Top
Image Alt

تاريخ ظهور الخطابة

  /  تاريخ ظهور الخطابة

تاريخ ظهور الخطابة

الخطابة مخلوقة مع الإنسان، وكان البحث عنها قبل الجاهلية والإسلام خاصة، وأن تأثير البلاغة في النفوس لا يخص أمة بعينها، ولا جيلًا بعينه.

وقد قال ابن سيناء: إن صناعة الخطابة عظيمة النفع جدًّا؛ لأن الأحكام الصادقة فيما هو عَدْلٌ وحسن، أفضل نفعًا وأعظم من أضدادها فائدة والإنسان لا يعيش وحده؛ فكان لا محالة محتاجًا إلى التعامل، والتجاور وهما محتاجان إلى أحكام صادقة، وهذه الأحكام تحتاج إلى أن تكون مقررة في النفوس، ممكنة في القلوب، والبرهان قليل الجدوى في حمل الجمهور على الحق.

فالخطابة: هي المعنية بذلك، ولمَّا كان الله تعالى قد فطر الناس على قوةِ البيان، وملكةِ التأثير؛ فاستطاعوا بها حمل غيرهم على ما أرادوا منهم ورأى غيرهم ما ناله هؤلاء بسبب هذه الملكة، وأنهم لم ينالوا ما ناله أصحابها؛ حاولوا أن يبحثوا في الأسباب؛ فنظروا واختاروا، ودققوا النظر والاختيار، ودونوا نتيجة أبحاثهم، ووسعوها حتى جاء أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، فجمع ما عرفه من شتات هذا الفن في كتاب ضمنه قواعد هذه الصناعة سماه (الخطابة).

وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية بشر بن متى، ولخصه ابن رشد، وأخذ عنه فلاسفة العرب كابن سينا والفارابي؛ ولذلك عده كثير من هؤلاء الفلاسفة جزءًا مكملًا لعلم المنطق، وجعل ابن سينا الخطابة قسمًا منه والسبب أنهم رأوا أن أرسطو في كتاب (الخطابة) تكلم عن الحدِّ والرسم والدليل، وكيف يتألف القياس الخطابي، كما تكلم على التصديق الذي يكفي في الخطابة، وقد استمر أمر الفلاسفة على هذا الحال إلى أن قصر المتأخرون منهم النظر في المنطق على القياس والأشكال.

وقد عرف أن أول من دون قواعد هذا العلم ثلاثة من فلاسفة اليونان، في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن الرابع قبل الميلاد، وقد ظهر أرسطو زعيم فلاسفة اليونان، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة من أصول هذا الفنن إلا دونه ونشره في كتابه (الخطابة) الذي أشرنا إليه.

الخطابة بين فنون الأدب:

الخطابة نوع من النثر، وبهذا التعريف الذي سبق تختلف عن الكتابة، وعن النثر الفني؛ إذ لا شرط هناك لوجود الإقناع أو الاستمالة، وقد تكون الكتابة وصفًا لمنظر ما، أو صفة لحالة نفسية للكاتب أو حديثًا عن شيء رآه فلا يشملها تعريف الخطبة، ولكن الخطابة قد تحتوي عبارات كثيرة من النثر الفني، فيها جمال التركيب، وحسن الحلية اللفظية كالسجع والطباق، وقد يرفع هذا قيمة الخطبة، ويجعلها أشدَّ تأثيرًا، لكن الخطبة في جملتها ليست نثرًا فنيًّا، يقوم على تجويد العبارات، والتأنق في الأساليب، وغالبًا لا يتفق هذا مع الإقناع والاستمالة.

والخطبة تختلف عن الشعر، لا يرجع هذا الاختلاف إلى أن الشعر موزون مقفىً، والخطبة ليست كذلك فقط، بل يرجع فوق هذا، وأهم منها إلى أن الخطبة تتناول المسائل الجادة الواقعية، وتقوم على الحقائق الملموسة بينما يقوم الشعر أساسًا على الخيال والعاطفة، فإذا تناول أمرًا واقعيًّا تناوله من جانب العاطفة أيضًا؛ ولهذا قد يُحَلِّي الخطيب خطبته بشيء من الشعر؛ لإثارة سامعيه وإيقاظ عواطفهم، كما قد يستعمل أسلوبًا شعريًّا يقوم أيضًا على الخيال والعاطفة، ولكن قوام الخطبة وكيانها يقوم على الإقناع والاستمالة.

هب أن خطيبًا وشاعرًا قام يرثيان عظيمًا من الناس، فماذا يقول كل منهما؟ أما الشاعر: فإنه يعمد إلى استجاشة عواطف الناس بأسلوب تشيع فيه الرقة الموسيقية، ويعرض صورًا من حياته ومواقفه المشرفة، وما له من ميزات وفضائل، ولكن كلامه في هذا أدنى إلى الإشارة والتلميح، كأنه مجرد تذكرة للناس، وربما انتقده في رأي، أو أبدى معارضته فيه، وذلك أيضًا يكون على سبيل العرض السريع الموجز، ولا بد في كل ذلك من الجوانب الخيالية التي تثير عاطفة السامعين، وتشعرهم بقدر الميت، ومكانته على الرغم مما يذكر من نقده ومخالفته في بعض الآراء، والمواقف هذا عن الشاعر.

وأما الخطيب: فهو بين حالتين قد يذكر شيئًا من تاريخ الفقيد، وتكوينه العلمي، أو السياسي وميوله وطباعه، ثم ينتهي إلى آثاره ومزاياه، وما خسر الناس بموته من انقطاع أعماله وآثارهن وفي هذه الحالة يسمى كلامه تأبينًا وليس خُطْبَةً؛ لأنه مجرد سرد أخبار وتاريخ، وليس ثمة إقناع ولا استمالة لمبدأ ما؛ فهو خارج عن نطاق الخطابة، وتسميته خطبة عمل مجازي.

 وقد يضيف إلى ما سبق أن المبادئ التي كان يعمل لها ذات أهمية في حياة قومه، وأنهم لابد أن يتابعوها ويعملوا على بقائها؛ فيكون حديثه خطبة؛ لأنها حينئذٍ اشتملت على الإقناعِ بإحياءِ مبادئِهِ، والاستمالة لمتابعتها.

error: النص محمي !!