Top
Image Alt

4.2 حقوق الإنسان والتنمية بين الإسلام والغرب.

  /  4.2 حقوق الإنسان والتنمية بين الإسلام والغرب.

4.2 حقوق الإنسان والتنمية بين الإسلام والغرب.

  1- مفهوم التنمية بين الفكر الغربي والإسلام:
إنّ التنمية في الفكر الغربي قد ظهرت كمسألة ملحة وكهاجس للبشرية منذ عصور التاريخ الأولى، يُرجِع البعض التنظير للتنمية في الفكر الغربي إلى من يسمون بالفيزيوقراطيين، كما يعد أوائل الميركانتينيين الإسبانيين من بين من عالج هذا الموضوع، ولا شك أن تعريف التنمية وتصنيفاتها فيها صعوبة لا تخفى.

وتكمن صعوبة وضع تعريف جامع مانع للتنمية في تعذر تجاوز الإشكالية التي تثيرها الأدبيات التنموية عند تعرضها لتعريف التنمية؛ هل هناك تنمية واحدة أم هي تنميات؟
وفي غياب هذا التعريف الواضح وفي غياب وضع تصور واضح للتنمية يبدو من المتعذر أن نحدد فترة زمنية معينة لظهورها.

وللخروج من هذا الإشكال؛ فإن اللجوء إلى تصنيفات التنمية يكون أسلم، وبهذا الخصوص تكمن الإشارة إلى أن هناك تصنيفات كثيرة؛ فمنها تصنيفات تعتمد التقسيمات الجغرافية؛ كالتنمية الفرنسية أو التنمية الأمريكية أو التنمية الإنجليزية أو التنمية الآسيوية، ونحو هذا؛ فهي تنميات تعتمد الجهة من حيث الجغرافيا، وهناك تصنيفات تعتمد مجال التنمية؛ كما يقولون: التنمية القطاعية الرعوية … ونحو هذا، وهناك تصنيفات تعتمد الوصف؛ كأن يقال: تنميات دائمة، أو مستديمة، أو شاملة، أو مؤقتة … ونحو هذا.

وتختلف أهداف التنمية ومنطلقاتها التي لم تسلم من التأثر بالتيارات الفكرية والاقتصادية، ويمكن أن نشير بهذا الخصوص إلى النموذجين السائدين والأساسيين في العالم: وهما النموذج الرأسمالي للتنمية، والثاني النموذج الاشتراكي للتنمية، وقد ركز النموذج الأول على تنمية ثروة المجتمع؛ إذ كان الباعث لدى هذا النموذج هو تحقيق أكبر قدر من الربح؛ وبالتالي فهي مسئولية قطاع الخاص أو الفرد، وهذا النموذج -كما يصفه بعض الباحثين: “يضمن حرية التعبير ولكنه لا يضمن لقمة الخبز”.

أما النموذج الثاني للاشتراكية التنموية فإنه ركز على توزيع الثروة، وأما الباعث على التنمية في هذا النموذج فهو سد احتياجات الدولة والمجتمع؛ ومن ثم فإن التنمية في هذا النموذج مسئولية الدولة أو القطاع العام، وهذا أيضًا -كما يصفه بعض الباحثين- يضمن لقمة خبز؛ ولكنه لا يضمن حرية التعبير.

وحين نتحدث عن التنمية في الإسلام؛ فإننا يمكن أن نلخص الصيغة الإسلامية للتنمية في الإسلام بأنها تنمية شاملة متوازنة، غايتها الإنسان ذاته؛ ليكون خليفة الله في الأرض وليكون المسئول عن عمارتها، وهذه التنمية نصفها بأنها تنمية شاملة، وتنمية متوازنة، وتنمية غايتها الإنسان:

فأما كونها شاملة؛ فلأنها تستهدف رقي الإنسان ماديًّا وروحيًّا؛ فالإسلام لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي؛ وإنما يمتزج فيه المادي الدنيوي والديني الأخروي؛ فكل نشاط مادي أو دنيوي يمارسه الإنسان هو في نظر الإسلام عمل روحي أو أخروي ما دام مشروعًا يتجه به إلى المولى -تبارك وتعالى- ومن ثم؛ فإن المنطلق الشمولي للتنمية الاقتصادية في الإسلام يضمن تحقيق التنمية في جميع المجالات والاحتياجات البشرية.

وهي تنمية متوازنة؛ فهي لا تقتصر على ضمان تحقيق الكفاية وزيادة الإنتاج فحسب؛ بل تستهدف العدالة في التوزيع؛ ليعم الخير جميع أفراد المجتمع البشري والبيئة جمعاء؛ ذلك أن وفرة الإنتاج مع سوء التوزيع احتكار واستغلال، وأن عدالة التوزيع دون إنتاج كافٍ هي توزيع للفقر والبؤس؛ لذا فإن مبدأ التوازن في التنمية الإسلامية يقتضي أن تتوازن جهود التنمية؛ فلا تشمل المدن دون الأرياف، ولا تتجه إلى الصناعة دون الزراعة.

ويرسم الإسلام سلمًا تدريجيًّا لأولويات التنمية كمرجع للمحافظة على التوازن التنموي، بدءًا بالضروريات ومرورًا بالحاجيات ووصولًا إلى التحسينيات.

وهكذا نجد أن الإسلام يقدم حلًّا سليمًا من الاختلالات التنموية التي هي أقرب ما تكون إلى تنمية للتخلف من تحقيق للتنمية.

والملمح الثالث من هذه الملامح:
أن هذه التنمية غايتها الإنسان؛ فإن من أبرز مميزات التنمية الإسلامية أن هدفها وغايتها هو الإنسان ذاته؛ فليس الباعث فيها هو تحقيق أكبر قدر من الربح، مما يقود في العادة إلى الانحراف بالإنتاج عن توفير جميع الاحتياجات المجتمع الضرورية، واتساع الهوة بين أفراده … إلى غير ذلك من المساوئ الاجتماعية؛ كما أن الباعث فيها ليس هو فقط سد احتياجات المجتمع على حساب الفرد الذي يقود في العادة إلى تقاعس الإنتاج وتنمية التخلف وإهدار طاقة الفرد؛ وإنما تتكامل جهود الفرد والمجتمع والقطاع الخاص والدولة؛ حتى لا تبخس الدولة دورها ولا يهدر دور الفرد؛ ذلك أن الإنسان في الإسلام غاية، والمادة وسيلة؛ فالتنمية الإسلامية تنمية إنسانية بالدرجة الأولى تكفل للإنسان كرامته؛ فلا تستعبده ولا تستذله، تحقق خلافته في الأرض، وتطلب منه أن يمعن في عمارته لها، ولعل أكبر ضمان لنجاح التنمية في الإسلام هو هذا السمو الذي ارتقى بها إلى هذه الدرجة العالية.

