Top
Image Alt

7.2 حقوق الطفل في الإسلام

  /  7.2 حقوق الطفل في الإسلام

7.2 حقوق الطفل في الإسلام

الحق الأول: حق الطفل في إحسانِ اختيارِ أبويه:
إننا حين نتحدثُ عن حقوقِ الإنسان، ينبغي أن نبدأ أولًا “بدائرة الأسرة”؛ لأن الأسرة هي الدعامةُ الأولى في بناء الدولة، وحصول الإنسانِ على حقوقِهِ فيها من الأهمية بمكان؛ إذ هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحقوق والواجبات، فإذا حصل الإنسان داخَلَ أسرته على حقوقه، وتعلَّم كيف يقوم بواجباته؛ فهذا يعني أن تشيع تلك الحقوق، وتلك الواجبات في الأمة.

ونحن حين نتناول “دائرة الأسرة؛ فإننا نبدأ بلبنَةِ الطفل؛ فإن حقوق الطفل مقدمة على حقوق غيره؛ لأنه الكائن الأضعف في الأسرة، ولأنه الكائن الذي يستحقُّ الحماية والرعاية قبل الوالدين، وحقوق الإنسان حين تبدأ بحقوق الطفل في الإسلام، إنما نبدأ بما يمثل هاجسًا عالميًّا، واشتغالًا كبيرًا بين المتخصصين في عالم اليوم؛ فإن منظمة الأمم المتحدة، والتي أصدرت ميثاقًا للطفل، تنادي منذ فترةٍ ليست بالبعيدة بالاهتمام بالطفل، وبحقوقه، في حين أن الإسلام قدر قَرَّرَ تلك الحقوق بما لا مزيد عليه قبل قرونَ عديدة.

إنَّ الإسلام ينادي في سَمْعِ الزمان على الأجيال فيقول: إن الطفل هو هبة الرحمن، وهو وديعةٌ غاليةٌ في الأسرة التي يتشكل فيها وداخلها هذا الإنسان، وعلى وجوده قويًّا يتوقف تماسك الأمة ورُقيها، فبقدر رعاية تلك اللبنة الأساسية في البنيان، وبقدرِ حفظِهَا من عوامل الهدم والضياع، بقدر ما يتحقق للأمة من تطورٍ وعلوٍّ في البنيان.

وقد كان غريبًا على الأفهام وقت بعثة النبي -صلى الله عليه وآله- أن يكون للطفل حقوق لدى الآباء، ولكن الرسول -صلى الله عليه وآله- وضع تلك اللبنة الأساسية في بناء الفكر، فما زال صَدَاهَا يتردد في سمع الزمان.

إن نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- جعل للوالد حقًّا على ولده، وجعل للولد حقًا على والده، أخرج البخاري في “الأدب المفرد” في باب: “بر الأب لولده” قال: ((كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك)) فهذا قوله -صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا شك أن الطفل نعمة إلهية، وأن تحصيلَ البنين مطلب إنساني فطري، وأن الشريعة رغّبت في طلب الأولاد حفظًا للجنس البشري، وقد قال الله تعالى: ((الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)) (الكهف: 46)، وقد قال الله -جل في علاه: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ)) (آل عمران: 14). فالأطفال من البنين، ومن البنات حبُّهُم فطري، وهم من متاعِ هذه الحياة الدنيا، إلا أن نعيمَ الآخرة ليس له طريقٌ إلا العمل الصالح في هذه الحياة.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- رَغَّبَ في طلبِ الأطفالِ فيما رواه أبو داود والنسائي، عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: ((جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: إني أصبت امرأةً ذاتَ حسبٍ وجَمَال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: لا، ثم أتاه الثانيةَ فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوج الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم)) ومعنى هذا الحديث صحيح، فإن النبي -صلى الله عليه وآله- يحب أن تكثُر أمته، وأن يكثر المتابعون له على دينِهِ، وأن تكون أمتُهُ نصفَ أهل الجنة.

وقد حرمت الشريعة عقم الرجال، أو تعقيم الرجال والنساء، وحرَّمَت استئصال الأرحام، وحرَّمت غير ذلك من الطرق التي تَحُولُ دون استمرار مسيرة البشرية، وتكاثر الإنسان، والإسلام حين اهتمَّ بهذه العلاقة التي تنشأ بين الرجل والمرأه، فَأَبَاحَ الزواج، وحرم الزنا، واللواط والسِّحَاق، وغير ذلك من سائر الشهوات المحرمة، وأنواع المخالفات والشذوذات.

حين اهتم بهذه العلاقة نظر إلى نتائج هذا اللقاء، التي من أهمها إعفاف النفس عن الحرام، وإنجابُ الذرية الصالحة التي توحد الله تعالى وتعبده، وتدعو إليه، ولا شك في أن هذا الثواب الذي رتَّبَهُ الإسلام على هذا اللقاء يتوقف على نية الإنسان من هذا الاتصال بزوجه، فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)) وقد سنَّ -صلى الله عليه وسلم- للإنسان أن يدعو عند اتصاله بزوجِهِ بدعاءٍ صالح، وأن يعقد النية على إنجاب الولد الصالح، قال: ((لو أن أحدكم أراد، أو إذا أراد أن يأتيَ أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّرَ بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا)).

وقد روي عن عمر -رضي الله تعالى عنه- قوله:” إني لَأُكْرِهُ نفسيَ على الجِمَاع؛ رجاءَ أن يُخْرِجَ الله مني نسمةً تسبحه وتذكره”.

ولقد وضحت السنة النبوية أهمية وجود الطفال في حفظ الأمة من الهلاك؛ مما يجعل وجدان الأمة يتعلق بالأطفال؛ تقديسًا لمكانتهم التي أنزلهم الله تبارك وتعالى- ومن هنا اكتسبت حقوق الأطفال في الأمة أهميتها، لأنها تنبع من قدسيةِ الشريعة التي فرضتها، ولخطورة الاتجاهات المعاصرة في الغرب، والتي تؤدي إلى تفكيكِ الأسرة، بجعْلِها أسرة تقوم على الروابط البيولوجية الفردية وحدها، وبتشجيع تحلل كلٍّ من الأب والأم من التزاماتهما تجاه الأولاد، من ذلك فقد حرصت الشريعة على بيان أوجه أهمية الأسرة بالنسبة للطفل.

وقدر رأينا القرآن الكريم، والسنة المطهرة يزخران بأحكام تُنَظم كل صغيرة وكبيرة من شئون الأسرة وأحوالها، بما يحفظ للأطفال حقوقهم مع الحرص على دعائم الحب والرحمة داخل الأسرة. وهذا غاية ما ينشده طفل في كل زمان ومكان.

وإذا أردنا أن نتناول حقوق الأطفال والأولاد، فإن أول حق للطفل، هو “حقه في إحسان اختيار أبويه:

أي: أن يحسن الرجل اختيارَ زوجِهِ، وأن تحسن المرأة اختيار زوجِها، تبدأ هذه الحقوق مبكرةً قبل زواج الوالدين، وذلك بحسن اختيار كلٍّ منهما للآخر، وهو أمر سينعكس بطبيعةِ الحال على الطفل الذي سوف يجيء إلى الدنيا، وقد اكتسب من والديه ما اكتسب من الصفات الوراثية، من البيئة التي سينشأ فيها، والعناية التي سيحْظَى بها في مجالات الصحة، والتغذية، والتربية والتعليم، كل ذلك سيتجسد في هذا الطفْلِ وسيظهر فيه على هيئةِ آثارٍ لا تخطئ العينُ أن تميزها.

إنه ليس من يرعى مصلحة الطفل كوالديه؛ ولذا فإن الشريعة قد حرصت على التوصية بحسن اختيار كل منهما للآخر.

ومن المعايير التي يجب إعمالها عند الاختيار، سواء من قبل الرجل لزوجته أو من قِبَلِ المرأة لزوجها” التدين” فإن النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((تنكح المرأة لأربع؛ لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك))، هذا حديث متفق عليه.

وقد أخرج ابن ماجة والبيهقي وغيرهما من حديث عبدالله بن عمرو -رصي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يُرْدِيهِنَّ، ولا تزوجوهُنَّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأَمَةٌ خرماءُ سوداء ذاتُ دينٍ خيرٌ وأفضل -أو قال: ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل)) وهذا يؤكد على ما يعتبره الفقهاء معيارًا للزواج ألا وهو “التكافؤ بين المرأة، ومن يتزوجها.

وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- فيما تروي عن النبي -صلى الله عليه وآله: ((تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكْفَاء، وأنكِحُوا إليهم)) والمقصد من ذلك أن يحفظ النسل قويًّا، وقد دلَّت هذه الأحاديث بمجملها على مبدأ حسن الاختيار، وقد قال عثمان بن أبي العاص: “الناكح مُغْتَرِسٌ، فلينظر أحدكم أين يضع غرسه، فإن عَرْقَ السوء؛ لابد أن ينزع ولو بعد حين”.

والكفاءة بين الزوجين تحقق التفاهم والمودة والرضا، وإذا لم يكن الزوج كفؤًا للزوجة؛ فلا جرم أن تثور بينهما من الغضاضة والنفور، والاستياء والتباعد، ما لا تُحْمَدُ معه العاقبة، وقد قال عمر: “لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء” وقد استدَلُّوا على هذا بالنظر الصحيح؛ إذ قالوا: إن مصالح النكاح بغير الكفاءة لا تتحقق؛ وذلك لأن المرأة تنفر من استفراش غير الكفء.

وقد أخرج البخاري عن الخنساء بنت خِدَام، أن أباها زوجها فكرهت ذلك، ((فأتت النبي -صلى الله عليه وآله- فردَّ نكاحَهَا)) كما أخرج النسائي أيضًا عن عائشة: ((أن فتاةً دخلت عليها فقالت: “إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت عائشة: اجلسي حتى يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتْهُ، فأرسل إلى أبيها فدعاه؛ فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن أُعْلَم النساءَ أن ليس للآباء من الأمر شيء)).

يستدل من هذا الأحاديث أن رضا المرأة بالزواج شرطٌ للزوم العقد، فإن لم ترضَ كان لها أن تفسخ عقدَ نكاحِهَا، لكي تقوم الأُسَرُ على دعائمَ من المحبة والرحمة والمودة، وهذا الذي يحقق مناخ السلام الاجتماعي في البيت المسلم، وهذا بلا شك من أعظم حقوق الطفل، وهو حقٌّ تبنى عليه الحقوق فيما بعد، هذا هو الحق الأول.

وقد قالوا فيما قالوا من الآداب التي تستحب للناكح أن يراعيها عند الزواج، وفي بيان من يستحب الشرع خطبتها، قال بعض النظماء الفقهاء الأدباء:
صفاتُ من يستحبُّ الشرعُ خطبتَهَا جلوتها لأولي الألباب مختصرَا صبيةٌ ذاتُ ديـــــــــــنٍ زانُهُ أدبٌ بِكْرٌ ودُودٌ ولودٌ حَكَت في نفسهَا القَمَرَا غريبةٌ لم تكن من أهل خاطِبِهَــــــا تلك الصفات التي أجلو لِمَن نَظَرَا


الحق الثاني للطفل: هو حقه في الحياة وحقه في البقاء:
ذلك أن للطفل حقًّا منذ تخلقه جنينًا، وحتى يخرج إلى هذه الحياة، له حقه في البقاء والنماء، يبدأ هذا من ثبوته حملًا في بطن أمه، ولقد رأينا الشريعه تحرم الجناية على الجنين، وتعاقب على ذلك عقوبةً أليمةً، وتجعل فيمَن أدَّى إلى إملاصِ المرأة، أو كان من قوله أو فِعْلِه ما أدى إلى إملاصها -أي: إلى إسقاطها لجنينها- جعل في ذلك الدية، غُرَّة الجنين أو دية الجنين، ثمن عبدٍ أو وليده، ما مقداره خمس من الإبل، فهذا جزاء على الجناية على الجنين.

إذا كان الشرع المطهر قد منع أحدًا من أن يعتدي على حمل امرأة، فإنه منَعَ المرأةَ من أن تعتدي عَلَى حَمْلِهَا، أو أن تجني على جنينها، ونبَّه إلى حقِّ المرأة في أن تُحْمَى، وأن تحفظ إذا طلقها زوجها وهي حامل، وجعل عدتها إنما تنتهي بانقضاءِ حملها، قال الله: ((وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) (الطلاق: 6)، ونهى المرأة أن تجني على جنينها، وجعل قول الله تعالى: ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)) (الإسراء: 33)، متناولًا لأن يجني الإنسان على نفسه، وعلى غيرِهِ.

ولا تبيحُ الشريعةُ الإجهاض إلا إذا تعرضت الأمُّ لخطرٍ محقق، يستند إلى قول الثقات من الأطباء، ويحكم به العلماء والفقهاء، ولا يستندون إلا إلى الضرورة؛ لعموم قول الله: ((إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)) (الأنعام: 119) وتغليبًا لحياة الأم على حياة جنينها؛ لأنها الأصل وهو الفرع، ولا يجوز أن يَكِرَّ الفرع على أصله بالنقض أو الإبطال، ولأن حياتها متحققة وحياة الحنين مظنونة.

وفي هذا أيضًا عملٌ بعمومِ قول الله: ((لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)) (البقرة: 233)، فقاعدة تَحَمُّلِ أخفِّ الضررين تقضي بالإبقاءِ على حياة الأمِّ، والتضحية بحياة الجنين؛ لأن حياته بعدُ محتملة؛ ولأنها حياةٌ قد لا تكون مستقرة.

ولقد رأينا الشريعة تراعي الجنين، وهو في بطن أمه بأن تعطي من الرخص للحامل ما لا يعطاه غيرها؛ فإن الحامل لها أن تفطر إذا دخل رمضان، ولها أن تقضي ذلك بعد أن تضع ما في بطنها، وفي الحديث: ((إن الله تعالى وضَعَ عن المسافرِ الصوم، وشطرَ الصلاة، وعن الحاملِ أو المُرْضِع الصوم، أو الصيام)).

