Top
Image Alt

3.1 أقسام الحقوق في الإسلام.

  /  3.1 أقسام الحقوق في الإسلام.

3.1 أقسام الحقوق في الإسلام.

   أقسام الحقوق في الإسلام على ما تقرّره كتب أهل العلم أربعة أقسام:
أولًا: حق الله تعالى الخالص.
ثانيًا: ما هو خالص حق العبد.
ثالثًا: ما هو مشترك بين حق الله تعالى وحق العبد.
رابعًا: ما يُغلّب فيه حق الله على العبد، أو ما يُغلّب فيه حق العبد على حق الله تعالى.

وقد بينا فيما سبق أنّ تقرير الحقوق في الإسلام ليس من صنع الإرادة الإنسانية، كما هو الحال في النظم الوضعية، ولكنها تمارس وفق الغاية المقررة شرعًا؛ لأن مردها إلى الله -تبارك وتعالى- بمقتضى ألوهيته، وحق عبوديته -سبحانه وجلّ في علاه.

الحق الأول: حق الله الخالص: هو القسم الأول من أقسام الحقوق في الإسلام، ولا يراد بهذا الحق ما يعطيه ظاهر هذه الإضافة، من أنه حق لذات الله؛ لأنّ حق ذات الله إنما يدخل في العقائد والعبادات المشار إليها بقول النبي -صلى الله عليه وآله: ((حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)) كما في الحديث الذي سأل فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل: ((أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟)) ذكر النبي في هذا الحديث أن ((حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)).
المراد بحق الله الخالص حقوق للأمة فيها نفع عام، إذًا: المراد بحقوق الله حقوق الأمة، التي فيها تحصيل النفع العام أو الغالب، أو حق من يعجز عن حماية حقه؛ لذا أوصى الله تعالى بحماية هذه الحقوق، وبحمل الناس عليها، وليس لأحد من الناس أن يسقطها، فهذه الحقوق هي التي تحفظ المقاصد العامة للشريعة.
ولذا عرّف الفقهاء حقّ الله بأنه: ما تعلّق به النفع العام للعالم، وحفظ النظام العام فيه، وعلى هذا يكون المراد -كما قلنا بحق الله: حق المجتمع أو حق الناس كافة، ولهذا نُسِب إلى رب الناس جميعًا؛ لعظم خطره وشمول نفعه، وهذا الحق لا يجوز إسقاطه، ولا يحق لأحد أن يتنازل عنه.
مثال ذلك: حقه تعالى في إقامة الحدود، فنقول: إن الحدود تقام لحق الله تعالى؛ كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ لأنّ هذه من حق الله تعالى، تُقام للصالح العام ولا تسقط بإسقاط أحد، وكذا حدّ الحرابة، فإنه إنما يقام لحفظ حق المجتمع في الأمن، ولا يمنع من أن يكون المراد بحق الله الخالص حق المجتمع أيضًا، وذلك من باب الأولى، فكل ما يقصد به التقرب إلى ذات الله؛ كإفراده تعالى بالعبادة، وكل ما يتقرّب به إلى تعظيمه سبحانه، وإقامة شعائره، لا شك أن لهذه أيضًا مردودها ونفعها العميم على المجتمع كله.

الحق الثاني: حق العبد الخالص: وهو كل ما يحقق مصلحة خاصة للفرد؛ كحق الدية، وحق المشتري في تملك المبيع، وحق كل من الزوجين في الاستمتاع بالآخر، وهذا الحق يكون للمكلّف الحق في استيفائه، أو له الحق في إسقاطه؛ لأن للإنسان أن يتصرف في حقه بما يشاء.

الحق الثالث: ما اجتمع فيه الحقّان، وحقّ الله غالب: مثاله حق القذف عند الحنفية والمالكية، فالقذف جريمة تمسّ الأعراض، ومن شأنها أن تشيع الفاحشة في المجتمع، وفي ترتيب العقوبة على هذه الجريمة مصلحة عامة؛ لما فيها من ردع المجرمين وصيانة الأعراض، وإخلاء المجتمع من الفساد، فكانت من حق الله بهذا المعنى، ومن جهة أخرى، فإن في هذه العقوبة تحقيق مصلحة بالفرد المقذوف؛ إذ فيها إظهار شرفه، وفيها دفع العار عنه، فكانت من حق العبد بهذا المعنى، وهذه العقوبة بهذا التكليف لا يجوز للفرد إسقاطها؛ لما فيها من حق الله، وحق الله لا يملك العبد أن يسقطه.
أمّا عند من قالوا: إن حدّ القذف خالص حق العبد، وهم الشافعية والحنابلة، فجوّزوا عندئذٍ العفو عنها، وجوزوا إسقاطها عن القاذف من قِبَل المقذوف.

الحق الرابع من هذه الحقوق: ما اجتمع فيه الحقّان، وحق العبد فيه غالب:
مثاله: القصاص؛ إذ فيه مصلحة عامة، وهي استتباب الأمن وتأمين حياة الناس، فيكون بهذا حقًّا لله تعالى، ولكن فيه مصلحة خاصة بالعبد؛ إذ المقتول من حقه البقاء، وأن يستمتع بالحياة، ولا تهدأ نفوس أوليائه إلّا بأن يقام القصاص، فيكون بهذا الاعتبار حقًّا للعبد، فاجتمع فيه حقّان: حق الله تعالى وحق العبد، ولمّا كانت هذه الجريمة تمسّ المقتول وتمس أولياءه، أكثر من مساسها بالمجتمع، جُعِل حق العبد هو المغلّب فيها، ومن ثَمّ شرع العفو، أو الاكتفاء بأخذ الدية لولي المقتول، ولمّا كان لله فيها حق، فإن القاتل إذا نجا من الموت بعفو ولي المقتول، كان لولي الأمر الحقّ في أن يوقع عليه ما يراه من عقوبة ملائمة، وهذه المزاوجة بين حق الله وحق العبد، لا تعرفه الشرائع الوضعية، التي قسّمت الحقوق بين الناس إلى حقوق خاصة بالفرد، وأخرى خاصة بالمجتمع، وهي إذ جعلت عقوبة مثل القصاص حقًّا خالصًا للمجتمع، لم تجعل لولي القتيل حقًّا في العفو عنه، على حين جعلت جريمة مثل الزنا حقًّا خالصًا للفرد وحده، الذي هو الزوج، ولهذا لا ترفع الدعوى ولا تسمع إلّا منه، وهو الذي له أن يعفو، فيوقف تنفيذ الحكم.

ولا يخفى مدى تأثر هذا القانون بالفقه الغربي، الذي يرى أن جريمة الزنا من الأمور الشخصية التي تسيء إلى الفرد، ولا تسيء إلى المجتمع، فلا حق للمجتمع فيها، وهذا أمر ظاهر عواره. وبهذا نكون قد أتينا على أقسام الحقوق في الإسلام، وبينّاها على وجه من التفصيل.
error: النص محمي !!