وهكذا يتبين لنا أن حقوق الإنسان في الإسلام ليست مجرد حقوق طبيعية للإنسان وتوصيات تدعي الدول أنها تقدمها أو تحترمها أو تعترف بها؛ وإنما هي واجبات حتمية مؤكدة، محمية بالضمانات التشريعية والتنفيذية، وللمسلم مسئولية وموقف أمام الله -تبارك وتعالى- ثم له أيضًا هذا الموقف أمام نفسه وأمام مجتمعه.



2- حقوق الإنسان في الطرح الغربي:
الإنسان في تصور الغرب محل جدل بين المدارس العلمية والمذاهب الفلسفية الغربية المختلفة؛ كلٌّ يحاول أن يشد الإنسان إلى والده ويجذبه إلى وجهة نظره؛ ليدعم رأيه ومذهبه، وغلب على هذه المدارس والمذاهب النظرة الجزئية؛ فقد حاولت أن تفكك الإنسان إلى أجزاء متفرقة؛ فتأخذ جزءًا وتصب اهتمامه عليه؛ وذلك كما فعلت المدرسة الفرويدية في تحليلها للإنسان، عن طريق أحلامه وتفسيرها لكل أنشطة الإنسان من الطفولة المبكرة إلى الموت على أساس تأثير الدافع الجنسي؛ وكما فعلت أيضًا مدرسة التطور التي حبست نفسها في جسم الإنسان محاولة إلحاقه بالحيوان، وهو نفس الخط الذي مضت فيه الفلسفة المادية؛ فربطت الإنسان بالمادة وجعلته تابعًا لها خاضعة لقوانينها لا حول له ولا طول، ومن ثم جعلت العامل الاقتصادي هو المؤثر الوحيد في حياة الإنسان وعلاقاته، وهذه -بلا شك- نظرة جزئية قاصرة خاطئة.

والحق أن بعضها لم يدِّعِ ولم يلغِ الجوانب الأخرى من الإنسان كما فعل دارون؛ ولكن أصحاب الهوى والغرور من أتباع الاتجاه الحسي الذين أرادوا أن يلغوا من الإنسان جانبه النفسي والمعنوي استغلوا نظرية دارون وأرادوا تعميمها وإلحاق الإنسان بالحيوان من كل وجه.

ورغم أن منجزات القرن العشرين العلمية أبطلت ونقضت كثيرًا من نظريات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخفضت من غلواء النظريات الجامحة، وأصبحت تقترب في خطوات حثيثة من النظرة الشاملة؛ إلا أن مخلفات النظرة الجزئية في الفكر الغربي لا زالت في مكان التأثير بل والافتتان؛ ومن هنا لزم أن نعرض بإيجاز للنظرة الجزئية وما يترتب عليها من آثار خطيرة في التفكير والعمل والتصور للإنسان ورسالته في هذه الحياة.

ملخص نظرة الغرب الجزئية: أنها تقصر الإنسان على جانب واحد من جوانب، وتخضع الجوانب الأخرى لذلك الجانب.

إن موقف الكنيسة المتزمت من الاكتشافات العلمية والمستميت في دفاعها عن نظريات بطليموس وأرسطو التي تدعي ثبات الأرض وأنّ الإنسان أصل الكون؛ مما أدى إلى فظائع عنيفة وقعت في محاكم التفتيش، وقع فيها إحراق العلماء واتهامهم بالمروق والزندقة، واتساع الهوة تبعًا لذلك بين العلماء وبين الكنيسة، وظهور الأخيرة بالمظهر الضعيف المتهافت أمام البرهان والتجربة والحقائق التي نتجت عن الاكتشافات العلمية، ومن ثم ظهرت فكرة الثنائية والازدواجية التي نادى بها رينيه ديكارت الفرنسي، المتوفى سنة ألف وستمائة وخمسين، وفرنسيس بيكون الإنجليزي، المتوفى سنة ألف وستمائة وثلاثين؛ فقد ناديا جميعًا بفصل الجانب المادي عن الجانب النفسي والروحي، وقالا: إن الظواهر المادية تفسر بالطرق المادية، والظواهر النفسية تفسر بالطرق النفسية؛ فالمادة والروح شيئان منفصلان.

وانطلق العلماء بروح التجريب والمشاهدة يبحثون في الجوانب المادية المنظورة، يرصدون قوانينها ويكتشفون نواميسها، وحصروا أنفسهم فيها فلم ينفذوا لما وراءها؛ بالإضافة إلى اهتزاز عقيدتهم في نفوسهم نتيجة الموقف المتحجر والفكر الضيق اللذيْن مثلتهما الكنيسة؛ فكان منطقيًّا أن يكون رد الفعل الجحود والنكران لكل ما تمثله الكنيسة ولكل ما تمثلته من آراء وأفكار، وانطلقت العلوم التجريبية مبتورة الصلة بخالق القوانين ومبدع السنن والنواميس؛ وبالتالي ضاقت نظرتها وانحسرت دائرتها في وصف الجانب الذي تشاهده وإنكار الجانب الذي لا تشاهده.

ولهذا رأينا الفكر الغربي يتبنى المادية الطبيعية، ومن هنا ندرك لماذا اتجه التفكير الغربي في تصوره للإنسان وأنشطته فوضعه في قالب مادي، ولم يحاول أن يدرك الجوانب الأخرى للإنسان، ورأينا نظرية التصور، أو النشوء أو الارتقاء، ونظرية التحليل النفسي، والمادية الجدلية أو أثر العام الاقتصادي في حياة الإنسان والمجتمع.

وخلاصة مذهب التطور: أن الإنسان لا يوجد نتيجة عملية خلق مباشرة؛ وإنما هو المظهر الأعلى للحشرات أو الكائنات البدائية؛ فالأحياء الأرضية كلها قد نشأت من أصل واحد؛ فمن الأحياء المائية نشأت الأحياء البرمائية، ومن هذه الأحياء نشأت الأحياء البرية، ومن الحيوانات البرية نشأ الإنسان الذي لا يفصله عن القرد سوى حلقة واحدة.