ومن حفظ الشارع للجنين أنه لو قدر أن أمه استحقت أن يقام عليها حد، في قتل أو في زنًا بعد إحصان، فيفضي إلى فوات نفسها وقتلها، فإن الشريعة تأمر بتأخيرِ الحدِّ ما دامت المرأة حاملًا، وقد رأينا المرأة التي جاءت للنبي -صلى الله عليه وآله- تشهد على نفسها بالزنا، ((فردَّها النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى أقسمت له بالله، أنها حُبْلَى من الزنا، فقال -عليه الصلاة والسلام: فاذهبي حتى تلدي، يعني إن كنتِ كذلك فلا، يعني: فلا نقيم عليكِ الحد حتى تلدي، فذهبت المرأة حتى ولَدَتْ، ثم جاءت للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبيِّ في خرقه، قالت هذا قد ولدتُ، يعني: الغلام، فقال لها -صلى الله عليه وآله: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمَتْهُ أتتِ النبي -صلى الله عليه وآله- بالصبي، وفي يده كِسْرَةٌ من خبز، فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فطمته، وأكل الطعام، فدفَع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين، ثم أمر بها فَحُفِرَ لها، فرجمت، فلما رجمها المسلمون، فتنضَّحَ الدَّمُ على وجه خالد بن الوليد -رضي الله عنه- سبها، فسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- سبَّ خالد لها، فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، فقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسٍ لَغُفِرَ له))، وقد أخرج هذا الحديث مسلم مطولًا، ثم إنه -عليه الصلاة والسلام- أُمِرَ بها فَصُلِّيَ عليها ودُفِنَت.

فلا يجوز إذًا قتل الحامل سواء أن كان هذا القتل قصاصًا، أو كان هذا القتل في حد من حدود الله -تبارك وتعالى- وكذا القصاص في الأطراف، لو استحقت أن تقطع يدها؛ فَخُشِيَ على جنينها، لم يجز إنفاذ هذا الحد حتى تضع ما في بطنها، فلو بادَرَ إنسان مستحقٌّ للقصاص في طرفٍ من الأطراف، فقتلَ بسببِ اقتصاصِهِ من المرأة قتل الحامل، فمات الولد، لزمه الضمان، بهذا تحكم الشريعة، فإن مات في بطنها لزم فيه الدية.

وهكذا؛ فإن حرمة الإضرار بالجنين، أو الاعتداء على حياته في الإسلام هي حرمةٌ مطلقة، فهو إنسان خلقه الله ليس لأحدٍ من البشر أن يعتدي عليه، ولو كان المعتدي أبًا له أو أمًّا، حتى في حالة الحمل الحرام، أي: من الزنا لا يجوز للأم أن تعمد إلى إسقاطه؛ لأنه لا ذنب له فيما جناه أبواه، والله -عز وجل- قد قال: ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) (الأنعام: 164)

الحق الثالث: حقُّ الطفل في الحب والحفاوةِ بمقْدِمِه.
لا شك أن حُبَّ الأبناء أمرٌُ فطري، وهو نعمة كبرى من نعم الله تعالى علينا في الحياة؛ إذ لولا هذا الحب لانقرض النوعُ الإنساني من الأرض، ولَمَا صبر الأبوان على رعاية أولادهما، ولما قام بكفالة الأولاد، وتربيتهم والسهر على أمرهم، والنظر في مصالحهم، بل واستعذاب أصعبِ الآلام في سبيل تحقيق آمال أبنائهم، صور القرآن الكريم ذلك غير ما مرة، فقال -جل من قائل: ((الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) (الكهف: 46)، وقال في بيانه غاية العطاء الإلهي واستجابة الله تعالى لدعاء أنبيائه، قال -جل من قائل عليمًا: ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَِ)) (آل عمران: 38، 39).

ولا عجب أن يقترن العطاء الإلهي للذرية بكلمة “البشرى” دائمًا، فالأبناء هو الامتداد الطبيعي للإنسان في الحياة بعد موته، وهم الشموع التي تضيئ حياته، وتكون من بعده، وهم هذا الغرس الذي يغرسه الإنسان في هذه الحياة؛ ليكون مؤهِّلًا له لدخول الجنة، إذا أحسن رعايتهم وتنشئتهم على كتاب ربهم، وسنة نبيهم.

ولقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يَحُثُّ على القيامِ بحقوقهم إذا جاءوا، والاحتفاءِ بوجودهم إذا حضروا، والعنايةِ بتربيتهم، والإحسان إليهم، ودفع الأذى والضرر عنهم، سواء كانوا ذكورًا أو كانوا إناثًا، فقد أخرج أبو داود، وأحمد في (مسنده)، والحاكم في (مستدركه)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((مَن كَانَتْ لَهُ أنثى فلم يَئِدْهَا، ولم يُهِنْهَا، ولم يُؤْثِرَ ولده يعني: الذكور عليها، أدخلَهُ اللهُ الجنة)).

وفي حديث آخر عن جابر قال؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان له ثلاثُ بناتٍ يُؤْوِيهِنَّ، ويرحمُهُنَّ ويَكْفَلهُنَّ، وجبت الجنة البتة، أي: وجبت له الجنة البتة، قيل: يا رسول الله، فإن كانتا اثنتين، قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال: واحدة)) أخرجه الإمام أحمد في (مسنده)، والطبراني في (أوسطه) بنحوه من طرق، وإسناد الإمام أحمد إسنادٌ جيد.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كانَ لَهُ ثَلاثُ بناتٍ؛ فَصَبَرَ على لأوائِهِنَّ وضَرَّائِهِنَّ وسَرَّائِهِنَّ، أدخله الله الجنةَ برحمتِهِ إياهن، فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ قال: واثنتان، قال رجل: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: وواحدة)) أحرجه أحمد والبيهقي والحاكم، وصححه.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((دخلت عليَّ امرأةٌ، ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجِدْ عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة، فأعطيتُهَا إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئا، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- علينا، فأخبرْتُهُ، فقال: من ابْتُلِيَ من هذه البنات بشيءٍ؛ فأحسن إليهن، كُنَّ له سترًا من النار))، وهذا حديث متفق عليه.

وعند مسلم: ((من عَالَ جاريتين حتى تبْلُغَا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضمَّ أصابعه -صلى الله عليه وسلم)) وفي رواية قال: ((دخلت أنا وهو الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والتي تليها)).

الحق الرابع: حق الطفل في حسن تسميته: الاسم يضفي كثيرًا من المعاني على شخصية الإنسان؛ لذا اهتم نبينا -صلى الله عليه وسلم- بتفقد أسماء الأطفال، وقد رأيناه -عليه الصلاة والسلام- يأمر الوالد بأن يُحْسِنَ تسمية ابنه، وقد رأيناه أيضًا يُغَيِّرُ بعضَ الأسماء التي كان فيها شيء من المؤاخذة، فقد قال -صلى الله عليه وسلم: ((حق الولد على والدِه؛ أن يُحْسِنَ اسمه، ويحسن موضعه، ويحسن أدبه))، وهذا أخرجه البيهقي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- وفي إسناده ضعف.


وقال صلى الله عليه وآله: ((إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم))، وهذا أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وقد وقَّتَ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن تكون التسمية في اليوم السابع، فقال: ((كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقتِهِ، تُذْبَحُ عنه يومَ سابعِهِ، ويحلق رأسه ويُسَمَّى))، وهذا أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه.

كل ذلك من أجل أن يختار الإنسان لولده اسمًا حسنًا في معناه، خفيفًا في مبناه، وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حين ولد له ابنه الحسنُ بن علي، قال: ((أروني ابني ما سميتمُوه، فقال علي: حربًا، فقال -صلى الله عليه وسلم: بل هو حسن، فلما وُلد الحسين عاد علي فسماه حربًا، فقال -صلى الله عليه وسلم: بل هو حسين، فلما ولد الثالث سماه علي حربًا، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال؛ بل هو مُحَسِّن، ثم قال: سميتهم بأسماء ولدِ هارون، بِشْر وبشير ومُبَشر)) وفي رواية: ((جَبْر ومُجْبر وجُبَير)).

إذًا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يعنى بتغير هذه الأسماء إلى أحسن ما يمكن أن يكون من الأسماء، وقد كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- يسمُّون أولادَهُم بأسماء الشهداءِ منهم؛رجاءَ أن يكونوا مثلهم، فرأينا الصحابي الجليل الزبير بن العوام -رضي الله تعالى عنه- يسمي بـ “عبد الله” يعني:سمى ابنه عبد الله بن الزبير على اسم عبد الله بن جحش الشهيد -رضي الله تعالى عنه- وسمى ابنه “المنذر” على اسم المنذر بن عمرو الأنصاري الشهيد و”عروة” بعروة بن مسعود الثقفي، و”حمزة” بحمزة بن عبد الطلب، و”جعفر” بجعفر بن أبي طالب، وسمى “مصعبًا” بمصعب بن عمير و”عبيدة” بعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، و”خالدًا” بخالد بن سعيد، و”عمر” بعمر بن سعيد، وجميع هؤلاء شهداء.

وكان طلحة من أصحابِ نبينا -صلى الله عليه وسلم- “طلحة بن عبيد الله” يسمي أولاده بأسماء الأنبياء؛ تبركًا بهم، فسمى من أبنائه موسى، وإسحاق، ويحيى، ومحمدًا، وعيسى، ويعقوب، وزكريا، وعمران، وكل هؤلاء أنبياء ((ولما استأذن علي -رضي الله تعالى عنه- نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن يسمي أحد أولاده باسم رسوله الله -صلى الله عليه وسلم- بعده، فقال له: يا رسول الله، إن وُلِدَ لي ولد بعدك اسمِّيهِ محمدًا وأكنيه بكُنْيَتِك؟ قال: نعم، قال: فكانت رخصةً لي)) ولما ولد له -رضي الله عنه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ووفاة زوجه فاطمة -رضي الله عنها- ولد له من خولة بنت جعفر الحنفية ولدًا، سماه محمدًا، وكناه بأبي القاسم، فصار محمد بن الحنفية هذا مكتنيًا بكنيةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- ومسمىً باسمه.

وقد كره نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- الأسماء القبيحة، ودَلَّ على الأسماء الطيبةِ والحسنة، فكان يقول: ((إن أحب أسمائكُم إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن))، وهذا أخرجه الإمام مسلم في (صحيحه) عن عمر، كما روي أن عمر -رضي الله تعالى عنه- ((كانت له بنت تسمى “عاصية” فسمَّاها النبي -صلى الله عليه وسلم- “جميلة” (( وهذا في (صحيح مسلم).

وعن محمد بن عمرو بن عطاء: ((أن زينب بنت أبي سلمة سألتْهُ: ما سميت ابنتك؟ قال: سميتها “بارة” فقالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن هذا الاسم، سميت برة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: لا تزكوا أنفسكم؛ الله أعلم بأهلِ البِرِّ مِنْكُم، فقالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب)).

وعن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: ((ما اسمك؟ قال: حَزْن، قال: أنت سهل، قال: ما أنا بمغيرٍ اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد((، أي: الصعوبة، وخلاف السهولة، قال أبو داود: ((وغير النبي -عليه الصلاة والسلام- اسم العاص، وعزيز، وشيطان، والحكم، وغراب وحباب، وشهاب، فسمَّى هشامًا، وسمى حربًا سِلْمًا، وسمى المطجع المنبعث، وأرضًا تسمَّى عفرة سماها خضرة، وشعِبُ الضلالة سماه شعب الهدى، وسمى بني مغوية بني رشيدة)).

ومن الأمور التي يجب أن يراعيها الناس في تسمية الأولاد، مناسبة الاسم لجنس الولد، فلا يسمى الذكر باسم الأنثى، ولا تسمى الأنثى باسم الذكر، وألا يسمى المسلم بأسماء غير المسلمين.

الحق الخامس: حقُّ الطفل في الانتساب إلى أبويه: للطفل حق في أن ينتسب إلى أبيه وأمه، وبذلك تحرم الممارسات التي تشكك في نسب الطفل إلى أبويه، وتحرم تلك الوسائط التي تُخْتَرعُ اليوم لاستئجار الأرحام ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى في عادة التبني التي أبطلها القرآن: ((ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) (الأحزاب: 5).

حرمت الشريعة الزنا، وفرضت عدة للمطلقة وللمتوفى عنها زوجها، فلا يجوز لها أن تتزوج بآخر إلا بعد انقضاءِ عدتِهَا، منعًا لاختلاط الأنساب؛ ذلك أن حفظ الأنساب من مقاصد هذه الشريعة المطهرة، وقد عَدَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مَن نسبَ نفسه إلى غير أبيه مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، قهو يقول -عليه الصلاة والسلام- كما عند البخاري ومسلم: ((من ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)).

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- إنه سمع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (( ليس من رجل ادعى لغير ابيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم؛ فليتبوأ مقعده من النار))، أي: ليس له نسب فيهم.

وعن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى لِكُلِّ ذِي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارِث، الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحجرُ، وحسابُهُم على الله، ومن ادَّعى إلى غيرِ أبيهِ، أو انتمَى إلى غيرِ موالِيهِ، فعليه لعنةُ الله التابعة إلى يوم القيامة))، وهذا أخرجه الترمذي مطولًا، وصححه في باب الوصايا.

وعن زيد بن أرقم قال: ((بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه رجلٌ من أهل اليمن، وعليٌّ بها، فجعلَ يُحَدِّثُ النبي -صلى الله عليه وسلم- ويخبرُهُ، قال: يا رسول الله، أتى عليًّا ثلاثةُ نفرٍ فاختصموا في ولد، كلهم زعم أنه ابنه، وقعوا على امرأةٍ في طُهْرٍ واحد، فقال علي: إنكم شركاء متشاكسون، وإني مُقْرِعٌ بينكم؛ فمن قُرِعَ فله الولد، وعليه ثلثا الدية لصاحبيه، فأقرع بينهم، فقرع أحدهُم، فدفع إليه الولد، وجعل عليه ثلثي الدية، فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه أو أضراسه)).

وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعالج قضية الشك في النسب، فعن معمر عن الزهري: أنه سُئِلَ عن رجل ولدت امرأته ولدًا، فأقَرَّ به ثم نفاه، قال: ((يُلْحَقُ بِهِ إذا أقَرَّ بِهِ وَوُلِدَ على فراشِهِ، وقال: إنما كانت الملاعنة التي كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: رأيت الفاحشة عليها))، ثم ذكر الزهري حديث الفزاري، فقال حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: ((جاء رجلٌ من بني فزارة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ولدت امرأتي غلامًا أسودًا، وهو حينئذٍ يُعَرِّضُ بأن ينفيه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله: ألك إبل؟ قال: ما ألوانُها؟ قال: حُمر، قال: أفيها أوْرَق؟ قال: نعم فيها ذود أورق، قال: مما ذاك تُرَى؟ قال: ما أدري، لعلها أن يكون نزعها عِرْق، قال: وهذا أي: هذا الولد لعله أن يكون نزعه عِرْق))، ولم يرخص له -صلى الله عليه وسلم- في الانتفاء عنه، أي: في الانتفاء من نسبه. وهذا حديث متفق عليه.

