمه الله تعالى، من كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد).

وبذا يمكن أن نلمح الفارق الأساسي بين نظرة الإسلام إلى القيم الحقوقية للإنسان، والنظرة البشرية التشريعية لها؛ فالقيم الحقوقية للإنسان في الإسلام ضرورات تمثل مقصود الشريعة وغايتها، وهي أيضًا فرائض وواجبات، يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، ولا يملك أحد إسقاطها، وقد رتبت الشريعة على انتهاكها عقوبات صارمة حددتها تحديدًا، ولم تترك أمر تحديدها إلى البشر واجتهاداتهم.

وحقوق الإنسان في الإسلام حين وصفها العلماء، وصفوها بأنها من الواجبات، أو من الفرائض، أو من الضرورات، وهي واجبات وفرائض تتولّى رقابتها الضمائر المؤمنة أولًا، ثم الجماعات المنظمة المتحدة من المسلمين ثانيًا.

وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.  

error: النص محمي !!