قال دارون بهذه النظرية في أوج سيادة التيار التجريبي والعقلي اللذيْن كانا يسودان أوربا، ولم يدعِ وزميله والاس النظرية، ولم تكن الأمور بهذه البساطة؛ فإن أية نظرية تمر بثلاث مراحل حتى تصبح حقيقة علمية: وهي الفرض، ثم التجربة، ثم إذا ثبتت التجربة تحولت إلى قانون علمي.

بالنسبة لنظرية التطور لم تثبتها التجربة ولا مشاهدة علمية؛ فلا نستطيع أن نقول: إنها قامت كنظرية.

أما نظرية التحليل النفسي: فإنها قد مشت في نفس الطريق قدمًا، ولكن من زاوية أخرى؛ فرأينا فرويد يغلب زاوية الدافع الجنسي، فقد كان فرويد يعالج مجموعة من المرضى الشواذ، واتخذ من تفسير أحلامهم دستورًا جعله يشرح التكوين النفسي للإنسان بأنه على ثلاث درجات بعضها فوق بعض:
– أولها وأدناها: الطاقة الشهوانية، وموطنها الذات السفلى: وهي طاقة جنسية في أساسها.

– وبعد ذلك توجد: الذات: وهي النفس الواعية التي تواجه المجتمع وتحتك به، وتحاول التوفيق بين الرغبات المتناقضة في داخل النفس وبين الحقيقة اللامادية الخارجية.

– والعنصر الثالث في النفس: وهي الذات العليا: وهو ينشأ من تقمص الطفل لشخصية والده، وحينئذ تنشأ عقدة أوديب؛ كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه حبًّا جنسيًّا يحول وجود الأب دون تحققه؛ فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور، طرفاه: الحب، والكراهية، في آن واحد، ثم يتخلص الطفل من الصراع بأن يزيد من تلبسه بشخصيه والده؛ أما البنت فإنها تتخذ الموقف المقابل وتتخلص من العقدة بزيادة تلبسها بشخصية أمها، وعند ذلك ينشأ ما يسمونه بالضمير، وتكون مهمته الكبت والقمع للشهوات غير المرغوب فيها؛ وذلك لحماية الذات من تعسف ذوي السلطات في الخارج؛ كالأب، والأم، والدين، والتقاليد، وهذا الكبت الذي يمارسه الضمير على النفس يجعل العقدة تترسب في اللاشعور، ومن ثم يحاول اللاشعور التنفيس عن نفسه كلما وجد سبيلًا يستطيع به أن يغافل السلطات العليا متمثلة في الأب والمجتمع والدين والتقاليد.

وكي يكون الإنسان سويًّا لا بد أن يتخلص من هذه القيود ويمارس رغبته الجنسية، حاول فرويد أن يفسر سلوك الإنسان على هذا المعنى، وبذلك ألغى من الإنسان جوانبه المعنوية الخيرة، ونفى أن يكون هناك ضمير حي في الإنسان، ولو أن فرويد قصر تفسيره على الشواذ الذين كان يعالجهم لأخذ تفسيره على أنه رأي من الآراء؛ لكنه عممه على البشرية كلها؛ بل وحاول أن يفسر الدين والأحداث على أساسه، وجاءنا بآراء ملتوية بعيدة عن الحق والصواب؛ كقوله عن المسيح -عليه السلام: إن الأساطير المسيحية تصور في حقيقتها رغبة الابن -المسيح- في قتل والده الرب -الإله- وإن كان قد كبت هذه الرغبة؛ فقتل نفسه هو بدلًا من أبيه؛ ولكن في الوقت ذاته أصبح إلهًا مكان من أبيه.

يقول فرويد عن نشأة الدين: لقد حدث في جيل من أجيال الإنسانية الأولى: أن أحس الأبناء برغبة جنسية نحو أمهم؛ ولكن سطوة الأب كانت تمنعهم من الشهوة الآثمة؛ فتآمر الأولاد على قتل أبيهم ليتخلصوا من سطوته ويستأثروا بأمهم؛ ولكنهم ما كادوا يفعلون ذلك حتى أحسوا بالندم وتملكهم الشعور بالخطيئة؛ فأقسموا ليقدسنَّ ذكر أبيهم القتيل؛ وبذلك نشأت أول ديانة على ظهر الأرض -وهي الطوطمية- وكل الديانات التي جاءت بعد ذلك هي محاولات لحل المشكلة ذاتها: إحساس الأبناء بالجريمة، وهي تختلف بحسب مستوى الحضارة التي ظهرت فيها؛ لكنها جميعًا تهدف إلى شيء واحد: هو رد فعل لنفس الحدث العظيم: قتل الأب الذي نشأت عنه الحضارة، والذي لم يدع للإنسانية منذ حدوثه لحظة واحدة من الراحة.

وأخيرًا فمن الواضح أن فرويد لم يكتفِ بمحاولاته هدم الأديان لتخليص البشرية من هذاءاتها -كما ادعى- بل استهدف بنظرياته أنبل المشاعر البشرية؛ دينية كانت أم فطرية إنسانية؛ فهو قد لطخ أنبل مشاعر الإنسان التي تتجلى في عبادة الله، والتي تتسق مع فطرته، والتي أيضًا تتجلى في حب الوالدين وبرهم والإحسان إليهم، وتتجلى في براءة الأطفال وحبهم لآبائهم؛ لطخ كل ذلك بالوحل الجنسي؛ حتى لا يبقى بعد ذلك للمجتمع حرمة من دين أو خلق أو عرض تمنع فيضانات الشهوات وطغيان الجنس المحموم.

أما النظرية المادية الجدلية؛ فقد اعتمدت على فكرتين أساسيتين:

– الأولى: أسبقية المادة وحتمية التطوير.
– والثانية: صراع الأضداد.
الأمر الأول: المادة في رأيهم أزلية، لم يخلقها أحد، وأنه لا يوجد في هذا العالم أية قوى غيبية لا تخضع للقوانين الطبيعية، وأن الوعي نتاج التطور التاريخي للمادة، وأن العقل الإنساني هو نتاج للمادة.
الأمر الثاني: صراع الأضداد، أو ما يسمى بالدياليكتيك، وهو ينظر إلى العالم في حركته الدائمة وتطوره، وأنه يحدث فيه باستمرار موت القديم وانبثاق الجديد؛ يقول إنجلز: لا يوجد بالنسبة للفلسفة الدياليكتية شيء قائم إلى الأبد بدون شرط؛ فعلى كل شيء وفي كل شيء ترى الفلسفة طابع الانحلال، ولا يمكن بقاء شيء أو استقراره سوى عملية الظهور والزوال الدائمة والصعود الذي لا نهاية له من الأسفل إلى الأعلى.