وعن قابصة بن ذؤيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه: قضى في رجلٍ أنكر ولدَ امرأتِهِ، وهو في بطنِهَا، ثم اعترَفَ به، وهو في بطنها، حتى إذا وُلِدَ أنكره، فَأَمَر بِهِ عمر بن الخطاب، فَحُدَّ ثمانين جلدةً لفِرْيَتِه عليها، ثم ألحق به ولدها”.

ولما اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبدُ بن زمعة في غلام، ((فقال سعد: يا رسول الله، أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، قال عبد بن زمعة: هذا أخِي يا رسول الله، وُلِدَ على فراش أبي من وليدتِه، فَنَظَرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى شبَهِهِ، فرأى بينهمَا شبهًا بينًا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد -أي: عبد بن زمعة- الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة، فلم تره)).

وعن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: إذا اعترف أي: الرجل بولده ساعة واحدة، ثم أنكر بعدُ؛ لحِقَ به، أي: لحق نسب الولد به” وهذا أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه).

وهذا يظهر بالجملة حرص الإسلام على نسب الطفل ورعايته لهذه القضية؛ لأن الطفل الذي لا يعرف نسبه، ولا يعرف إلى ما ينتمي، يخرج طفلًا ناقمًا على هذا المجتمع الذي لم يحفظ له نسبَهُ، ولم يراعِ حقه في أن ينتسب إلى والديه، وبهذا يخرج شانئًا حاقدًا، مضمرًا الشرَّ لهذا المجتمع الذي لم يحرص على حقِّه في أن ينتسب إلى أبٍ ينعم بظله، ويفخر بجوارِه، يحميه، ويعطف عليه، وعن هذا ينشأ التفكك في المجتمع الإنساني، لزيادة عدد الأبناء الذين ليس لهم انتماء إلى آباء، هذا يعني أن تضيع الطفولة؛ لضياع الهوية، وأن تضيع الأمةُ لضياع هذه الأنساب، وهذا يفضي إلى انتشار الحقد والكراهية والجرائم -والعياذ بالله تعالى.

الحق السادس: حق الطفل في النفقة:

إن النفقةَ ضرورة يفرضها الشرع، ويوجبُها على كل أب، ويثيبه عليها، وهذه الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها، فلابد أن ينفقَ الوالدُ على ولده، ولكن في حدود استطاعته من غير إسراف، ولا إفسادٍ، ولا ترفٍ، ولا تقتيرٍ، ولا تدليلٍ ولا تعذيب، فإن دستور القرآن الكريم: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)) (الفرقان: 67)، نعم، للطفل حق في أن يعيش عَيْشًا ملائمًا لزمانِه ومكانِه، ولنسب آبائه، وأن يعيش عيشًا ملائمًا لنموه البدني والعقلي والديني، وهذا حقٌّ للولد في مال أبيه، فإن عُدِمَ والده؛ فعلى أقاربه الذين هو كفالتهم من الموسرين.

ويمتد هذا الحقُّ للولد حتى يصبح قادرًا على أن يكتسب بنفسِهِ، وأن تُتَاح له فرصة عمل ليستقل بشأن نفسه، وهو حقٌّ للبنت حتى تتزوج أو تستغني بكسبها، والشريعة حددت المسئولين عن الإنفاق على الطفل بالأصالة، وشروط هذا الإنفاق، ولم تتركه بدون تحديد أو ضبط أو تقييد، قال -جل من قائل عليمًا- ((لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)) (الطلاق: 7).

قال القرطبي في تفسير الآية؛ أي لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير على قدر سعته، حتى يوسع عليهما إن كان مُوسَّعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك، ثم قال: هذه الآية أصلٌ في وجوبِ النفقة للولدِ على الوالد دون الأم. ولذا فإن من الواجب على الوالد أن يعلم أنه ليس لأولاده معينٌ سواه، وأنه ملتزمٌ بالإنفاق عليهم، وهو مسئول عنهم، وعن تلبية احتياجاتِهِم أمام الله تعالى، وأمام المجتمع.

كما أن هذه الشريعة الغراء قد نصت على مسئولية المجتمع بمؤسساته تجاه هؤلاء الأبناء، فإن ((النبي -صلى الله عليه وآله- كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلًا؟ أي سدادًا، فإن كان الرجل قد ترك وفاءً من مالِهِ، أدَّى هذا الوفاء إلى سداد الدين، صلَّى عليه النبي -صلى الله عليه وآله- وإلا قال للمسلمين: صلُّوا على صاحبِكُم، فلما وسَّعَ الله تعالى على النبي، وفتح عليه الفتوح، قال: أن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته)).

وفي الحديث الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: ((ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فَضَل شيءٌ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا)) أي: أنفق ذات اليمين، وذات الشمال، بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك.

أما الصبي الرضيع فإن الإنفاق عليه في الرضاعة يأتي من خلال الإنفاق على أمه، فإن تغذيتها تغذيةٌ له، وكذلك ما تحتاجُ إليه من ما لابد لها منه، من دواء، ومن كساء، ومن إقامة، بل ومن إتحاف أيضًا، ذلك أنه ينعكس على هذا الطفل الرضيع، والله تعالى قد قال: ((وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) لأن الغذاء لا يصل إلى الحمل إلا بواسطة أمه، أما إذا قُدِّرَ أن كان الوالد قد توفَّاه الله، فإن النفقة تجب في مال الطفل إن كان الوالد قد ترك له ما يكفيه، أو إن كان مورثه قد ترك له ما يمَوِّنُهُ، فإن لم يكن ثمةُ شيء من ذلك؛ فإن النفقة على الطفل تجب على أقاربه الموسرين، والبداءة تكون بالأقرب فالأقرب، لقوله تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى)) (النساء: 36)، وقال -جل من قائل: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)) (الإسراء: 26).

وفي حديث طارق المحاربي قال: ((قدمت المدينة؛ فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمٌ على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يدُ المعْطِي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك))، وقد أعلى نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- من شأن دينارٍ ينفق على الأبناء، فهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- يروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك)) أخرجه مسلم.

وعن ثوبان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أفضل دينار ينفقه الرجل، دينارٌ ينفقهُ على عيالِهِ، ودينارٌ ينفقُهُ على دابتِهِ في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ ينفقه على أصحابِهِ في سبيلِ الله)) قال أبو قلابة بدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة:” أيُّ رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عياله الصغار، يعفُّهم أو ينفعهم الله به.

وعن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة)) متفق عليه، وفي الحديث الآخر قال: ((ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمَكَ فهو لك صدقة)).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((أن النبي – عليه الصلاة والسلام- قال يومًا لأصحابه: تصدقوا، فقال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينار، قال: أنفق على نفْسِكَ، قال: إن عندي آخر، قال: أنفق على زوجتِك، قال: إن عندي آخر، قال: أنفق على ولدِك، قال: إن عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به)) هذا أخرجه أبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم.

وهذا عبد الله بن مبارك -رحمه الله تعالى- يقول: لا يقع موقعُ الكسب على العيال شيء، ولا الجهادُ في سبيل الله.

وكما رأينا الشريعة تجعل للأطفال حقًّا في مال أبيهم، فإنها تقف من الشُّحِّ موقفًا متشددًا؛ لأن التقتير على الأبناء يعرضهم لكثير من الآفات والمفاسد؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- أن هند بنت عتبة -رضي الله عنها- قالت: ((يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذته منه وهو لا يعلم، فقال -صلى الله عليه وسلم: خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) متفق عليه.

فمن حق الولد أن يوسع عليه والده، وأن ينفق عليه بالمعروف، لأجل هذا أباح النبي -صلى الله عليه وسلم- مالَ الوالد لأولادِهِ، ولزوجته إذا كان هذا على سبيل الأخذ منه بالمعروف، وعلى قدر السعة والاستطاعة، وللطفل حقه في الميراث، بل له حق في الميراث وهو حملٌ في بطن أمه، ويتبع هذا الحق النفقة؛ لأن الطفل منذ ولادته حيًّا يتمتع بأهليةِ الوجوب كاملة، فيكون له بذلك حقٌّ في الإرث، والوصية والهبة، والوقف وغير ذلك، وتثبت ولادة الطفل حيًّا باستهلالِهِ، أي: بصراخه بعد ولادته، والاستهلال: رفع الصوت بالبكاء أو الصراخ. وذلك لما رواه أبو داود في سننه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا استهلَّ المولودُ وريث)).

وفي رواية ابن ماجه: ((لا يرثُ الصبي حتى يستهلَّ صارخًا))، قال: واستهلاله: أن يبكي ويصيح أو يعطس. والشريعة حَرَصَتْ على حق الطفل في الإرثِ، وجعلت ذلك أمانًا ماديًّا للطفل، بل إن هذا الإرث قد يكون مصدرَ رزقٍ لمن يعوله في حالة موت والدَيْهِ، أو في حالة موت أحدهما، حيث تحديد حقه في الميراث يعني حمايته من تقلبات الزمان، ومن الحرمان.

الحق السابع هو “حق الطفل في الرضاعة”:
الإسلامُ قد أولى الطفلَ في جميعِ مراحِلِ حيَاته عنايةً عظيمةً، واشتدت عنايته بالطفل حال ضعفه، حال كونه جنينًا، ثم حال كونه رضيعًا، وقد حَثَّ المرأةَ على رضاعِها لطفلها؛ لأن لبنَهَا أنفعُ للولدِ من لبنِ غيرها، فضلًا عن أن رحمتها بولدها وافرة، وأن إشفاقها عليه لا يقارن بغيرها، فإذا طالبت الأم إرضاع طفلها بأجرِ المثلِ، فهي أحق بإرضاعه من أية امرأة أخرى، سواء كانت الأم في حال الزوجية، أم كانت بعد حال الزوجية، لماذا؟ لأنها أحنى على ولدها، ولأن لبنها أوفق له.

وفي أحقيتها بالرضاع مقابلة الأجرة من غير تخاصم أو منازعة، يقول الله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) (الطلاق: 6)، فإن طلبت الأم أكثر من أجرة مثلها، فللزوج عندئذ أن يمنعها من إرضاعه، وأن ينتزعه منها، وأن يسلمه إلى غيرها، لقول الله تعالى: ((وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) ولأن ما يوجد بأكثر من ثمَنِ المِثْلِ كالمعدوم في حق هذا المكلف.

ومن أجل التأكيدِ على حق الطفل في الحصول على حقه في الرضاعة، شجع الإسلام المرضعات من غير أم الولد على إرضاع الأولاد، الذين ربما توفيت أمهاتهم أثناء ولادتهم، أو انفصلوا عن أمهاتهم لأسبابٍ أخرى متعددة، فلم يشأ الإسلام أن يحرم هذا الولد من حقِّهِ في الرضاع والتغذية، وقد جعل الإسلام مكافئةَ الأم المرضعة على صنيعها أن أوجب لها حقًّا على ذلك الولد، فسماها “أمًّا له من الرضاعة”، وجعلها من المحرمات عليه، كحرمة أمه من النسب سواء بسواء، قال جل من قائل في بيان اللائي يحرمن على الإنسان، قال: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) (النساء: 23)، وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في بيان أهمية الرضاع، وما ينشره من التحريم بين المرضع ومن أرضعته، قال: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))، وهذا حديث متفق عليه.

والأصل -كما قلنا- أن الرضاعَ يكون من الأم، فإذا احتيج إلى مرضعةٍ، فإن من حق الولد أن تختار المرضعة صاحبةُ الخلق والدين؛ لأنها ترضعه أخلاقها مع لبنها، وتطعمه من طباعها مع غذائها، وقد ورد عن أسلافنا ما يدل على أثر الرضاع في الأخلاق والسلوك، فقد روي عن والد إمام الحرمين الجويني أنه كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسبِ يدِهِ شيءٌ اشترى به جارية موصوفةً بالخير والصلاح، ولم يزل يطعهما من كسبِ يدِهِ حلالًا إلى أن حملت بإمام الحرمين، وهو مستمرٌّ على تربيتها بكسب الحلال، فلما وضعته أوصاها ألا تمكن أحدًا من إرضاعِهِ، فاتفقا أنه دخل عليها يومًا وهي متألمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم، فشاغلته بثديها فرضع منه قليلًا، فلما رآه شقَّ عليه، وأخذه إليه، ونكث رأسه ومسح على بطنه، وادخل اصبعه في فيه، ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شرب، وهو يقول: “يسهل عليّ أن أموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن من غير أمه”.

ويُحْكَى أن إمام الحرمين -رحمه الله- كانت تلحقه بعض الأحيان فترة في مجلس المناظرة، فيقول: “هذا بسبب بقايا تلك الرضعة” والعلم الحديث يثبت أن لنوعية الغذاء هذا الأثر في نفس الإنسان، وفي سلوكه، فقد ورد أن الرضاع يغير الطباع، أي: يغيرُ طبعَ الصبي عن لحوقِهِ بطبع والديه، إلى طبع مرضعتِهِ لصغرِهِ ولطف مزاجه، وهذا فيه حثٌّ للوالدين على توخِّي مرضعة طاهرة العنصر ذكية الأصل -كما ذكرنا- ذات عقلٍ ودينٍ وخلقٍ جميل.

والطباع ما تركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من خيرٍ وشر، ولقد كان عمر -رضي الله تعالى عنه- لا يفرض العطاء إلا لمن فطم من الأولاد، فصارت الأمهات يفطمن أولادهن قبل بلوغ أوان الفطام، فلما عَلِمَ عمر بذلك رجع عنه، وفرض للأولادِ العطاءَ بمجرد الولادة، حتى يطولَ وقت رضاعهم من أمهاتهم، ولا يسارعن إلى فطامهم طمعًا بالعطاء، وهذا حرص من عمر على أن ينال الأولاد حظهم وافرًا مما رزقهم الله تعالى من لبن الأمهات.