وعلى أساس المبدأيْن السابقين حاول كل من ماركس وإنجلز أن يفسرا التاريخ الإنساني؛ فقالا: إن العوامل المادية هي التي صنعت تاريخ الإنسان؛ فالصراع الذي تم على مدار التاريخ كان صراعًا بين النقائض، أدى إلى تطور الأخير للرأسمالية في أوربا، وسيتبعه تطور المادية الجدلية الاشتراكية الشيوعية؛ الماديون يعتقدون بأن الفرد لا يستطيع برغبته هو أن يبدل سير التاريخ الموضوعي؛ فإنهم يعترفون بأن الفرد يلعب دورًا غير صغير في التطور الاجتماعي، وأن الشخصيات العظيمة لا تظهر عفوًا؛ وإنما بقوة الضرورة التاريخية، وذلك عندما تنضج الظروف الموضوعية الملائمة لهذا الظهور.

والعجيب أن إعطاء المادة وقوانينها قدرة التوجيه والتحرك بذاتها زعم لا يثبت عند التجربة والبرهان، وهو ضرب من الغوغائية الذي ينبغي أن يتنزه عنه التفكير الإنساني؛ لقد أصبحت المادة طاقة متحركة، وأضحى استخدامها واستعمالها وتغييرها وتبديلها ونقلها حسب قوانينها شيئًا بدهيًّا؛ فمن أين يأتيها الأزل الذي يزعمون؟! ومن أين تأتيها الإرادة المستقلة التي يدَّعون؟!

إن البرهان على خلقها وتسخيرها وتذليلها أصبح شيئًا لا يحتاج إلى كبير جدل أو إلى كثير حوار؛ ذلك أنها بفعل ما فطرت وجبلت عليه خاضعة للإنسان واقعة تحت دائرة تسخيره؛ فهي تابعة له في الدائرة التي ينالها بتفكيره وسلطته وسيطرته؛ أما في غير دائرته فلا سبيل له إليها ولا سبيل لها على نفسها، وهكذا؛ فافتراض أنها تعمل خارج الإرادة البشرية وبمعزل عنها ضرب من العبث والاستهتار بالعقل الإنساني.

هذا هو الإنسان في الطرح الغربي بعيد كل البعد عن النظرة الشاملة، وهي النظرة التي تقوم على معرفة واقع الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، وهي النظرة التي تبتُّ صلته بخالقه وبارئه، وموقعه من الكون الذي يعيش فيه، وتقضي على صلته الصحيحة بالمخلوقات من حوله؛ ولذا فإن النظرة الشاملة لا نجد فيها تحيزًا ولا هوًى لجانب معين على حساب الجوانب الأخرى؛ وإنما تلبي حاجة الإنسان فردًا وجماعة بالقسط دون إفراط أو تفريط.

وعناصر النظرة الشاملة ثلاثة تقوم على:
– العنصر الأول: أن الإنسان مخلوق متميز يجمع في تكوينه الجهاز الحيواني الغريزي، والجهاز العقلي الفكري، والجهاز النفسي الوجداني، والجهاز الروحي، وهذه الأجهزة تعمل على نحو متوافق ومتآلف يرأس فيها الأعلى الأدنى.
– العنصر الثاني في هذه النظرة: وهو كائن مستخلف، إن وراء تميزه حكمة مقصودة وهدفًا مرسومًا؛ وإلا لما كانت هناك حاجة لهذا التمييز؛ فالعقل لا يقبل إلا التعليل والغائية، وقد وجدنا أن استخلافه في هذه الأرض بما تهيأ له من إمكانات ومواهب هو الأمر الذي يقبله العقل ويشهد له الواقع.
ويعضد الاستخلاف ويثبته تسخير المخلوقات للإنسان؛ فكل ما يتصل بأسباب عيشه ويشبع طاقاته ومواهبه مذلل له وميسر، من الأرض ونباتها وبحارها، والأنعام وأنواعها، والجبال ومعادنها، والكواكب وبروجها … وغير ذلك.
– العنصر الثالث: أن الإنسان كائن مكلف، وقد قلنا: إن تميز الإنسان جعله مستخلفًا في هذا الكون، ومن ثم وجبت مسئوليته أمام من استخلفه، واستحق بذلك أن يكون أهلًا للتكليف، وقد ظهر ذلك من أول يوم تم فيه خلق أبينا آدم -عليه السلام- وقد ظهر أن الخليفة الجديد يحمل في تكوينه شيئًا ليس عند الملائكة ولا قبل لهم بالوقوف أمامه: ذلك هو القدرة على التعلم واستيعاب ما يتعلمه.
وعلى ضوء هذه العناصر الثلاثة وتلك النظرة الشاملة يأتي المنهج الإسلامي فيفصِّلها ويضع أسسها، ويجعلها واقعًا فكريًّا وعمليًّا يطبقها في حياة الناس ويطالبهم بها من غير إكراه ولا إعنات.

3- حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق:
عندما نتحدث عن حقوق الإنسان؛ فلا بد من إلقاء نظرة على ساحتين تمارس عليهما تلك الحقوق:
النظرة الأولى: إلى الساحة الداخلية في كل إقليم ودولة، وممارساتها السياسية والاجتماعية، بغض النظر عن نظامها السياسي إن كان جمهوريًّا أو ملكيًّا.

النظرة الثانية: الساحة الخارجية: حيث تمارس الدول علاقتها الدولية فيما بينها؛ فعلى الساحة الأولى -أي الساحة الداخلية- نرى ثلاثة مشاهد:
المشهد الأول: وهو أفضل المشاهد المتاحة: حكومات مسالمة تعكف على رعاية شعوبها، تحاول قدر جهدها أن تستثمر مواردها الطبيعية للنهوض بالتنمية البشرية ورفع المستوى المعيشي لأبنائها، ولا يخلو عملها من بعض السلبيات إلا أنها تحاول جاهدة تطوير مناهجها الإدارية والاقتصادية؛ إضافة إلى سعيها الدور في تجنب وعثاء المسير، وما يسيره من خيلاء القوى الكبرى كلما دعاها غرور القوة إلى ذلك؛ إن مثل تلك الحكومات المسالمة موجودة في الشرق والغرب من عالمنا، وليت الجو يخلو لها لتؤدي دورها الإنساني دون تدخل في شؤونها تارة باسم حقوق الإنسان أو باسم الديمقراطية تارة أخرى؛ فالديمقراطية -على كل حال- مهما عظم شأنها -ولن يعظم- ما هي إلا وسيلة يقصد بها تحقيق العدالة؛ حيث تبقي العدالة هي الفضيلة المبتغاة عبر العصور والأزمان.