الحق الثامن: حق الطفل في حضانة آمنة”:
ذكرنا أن من الحقوق الفطرية للطفل أن يرتضع من ثدي أمه، وأن يكون في حضانَتِهَا، وذلك لما جُبِلَت عليه الأمُّ من الرحمة والشفقة، والرفق بمولودِهَا، بل الوالدان أجدرُ الناس بحضانة الولد؛ لأنه جزءهما، وقطعة منهما، والطفل ينشأُ آمنًا مطمئنًا إذا كان في كنفِ والديه، وحرمانُه من هذه الرعاية يُعَطِّلُ ارتقاء كثير من وظائفه الحيوية، وقدراته النفسية والعقلية، بل ويصيبه بالأمراض والاضطرابات العصبية والنفسية، والنقص في النمو الطبيعي في ناحية أو أكثر من نواحي شخصيته المتعددة، ولهذا كان الفراق الذي يقع بين الوالدين مؤثرًا في حياة الأطفال، وقد قال الله تعالى: ((فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)) (البقرة: 233).

فإذا كان الفطام يتم بالتشاور، فرعاية للطفل وتأديبه من باب أولى، يعني هي أولى بأن يقع فيها التشاور والتراضي بين الطرفين، والشريعة حددت حق الحضانة في حال انفصال الأبوين، والحضانة في الحقيقة تتداخل فيها حقوق كل من الأب والأم والصغير نفسه،أما الأب فحقه أن تتدعم وشيجة النسب التي تربطه بولده، وهي وشيجة أساسية وهامة وكبرى، تدور من حولها معظم الحقوق والعلائق الشخصية والاجتماعية في المجتمع، وهي وشيجة أصلها الرحم والقربى، وعنوانها المودة والتراحم والائتلاف.


وأما الأم: فحقها أن تحوط ولدها بسياج الرحمة والعاطفة، فتسكب في نفسه وطبعه وكيانه فيضًا من مشاعر الخير وصدق الوجدان، وكذا حقها أن تجد نفسها وهو بكنفها مثلجة الصدر ومطمئنة، وفي ذلك من الإحساس بالسعادة والراحة ما يجعلها قريرةَ العين هادئة البال، وأما حق الصغير، فهو أن يأخذ لنفسه حظًّا كافيًا من الصيانةِ والرعايةِ والتربية الصحيحة، وألا تتناوشه حالَ طفولتِهِ دواعيَ المرض، أو دواعي الإهمال والتفريط. والحضانة فيما إذا كانت من حق الأم أو الأب موضع خلاف بين العلماء، وفي ذلك قولان أساسيان نعرض لهما باختصار:

القول الأول: في حق الأم أو الأب في الحضانة، هو قول الحنفية والمالكية: فقد ذهبوا إلى أن الأم أحق بحضانةِ الصغير من الأب، سواء في ذلك ما لو كان الصغير في سن الرضاع، أو كان بعد الفطام، فإن حاجة الصغير إلى الأم بعد الرضاع كحاجته إليها قبل الفطام، واستدلوا على ذلك بكتاب الله تعالى وسُنَّة النبي -صلى الله عليه وآله- وبالمعقول. فمن القرآن قول الله تعالى: ((لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ))، أي: لا يَحِلُّ للأب أن يمنع الأمَّ من إرضاع ابنها إضرارًا بها، ولا يحل كذلك للأم أن تمتنع من إرضاعِهِ إضرارًا بأبيهِ.

واستدلوا كذلك من السنة بما أخرج أبو داود، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله ان ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حِواءً، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم: أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي)).

وعن عكرمة قال: ((خاصمت امرأة عمر إلى أبي بكر وكان طلقها، فقال أبو بكر: هي أعطفُ، وألطفُ وأرحمُ، وأحنُّ وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفْسِهِ)) وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم، فلقيها تحمله، وقد فُطِمَ ومشى، فأخذ بيده لينزعه منها، وقال: أنا أحقُّ بابني منكِ؛ فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به)). وعن عبد الرحمن بن غنم قال: “اختصم إلى عمر في صبي فقال: هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه فيختار” أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه).

وجملة القول في ذلك: أن الأحقَّ بالولد هي الأم ما لم تتزوج، قال الحنفية والمالكية: لا خلاف بين علماء السلف في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحقُّ بولدها من أبيه ما دام طفلًا صغيرًا لا يميز شيئًا، إذا كان عندها في حرزٍ وكفايةٍ، ولم يثبت منها فسقٌ أو تبرجٌ يؤثر في أخلاق الطفل، وهذا نقله القرطبي في (تفسيره)، واستدلوا كذلك بما أخرجه أبو داود، عن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة، فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحقُّ بها، ابنة عمي، وعندي خالتها وإنما الخالة أم، قال علي: أن أحقُّ بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي أحقُّ بها، فقال زيد: أنا أحق بها أنا خرجت إليها وسافرت، وقدمت بها، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر حديثًا، قال: ((وأما الجارية؛ فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنما الخالة أم)).

واستدلوا أيضًا بالمعقول فقالوا: إن الأم أشد رفقًا بالولد، وأكثر حنوًا عليه، وأعظم صبرًا وإشفاقًا، وبخاصة في سِنِيِّ الطفولة التي تقتضي من عظيم العناية والاصطبار والتجلد، ما لا يقدر عليه الرجل، فلا جرم أن تكون الأم أنفع له وأدرى بحاجاته.

وأما القول الثاني: فهو قولُ الشافعية والحنابلة، وهم يتفقُون مع سائر الفقهاء على أحقية الأم بالصغير في سن رضاعه، لكنهم يختلفون مع الحنفية والمالكية في أحقية الحضانة بعد سن الرضاعة، فقال الشافعية والحنابلة: “إن الصغير إذا بلغ سبع سنين كان له الخيار بين أبويه، فإن اختار أحدهما كان أحق به، ولو اختارهما الصغير معًا؛ أجريت بينهما القرعة؛ لأنه لا يمكن اجتماع الاثنين على كفالته، فإذا اختار أحدهما كان أحق به ولو اختارهما معًا أجريت القرعة.

ومن جهة أخرى فإنه لا مزيةَ لأحدهما على الآخر؛ فيختار من دون صاحبه، ولا مناص هنا لفض الخلاف والتنازع إلا بإجراء الاستهام، أي: القرعة، وكذلك لو لم يختر واحدًا منهما أُقْرِعَ بينهما، وذلك كي لا يترك الطفل وحده من غير حاضنٍ يرعاه، فيضيعَ أو يهلك.

واستدلوا -أي الحنابلة والشافعية- على ذلك بما أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: ((سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة)) واسم هذا البئر بذلك أن الولد قد شب وكبر واستطاع أن ينفعها، وأنها كانت ترعاه وتقوم بشئونه حتى وصل إلى هذه الحال، وكأنها تقدم بذلك مسوغات حتى يحكم لها النبي -عليه الصلاة والسلام- بأحقيتها بالولد ((قالت: وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال -عليه الصلاة والسلام- استهِمَا عليه، فقال زوجها: من يحاقُّنِي في ولَدِي، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ يد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به)).

وعن عمارة بن ربيعة قال: “خاصَمَتْ فيَّ أمي عمِّي إلى علي، قال علي: أمك أحبُّ إليكَ أم عمك؟ قلت: بل أمي ثلاث مرات، قال: وكانوا يستحبون الثلاثة في كلِّ شيء، فقال لي: أنت مع أمك، وأخوك هذا إذا بلغ ما بلغت خُيِّرَ كما خيرت، قال: وأنا غلام”.

وعن عبد الحميد الأنصاري عن أبيه عن جده: ((أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء ابن لهم صغير لم يبلغ، فأجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- الأبَ ها هنا، والأم ها هنا، ثم خيَّرَه، وقال: اللهم اهده، فذهب إلى أبيه)) هذا أخرجه النسائي وأحمد.

الحق التاسع “حق الطفل في العدل والمساواة”:
العدل به تقوم الحياة، وعلى أساسِهِ تتماسك الأُسَر، وقد يجمح هوى النفس عند بعض الآباء إلى تفضيل أحد الأبناء على غيره، أو تفضيل الذكور على الإناث، أو إيثار بعضهم ببعض الامتيازات المادية أو المعنوية، مما يسبب شقاقًا وعداوةً بين الإخوة، أو يسبب صراعًا، أو إفسادًا للابن المُدَلَّل، وكل هذا مما يأباه الإسلام، ويرفضه بكل شدة؛ لأن الإسلام دين المحبة والعدل والمساواة والإخاء، ودين الفطرة السوية، فهو يريد مجتمعًا متماسكًا لا تناحرَ فيه، ويريد نفوسًا مطمئنةً لا اختلاف بينها.

وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعلم الآباء والأمهات كيف يكون العدل بين الأبناء؟ فقال -صلى الله عليه وآله: ((اعْدِلُوا بين أولادكم في النِّحَل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف))، وقال: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، كما تحبون أن يبروكم))، وقال: ((إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم))، وقال: ((سووا بين أولادكم في العطية، فإني لو كنت مُؤْثِرًا أحدًا على أحدٍ، لآثرت النساء على الرجال)).

وقد نادى كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للرجل أن يفضل بعض أبنائه على بعض في العطية، وقد قال بعض السلف: “أليس يَسُرُّكَ أن يكونوا في البر واللطف سواء؟ قال: نعم، قال، فاعدل”، وعن عامر قال: ((سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن ابني من عمرة ابنة رواحة أعطيته، فأمرتْنِي أن أشهدك يا رسول الله، قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟، قال: لا، قال: فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته)) والحديث متفق عليه.

وفي رواية أخرى: قال: ((أليس يسرك أن يكونوا في البر واللطف سواء؟ قال: نعم، قال، فأشهد على هذا غيري))، وروى أنس: ((أن رجلًا كان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاء ابنٌ لَهُ فقبَّلَهُ، وأجلسه على فخذِهِ، وجاءت ابنةٌ له فأجلسها بين يديه، فقال -صلى الله عليه وآله: ألا سويت بينهما؟)) والحديث في (مجمع الزوائد)، رواه الجزار، وقال: حدثنا بعض أصحابنا ولم يسمِّهِ، وبقية رجاله ثقات.

والبنات لهن حقٌّ في العدل والمساواة، لا شك في ذلك، وقد اهتم الإسلام بجانبهن اهتمامًا خاصًّا، نظرًا لتلك المعاناة التي عانينَ منها في الجاهلية، وقد قال الله تعالى: ((وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)) (التكوير: 8، 9)، وحكى عن القوم حالهم إذا رزقوا البنات فقال: ((وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)) (النحل: 58، 59).

وهكذا؛ فإن الإسلام عُنِيَ بإزالة رواسبِ الجاهلية، ودعا إلى المساواة العادلة بين الرجل والمرأة، بين الذكر والأنثى، بين الابنِ والابنة، وقال -جل وعلا: ((اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) (المائدة: 8)، وجعل رزق الذكور أو الإناث خاضعًا لمشيئة الله تعالى: ((لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)) (الشورى: 49، 50).

كما جعل أساس الثواب الأخروي واحدًا للذكر والأنثى: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)) (آل عمران: 195)، إذًا للبنات حقٌّ لا يُتَجَاوز في المحبة والرحمة والعدل والمساواة.

الحق العاشر: “حق الطفل في الضمان الاجتماعي، وفي حسن تأديبه وتربيته”:
ويقصد بالضمانِ الاجتماعي للطفل: تلبية حاجاتِهِ الأساسية، وخاصةً الفقراء والمحتاجين،والعجَزَة، وهذا الضمان واجبٌ من واجبات الأفراد،و مؤسسات المجتمع، وواجب على الدولةِ على حدٍّ سواء، ويشمل هذا حضانة الأطفال الأيتام، بل واللقطاء أيضًا، وذوي الاحتياجاتِ الخاصة واللاجئين، والمحرومين، سواءً كان ذلك بصفةٍ مؤقتةٍ أو دائمة، والمقهورين والمبعدين.

ويبدأ حق الطفل في الانتفاع بهذا الضمان منذ ولادتِهِ، والضمان على هذا يُعَدُّ أصلًا من أصول الشريعة ونابعًا من عقيدتِهَا الإيمانية، على ذلك دلت عشرات الآيات القرآنية،والأحاديث النبوية، والوقائع العملية، ومنها قول الله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (التوبة: 71).

وفي الحديث: عن أبي موسى الأشعري:أن النبي -صلى الله عليه وآله- قال: ((المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا، وشبَّكَ بين أصابعه)) وقال: ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فَلْيَعُدْ به على من لا ظهرَ لَه، ومن كان له فضلُ زاد فليعد به على من لا زاد له))، وقال صلى الله عليه وآله: ((ما من مؤمنٍ إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) [الأحزاب: 6] أيما مؤمنٍ مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضَياعًا فليأتني فأنا مولاه))، والضِّيَاع هنا هم الأطفال.

وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- بينما كان يحرس قافلةً لبعض التجار الذين نزلوا المدينة ليلًا، إذا به يسمع بكاء طفل، فتوجه نحوه، وقال لأمه: اتَّقِي اللهَ وأحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانِهِ فسمع بكاءهُ، فعاد إلى أمه فقال: ويحك إني أراكِ أمَّ سوء مالي أرى ابنك لا يَقَرُّ منذ الليلة، قالت: يا عبد الله، قد أبرمتني منذ الليلة، أي: أضجرتني، إني أُريغه، أي: أرْغِمُه على الفطام” فيأبي، قال: ولما؟ قالت: لأن عمرَ لا يفرض إلا للفطيم، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا، قال: ويحك لا تعجليه، فصلى الفجر، وما يستبين الناسُ قراءته من غلبة البكاء، فلما سلَّمَ قال: بؤسًا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين؟ ثم أمر مناديًا فنادى لا تعجلوا صبيانكم على الفطام؛ فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق.

وعن زيدِ بن أسلم قال: قال أبي: قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأةٌ شابةٌ، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبيةً صغارًا، والله ما ينضجون كُرَاعَ، ولا لهم زرع، ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضبع، وأنا بنتُ خُفَاف بن إماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي -صلى الله عليه وآله- فوقَفَ معَهَا عمر ولم يمضِ، ثم قال: مرحبًا بنسبٍ قريبٍ، ثم انصرف إلى بعيرٍ كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا، وجعل بينهما نفقةً وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: اقتديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرتَ لَهَا، قال عمر: ثكلتك أمك، شهد أبوها الحديبية مع النبي -صلى الله عليه وسلم- والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه.