وفي عالمنا العربي نجد مجموعة من الدول إيجابية ومسالمة وليس لها أطماع توسعية، وهي لم تدخل في حروب أو نحو ذلك، ولم يقع فيها من النازعات السياسية العقيمة، إضافة إلى أنها قد تمد يد الخير لكل محتاج أو منكوب، تفعل كل ذلك دون أهداف سياسية ولا تنشد من وراء ذلك إلا فعل الخير.

وأما في الغرب فإن الدول الإسكندنافية وسويسرا مثال على روعة هذا العمل؛ فهي تحاول أن تحقق التقدم والرخاء دون أن تتطاحن مع غيرها، وفي دول شرق آسيا واليابان أمثلة أيضًا في نهوض الدول بإمكانيتها الذاتية المتواضعة وتسخيرها لصالح شعوبها.

والمشهد الثاني الذي ينبغي أن ننظر إليه في عالمنا المعاصر: هو هذه الديكتاتوريات التي تتوزع سلطاتها على النحو التالي:
– حاكم مشرع آمر ناهٍ دون منازع، بيده آلة الجيش والشرطة يشكلان سلطة تنفيذية لمآربه ولضرب لكل من يخالفه في الرأي.
– وجهاز مخابرات يلعب دور السلطة القضائية؛ فما يراه ذلك الجهاز وما يفعله صواب وعدل، لا معقب على فعله ولا مراجع له، وليس لأحد أن يطلع على سير أعماله ولا ما يجرى داخل أروقته؛ إنه جهاز يعمل تحت غطاء السرية والتآمر؛ بحجة المحافظة على الأمن العام في تلك الدول.
ويعتبر هذا المشهد من أسوأ مشاهد الطغيان في حياة الإنسان وظلمه لأخيه الإنسان، جدير بالذكر إلا أنه ما كان لهذه الديكتاتوريات أن تظهر ولا أن تستمر لولا دعم بعض القوى الكبرى بغية تحقيق مصالحها على حساب الشعوب الأخرى، أو لقمعها ما يمكن أن تخشاه داخل هذه البلاد.

المشهد الثالث: هو مشهد الديمقراطية وحقوق الإنسان: لو أمعنَّا النظر في تلك الديموقراطيات في الدول المسماة بالمتقدمة؛ لرأينا أن الحكم قد يتداوله نخبة من الأثرياء، وعمالقة الإعلام والمنتفعون الذين يتبنون ويمولون الحملات الانتخابية لمرشحيهم، ثم إنهم يتقاسمون الغنيمة من المراكز والمصالح بعد فوز المرشح الذي لا بد له أن يكافئ على جميل إخلاصهم بإيصاله إلى البرلمان أو الرئاسة، وبذا تنحصر فوائد تلك الديمقراطية بين أقلية المجتمع وليس أكثريته.

وجدير بالذكر أن هذه المجتمعات التي يقال عنها “ديمقراطية” لا يشتغل عامتها ولا أكثريتها بشيء يتعلق بهذه السياسة، وهذا يؤكد مرة أخرى على انحصار فوائد تلك الديمقراطية بين أقلية المجتمع وليس لدى أكثريته.

وعلى نقيض نظريات الديمقراطية التي تؤسس فلسفتَها على أساس مبدأ حكم الأغلبية؛ فالديمقراطية المزعومة -كما جاءت في نظريات السياسية- ليس لها وجود في عالمنا الواقع المعاصر، بمعنى أنه لا توجد دولة ديمقراطية على وجه الأرض كما نصوا على تسمية الديمقراطية بأنها حكم الشعب بالشعب لأجل مصلحة الشعب.

إذا افترضنا أن غالبية الجماهير على درجة عالية من الفكر والوعي السياسي، وأنها بمعزل عن تلك الحملات الإعلامية للمرشحين والتي في معظمها شعارات براقة خداعة ودغدغة لأحلام الجماهير وطموحاتهم، ناهيك عن الثروات الطائلة التي تهدر في تلك الحملات؛ فهي إن لم تكن مالًا عامًّا؛ فهي ثروة البلد التي يبخل بها الساسة الأثرياء على مصالح المجتمع ومنافعه ومرافقه؛ كمدارسه ومستشفياته بينما يهدرونها لتحقيق مصالح ذاتية.

تلك الديمقراطية لا تمثل إرادة الجماهير؛ كما أنها لا تعبر عن قيم الشعب الذي تنتمي إليه، ومثالًا على ذلك؛ فإن الحروب التي تشعلها حكومات وساسة الديمقراطيات وما في تلك الحروب من ظلم وقهر وإهدار للقيم الإنسانية، كل ذلك لا يرضي شعوب تلك الحكومات ولا يمثل قيمها الداخلية؛ فكيف يجوز لحكومة تدعي الديمقراطية أن تخون قيم ومبادئ شعبها؟!

هذا إضافة إلى أن مبدأ حكم الأغلبية قد أُسيء فهمه حينما مورس على إطلاقه؛ بينما الواجب هو ممارسة هذا المبدأ في إطار من القيم الإنسانية؛ ذلك لأن التمييز بين الخطأ والصواب ليس رغبة الناس؛ بل المقياس هو ما يصلح لهم وما يصلحهم.
وهل -على سبيل المثال- لنا أن نأخذ بآراء بعض الناس في إباحة المخدرات؟! وهل يجوز النزول عند رغبتهم في إبادة أقلية موجودة في أحد المجتمعات؟! إن مبدأ رأي الأغلبية مبدأ معتبر في الشريعة الإسلامية والمأثور الفقهي في تراث الإسلام؛ ولكن في إطار من الانضباط الروحي والأخلاقي والوجداني الذي تأسست مبادئه بالكتاب والسنة، وهو أمر يملي على الأمة أن لا تجتهد في موضع النص، وأن اجتهادًا يكون في موضع النص يحكم عليه بالبطلان.

فإذا يممنا الوجه شطر الساحة الخارجية وتركنا الساحة الداخلية وما فيها وما بها وما يدور داخلها لننظر إلى حقوق الإنسان في المجال الدولي؛ فإن العلاقات الدولية تقوم على أعراف وقواعد اصطلح عليها مع تطور الأزمان إلى أن تم التوصل إلي ميثاق الأمم الذي كان بعد قيامها عام خمس وأربعين وتسعمائة وألف.

ويعتبر الميثاق بمثابة حجر الأساس في العلاقات بين الدول في إطار من تبادل المنافع وحفظ السيادة لكل دولة، هذا بالإضافة إلى المواثيق الدولية الأخرى في مجال السلم والحرب والتجارة والثقافة، جنبًا إلى جنب مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، والعهدين الدوليين: الأول للحقوق المدنية والحقوق السياسية، والآخر للحقوق الاجتماعية والاقتصادية الذي صدر عام ستة وستين ميلادية، ربما لم يتعرض أي اتفاق أو موثق دولي للانتقاد الشديد كما تعرض له ميثاق الأمم المتحدة؛ وذلك لأسباب منها:
السبب الأول: أنه -كما أسلفنا- يعتبر أساسًا للعلاقات الدولية في جميع المجالات وخاصة فيما يتعلق بسيادة كل دولة ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية واستقلال وحرية شعبها.

السبب الثاني: أنه قد وضع في ظروف دولية صعبة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كبدت البشرية خسائر جمة في الأموال والأنفس، وتركت خلفها الخراب والدمار، وما زلنا نعاني حتى اليوم من سلبيات تلك الحروب ولأكثر من نصف قرن؛ ونتيجة لذلك، وبالتعامل الفعلي مع الميثاق طوال تلك الفترة التي شهد فيها المجتمع الإنساني قمة تقدمه الفكري والتقني في شتى المجالات؛ بدأت عيوب هذا الميثاق تظهر بوضوح في عدم استطاعته مواكبة ذلك التطور؛ فارتفعت الأصوات لإعادة النظر في آلية الأمم المتحدة وحقوق الدول الأعضاء وسيادتها ومساواتها ببعضها بالبعض.

ولقد رأينا الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة يبذل جهودًا للتجاوب مع تلك الندوات وطرح تلك المقترحات والآراء؛ إلا أن خروجه من منصبه قد حال دون تحقيق تلك الأمنيات.
يرى المنتقدون للميثاق بأنه يجافي مبادئ الأمم المتحدة في مساواة الشعوب، وأنه ينتقص من سيادة الدول الصغيرة لحساب الدول الكبرى ذات التراث الاستعماري؛ بل ويكافئها على ظلمها بإعطائها العضوية الدائمة في مجلس الأمن وبمنحها حق النقض “الفيتو” على القرارات الدولية، ويرون أن ذلك تهديد لاستقلال الدول الصغيرة ومساس بممارستها لسيادتها الوطنية في المجال الداخلي، وهو يضعها في المقاعد الخلفية في منظمات الأمم المتحدة، ويقلل من مساواتها في المجال الدولي، ويستمر هؤلاء وأولئك في انتقاداتهم لدرجة يذهبون بها إلى أن الميثاق يكرس شريعة الغاب بإطلاقه العنان للقوى الكبرى على حساب بقية شعوب العالم.

والحقيقة هي أن الميثاق لا يؤسس الديمقراطية الدولية التي تتحقق بها العدالة التي ينشدها الجميع.

ومن أمثلة الهيمنة المقننة التي تمارسها الدول الكبرى يشير النقاد إلى الحروب الكورية والفيتنامية، والحروب والانقلابات الدموية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض أجزاء آسيا، والحرب الأفغانية التي استغل فيها الاتحاد السوفيتي عضويته الدائمة وحق النقض لإلحاق الخسائر بشعب أعزل لم يخرج عن نطاق حدود نطاقه الإقليمية؛ وإنما اقتُحمت حدوده وتسوِّرت عليه بلاده.

وقد وقع هذا التآمر الجائر في إشعال الفتن بين الجيران والأشقاء؛ كما في حربي الخليج الأولى والثانية، ورأينا مأساة البوسنة والهرسك، ورأينا تدخل الأخير لوقف الحرب؛ وأنه لم يأتِ بهدف حماية العدالة وحقوق الإنسان؛ وإنما جاء حفاظًا على ماء الوجه وتحقيقًا لمصالح ذاتية للمتدخلين بإيقاف تلك الحرب.

رأينا كيف قامت تلك الدول الغربية ككتلة واحدة لمناصرة تيمور الشرقية ضد الوطن الأم إندونيسيا، رغم علم تلك الدول بأنها هي صاحبة فكرة انفصال تيمور عن إندونيسيا، وإن أجهزة بعض تلك الدول هي التي قامت بتدريب وتمويل أولئك الانفصاليين للقيام بأعمال القتل والنهب، ثم ألصقت التهمة بالحكومة الإندونيسية أثناء محنتها الاقتصادية والسياسية.

ويتساءل الناس: هل كان ذلك بدافع العصبية الدينية، وهو الأمر الذي أدى إلى تقاعس الغرب عن مناصرة الشيشان؛ أم لأن إندونيسيا هي إحدى دول العالم الثالث وليست عضوًا دائمًا في الأمم المتحدة؛ وبالمقابل فإن روسيا عضو دائم؛ فلا يجوز إغضابه؟ ولماذا ما زالت الأصابع الخفية تحرك أجزاء أخرى من الشارع الإندونيسي نحو مزيد من التمزق والعنف الذي يهدر الأرواح والمصالح.

أما في المجال الاقتصادي والثقافي الدولي؛ فإن المصطلح المختصر المطروح الآن هو “العولمة”، وأداة العولمة هي اتفاقية التجارة الدولية، ووسيلتها هي فرض وشيوع الخصخصة على علاتها في دول العالم، ولم تنجُ هذه الاتفاقية أيضًا من انتقادات دول العالم الثالث، والتي ترى أن بنود الاتفاقية سوف تلحق بها خسائر كبرى؛ إضافة إلى أن إفساحها المجال للشركات العملاقة أو الإمبراطوريات المالية متعددة الجنسيات سوف يهدد مستقبل تطورها وازدهارها الاقتصادي، ويربك ممارستها لسيادتها الوطنية.