من مظاهر الضمان الاجتماعي للدولة نحو الأطفال “نظام الوقف: فمن الثابت تاريخيًّا أن من الأوقاف الخيرية، أوفاقٌ كثيرةٌ أوقفها علماء المسلمين، وأغنياءُ المسلمين، وأمراءُ المسلمين، ومن لطيفِ تلك الأوقاف، أوقاف صلاح الدين الأيوبي، جعل وقفًا لإمدادِ الأمهاتِ بالحليب اللازمِ لأطفالهنَّ، فجعل من أحدِ أبواب القلعة، أي: قلعة دمشق” ميزابًا يسيل منه الحليب، وميزابًا آخر يسيل منه الماء المُذَاب بالسكر، فتأتي الأمهات يومين كل أسبوع؛ فيأخُذْنَ لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

وذكر الرحالة المشهور ابن بطوطة: أنه شاهد في دمشق أوقافًا خيريةً، كان منها وقفُ ما يكسر من صحون الفخار وغيرها، لمتعلمِي الحرفة من الأحداث، والقصد منه جبر خاطر الطفل، ودفع العقابِ عنه، وتعويض الصانع عما كُسِرَ له، هذا كله من ضمان الدولة للأطفال، ومن مشاركة نظام الوقف في رعايةِ هؤلاء الصغار.

واليتيم أضعف هؤلاء الأطفال؛ ولذا اهتمت الشريعة به اهتمامًا خاصًّا، حتى لا يجتمع عليه شقاءُ اليتم، وشقاء القسوة، كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يكثرُ الحديث عن الأيتام، وعن حقوقهم، ويذكر من ثوابِ من يكفلُ الأيتام شيئًا عظيمًا، فقال: ((كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو، هاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى))، وقال: ((أنا وكافل اليتيم لَهُ أو لغيرِه إذا اتقى الله في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه المسبحة والوسطى))، وقال: ((من قبض يتيمًا من بين مسلمين إلى طعامِهِ وشرابِهِ، أدخله الله الجنة، إلا أن يعمل عملًا لا يغفر له)).

وقال: ((من آوى يتيمًا أو يتيمين، ثم صبر واحتسب، كنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين، وحرَّكَ إصبعيه السبابةَ والوسطى))، وقال -صلى الله عليه وسلم: ((من مَسَحَ رأس يتيم لا يمسحه إلا لله؛ فإن له لكل شعرةٍ مَرَّت على يده حسنة، أو مرت عليهَا يده حسنة، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده؛ كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين إصبعيه)) وقال -عليه الصلاة والسلام: ((أنا خصيمُ يوم القيامة عن اليتيم والمُعَاهَد، ومن أخاصمه أخْصِمُه)).

وأمر -عليه الصلاة والسلام- وليَّ اليتيم أن يتَّجِرَ في ماله، وألَّا يتركَ المال تأكله الزكاة، فقال: ((من وليَ لليتيم مالًا فليتَّجِر فيه، ولا يدعه حتى تأكله الصدقة)) وعن عمر -رضي الله عنه- قال: “رحم الله امرء اتَّجَر على يتيم” ورأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ينتهزُ كل فرصة لبيان مكانةِ من يرعى الأيتام، ويحققُ لهم الضمانَ الاجتماعي، حتى يغنيهم الله من فضله، وجعل يَعْدِلُ ذلك بالجهاد في سبيل الله.

فقد أخرج أحمد في (مسنده) عن مالك بن عمرو القشيري، وقال الهيثمي في (المجمع) إسناده حسن: ((من أعتق رقبةً مسلمةً فهي فداؤه من النار بكل عظمٍ من عظامِ مُحَرَّرِهِ، بعظمٍ من عظامِهِ، ومن أدرك أحدَ والديه فلم يُغْفَر له، فأبعده الله، ومن ضمَّ يتيمًا من بين أبوين مسلمين إلى طعامِهِ وشرابِهِ حتى يغنيه الله، وجبت له الجنة)) وقال في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه، عن ابن عباس -رضي الله عنهما: ((من عَالَ ثلاثة من الأيتام، كان كمن قام ليله، وصام نهاره، وغدى وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو في الجنة أخوين، كهاتين أختان)).

وقال أيضًا فيما أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس)، عن أنسٍ -رضي الله عنه: ((ثلاثةٌ في ظلِّ العرش يومَ القيامةِ، يوم لَا ظِلَّ إلا ظله، واصلُ الرحم يزيد الله في زرقِهِ، ويَمُدُّ في أجلِهِ، وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتامًا صغارًا، فقالت: لا أتزوج، أُقِيمُ على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبدٌ صنع طعامًا؛ فأضاف ضيفه، وأحسن نفقته، فدعا عليه اليتيم والمسكين، فأطعمهم لوجه الله تعالى)).

الحق الحادي عشر: “حق الطفل في حسن تأديبه وتربيته”:
لقد حض الإسلام على الاهتمام بتربية الأطفال، وتنشئتهم التنشئة الصحيحة والسليمة، فقال جل من قائل عليما: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)) (التحريم: 6)، وقد سأل عمر -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وآله- لَمَا نزلت هذه الآية، فقال: ((يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال -عليه الصلاة والسلام: تنهونهم على ما نهاكم الله، وتأمرونَهُم بما أمرَ الله))، ولذا قال العلماء: حقٌّ على الإنسان في نفسه وولدِهِ وأهلِهِ، فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغْنَى عنه من الأدَب.

وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله- يدعو إلى تأديب الأولاد فيقول -صلى الله عليه وآله: ((أكرموا أولادكم، وأَحْسِنُوا أَدَبَهُم)) أخرجه بن ماجة في الأدب، وقد وجَّهَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وآله وسلم- الخطاب للآباءِ، وشدَّدَ عليهم في تأديب الأولاد؛ لِمَا للآباءِ من تأثير بالغ في سلوك النشئ وفي عقيدتهم وشخصيتهم، كما قال الصادق المعصوم: ((كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانِهِ أو ينصرانِهِ أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة، بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)).

ولما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حق الولد على والده، قال: ((أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه)) أخرجه البيهقي عن عائشة. وصورُ تهذيب سلوكيات الطفل كثيرة، ولا شك أن العادات والمفاهيم التي ينشأ عليهَا الإنسان، ويكتسبها منذ صغره من أهلِهِ ووالديه، لها أثر كبير في رسم سلوكه، وتكوين شخصيته عندما يكبر، وكانت عناية الإسلام في توجيهِ الأطفال عناية عظيمة، وفي ذلك يقول علي -رضي الله عنه: “إنما قلب الحَدَثِ كالأرض الخالية، ما أُلْقِيَ فيها من شيء قبلته”.

وهذا الغزالي -رحمه الله- يقول: “والصبي أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة لديه، وهي ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمَالُ بِه، فإن عُود الخير وعُلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه، وكل معلمٍ له ومؤدب، وإن عُودَ الشر، وأهملَ إهمال البهائم شَقِي وهلك، وكان الوزر في رقبة القَيِّمِ عليه والوالي له”، وهكذا نرى تأكيدَ علماء المسلمين على أن كل مولودٍ يولد وَلَدَيْهِ استعدادٌ كبير لقبول ما يقدمه له والداه من التوجيه والتربية، ولديه استعدادٌ لاكتسابِ السلوك والعاداتِ الحسنةِ والسيئة، والاعتيادِ عليها حتَّى في الكِبَر.

ولذا قال الشاعر: ويـنـشـأ نـاشـئ الـفـتـيـانِ مِـَّنــا عَلَى مَا كَـــانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
ولا شك أن تأديب الأولاد في الصغر هو هو الوقت المناسب لاكتساب الآداب، وتحسين الأخلاق، كما قال القائل: قد ينفع الأدب الأولاد في صغرٍ وليس ينفع عند الكبر الأدبُ إن الغصونَ إذا قومتها اعتدلت ولا يلين ولو لينته الخشب

وقد رأينا النبي -صلى الله عليه وسلم يُولِي الصغارَ عنايتَه، فيعلمهم وينبههم، وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: ((أخذ الحسن -رضي الله عنه- تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فِيهِ، فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: كِخ كخ، ليطرحَهَا، أمَا علمت أنا لا نأكل الصدقة)).

ومن صور التوجيه للصغار تهذيبًا لسلوكياتهم، ما جاء عن سهل بن عبد الله التستري -رضي الله عنه- قال: “كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل، فأنظر إلى صلاةِ خالي محمد بن سوار، فقا لي يومًا: ألا تذكر الله الذي خلقك؟، فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابِك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إلي، الله شاهدِي، فقلت ذلك ليلي، ثم أعلمته، فقال: قُلْ في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلت، قال: فوقع في قلبي حلاوتُهُ، فلما كان بعد سنة، قال لي خالي: احفظ ما عَلَّمْتُكَ، ودُمْ عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، قال: فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوةً في سري، ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان الله معه، وناظرًا إليه، وشاهدًا، أيعصيه؟ إياك والمعصية.

إن تربية الطفل والعناية به -كما قلنا- تأتي منذ أن يخرج الطفل إلى هذه الحياة، وتبدأ الخطوة الأولى من التربية منذ الولادة، وذلك يشمل الآذان في أذن المولود، فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ((أنه أذَّنَ في أذن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- حين ولدته فاطمة -رضي الله تعالى عنها))، والحديث أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وحسنه الشيخ الألباني -رحمه الله.

وقد ذكر ابن القيم فوائد ذلك فقال: “وسرُّ التأذين -والله أعلم- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل الإسلامَ بها، فكان ذلك كالتلقِينِ له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يُلَقَّنَ كلمات التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكرٍ وصولُ أثرُ التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الآذان.

وقد كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول الأوقات التي يتعلق فيها به، وفيه معنى آخر: وهو أن تكون دعوتُهُ إلى الله، وإلى دينه الإسلام، وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقةً على تغيير الشيطان لها، ونقله عنها، ولغير ذلك من الحِكَم.

والأمر الثاني من الأمور التي يربى بها الولد: الدعاء في الولادة، فقد أخرج البخاري بسنده عن معاوية بن قرة يقول: “لَمَّا وُلِدَ إياس دعوتُ نفرًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطعمتُهُم فدعوا، فقلت: إنكن قد دعوتم فبارك الله لكم فيما دعوتم، وإني أن أدعو بدعاء فأَمِّنوا، قال: فدعوتُ له بدعاءٍ كثيرٍ في دينهِ وعقلِهِ، وكذا قال: فإني لأتعرف فيه دعاء يومئذ.

وثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤتى بالصبيان؛ فيدعو لهم بالبركة، ويحنِّكَهُم))، وقد علمنا -صلى الله عليه وسلم- كيف ندعو للأولاد، فقد صح عنه: أنه كان يعوذ الحسن والحسين -رضي الله عنهما- فيقول: ((أعيذكما بكلماتِ الله التامة، من كل شيطانٍ وهامة، ومن كل عين لامة، ويقول: هكذا كان أبي إبراهيم -عليه السلام- يعوذ إسماعيل وإسحاق -عليهم السلام)) أخرجه البخاري.

الأمر الثالث “التحنيك”، فقد أخرج مسلم بسندِهِ عن أنسٍ، قال: ((مات ابن لأبي طلحة من أمِّ سُلَيم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء، فقرَّبَتْ إليه عشاءً فَأَكَل وشَرِبَ، فقالت: ثم تصنعْتُ له أحين ما كان تصنع قبل ذلك، فوقَعَ بِهَا، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتَهُم أهلَ بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلخطت، ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وآله- فأخبرَهُ بما كان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بارك الله لكما في غابر ليلتكُمَا، قال: فحملت. قال: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ وهي معه، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى المدينةَ من سفر لا يَطْرُقُها طُروقًا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب، إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احْتُبِسْتُ بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد ما كنت أجد انطلق، فانطلقْنَا، قال: وضربَهَا المخاض حين قدمَا، فولدت غلامًا، فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحدٌ حتى تغدو بِهِ على رسول الله -صلى الله عليه وآله ومن والاه- فلما أصبح احتملْتُهُ فانطلقتُ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني قال: لعل أم سليم ولدت؟ قلت: نعم، فوضع الميسم، قال: وجئت به فوضعته في حجرِهِ، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعجوةٍ من عجوةِ المدينة، فَلَاكَهَا في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في فيّ الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى حُبِّ الأنصار التمر، قال: فمسح وجهه، وسماه عبد الله)) والحديث في (صحيح مسلم).

ومن هذا الأدب وهذه التربية التي تكون في الصغر: التسمية، واختيار الاسم الحسن: وقد مر شيء من الحديث عن ذلك، وأيضًا الختان، وقد صحَّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((الفطرةُ خمس؛ الختان والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب))، والختان واجب في حق الذكور، ولا يجب في حق الإناث.

وقد ذهب الشافعي -رحمه الله- إلى وجوب ختان الإناث أيضًا، والأفضل التبكير في ختان الصبي؛ لما فيه من الاستجابة لهذا الأمر الواجب، ولما فيه من المصلحة الصحية والنفسية له، فإن مَضَى شيءٌ من عمره؛ فإنه لا ينبغي أن يتأخر ختانه، وقد اختتن إبراهيم -عليه السلام- وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم.

ومن هذه الآداب العقيقة، وحلق رأس المولود، فالسنة ثابتة بالعقيقة عن المولود من الذكر والأنثى: ((واذبحوا للغلامِ شاتين، وللبنت شاة))، وصحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مع الغلام عقيقة، فأريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى))، وثبت أيضًا: ((كل غلامٍ رهينةٌ بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعِه، ويسمى فيها، ويحلق رأسه)).

ثم يأتي حقُّ الأولاد في التربية والتعليم، والتفقيه، والتأديب، والتثقيف، فهذه واجبات اجتماعية أمر الإسلام بها، وكثيرةٌ هي النصوص التي حضَّتْ على القيام بتلك الواجبات، وفي الكتاب العزيز: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)) (الإسراء: 23، 24).

وفي الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس، وقال: ألا وقولَ الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلتُ لا يسكت)).

وفي الحديث أيضًا: ((عُفُّوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، بروا آباءكم تبركم أبناؤكم))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من الكبائر شتمُ الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه؛ فيسب أمه))، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن أبي اجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكُم؛ فكلوا من أموالهم)).

ومن الموازنة بين الحقوق والواجبات أن يربى الصغير على الرحمة من الكبار، فيعرف معانيَ الاحترام للكبير، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((ليس منا من لم يرحم صغيرَنَا، ويعرف شرفَ أو حقَّ كبيرنا))، ويجب أن يربى الصغير على البر والود، فيعرف معنى بر الوالدين، عندما يشب عن الطوق، فعن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((أعينُوا أولادَكُم على البر، فمن شاء استخْرَجَ العقوقَ من ولده))، وفي الحديث الآخر: ((رَحِمَ اللهُ والدًا أعَانَ ولده على بِرِّهِ)) أخرجه بن أبي شيبة في (المصنف) وهو حديث مرسل.