والملاحظ في هذا الشأن هو مشاطرة الكثير من الدول الغربية للعالم الثالث في الرأي؛ كما ظهر جليًّا في المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في ديسمبر سنة ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين في سياتل، وكان قد سبق ذلك ظهور مصطلح تهكمي آخر هو الأمركة بدل العولمة، والتي يتندر الأوربيون منذ منتصف الثمانينيات، يقصدون بذلك أن طرائق الحياة الأمريكية أصبحت تفرض على كثير من شعوب العالم؛ مما يعني اقتحام أو إقحام المنتج الأمريكي نفسه عنوة على حياة الشعوب، وهو الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تدمير أسواقها ومصانعها.

والجدير بالذكر هنا أنه ليس مهمًّا على أي طريقة سوف يحيى الناس؛ فلكل شعب قيمه وموروثاته؛ بل الأهم من ذلك هو الاحترام والمحافظة على التنوع الثقافي لجميع الشعوب؛ ذلك التنوع الذي يجعل للحياة بهجتها ولإضفاء الحيوية على تعامل الناس مع تبادل الأفكار والمنافع.

هذا التنوع الثقافي حق طبيعي للشعوب، أكدته كل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بغية حوار بين الحضارات، لا صدام وحرب بين الحضارات كما تروج العولمة الآن، هذا الحوار وهذا التكامل به استمرار حياة البشرية وتقدم الحضارة الإنسانية في جو أخوي بين البشر بعيد عن الحرب والطغيان، قريب من السلام والتنمية؛ بما يحفظ الحقوق والكرامة، ويحقق المساواة للجميع؛ كما أنه ليس من حق المنتج أن يفرض بضاعته عنوة؛ فكذا ليس من حق الصانع أن يلوِّث البيئة ويدمر الحياة الطبيعية في سبيل مضاعفة مكاسبه المادية، وعلى التاجر أيضًا أن يلتزم بآداب المهنة وأمانة الترويج الوقور لبضاعته؛ فلا يجوز للمنتج والتاجر أن يختلقا حربًا أو أن يتسببا في مآسٍ للبشرية بهدف تسويق بضاعة حربية أو مدنية.

إنّ افتراض العداء بين الحضارات فكرة خاطئة -بلا شك- اللهم إلا إذا اعتبرنا أن أتباع إحدى تلك الحضارات من غير الجنس البشري، وهنا فقط قد يبرر اختلاف جنسي أصحاب الحضارتين، ويظهر أن هذا الاختلاف هو سبب للصراع المنبثق من ذلك الاختلاف.

أما في الحضارة الإنسانية الواحدة فإن فكرة صراع الحضارات تغالط الفكر والمنطق السليم وتجانب الحقيقة، وحتى سياسيًّا فإن فكرة تحديد مجموعة بشرية بعينها كعدو مفترض لمجموعة أخرى قد تحمل في طياتها نوايا شريرة واتجاهًا عدوانيًّا ضد ذلك العدو المفترض؛ فمن الناحية الشرعية لا يجوز افتراض شخص بريء مجرمًا، ينزل به العقاب دونما جريمة يكون قد ارتكبها؛ فكيف يجوز ذلك الافتراض الجائر ضد شعب معين أو ضد أمة بأسرها، مثلما يظهر بأن الغرب يفترض أن الإسلام والمسلمين العدو الحقيقي له.

ولا شك أن في الغرب حكماء وعقلاء وشرفاء من رجال الفكر والبصيرة يراقبون بألم شديد ما يجرى حولهم من ظلم وطغيان ولكنهم لا يستطيعون مواجهة التيار الجارف الهائج وصخب آلة الإعلام المادي الذي يدمر القيم والأجيال؛ بل وكاد أن يدمر الكون بأسره.

إنّ من يتنكر للشرق فهو كمن يتنكر لأبويه اللذيْن هما سبب وجوده وصاحبا الفضل عليه، ومن يتنكر للشرق؛ فإنما يتنكر للإنسانية والحضارة معًا؛ في الشرق هبط الإنسان الأول -كما تؤكده الكتب السماوية المقدسة- في الشرق وضع بناء أول بيت للإنسان؛ إيذانًا ببدء العمران في الأرض؛ في الشرق بُرِي أول قلم ليخط أول حرف لأولى كلمات الفكر من العلم والمعرفة والثقافة استهلالًا لفتح سجل الحضارة الإنسانية؛ الشرق مهبط أنبياء الله ومرسليه جميعًا بلا استثناء، ويخص من الشرق بلاد العرب في هذه المفخرة الحضارية التي أضاء نورها واستضاء به وانتمى إليه كل الخلق.

لم يعد لدى البشرية وقت لتضيعه في الاقتتال والعنف والاختلاف، ومع دخول هذا القرن الجديد هنا مهام كبيرة يجب أن تنجز لإسعاد البشر؛ لكن فئة من الناس يمثلون شُذاذًا في حياة الأمم إلا أنهم يتسيدون الموقف أو قد يتسنمون ذُرى القيادة، يريدون أن يوقدوها حربًا لا يهدأ لها أوار.

وإذا كان في الحضارة العادلة يمكن ملاذ البشرية المعذبة؛ فإن تلك الحضارة صعبة المنال دون رجوع الإنسان إلى القيم النبيلة وإلى المثل العليا التي بشرت بها أديان الله -تبارك وتعالى- وآخرها وخاتمها وأحدثها هو الإسلام الذي جمع في طياته الكنوز النفيسة لقيم ومبادئ الأديان التي سبقته وفي قالب عصري يواكب متطلبات وتعقيدات الحياة المعاصرة، وفي هذا السياق يقول نبينا -صلى الله عليه آله وسلم: ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأجملها، إلا موضع لبنة؛ فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)).

وخلاصة القول: إنّ هذا الدين -الذي هو الإسلام- هو قمة الخضوع لله -عز وجل- وهو قمة التحرر من أسر كل شهوة، ومن أسر كل عادة، ومن أسر كل عبودية لغير الله -تبارك وتعالى.

إنّ مبدأ الحرية هو أول ما أسسه الإسلام لتحرير الإنسان من أغلال العبودية، وقد جعل هذا الحق حقًّا غير قابل للمساومة أو المساس؛ ولذا يكرر المسلمون في ألفاظ الأذان كل يوم: “الله أكبر” تذكر الناس بعظمة الله وتذكر بعدم الخوف من غيره؛ كما يكررون كلمة: “لا إله إلا الله” والتي تعني أن لا خضوع ولا عبودية لأحد من دون الله -تبارك وتعالى- وإذا تحققت الحرية؛ فإنه لا بد من الأحرار من معيار يزنون به الحقوق والواجبات لإعطاء كل ذي حق حقه؛ وعليه كان حرص الإسلام وما سبقه من الأديان على التشدد في تحقيق العدالة.