هذه بعض المبادئ التي أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن يُنشئ الآباء أبناءهم عليها، ولا شك أن هنا سلوكيات متعددة، وأخلاق متنوعة لابد منها حتى يخرج الطفل متأدبًا بأدب الإسلام، وقد نبَّهَ النبي -صلى الله عليه وسلم- الآباء إلى أهميةِ القدوة، وأمرهم بأن يظهَرُوا بمظهر الصدق ليكونوا قدوة لأبنائهم، فهذه امرأة قالت لابنها: ((يا عبد الله تعالى حتى أعطيك، فقال -عليه الصلاة والسلام: ما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيَهُ تمرة، فقال: أما إنك لو لم تعطِهِ شيئًا كتبت عليكي كذبة، وقال: إن الكذب لا يصلح منه جِدٌّ ولا هزل، ولا أن يعد الرجل ابنه، ثم لا ينجز له، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق صدق وبَرَّ، وللكاذب كذب وفجَرَ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)).
ومن هنا جاء تقريع الشاعر لمن يخالف في قوله وفي فعله، فقال:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
كان نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- ترجمانًا حيًّا لفضائل القرآن، وصورة مشرقةً لتوجيهاتِهِ الخالدة، وهو الذي قال عن نفسه الشريفة ((أدَّبَني ربي فأحسن تأديبي))، فهو الأسوة الحسنة، وهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة.
ومن حسن تأديب الطفل أمره بالعبادات، وتلقينه أحكام الحلال، والحرام، فعن ابن عباس -رضي الله عنه -أنه قال: “اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومُروا أولادكم بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فذلك وقايةٌ لهم ولكم من النار”، وهكذا حين يتفهم الولد منذ نعومة أظفاره أحكام الشريعة، يكون قد حصَّل حقَّه من حسن التأديب، و لا يعرف في شبابه سوى الإسلام شريعة ومنهاج حياة.

الحق الثاني عشر: حق الطفل في معرفته لدينه:
لا شك أن معرفة أصول هذا الدين، ومعرفة آدابه هي الركيزة الأولى واللبنة العظمى في بناءِ شخصيةِ الطفل في عمرِهِ بأسْرِه، وهي حق أصيل للطفل في الإسلام، لا يجوز لولي أمره سواء أكان أبًا أو كان عمًّا أو كان غير ذلك أن يفرط في هذا الباب، بل إن الوالد مأمورٌ بأن يَقِيَ ابنه مفاسدَ هذه الفتن التي تدور من حوله؛ بأن يعلمه دينه، وأن يربيه على الأدب الكامل.

يعاقب الوالد على التفريط في تعليم ولده أصولَ دينه، وتربيته على التنشئة الصحيحة، أصولُ الدين كثيرة متشعبة لكن يجب وجوبًا عينيًا على الوالد أن يعلم ابنه لا إله إلا الله وقد روي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: ((إذا أفصحَ أولادُكُم؛ فَعَلِّمُوهُم لا إله إلا الله)).

وقد ثبت في (صحيح الترمذي): ((أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يُؤَذِّنُ في أذن المولود اليمنى، وكان يقيم في اليسرى)) ليسمع الولد أول ما يسمع لا إله إلا الله، ليسمع شهادة التوحيد ليسمع تكبير الله -عز وجل- وتهليله، فيكون هذا أول ما يقرعُ سمعه، ويثبت في قلبِهِ.

وعن محمد بن الأسود: أن أباه حَدَّثَهُ، فقال: رأيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يبايع الناس يوم الفتح، فجاء الرجالُ والنساءُ، والصغارُ والكبارُ فبايعوه على الإسلام والشهادة، قال عبد الله بن عثمان: قلتُ: وما الشهادة؟ قال: فأخبرني محمد بن الأسود، قال: الشهادة كذا، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

ومن أصول الدين الصلاة والصيام والحج والزكاة: وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام: ((مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ، وهم أبناءُ سبع سنين واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر، وفَرِّقُوا بينهم في المضاجِعِ، وإذا زَوَّجَ أحدكُم خادمه، أو عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دُونِ السرة، وفوق الركبة)) هذا أخرجه أبو داود.

وعنه أيضًا -صلى الله عليه وآله- أنه قال: ((إذا عَرفَ الغلامُ يمنيه من شمَالِه؛ فمرُوهُ بالصلاة)) ومن أصول الدين الحج، وعن ابن عباس، قال: ((رفعت امرأة صبيًّا لها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر)) وهذا عند مسلم، وغيره.

ومن أصول الدين أيضًا برُّ الوالدين فعن عبد الله بن مسعود، قال: سئلت رسول الله -صلى الله عليه وآله- أي: العمل أفضل، قال: ((الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ الجهاد في سبيل الله)) متفق عليه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((جَاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، مَن أحَقُّ الناسِ بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أبوك)).

ومن أصول الدين أن يتعلم الولد حب ربه -تبارك وتعالى- وحب نبيه -صلى الله عليه وآله وآل بيته- كذا يجب على ولي أمره أن يعلمه حب كتاب الله -عز وجل- وحب سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وقد روي أدبوا على ثلاث خصال: “حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه.

ولا شك أن الحديث عن أصول الدين التي يجب أن يتعلمها الغلام من أبويه حديث قد يطول لكن في كتاب الله -تبارك وتعالى- آيات عظيمات مباركات تضع هذا الدستور الشامل في تعليم الغلام أصول الدين وآدابه ولنقرأ قول الله -تبارك وتعالى: ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) (لقمان: 13).

وهذا يدل دلالةً واضحةً على أهمية تعليم الغلام توحيد الله -تبارك وتعالى- ثم يثنِّي فيقول: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)) (لقمان: 14 – 17).

فهذه الآيات الكريمات كما عُنِيَت بتوحيد رب الأرض والسماوات، عنيت أيضًا بتوصية الإنسان بوالديه، والتنبيه على أن هذا الفضل العظيم، والأجرَ الكريم الذي يرتِّبُهُ الله -تبارك وتعالى- على بِرِّ الوالدين قد قُرِنَ بذلك الفضل، والأجر الذي يعطاه الإنسان على توحيد الله -تبارك وتعالى- كما جاء التنبيه أنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، ثم أقام في نفس الغلام فرقانًا، وأقام في نفس الغلام إيمانًا وثيقًا عميقًا بالغيب ذلك أن الله -تبارك وتعالى- عالم الغيب، وهو -جل في علاه- يريد من الغلام وهو يتربى على مائدةِ القرآنِ أن يعلم أنه مَهْمَا يَكُن في السماواتِ أو في الأرض من مثقالِ حبة من خردل؛ فإن الله -تبارك وتعالى- قادر على أن يأتي بها إن الله لطيف خبير.

ثم جاءت الوصيةُ بإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على مصائبِ الله -تبارك وتعالى- التي تصيب الإنسان؛ فالمصائبُ القدرية التي تأتي الإنسان من عند الله -تبارك وتعالى- يجب الصبرُ عليها، والاحتساب فيها ثم جاء التعليق النهائي: ((إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)).

إن جميع ما ذُكِرَ من الوصيةِ بالتوحيد، وبرِّ الوالدين، ومن الوصية بإقَامِ الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، والأمر والنهي كل ذلك من عزم الأمور.

ولقد رأينا -عليه الصلاة والسلام- يُعَلِّمُ بعضَ الغلمان؛ فيوجز في العبارة وينبه إلى ما فيها من عمقِ الإشارة، فهذا عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يومًا فقال: ((يا غلام؛ إني أعلمُكَ كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفت الصحف)).

الحق الثالث عشر حق الطفل في رعايته اجتماعيًّا:
وقد رأينا رعايةً دينيةً، وأخرى تربوية، ورأينا حرصًا على نمو هذا الطفل بدنيًّا وعقليًّا، والإسلام لم يترك الجوانب الاجتماعية من غير تهذيبٍ، ولا تعديل سلوك؛ فالإسلام يأمر بتعويد الطفل اجتناب المحرمات، وسائر السلوكيات والعادات السيئة والضارة، كما ينهاه عن قرناءِ السوء، ويوجهه إلى استعمالِ الرياضة المفيدة، وينبهه إلى أهميةِ القراءة النافعة، ويدعو الوالدين إلى أن يكونا قدوةً عمليةً لأبنائهما، فلا يصلح بحالٍ أن ينادي الوالدان بأمورٍ لا يمتثلاناها؛ فإن ذلك مدعاة لأن يكون الطفل أبعدَ الناس عن امتثالها.

وينبه الإسلام إلى أهميةِ التدرج في منح الغلام هامشًا من الحرية؛ وفقًا لسنِّهِ وحالِهِ، كل هذا يعمِّقُ شعورَهُ بالمسئولية، ويمهد لتحمله هذه التبعة عند بلوغِهِ سِنَّ التكليف.

ونجد أيضًا أن للشباب عناية ورعاية في الإسلام، تبدأ من سِنِّ المراهقة، السن الذي تستثار فيه الغرائز، ويقع فيه الانفعال العاطفي فيحتاج الغلام والشاب توعيةً خاصةً في هذا الباب، فيأتي دور التعليم والتربية الاجتماعية، وفي كل الأحوال؛ فإنه يجب أن يستعمل الأسلوب الأمثل في التعبير، والطريقة الأكثر ملائمة لكل مرحلة عمرية من مراحل الطفل، سواء كانت هذه المرحلة مرحلة ينمو فيها العقل، أم تنمو فيها الأبدان.

ويتعين أن يتعلم الطفلُ هذه المعلومات التي تقِيهِ من الانحراف الجنسي -والعياذ بالله- وهذه المعلومات يجب أن تكون مدرجةً في المواد الدينية، كما هي مدرجة في المواد العلمية والطبيعية.

ولابد أن يقترن بذلك شيء من تعميقِ الآداب السلوكيةِ المتصلةِ بهذه الناحية، كتعليمه غض البصر، وترك مصافحة الأجنبية، وترك الخلوة بالأجنبية، وترك سفر المرأةِ بغير محرم، وترك الخلطة المحرمة؛ ولهذا رأينا تعاليم الدين تَقِي المراهقين من ممارسات تشجِّعُ على الانحراف، فتبدأ بتفريقٍ بينهم في المضاجع، وهم أبناءُ عشرِ سنين، وتنهى عن إثارةِ الغرائز التي تخالف الدين، وتمنع اختلاط البنين والبنات في المدارس الإعدادية والثانوية والنوادي الرياضية، وتمنع من اختلاط الرجال بالنساء في تلك الأماكن التي قد يقع فيها شيء من التجاوز أو الاختلاط. بل وتقرر الشريعة عقوبات رادعةً لمن يعبث بهذه الثوابت والمحكمات.

وإذا كان الطفل يراعى بدنيًّا وعقليًّا؛ فإن الشريعة رتبت هذا بشيءٍ من الوضوح على الوالد والوالدة؛ فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- روي عنه أنه قال: ((حقُّ الولد على الوالد أن يعلمه الكتاب، والرمي والسباحة، وأن يورثه طيبًا)) وقد قال خالد بن الوليد: “أُمِرْنَا أن نعلم أولادنا الرمي، والقرآن، وللولد على أبيه حق التزويج”.

كما روي عنه -صلى الله عليه وآله: ((حق الولد على والده أن يحسن اسمه، ويزوجه إذا أدرك، ويعلِّمَهُ الكتاب)) والأمر يتعدَّى إلى اختيار الصديق الصالح، فقد بينت السنة أهمية الأصدقاء في التأثيرِ على الفكر والعقل والوجدان، والتصرفات؛ فروي عنه -صلى الله عليه وآله: ((المرءُ على دينِ خليلهِ؛ فلينظر أحدكُم من يخالل)) وقد أخرجه الترمذي، وأبو داود وأحمد.

ولا شك أن تأديب الولد وملاحقته بالتربية والتهيئة الاجتماعية منذ الصغر وذلك بتهيئةِ البيئة الصالحة له، هو الذي يعطي هذه النتائج الطيبة والثمرات اليانعة، بينما التأديب في الكِبَر فيه من المشقة ما فيه، علاوة على أنه لا يؤثِّرُ ذلك التأثير الراسخ الذي ينطبِعُ في النفس والوجدان ولقد شجَّع النبي -صلى الله عليه وسلم- الوالدين على تعليمِ أولادهم كتاب الله -تبارك وتعالى- وتحفيظه، وجعل لهم على ذلك الثوابَ العظيم والفضل الجزيل. وفي الحديث: ((من قرأ القرآنَ وعَمِلَ بِمَا فِيهِ؛ ألبس اللهُ والديه تاجًا يومَ القيامةِ ضوءُه أحسنُ من ضوءِ القمر)) أخرجه أبو داود وأحمد في (مسنده).

وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه أهدى معلمَ ولدِهِ حماد لَمَّا حفظه الفاتحة مائة درهم، وكان الكبش يُشْتَرَى بدرهم؛ فلما استكثر المعلم ما قدمه أبو حنيفة له؛ قال له الإمام: لا تستحقر ما علمت ولدي؛ فلو كان معنا أكثر من ذلك لدفعناه إليك؛ تعظيمًا للقرآن.

فيجب أن يسعى الوالدان إلى تعليم الولد القرآن منذ سنوات عمره الأولى؛ فإذا تهيئ الصبي للتلقين، ووعى سمعه؛ ينبغي أن يأخذ في تعليم القرآن وحفظه، كما قال بعض أهل العلم.

وقد وَرَدَ أن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى ورضي عنه- حفظ كتاب الله تعالى في السابعةِ من عمره، وحفظه سهلُ بن عبد الله التستري -رضي الله عنه- وهو ابن ست سنين، وكان الحسن البصري -رحمه الله- يقول: “قدموا إلينا أحدثاكم؛ فإنهم أفَرغُ قلوبًا، وأحفظُ لِمَا سمعوا” ولذا فإن على الوالدينِ أن يحرصوا كل الحرص على استغلال ملكةِ سرعةِ الحفظ، والتلقي عند الأطفال في أول أعمارِهِم، وأن يملئوا ذلك بالمفيد من حفظ كتاب الله تعالى؛ بدلًا من أن يملأ هذا بما لا يحل من الأغاني المحرمة، والإعلانات التافهة التي لا فائدة من ورائها لا في دنيا ولا في أخرى.

ويتفرع عن حفظ كتاب الله، حفظ سنة وسيرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- بل وتنبغي العنايةُ أيضًا بمعرفةِ سيرِ الصحابةِ الكرام والقادة العظام في أمة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليتربَّى الولدُ على القدوة الصالحة التي يتأسى بها، وينتفع بخبرها.

والدولة أيضًا مدعوة لأن تقوم بواجبِهَا في تهيئة الأطفال اجتماعيًّا وتنشئتهم تنشئة صالحة، ولقد رأينا في منهج عمر -رضي الله تعالى عنه- أن الدولة اهتمت في صدر الإسلام بتنمية الملكاتِ الفكرية للشباب، وتعليمهم آداب المجتمعات، وفي الحديث التالي سوف نرى كيف دعا عمر -رضي الله تعالى عنه- غلامًا صغير السن، وهو ابن عباس -رضي الله عنهما- ليجلسَ مع الصحابة، ليتناقشوا في قضايا الأمة؛ ذلك لما علمه من علم ابن عباس وتأهله.

فعن ابن عباس قال: كان عمر يدعوني مع أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ويقول: لا تتكلم حتى يتكلموا، فدعاهم فسألهم، فقال: أفرأيتم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ليلة القدر: ((التمسوها في العشر الأواخر)) أي ليلةٍ ترونها؟ فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال بعضهم: ليلة خمس، وقال بعضهم: ليلة سبعٍ، فقال: وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقلت: إنك أمرتني ألا أتكلم حتى يتكلموا، فقال: ما أرسلتُ إليك إلا لتتكلم، فقلت: إني سمعت اللهَ يذكر السبع، فذكر سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن، والأيام سبع، والطواف سبع، والجمار سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، وخلق الإنسان من سبع، ونبت الأرض سبع، ونقع في السجود من أعضائنا على سبع، وأعطي من المثاني سبع، ونهي في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع.

وقسَّم الميراث في كتابه على سبع، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، فقال عمر: ما قولك نبت الأرض سبع؟ قلت: قول الله: ((ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)) (عبس: 26 – 31) فتعجَّبَ عمرُ، فقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستوِ شئونُ رأسهِ، والله إني لأرى القول كما قلت.

وهذا يدل على أن عمر -رضي الله عنه- كان يعلمه ألا يتكلم قبل الكِبَار ثم يطلب منه الإدلاء بالرأي، وكان يشجعه على ذلك، ويحفزه على مواصلةِ طلب العلم، وزيادة الثقة بالنفس.

والطفل يتحمل هذه المسئوليةَ الاجتماعيةَ بالتربية عليها، وبالتعويد عليها، ولقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يربط ذلك بالتكليف فيقول: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقِل)) ورأينا القرآن الكريم ينبِّهُ إلى هذا المعنى -معنى تحمل المسئولية- عند بلوغ الأطفال سِنَّ التكليف لقوله تعالى: ((وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) (النور: 59).

وأستندَ الفقهَاءُ والأصوليون إلى هذه النصوص في تقريرِ قاعدةٍ أصوليةٍ: هي أن شرط التكليفِ أن يكون المُكَلَّفُ عاقلًا فاهمًا للتكليف؛ لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم له محال، والصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز إلا أنه غيرُ فاهمٍ على الكمَالِ، مما يفوت معه شرط التكليف؛ فإن كان الصغيرُ مقاربًا للبلوغ فإنه وأن كان فاهما إلا أنه لما كان عقْلُهُ وفهمه أمر خفي، وغير متحقق وظهوره فيه إنما يكون على التدريج، وليس لهذا الفهم، ولا لكمال العقل ضابط به يعرف؛ فقد جعل له الشارع الحكيم ضابطًا ألا وهو البلوغ؛ فجعل الطفل غير مسئول حتى يبلغ فإذا بلغ؛ فقد جرى عليه القلم.

– الحق الرابع عشر حق الطفل في الحفاظ على أمواله، وحقُّ الطفلِ في الرحمَةِ:

لقد حددت الشريعة الإسلامية كيف تكون أهلية الأداء؟ أي: أهلية الطفل للتصرف في حقوقِهِ وأموالِهِ، فجعلت مناطَهَا التمييزَ العقلي بالقدرَةِ على معرفةِ النافعِ من الضارِّ، ويتدرج هذا التمييزُ العقلي حسب المراحل العمرية ويتأثر بالسِنِّ، وبعوارض الأهلية التي تعَرَّض له.

فمن عوارض الأهلية ما قد يعدمها بالكلية، أو ما قد ينقصها، واستمد فقهاء الشريعة أحكام أهلية الأداء والولاية على المال من قول الله تعالى: ((وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)) (النساء: 5) ومن قوله -تبارك وتعالى: ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) (النساء: 6) ومن قوله أيضًا: ((فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)) (البقرة: 282).

وقد اشتملتِ الآياتُ على ثلاثةِ أنواعٍ من الناس، السفيه، والضعيف والعاجز عن الإملاء؛ فالسَّفِيهِ، وإن كان كبيرَ السِنِّ إلا أنه ضعيفُ العقلِ والرأي؛ فلا يُحْسِنُ الأخذَ والعطاء، ولا يحسن البيع والشراء والسفيه قد يكون جاهلًا أخرقًا لظهور تبذيره، وقلة تدبيره في شأن المال. وأما الضعيف: فهو الصغير الذي لم يصلْ حَدَّ البلوغ؛ فقد رُفِعَ عنه التكليف لعدمِ اكتمالِ عقلِهِ، والعاجزُ عن الإملاء: هذا إما لنقص في فطرتِهِ كأن يكون عييًّا أو أخرس أو جاهلًا بدلالات التعبير.

ورأينا الفقهاء ينظرون إلى هذه السن -سِنَّ التمييز- وما به اكتمَالِ التكليف وهو سن البلوغ وأعتبر الفقهاء سن التبليغ يبدأ من سبع سنين مأتنسين في ذلك بقول المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم: ((مُرُوا صبيانَكُم بِالصَّلاةِ إذَا بلغُوا سَبْعًا)).

ومن حقِّ ناقص الأهلية أو فاقدها أن تكلف له الدولة رعايةً شخصيةً ورعاية مادية ومعنوية، وقد وجدنَا الشريعةَ تنظم أحكامَ الولايةِ على النفس، وعلى المال، ورأينا أيضًا أن الشريعة تأمر الأولياءَ بتدريبِ من تحت أيديهم، ومن في ولايتهم، ومن تحتِ وَصايَتِهِم على إدارةِ بعض أموالهم؛ فإن أحسنوا إدارة هذا البعض دفعت إليهم أموالهم جميعًا قال الله تعالى: ((وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)) (الأنعام: 152).

وأمر عند بلوغِهِ الأشدَّ أن يبتلى، وأن يختبر: ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) وقال -أي النبي -صلى الله عليه وآله: ((من ولِيَ يتيمًا لَهُ مالٌ، فليتَّجِر فيه، ولا يتركَهُ حتى تأكلَهُ الصدقة)) أخرجه الترمذي.

وقال عمر -رضي الله عنه: “اتَّجِرُوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة”، وهذا أخرجه مالك في (موطئه) وعبد الرزاق في (مصنفه).

والحق الخامس عشر هو حق الطفل في الرحمة:
للطفل الحق في أن يلقى  من والديه ومن غيرهما المعاملة الحانية العادلة التي تحقق مصلحته وتلك الرحمة هي التي بعث بها نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذه الرحمة تفتقدها البشرية اليوم والأحاديث الشريفة تملأ قلوبَ المؤمنينَ بالرحمةِ، وتدعُوهُم بصفَةٍ خاصةٍ لإظهارِ الحنان والعطف، والرعاية للأطفال، فعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((مَن لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يرحمُهُ اللهُ)) هذا لفظُ مسلم، وخَصَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الصغار بالرحمةِ؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَن لَمْ يرحم صغيرَنَا، وَيُوَقِّر كَبِيرَنَا)) وهذا عند الترمذي وغيره.

وَبَيَّنَ النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- كيف أن الرحمة التي وضعهَا اللهُ في الأرضِ تُشْفِقُ بها الوالدةُ على ولدِهَا، بل والوحوش والطيور على أفراخها؛ ففي (صحيح مسلم): أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إنَّ الله تعالى خلقَ يومَ خلقَ السماوات والأرض مائةَ رحمة، كل رحمةٍ طباق ما بينِ السماءِ والأرضِ، وجَعَلَ مِنهَا فِي الأرضِ رحمةً، فَبِهَا تعطفُ الوالدةُ على ولدِهَا، والوحش والطير بعضها على بعض، وأَخَّرَ تسعًا وتسعين؛ فإذا كان يومُ القيامةِ أكْمَلَهَا بهذِه الرحمة)).

وفي الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أوتي بسبي فإذا امرأةٌ من السبي تسعى إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته؛ فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبي -صلى الله عليه وآله: ((أترونَ هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا، وهي تقدِرُ على ألا تطرحه، فقال: الله أرحمُ بعبادِهِ من هذهِ بولَدِهَا)) متفق عليه.

والنبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- يحكي: ((امرأةً أتاها سائلٌ، وفي فمها لقمة، فأخرجت اللقمةَ فناولَتْهَا السائلَ، فلم تلبث أن رُزِقَتْ غلامًا فلما ترعرع جاء ذئبٌ فاحتمله، فخرجت تَعْدُو في أثرِ الذئب، وهي تقول: ابني ابني، فأمر اللهُ ملكًا الْحَقِ الذئبَ؛ فَخُذِ الصبيَّ من فِيهِ، وقال: قُل لأمِّه: اللهُ يقرئك السلام، وقُل: هذِه لقمةٌ بلقمَة)) أي: هذه اللقمة التي أخرجتها المرأة برحمتها لذلك السائل أخرجتها من فِيهَا فأعطتْهَا السائل بهذه اللقمة التي صارت في فمِ الذئب، وهو ولدها فرده الله تعالى إليها في صورة ابنها.

وروي أيضًا عنه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنه كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئبُ فذهب بابنِ إحداهُما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود؛ فقضى به للكبرى؛ فخرجتا به على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: أتُونِي بالسكينِ أشُقُّه بينهُمَا، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها فقضى به للصغرى)) وهذا متفق عليه.

ومدح النبي -عليه الصلاة والسلام- نساءَ قريش لشدة رحمتهن بالأولاد في طفولتهم وقد قال صلى الله عليه وآله: ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده)).

ولا شك أن سلوك سبيل الرحمة مع الأطفال يفضي إلى تشكيل وجدانهم بتلك المعاني السامية الراقية فيترجمها الأطفال سلوكًا عمليًا في حياتهم مما يشيع في الأمة مناخًا ملائمًا لحصول كل إنسان على حقه ونرى النبي -صلى الله عليه وسلم- في منهاج العملي يبين كيف وصلت به الرحمة مع أحفاده حتى في أوقات الصلاة.

فعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: ((خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في إحدى صلاتي العشي وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فوضعَه، ثم كبَّرَ للصلاة، فَصَلَّى فسجَدَ بين ظهري صلاتِهِ سجدةً أطالَهَا، قال أبي: فرفعتُ رأسي؛ فإذا الصبيُّ على ظَهْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجدٌ فرجعت إلى سجودِي؛ فلمَّا قَضَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاةَ، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدتَ بين ظهريْ صلاتك سجدة أطلْتَهَا حتى ظننا أنه قد حدث أمر، وأنه يُوحَى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابنيَ ارتحلني؛ فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)) أخرجه النسائي، والبيهقي، وابن أبي شيبة، والحاكم في (مستدركه) وصححه.

وعن أبي قتادة: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- كان يصلي وهو حاملٌ أمامةَ بنت زينب بنت رسول -صلى الله عليه وسلم- فإذا سجد وضعها، وإذا قَامَ حَمَلَهَا)) وتظهر رحمةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في تخفيفِهِ صلاةَ الجماعة على المسلمين؛ إشفاقًا منه على الأم التي يبكي صغيرها؛ فعن أبي قتادة أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أني لأقومَ في الصلاةِ أريد أن أُطَوِّلَ فيهَا؛ فأسمعَ بكاءَ الصبي؛ فَأَتَجَوَّزُ في صلاتي؛ كراهيةَ أن أشقَّ على أُمِّهِ)).

وعن شريك بن عبد الله، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ((ما صليت وراءَ إمامٍ قطُّ أخفُّ صلاةً وَلَا أَتَمَّ من النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان ليسمع بكاءَ الصبيِّ فيخفف مخافة أن تفتن أمه)) أخرجه البخاري وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أطالَتَهَا؛ فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ؛ فأتجَوز في صلاتي مما أعلمه من شدةِ وجدِ أمه من بكائه)).

وتظهر رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالأطفال في مداعبتهم، ومسح رؤوسهم، والدعاء لهم، والتلطف معهم؛ فكان -عليه الصلاة والسلام- يزور الأنصار؛ فَيُسَلِّمُ على صبيانهم، ويمسحُ على رءوسهم، ويدعو لهم.

وعن جابر بن سمرة، قال: ((صَلَّيِتُ مع رسولِ -صلى الله عليه وسلم- الصلاة الأولى –يعني الظهر- ثم خرج إلى أهلِهِ، وخرجتُ مَعَهُ، فاستقبله وِلْدَان؛ فجعل يمسح خديْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي)) أخرجه مسلم.

وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- كما يروي أنس بن مالك: أرحم الناس بالعيال، وكان له ابنٌ مسترضع في ناحيةِ المدينة، وكان ظئره قينًا، وكنا نأتيه، وقد د خن البيت بإذخر فيقبله ويشمه -صلى الله عليه وسلم.


ومن مظاهر رحمته: أنه كان يقبل أحفاده فهذا أبو هريرة يروي ((أن الأقرع بن حابس أبصرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبلُ الحسن فقال: إن لي عشرة من الولدِ ما قبَّلْتُ واحدًا منهم، فقال -عليه الصلاة والسلام: إنه من لا يَرْحَمُ لَا يُرْحَم)) وهناك نماذج أخرى كثيرة من صورِ رحمةِ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- للأولاد.