ولقد أسس الإسلام القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتكون منهجًا للناس نحو العدالة، ورأينا فقهاء الإسلام يقسمون هذه العناصر أو المصالح التي يعتبرونها، ويرون أنها مرعية عند النظر إلى المقاصد التشريعية، أو المصالح البشرية، أو حقوق الإنسان -بالمصطلح الحديث- فيقولون: لدينا أصول خمسة حفظها ضروري: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل، ويرون أن هناك أمورًا حاجية تمثل حاجات أصلية: وهي احتياجات الإنسان الأساسية في معيشته في مأكله، وملبسه، ومسكنه، ومنكحه، يقرر الإسلام ذلك بهدف ضمان سمات النفس، والنسل، والمال، والعقل، وصونًا للشريعة التي تقرر تلك الحقوق وتنظمها، ويجمعون مجموعة ثالثة يطلقون عليها “التحسينيات” أو “التكميليات”، وبالمصطلح الحديث؛ فإنها الحق في المنفعة العامة والرفاهية، وبطبيعة الحال؛ فالتحسينية ليست على الدرجة نفسها من أهمية الضروريات والحوائج الأصلية؛ ولكنها تضفي على حياة الإنسان جمالًا ومتعة أباحهما الإسلام؛ بل وحث عليها كما في قول الله: ((وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) (القصص: 77) وفي قوله: ((يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)) (الأعراف: 31، 32).

بناء على ما سبق يتضح جليًّا أنّ حقوق الإنسان في الإسلام تكون على أركان: هي الحرية، والحق، والعدالة، أما الركن الرابع فهو الأخلاق؛ ذلك أن الإسلام يلزم أن تتم ممارسة جميع تشريعاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطار أخلاقي؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).

وأما في الجانب الاجتماعي؛ فإن التشريع الإسلامي بتنظيمه للمجتمع بدأ من كيفية تأسيس الأسرة في الإسلام بالزواج، وبيان حقوق الزوجين على بعضهما البعض، في أثناء استمرار الزوجية وبعد الطلاق، وحقهما في التوارث بعض وفاة أحدهما، ولا تنسى الشريعة الإسلامية حقوق الطفل في تسمية لائقة به منذ ولادته، وفي تمتعه بحق الرعاية الأسرية، وحقه في التعليم، وحقوقه المالية من النفقة والميراث والوصية؛ كما تشمل تلك الرعاية الأطفال الأيتام واللقطاء، رغم أن ازدياد أعداد اللقطاء يعتبر مؤشرًا سلبيًّا في نظر الشريعة؛ هذا إضافة إلى اهتمام الإسلام برعاية حقوق الوالدين والأقارب مهما بعُدوا في درجة القرابة، وأيضًا للجيران وأفراد المجتمع كافة بحيث لا يبقى فيه مغبون ولا عارٍ ولا جائع، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين؛ فالكل في شرع الله سواء في الحقوق والواجبات كل بحسب إمكانياته.

وأما الحقوق الاقتصادية؛ فقد رأينا أن الاقتصاد في الإسلام جزء لا يتجزأ من الخصائص الدينية والأخلاقية للمجتمع، ويشكل الاقتصاد الاعتقاد السائد لدى الناس في أنه يشمل جوانب كبرى من حقوق الإنسان الأساسية، ويقوم النظام الاقتصادي في الإسلام على عدد من الدعائم، أهمها: المودة والتراحم بين الناس في تعاملاتهم المالية، سواء كانوا أفرادًا أو كانوا مجتمعات، سواء تعاملوا كأفراد ومجتمعات أو تعاملوا مع الحكومات.

ويضطلع النظام الاقتصادي الإسلامي بوظيفة اجتماعية أساسية إذا لم تتحقق من تحقيق الكفاية والكفالة وجب على الحكومة أن تتدخل لتحديد الخطأ وعلاجه، ويجب اكتساب الثروة وإنفاقها بالحق فيما يتعلق بحقوق الآخرين؛ كما تحرم الشريعة كل أسلوب يستهدف هضم الحقوق أو الالتفاف علي المبادئ الشريعة المعنية بذلك؛ تقرر الملكية الخاصة وتقرر الملكية العامة في إطار مقدس لا يجور فيه حق على حق.

ليست الثروة في ذاتها هي غاية النظر في الإسلام؛ بل هي وسيلة لتسهيل حياة الناس، وبالتالي يكون للفقراء هذا الحق المعلوم في ثروة الأغنياء، يجب استثمار المصادر العامة للثروة بما يعود بالنفع على الجميع، وتكون الدولة هي الوصي الشرعي المخوَّل بالسلطة اللازمة ضمن الحدود الشرعية للقيام بذلك الواجب، وحمايةً لحقوق ومصالح الناس ووفاءً بحاجاتهم.

وفيما يتعلق بالحقوق السياسية؛ فقد رأينا الشريعة تحث على ممارسة هذه الحقوق، وتبين أن التمتع بها جزء من الواجب الاجتماعي؛ ولقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس بألا يحلوا مشاكلهم بالرأي المنفرد؛ بل يجب عليهم اللجوء إلى الرأي الجماعي لأهل العلم والمعرفة؛ فالشوري -على سبيل المثال- مبدأ شامل ومرن للمساهمة السياسية للناس في تأسيس وتقديم الأمن والمشورة والتضحية.

وأما ما يتعلق بالسلطة القضائية؛ فإننا نرى أنها من فور تأسيسها تبدأ مستقلة؛ يكون من سلطاتها وصلاحيتها الحكم على الجميع؛ إذ الناس سواسية أمام الشريعة دون أي تفرقة.

ويسجل التاريخ أن قاضيًا كشريح قد أصدر ضد كل من عمر وعلى بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في عهدهما كخلفاء في منازعات كانت قائمة بين كل منهما وبعض الأشخاص الآخرين.

لقد اعتبر الفقهاء المسلمون حرية القضاء واستقلال السلطة القضائية مبدأ ثابتًا لا يتغير؛ ولذا فإننا نجد أنه حيثما ظهر تهديد من قِبل الحكام أو أي من أصحاب النفوذ من شأنه أن يخالف هذا المبدأ -أو بالأحرى هذا الحكم الشرعي- يقف القاضي المعنيُّ معترضًا ضد ذلك الشخص وممارساته إما بالاستقالة عن منصبه أو بالامتناع عن العمل؛ حتى تتم تسوية الأمر.  

error: النص محمي !!