فمن ذلك: أنه جاءت أم أيمن -رضي الله عنها- فقالت: يا رسول الله، ضل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- قال: وذاك رأدَ النهار –أي: انبساط شمسه- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((قوموا فاطلبوا ابني وأخذ كلُّ رجلٍ وجهة، وأخذت نحو النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يزل حتى أتى سفحَ جبلٍ، وإذا الحسن والحسين ملتزقٌ كلُّ واحد منهما صاحبه، وإذا شجاع قائم على على ذنبه، يخرج من فِيهِ شررُ النار أي: مثل شرر النار فأسرع إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالتفت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم انساب، فدخل في بعضِ الأحجار، ثم أتاهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففَرَّقَ بينهمَا، ثم مَسَحَ وجوههما، وقال: بأبي وأمي أنتما، ما أكرمكا على الله، ثم حمل أحدهما على عاتقِهِ الأيمن، والآخر على عاتقه الأيسر، فقلت-أي أم أيمن: طوبى لكما، نعم المطيةُ مطيتكما، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونعم الراكبان هما، وأبوهُمَا خيرٌ منهُمَا)) أخرجه الطبراني والهيثمي بسندٍ ضعيف.

وعن بريرة -رضي الله عنها- قالت: ((كان النبي يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين -عليهما رضوان الله تعالى- وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران؛ فنزل -صلى الله عليه وسلم- عن المنبر فحملَهُمَا ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله: ((إنَّمَا أَمْوَالُكُم وَأَوْلَادُكُم فَتْنَةٌ)) نظرتُ إلى هذينِ الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبرْ حتَّى قطعت حديثي ورفعتهما)) أخرجه الترمذي.

ومن رحمته -صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان يَمُرُّ على الصبيِّ يسأله عن الطير الذي كان معه، فيقول: ((يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟)).


– الحق السادس عشر: حق الطفل في اللعب والاستمتاع بوقت فراغه، وفي رعايته صحيًّا:
لقد دعا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الآباء إلى مشاركة الأطفال في اللعب بما يتناسب مع سن الطفل وليس بما يتناسب مع سن الأب لأنه قال: ((فليتصابى له)) أي: فليصر صبيًّا مثله؛ بحيث يحق المشاركة الوجدانية المطلوبةَ مع مستوى ذلك الطفل.

فعن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان له صبيٌّ فليتصَابَى له)) وهذا أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) وعزاه في (كنز العمال) لابن عساكر عن معاوية.

وضرَبَ لنا -صلى الله عليه وآله وسلم- مثلًا أعْلَى في كيفيةِ اللعب مع الأبناء حين اقتطع من وقته ليشارك حفيديه الحسن والحسين اللعب فيما يحبونه، وليس فيما يحبه هو.

عن جابر قال ((دخلتُ على النبي -صلى الله عليه وآله- وهو يمشي على أربعةٍ وعلى ظهرِهِ الحسن والحسين، وهو يقول: نعم الجَمَلُ جملكُمَا، ونعم العدلان أنتما)) أخرجه الطبراني في (الكبير).

ولقد رأينا القرآن الكريم يقرر هذا الحق بأبلغِ عبارةٍ كما في قوله تعالى: ((أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) (يوسف: 12).

ورأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول لمن يقابله من الأطفال ((يا غلامُ اذهب العَبْ)) وهذا أخرجه أحمد في (مسنده).

وكان الصحابة يقتدون بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فكان عروة بن الزبير يقول لولده: “يا بَنِيَّ ألعبوا؛ فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب”.

وعن مغيرة بن إبراهيم قال: كان أصحابنا يرخِّصُون لنا في اللِّعَب كلها أي للصبيان. قال أبو عقبة: مررت مع ابن عمر بالطريق؛ فمر بغِلْمَةٍ يلعبون؛ فأخرج درهمين فأعطاهم تشجيعًا لهم على نشاطهم في اللعب” وهذا أخرجه البخاري في “الأدب المفرد”.

الحق السابع عشر حق الطفل في رعايته صحيًّا:
لا شك أن الطفل وهو كائنٌ ضعيفٌ يستحقُّ أقْصَى عنايةً، وأعلى رعايةً في أن يتلَقَّى العلاجَ إذا مرض، وأن يُوقَى شرَّ المرض.

والإسلام يولى الرعاية الصحية للإنسان عناية بشكلٍ عام، وللأطفال -كما قلنا- بشكلٍ خاصٍّ، ورأينا قواعدَ طبيةً مبثوثةً في الحياةِ النبوية، وفيما يعرف بعلم الطب النبوي؛ فقد رأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يأمر بالنظافة، وتنظيم التغذية، ويرتب شأن التداوي، ويُعَلِّمُ الأمة الحجر الصحي، ويحث على الرياضة، وكل ذلك من العبادةِ التي أَمَرَ بها الشارع الحكيم.

ورأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يصفُ الأدوية، وينبه إليها، فتارة يصف التلبينة، وتارة يصف القُسْطَ الهندي، وتارة يأمر بالماء، وتارةً ينبه على أسباب الأدواء، وتارة يرقي، وتارة يدل بعضهم على ما يكون به الوقاية من المرض حتى علمهم ذلك كله -صلى الله عليه وآله وسلم.

فعن الجعيد بن عبد الرحمن قال: رأيت السائب بن يزيد، وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة، وكان جَلْدًا معتدلًا، فقال: قد علمتُ ما مُتِّعْتُ به من سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ذهبت بي خالتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن ابن أختي شاكٍ؛ فادعوا الله له فدعا لي)).

وقال محمد بن حاطب: ((لما قدمنا من أرض الحبشة خرجت بي أمي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، هذا ابن أخيك حاطب، وقد أصابه هذا الحرق من النار، فلا أكذبُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أدري نفثَ أو بَزَقَ، وما أدري في أيِّ يدٍ كان ذلك الحرق؛ فمسح على رأسِهِ؛ ودعا لي بالبركة، وفي ذريتي)).

وفي رواية أخرى: ((أن أمَّه قالت: أقبلتُ بك من أرض الحبشة حتى إذا كنتَ من المدينة على ليلةٍ أو ليتلين، طبخت لك طبيخًا؛ ففني الحطب فذهبت أطلبه، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعيك، فقدمْتُ بك المدينة فأتيت بك النبي -صلى الله عليه وآله- فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سُمِّيَ بك؛ فتفل النبي -صلى الله عليه وسلم- في فِيك ومسح على رأسِكَ، ودعا لَكَ بالبركةِ، وجَعَلَ يَتْفُل على يديك، ويقول: “اذهب البأسَ ربَّ الناس، واشفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاك، شفاءً لا يغادر سقمًا؛ فما قُمْتُ بك من عنده حتى برأت يدك)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده.

الحق الثامن عشر حق الطفل في عدم تكليفه ما لا يطيق:
وهو حق يتعلق برعايةِ الأحداث من الأعمال الشاقةِ، واستعمال الأطفال اليوم ظاهرةٌ مريعة في المجتمع حتى أنهم ليعملون في الشاقِّ من الأعمال الذي لا يليق بهم، ولا يصلح لِسِنِّهِم، وهذا ما نلاحظه من حديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي رأيناه فيه ينهى الصغار عن الدخول إلى الجهاد؛ لأنه من الأعمال الشاقة.

ورأينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يرد كثيرًا من الأطفال فعن البراء -رضي الله عنه- قال: ((عُرِضْتُ أنا، وابن عمر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ بدرٍ فاستصغرنا)) وفي لفظ: ((فردَّنَا يومَ بدرٍ، وشهدنا أحدًا)) النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يُعَلِّمُ الصغارَ الأعمالَ اليسيرةَ ليتعلموا الإيجابيةَ في حياتِهم.

فعن سعد بن أبي وقاصِ -رضي الله عنه- قال: ((ردَّ رسول الله -صلى الله عليه وآله- عميرَ بن أبي وقاص عن مخرجِهِ إلى بدرٍ، واستصغره، فبكَى عميرٌ فأجَازَهُ، قال سعد: فعقدتُ عليه حمَّالَةَ سيفِهِ، ولقد شهدت بدرًا، وما في وجهي إلا شعرة واحدة أمسحها بيدي)) يعني: أنه كان صغير السن.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((كان ابن عمتي حارثة انطلق مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يومَ بدرٍ، فانطلق غلامًا نظَّارًا ما انطلق لقتال؛ فأصابَهُ سهمٌ فقتله؛ فجاءت عمتي –أي: أمه- إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إن ابني حارثة إن يك في الجنةِ صبرتُ واحتسبت، وإلا فستَرَى ما أصنع، فقال: يا أم حارثة أنها جِنَانٌ كثيرة، وإن حارثة في الفردوس الأعلى)).

وهكذا فإن الرعاية الاجتماعية للطفل يجب أن تشمل الناحيتين المادية والمعنوية؛ فقد رأينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يتكفلُ بكسوةِ زيد بن ثابت يوم الخندق، وأرشد يحيى بن عتبة إلى كيفية القتال؛ رعايةً له وحفاظًا عليه وعن زيد بن ثابت، قال: ((أجازني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الخندق وكساني)) وعن يحيى بن عتبة بن عبد عن أبيه قال: ((دعَانِي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنا غلام حَدَث، فقال: ما اسمك؟ قلت: ابن عبد، قال: بل أنت عتبة بن عبد، وقال: أرني سيفك فَسَلَّهُ؛ فنظر إليه، فلما رآه رأى فيه رقَّةً وضعفًا، فقال: لا تضربَنَّ بهذا، ولكن اطْعَنُ به طعنًا)) أخرجه الطبراني في (الكبير) وابن عساكر في (تاريخه).

وقال -عليه الصلاة والسلام- يوم قريظة والنضير: ((من أدخل هذا الصحنَ سهمًا وجبت له الجنة، قال عتبة: فأدخلت فيه ثلاثةَ أسهم)) أخرجه ابن عساكر في (تاريخه)، وهذا حَثٌّ، وتشجيعٌ على العمل اليسير؛ ليكون تمرينًا للصغار على العمل الكبير، ورأينا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يحُّث فيقول: ((ارموا يا بَنِي إسماعيلَ؛ فإنَّ أبَاكُم كَانَ رَامِيًا، وأنا مع مِحْجن بن الأدرع، قالوا: من كنت معه غَلَب؟ قال: فارموا، وأنا معكم كلكم)) هكذا كان يوجه الهمم، ويُحَفِزُ الشباب في تعلم الرماية؛ للتدريب، والدفاع، والجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى.

وعند النسائي: أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((ارمُوا، من بلغ العدو بسهمٍ رفعه الله به درجة، فقال عبد الرحمن بن اللحام: وما الدرجة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- أما أنها ليست بعتبة أمك، ولكن بين الدرجتين مائة عام)) أخرجه النسائي، وابن أبي شيبة، وأحمد. وقال -عليه الصلاة والسلام: ((من رمى بسهمٍ في سبيل الله فقَصَّر، أو بَلَّغَ كان ذلك له نورًا يوم القيامة)) وبَيَّنَ لهم أيضًا أن هذا اللهو ينبغي أن يتَّجِهَ نحو النافع المفيد من الأعمال، فقال: ((إن الله ليدْخِل بالسهمِ الواحدِ ثلاثةً الجنة، صانِعُه يحتسب في صنعتِه الخير، والرامي به، والمُمِّدُّ به، ارموا، واركبوا، ولئن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبُوا كُلَّ ما يلهو به الرجل باطلٌ إلا رميُهُ بقوسِهِ، أو تأديبُهُ فرسَهُ، أو ملاعبتُهُ أهله؛ فإنهن من الحق، ومن عِلَم الرمي، ثم تركه فهي نعمةٌ كَفَرَهَا)) أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي.

وقال -صلى الله عليه وآله: ((كل شيء من لهوِ الدنيا باطل إلا ثلاثة انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك؛ فإنها من الحق انتضلوا واركبوا، وأن تنتضِلُوا أحبُّ إليَّ؛ إن الله ليدْخِل بالسهمِ الواحدِ ثلاثة الجنة صانِعُه يحتسب فيه الخير، والممد به، والرامي به)).

الحق التاسع عشر حق الطفل في أن يحفظ من الشيطان: والمتمعن في السنة ونهجها في تربية الأطفال تبهره تلك الدقة الرائعة في الحفاظ على الطفل من كيد الشيطان الرجيم؛ فقد رأينا النبي صلى الله عليه وآله يقول: ((إذا كان جنحَ الليلُ؛ فكُفُّوا صبيانَكُم؛ فإنَّ الشياطينَ تنتشرُ حينئذٍ؛ فإذا ذهبَ ساعةٌ من الليل فخَلُّوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله تعالى، وإن الشيطان ليفتح بابًا مغلقًا، وأوْكُوا قِرَبَكُم واذكروا اسم الله، وخَمِّرُوا آنيتَكُم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم)) أخرجه البخاري ومسلم.

ورأينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يحفظ الغلام من الشيطان في طعامه وشرابه فيقول: ((يا غلام سَمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)) وقال: ((إن الشيطان ليستحل الطعامَ الذي لم يذكرِ اسمُ اللهِ عليهِ)) وقال -صلى الله عليه وسلم- ((إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها؛ فَلْيُمِط مَا كَانَ بِهَا من أذىً وليأكلها، ولا يَدَعْهَا للشيطان، وليمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أيِّ طعامِهِ البركة)) أخرجه مسلم وقال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينِه، وليشرب بيمينِه، وليأخذ بيمينِه وليعطي بيمينِه؛ فإن الشيطان يأكل بشمالِهِ، ويشرب بشمالِه، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله)) أخرجه ابن ماجه وغيره.

((ورأى النبي -عليه الصلاة والسلام- رجلًا يأكل، ولم يُسَمِّ حتى إذا لم يبقَ من طعامِهِ إلا لقمة رفعها إلى فِيهِ، وقال: بسم الله أوله، وآخره فضحك النبي -صلى الله عليه وآله- وقال: ما زال الشيطانُ يأكلُ معك حتى إذا سمَّيتَ؛ فَمَا بقِيَ في بطنِهِ شيءٌ إلا قَاءَهُ)) وفي لفظ: ((حتى ذكرت اسم الله استقاءَ ما في بطنه)) رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وللطفل حق في أن يحفظ من الشيطان في أثناء نومه فقد قال صلى الله عليه وآله ((إذا نام أحدكم وفي يده ريح غَمْرٍ؛ فلم يغسل يده؛ فأصابه شيء فلا يلوم إلا نفسه)) وكان يأمر بقراءة آية الكرسي عند المنام؛ ليكون ذلك حفظًا وحرزًا من الشيطان.

وهكذا وجدنا الشريعة تحفظ للطفل حقوقًا نادرة انفردت بها الشريعة الإسلامية علاوة على أن جميع حقوق الطفل التي قد تتباهى بها بعض القوانين الحديثة أو المعاصرة قد سبق الإسلام فيها فانفرد بها بقصب السبق وتميز عن القوانين الوضعية بهذه القوانين الربانية والنبوية.  
error: النص محمي !!